Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى: ((أن الله اصطفى آدم ونوحاً)) الآية سورة آلْ عِمْران إِنَّ اللََّ أَصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبَهِيَمَ وَءَالَ عِزَانَ عَلَى الْغَلِينَ (#) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِ وَاللّهُسَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ ( الثالث ) لهذا السبب سمواروحانيين ، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور ، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول : أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السماوات ، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى ( وكان من الكافرين ) وأما سائر الشياطين فهم أيضاً كفرة بدليل قوله تعالى ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشرقال تعالى ( ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ) وقال ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) وقال ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن ، قال تعالى ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً ) وأما الإنس فلاشك أن لهم والداً هو والدهم الأول ، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دل على أن ذلك الأول هو آدم ◌َ له على ما قال تعالى في هذه السورة (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) وقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) . إذا عرفت هذا فنقول : اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين ، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى ( اسجدوا لآدم فسجدوا) والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة ، فلما بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين . فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال ، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض ، فوجب حمله على هذا المعنى دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى في صفة بني إسرائيل (وإني فضلتكم على العالمين ) ولا ٢٢ قوله تعالى: (( أن الله اصطفى آدم ونوحاً)) الآية سورة آل عمران يلزم كونهم أفضل من محمد ◌ّ بل قلنا. المراد به عالمو زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله : اصطفى آدم على العالمين ، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك ، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل . المسألة الثانية﴾ ( اصطفى) في اللغة اختار، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ) وقال في إبراهيم ( وإسحق ويعقوب وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) . إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان ( الأول ) المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف ( والثاني ) أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالحصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين ( أحدهما ) أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار (والثاني ) أنه موافق لقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته) وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة . أما المدركة ﴾ فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة (أحدها) القوة الباصرة، ولقد كان الرسول وسلّ مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان (الأول) قوله : ﴿ ((زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها)) (والثاني) قوله ((أقيموا صفوفكم وتراصوا فأنى أراكم من وراء ظهري)) ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم ◌َّ وهو قوله تعالى (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي ولا أقوى من بصرها (وثانيها) القوة السامعة، وكان هو أقوى الناس في هذه القوة، ويدل عليه وجهان (أحدهما) قوله وال ((أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى)) فسمع أطيط السماء ( والثاني ) أنه سمع دوياً وذكر أنه هوى صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيتاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل ( قالت قوله تعالى: ((أن الله اصطفى آدم ونوحاً)) الآية سورة آل عِمْران ٢٣ نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم، وكان ذلك حاصلاً لمحمد ◌َّ حين تكلم مع الذئب ومع البعير ( وثالثها ) تقوية قوة الشم ، كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصاً