Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ قوله تعالى: ((والله لا يهدي القوم الظالمين)) الآية سورة آل عِمْران على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل . أما قوله تعالى ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) ففيه سؤالان : السؤال الأول﴾ قال في أول الآية ( كيف يهدي الله قوماً) وقال في آخرها ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) وهذا تكرار. ( والجواب ) أن قوله ( كيف يهدي الله) مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) . السؤال الثاني ﴾ لم سمي الكافر ظالماً؟ . ( الجواب ) قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، فكان ظالماً لنفسه . ثم قال تعالى ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها ) والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بين أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة ، على سبيل التأبيد والخلود . واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان : السؤال الأول ﴾ لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه؟. قلنا : فيه وجوه ( الأول ) قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه (الثاني) أنه فى الآخرة يلعن بعضهم بعضا قال تعالى ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) وقال ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار ( والثالث ) كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال ( اجمعين) ( الرابع ) وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر، فاذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافرا ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك . السؤال الثاني﴾ قوله ( خالدين فيها) أي خالدين في اللعنة، فما خلود اللعنة ؟. ١٤٢ قوله تعالى: (( لا يخفف عنهم العذاب )) الآية سورة آل عمران إِنَّ الَّذِينَ كَفُرُواْ بَعْدَ إِيَتِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( قلنا : فيه وجهان ( الأول) أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء ( الثاني ) أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى ( من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزراً خالدين فيه ) ( الثالث ) قال ابن عباس قوله ( خالدين فيها ) أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله ( خالدين فيها ) نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى ( عليهم لعنة الله ) . ثم قال ( لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) معنى الانظار التأخير قال تعالى ( فنظرة إلى ميسرة ) فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه بالله . ثم قال ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك ) والمعنى إلا الذين تابوا منه ، ثم بين أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال ( وأصلحوا ) أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ، وذلك بأن يعلنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها . ثم قال ( فان الله غفور رحيم) وفيه وجهان ( الأول ) غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو ( الثاني ) غفور بازالة العقاب ، رحيم باعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ودخلت الفاء في قوله ( فان الله غفور رحيم) لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فان الله يغفر لهم . قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ﴾ وفي الآية مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فيما به يزداد الكفر، والضابط أن المرتديكون فاعلا للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة ، وقد يكون فاعلا للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً ٨ ١٤٣ قوله تعالى: ((ان الذين كفروا بعد)) الآية سورة آل عِمْران آخر، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوها ( الأول ) أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه ، ثم كفروا به عند المبعث ، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت ، ونقضهم ميثاقه ، وفتنتهم للمؤمنين ، وإنكارهم لكل معجزة تظهر ( الثاني ) أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً، بسبب إنكارهم محمداً عليه الصلاة والسلام والقرآن (والثالث ) أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة ، وازديادهم الكفر أنهم قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد ◌ّ ريب المنون ( الرابع ) المراد فرقة ارتدوا ، ثم عزموا على الرجوع إلى الاسلام على سبيل النفاق ، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفراً . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين ، وحكم في هذه الآية بعدم قبولها وهو يوم التناقض ، وأيضاً ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فانها تكون مقبولة لا محالة ، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى (لن تقبل توبتهم ) على وجوه ؛ ( الأول ) قال الحسن وقتادة وعطاء : السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والله تعالى يقول ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) ( الثاني ) أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص ( الثالث ) قال القاضي والقفال وابن الأنباري : أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وبين أنه أهل اللعنة ، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فان التوبة الأولى تصير غير مقبولة وتصير كأنها لم تكن ، قال وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير : إلا الذين تابوا وأصلحوا فان الله غفور رحيم ، فان كانوا كذلك ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ، ( الرابع ) قال صاحب الكشاف : قوله ( لن تقبل توبتهم ) جعل كناية عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر ، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم ( الخامس ) لعل المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فان التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم يحصل التوبة عن الأصل ، وأقول : جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ) على المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونه بالإخلاص في زمان التكليف، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الإستغراق . الفخر الرازي ج ٨ م ١٠ ١٤٤ قوله تعالى: (( ان الذين كفروا )) الآية سورة آل عمران إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلُْ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ فْتَدَى. بِهِةَ أُوْلَبِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ وَمَا لَهُم مِّنْ نِصِينَ ﴾ أما قوله ( وأولئك هم الضالون ) ففيه سؤالان ( الأول ) ( وأولئك هم الضالون ) ينفي كون غيرهم ضالا ، وليس الأمر كذلك فان كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً في الأصل ( والجواب ) هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال . ﴿ السؤال الثاني﴾ وصفهم أولا بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة ، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى حالا منه لا بما هو أضعف حالا منه ( والجواب ) قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال ، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة . قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ . أعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام ( أحدهما ) الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله ( إلا الذين تابوا وأصلحوا فان الله غفور رحيم ) ( وثانيهما ) الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال : إنه لن تقبل توبته ( وثالثهما ) الذي يموت على الكفر من غير توبة البتة وهو المذكور في هذه الآية ، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع . ﴿ النوع الأول﴾ قوله (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ) قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب (ذهباً) على التفسير ، ومعنى التفسير : أن يكون الكلام تاما إلا أنه يكون مبهما كقوله : عندي عشرون ، فالعدد معلوم ، والمعدود مبهم ، فاذا قلت : درهما فسرت العدد ، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه ، ولم تبين في ماذا ، فاذا قلت وجها أو فعلا فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب الكشاف: وقرأ الأعمش (ذهب ) بالرفع رداً على ملء كما يقال : عندي عشرون نفساً رجال . ١٤٥ سورة آل عمران قوله تعالى: (( ان الذين كفروا)) الآية وههنا ثلاثة أسئلة : السؤال الأول﴾ لم قيل في الآية المتقدمة (لن تقبل) بغير فاء وفي هذه الآية ( فلن يقبل ) بالفاء ؟ . ( الجواب ) أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء ، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطاً وجزاء ، تقول : الذي جاءني له درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء ، وإذا قلت : الذي جاءني فله درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر . ﴿ السؤال الثاني ﴾ ما فائدة الواو في قوله ( ولو افتدى به ) ؟. ( الجواب ) ذكروا فيه وجوها ( الأول) قال الزجاج : إنها للعطف، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه ، وهذا اختيار ابن الأنباري قال : وهذا أوكد في التغليظ لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه ( الثاني) ( الواو ) دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً) يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة الفدية ( الثالث ) وهو وجه خطر ببالي ، وهو أن من غضب على بعض عبيده ، فاذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها البتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية ، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضاً كان ذلك غاية الغضب ، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية ، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهباً ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيها على أنه لما لم يكن مقبولا بهذا الطريق ، فبأن لا يكون مقبولا منه بسائر الطرق أولى . السؤال الثالث ﴾ أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيرا ولا قطميرا ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب البتة في الدار الآخرة ، فما فائدة قوله ( لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ) . ( الجواب ) فيه وجهان ( أحدهما ) أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهباً لن يقبل الله تعالى ذلك منهم ، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة ( والثاني ) أن الكلام وقع على سبيل الفرض ، والتقدير : فالذهب كناية عن أعز الأشياء ، والتقدير : لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله ، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص ١٤٦ قوله تعالى: (( لن تنالوا البر حتى تنفقوا)) الآية سورة آل عمران لَنْ تَنَالُواْ الْبَّحَتَّى تُتْفِقُواْ مَِّا تُحِبُونَ وَمَا تُفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّبِهِ، عَلِيمٌ النفس من العقاب . ﴿ النوع الثاني﴾ من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله (ولهم عذاب أليم) وأعلم أنه تعالى لما بين أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب ، أردفه بصفة ذلك العذاب ، فقال ( ولهم عذاب أليم ) أي مؤلم . النوع الثالث ﴾ من الوعيد قوله (وما لهم من ناصرين) والمعنى أنه تعالى لما بين أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية ، بين أيضاً أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة ، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق لا ينفع الكافر البتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة ، فقال ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وبين في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار ، ثم قال في آية أخرى ( إن الأبرار لفى نعيم ) وقال أيضاً ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً) وقال أيضاً (إن الأبرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) وقال ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر ، وفيه لطيفة أخرى . وهي أنه تعالى قال ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ) إلى آخر الآية ، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير، وسماة البر ثم قال في هذه الآية ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فانكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات ، وههنا بحث وهو : أن لقائل أن يقول كلمة (حتى) لانتهاء الغاية ، فقوله ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) يقتضي أن من أنفق مما أحب فقدنال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار، فهذا ١٤٧٠ سورة آل عِمْران قوله تعالى: ((لن تنالوا البر حتى)) الآية يقتضي أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات ، وهو باطل ، وجواب هذا الإشكال : أن الانسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة ، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر ، وأقر بانه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الانسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إلى أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام ((بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين )) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها في أقاربه ، وير وي أنه جعلها بین حسان بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهما ، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله ◌َ لل أسامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام ((إن الله قد قبلها)) واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) . ﴿ المسألة الثانية﴾ للمفسرين في تفسير البر قولان (أحدهما) ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله ( إن الأبرار لفى نعيم ) فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة ( والثاني ) الثواب والجنة فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بلانفاق على هذا الوجه . أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال ( البر) هو التقوى واحتج بقوله ( ولكن البر من آمن بالله ) إلى قوله ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وقال أبوذر: إن البر هو الخير، وهو قريب مما تقدم . وأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال (لن تنالوا البر ) أي لن تنالوا ثواب البر، ومنهم من قال : المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) إلى قول ( أن تبروهم ) . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف المفسرون في قوله ( مما تحبون) منهم من قال : إنه نفس المال ، قال تعالى ( وإنه لحب الخير لشديد) ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال ١٤٨ قوله تعالى: ((وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)) الآية سورة آل عِمْران تعالى ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) ومنهم من قال : ما يكون محتاجا إليه قال تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ) أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال عليه السلام ((أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر )) والأولى أن يقال: كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب . المسألة الرابعة ﴾ اختلف المفسرون ، في أن هذا الانفاق ، هل هو الزكاة أو غيرها؟ قال ابن عباس : أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فانه من الذين عنى الله سبحانه بقوله ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) حتى التمرة ، والقاضي اختار القول الأول ، وأحتج عليه بأن هذا الانفاق ، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق ، لم يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الانفاق الواجب ، وأقول : لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بايتاء الأحب ، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الاحب ، فانه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بايتاء المال على سبيل الندب . ﴿ المسألة الخامسة﴾ نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافى الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى المسألة السادسة﴾ قال بعضهم كلمة ( من ) في قوله ( مما تحبون ) للتبعيض ، وقرأ عبد الله ( حتى تنفقوا بعض ما تحبون ) وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وقال آخرون : إنها للتبيين . وأما قوله ﴿ وما تنفقوا من شيء فان الله به عليم ﴾ ففيه سؤال: وهو أن يقال : قيل فان الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال . ( والجواب ) من وجهين (الأول ) أن فيه معنى الجزاء تقديره : وما تنفقوا من شيء فان الله به يجازيكم قل أم كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه ، فجعل كونه عالما بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب ، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح ١٤٩ سورة آل عمران قوله تعالى : (( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل )) الآية كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ مِلَّا لِّبَنِيِّ إِسْرَِّيلَ إِلَّ مَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنُ قُلْ فَأْتُواْ بِلَّوْرَنِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (® ◌َمَنِ أَفْتَرَى عَلَى قُلْ صَدَقَ اللهُ قَاتَِّعُواْ اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلُونَ ٩٤ مِلَّةَ إِبرَاهِيمَ حَيْفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فـ ,( والثاني ) أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود ،أم الأخس الأرذل . واعلم أن نظير هذه الآية قوله ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) وقوله ( وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه ) قال صاحب الكشاف ( من ) في قوله ( من شيء ) لتبيين ما ينفقونه أي من شيء كان طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه فان الله به عليم يجازيكم على قدره . قوله تعالى ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ، قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ﴾ . أعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد وَّة ، وفي توجيه الالزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب . وأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فان ظاهر الآية يدل على أنه وله كان يدعى أن كل الطعام كان حلا ثم صار البعض حراما بعد أن كان حلا والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراما أبداً . وإذا عرفت هذا فنقول : الآية تحتمل وجوها ( الأول ) أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد على إنكار النسخ ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائیل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) فذاك الذي حرمه على نفسه ، کانحلالاً ثم صار حراما عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ ، فبطل قولكم : النسخ غير جائز، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، بل زعموا أن ذلك كان حراما من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا ١٥٠ قوله تعالى: (( كل الطعام كان حلا)) الآية سورة آل عمران الزمان ، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فان التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوة محمد ◌َّ ( أحدها ) أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ ، وهو لازم لا محيص عنه ( وثانيها ) أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة ، ويمتنعون عن الاقرار بما هو فيها أخرى (وثالثها) أن الرسول ◌َّه كان رجلا أمياً لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية وبيان النظم . ﴿ الوجه الثاني﴾ أن اليهود قالوا له: إنك تدعى أنك على ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبه طاعنة في صحة دعواه ، فأجاب النبي لة عن هذه الشبهة بأن قال : ذلك كان حلا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك ، فأمرهم الرسول عليه السلام باحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام . الوجه الثالث ﴾ أنه تعالى لما أنزل قوله ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) وقال أيضاً ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزء لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراما غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فشق ذلك على اليهود من وجهين ( أحدهما ) أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة ، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه ( والثاني ) أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال ، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً، فطالبهم النبي وَليه بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا ، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم ، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ . أما قوله ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف ( كل الطعام) أي كل المطعومات أو كل ١٥١ سورة آل عمران قوله تعالى: (( كل الطعام كان حلا )) الآية أنواع الطعام وأقول : اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا ؟ . ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده ، وأحتجوا عليه بوجوه ( أحدها) أنه تعالى أدخل لفظ ( كل ) على لفظ الطعام في هذه الآية ، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك ( وثانيها ) أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى ( إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ) ( وثالثها) أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع ، فقال ( والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد) فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب الكشاف ، أما من قال إن الإِسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم ، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب الكشاف . المسألة الثانية ﴾ الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل ، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة ، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه ، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه ، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة ، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء ( ومن لم يطعمه فانه منى ) وقال تعالى ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) وأراد الذبائح ، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما لنا طعام إلا الأسودان ، والمراد التمر والماء . إذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلا لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام ، وكذا القول في الخنزير، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعى اليهود في وقت الرسول * أنها كانت محرمة على إبراهيم، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للأستغراق، بل للعهد السابق، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أودما مسفوحا أو لحم خنزير ) فانه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الحل مصدر يقال: حل الشيء حلا كقولك: ذلت الدابة ذلا وعز الرجل عزاً، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى ( لاهن ١٥٢ قوله تعالى: (( إلا ما حرم اسرائيل على نفسه )) )الآية سورة آل عمران حل لهم ) والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل والحلال والمحلل واحد ، قال أبن عباس رضي الله عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان : ما حل ؟ فقال محلل . أما قوله تعالى ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه (الأول ) روى ابن عباس أن النبي ◌َ ◌ّ قال ((إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحم الإيل وأحب الشراب إليه ألبانها )) وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل (والثاني) قيل إنه كان به عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق (الثالث) جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة ، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النسا ، فجدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق . ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، وفيه سؤال: وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة . أجاب المفسرون عنه من وجوه ( الأول ) أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فان الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ، ويحرم جاريته بالعتق، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك (الثاني) إنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم، فقال بحرمته وإنما قلنا إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه ( الأول ) قوله تعالى ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولى الأبصار ( والثاني ) قال ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح ( والثالث ) قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) فلو كان ذلك الإذن بالنص ، لم يقل : لم أذنت ، فدل على أنه كان بالاجتهاد ( الرابع ) أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام ١٥٣ قوله تعالى: ((إلا ما حرم اسرائيل)) الآية سورة آل عِمْران فيها أعظم نصيب ولا شك أن استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة ، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الأجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فانه يحرم مخالفته والأظهر والأقوى أن إسرائيل صلوات الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال . الشافعي يحلل لحم الخيل وأبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا ههنا . ( الثالث) يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا ، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم . واعلم أن هذا لو کان فإنه كان مختصاً بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) ( الرابع ) قال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس وطلباً لمرضاة الله تعالى، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم ( الخامس ) قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده : احكم فانك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب ، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه . المسألة الثالثة ﴾ ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل ، وذلك لأنه تعالى قال ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل ) فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل والله أعلم . أما قوله تعالى ( من قبل أن تنزل التوراة ) فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه ، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعاً كثيرة ، روى أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعاً من أنواع الطعام ، أو سلط عليهم شيئاً لهلاك أو مضرة ، دليله قوله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) . ثم قال تعالى ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله وَّر، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجوداً من لدن آدم عليه ١٥٤ قوله تعالى: (( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها)) سورة آل عِمْران السلام إلى هذا الزمان. فكذبهم رسول الله له في ذلك، وإما لأن الرسول م # ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم ، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه ، فنازعوه في ذلك ، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا : لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام ام لا ؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بنص التوراة . ثم قال تعالى ( فمن افترى على الله الكذب ) الافتراء اختلاق الكذب ، والفرية الكذب والقذف ، وأصله من فرى الأديم ، وهو قطعه ، فقيل للكذب افتراء ، لأن الكاذب يقطع به في القول من غير تحقيق في الوجود . ثم قال ( من بعد ذلك ) أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ، ولم يكن محرماً ما قبله ( فأولئك هم الظالمون ) المستحقون لعذاب الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين . ثم قال تعالى ( قل صدق الله ) ويحتمل وجوهاً (أحدها) ( قل صدق) في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالا لهم ، فصح القول بالنسخ ، وبطلت شبهة اليهود ( وثانيها ) ( صدق الله ) في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه ، فثبت أن محمد أَّ لما أفتى يحل لحوم الإبل وألبانها، فقد أفتى بملة إبراهيم (وثالثها) (صدق الله) في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح أفعالهم . ثم قال تعالى ( فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً) أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات الله عليه من ملة إبراهيم ، وسواء قال : ملة إبراهيم حنيفاً ، أو قال : ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى . ثم قال ( وما كان من المشركين ) أي لم يدع مع الله إلهاً آخر ، ولا عبد سواه ، كما فعله ١٥٥ سورة آل عمران قوله تعالى: ( إن اول بيت وضع )) الآية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّذِى بِبَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَمِينَ (٤٦) فِهِ ءَايَتُ بَيْنَتُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخٌَ كَانَءَ امِنَّاً بعضهم من عبادة الشمس والقمر ، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان ، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن الله ، وكما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله ، والغرض منه بيان أن محمداً صلوات الله عليه على دين إبراهيم عليه السلام ، في الفروع والأصول . أما في الفروع ، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً ، وأما في الأصول فلأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد ، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وما كان إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إلا على هذا الدين . قوله تعالى ﴿ إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ﴾ في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه (الأول ) أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته ، وقالوا أن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة ، وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلا ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( إن أول بيت وضع للناس ) فبين تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف، فكان جعلها قبلة أولى ( والثاني ) أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا ؟ فإن النبي صل استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل، ثم أن الله تعالى حرم بعضها ، والقوم نازعوا رسول الله و ليس فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة ، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله خولت الكعبة ، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها ( الثالث ) أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ( فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج ، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت، ليفرع عليه إيجاب الحج ( الرابع ) أن اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم ، وقدسبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة . فإن الله تعالى بين كذبهم ، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون ، فيدل هذا على كذبهم في ذلك ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال المحققون (الأول ) هو الفرد السابق ، فاذا قال : أول عبد ١٥٦ قوله تعالى: (( إن اول بيت وضع )) الآية سورة آل عمران اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منهما لأن الأول هو الفرد ، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق ، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق . إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس ) لا يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى ، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض ، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس ، وكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس ، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعاً للناس ، وكون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس ، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات والعبادات وقبلة للخلق ، فدل قوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس ) على أن هذا البيت وضعه الله موضعاً للطاعات والخيرات والعبادات ، فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات ، وموضعاً للحج ، ومكاناً يزداد ثواب العبادات والطاعات فيه . فإن قيل : كونه أولا في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان ، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه ، ومعلوم أنه ليس كذلك . ( والجواب ) من وجهين (الأول ) أن لفظ (الأول) في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء ، سواء حصل عقيبه شيء آخر أولم يحصل ، يقال : هذا أول قدومي مكة ، وهذا أول مال أصبته ولو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق وإن لم يملك بعده عبداً آخر ، فكذا هنا ، ( والثاني ) أن المراد من قوله ( إن أول بيت وضع للناس ) أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات والعبادات، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس ، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج ، فهذا غير لازم والله أعلم . المسألة الثانية﴾ اعلم أن قوله (إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً) يحتمل أن يكون المراد كونه أولا في الوضع والبناء وأن یکون المراد کونه أولاً في كونه مباركاً وهدی فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان ( الأول ) أنه أول في البناء والوضع ، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال ( أحدها ) ما روی الواحدي رحمه الله تعالى في البسيط باسناده عن مجاهد أنه قال : خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين ، وفي رواية أخرى : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة ، وإن قواعده قوله تعالى: ((إن أول بيت وضع للناس)) الآية سورة آل عمران ١٥٧ لفي الأرض السابعة السفلى وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي وَلّ قال ((إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتا على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خلق آدم)) . وأيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبدالله بن عمر ، ومجاهد والسدي : أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء ، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته ، قال القفال فى تفسيره : روی حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام (( أنا الله ذوبكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر ، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء)) (وثانيها) أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة ، فأمره الله تعالى بناء الكعبة وطاف بها ، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام ، فلما أرسل الله تعالى الطوفان ، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة ، يتعبد عنده الملائكة ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه ، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة ، وبقي مختفياً إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت ، وأمره بعمارته ، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام . واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام . وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه ( الأول ) أن تكلیف الصلاة کان لازماً في دین جميع الأنبياء عليهم السلام ، بدليل قوله تعالى في سورة مريم ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملناه مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذ تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا) فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بد لها من قبلة ، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة (الثاني) أن الله تعالى سمى مكة أم القرى، وظاهرا هذا يقتضى أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة (الثالث) روى أن النبي ومسلم قال في خطبته يوم فتح مكة ((ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر)) وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة ( الرابع ) أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة ١٥٨ قوله تعالى: (( إن اول بيت وضع للناس )) الآية سورة آل عِمْران والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام . واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه (الأول) ما روي أن النبي ◌َّ قال ((اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة)) وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول : لا نبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام ( الثاني ) تمسكوا بقوله تعالى ( وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) ولقائل أن يقول : لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم ، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر الأخبار ( الثالث ) قال القاضي : إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد ، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة ، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء ألا نرى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف البتة، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام ، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن يقول : لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء ، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة ، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها ، فهذا جملة ما في هذا القول : القول الثاني ﴾ ان المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولا في كونه مباركا وهدى للخلق روى أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع للناس ، فقال عليه الصلاة والسلام ((المسجد الحرام ثم بيت المقدس)) فقيل كم بينهما؟ قال ((أربعون سنة)) وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له : أهو أول بيت ؟ قال : لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم . ثم هدم فبناه العمالقة ، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح ، ثم هدم فبناه قريش . واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه ، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة ، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس ، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف ، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود ، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء ، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً . المسألة الثالثة﴾ إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة فلنذكرههنا قوله تعالى: ((إن اول بيت وضع للناس)) الآية سورة آل ◌ِمْران ١٥٩ وجوه فضيلة البيت : الفضيلة الأولى﴾ اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام ، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام ، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس . واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت ، فقال ( وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع والسجود) والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام ، فلهذا قيل : ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة ، فالأمر هو الملك الجليل والمهندس هو جبريل ، والباني هو الخليل ، والتلميذ إسماعيل عليهم السلام . ﴿ الفضيلة الثانية﴾ (مقام إبراهيم) وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء ، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى ، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر . الفضيلة الثالثة ﴾ ملة ما يجتمع فيه من حصى الجمار ، فانه منذ آلاف سنة وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثيروليس الموضع الذي ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء . الفضيلة الرابعة ﴾ إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها . : الفضيلة الخامسة ) أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب والظباء ، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال ( رب اجعل هذا بلداً آمناً) وقال تعالى في صفة أمنه ( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ) وقال ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ولم ينقل البتة أن ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية . الفخر الرازي ج ٨ م ١١ ١٦٠ قوله تعالى: (( إن اول بيت )) الآية سورة آل عمران الفضيلة السادسة﴾ أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لماقاد الجيوش والفيل إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة ، وكانت صغاراً تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر ، وهذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وإرهاص لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا یعرفه أحد فإن الأمر فی ترکیب الطلسمات مشهور . قلنا : لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة ، ومثل هذا يكون من المعجزات ، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء . الفضيلة السابعة﴾ إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع، والحكمة من وجوه (أحدها ) إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله ( وثانيها ) أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة فانهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع ، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا (وثالثها) أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط (ورابعها) أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا ، فكأنه قال : جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين ، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين ، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة دار الأمن (وخامسها ) كأنه قال : لما لم اجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا ، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة ، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب ، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود : إن بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم . ثم قال تعالى ( للذي ببكة ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ لا شك أن المراد من (بكة) هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال: بكة ومكة اسمان لمسمى واحد ، فان الباء والميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال : هذه ضربة لازم ، وضربة لازب ، ويقال : هذا دائم ودائب ، ويقال : راتب وراتم، ويقال : سمد رأسه ، وسبده ، وفي اشتقاق بكة وجهان ( الأول ) أنه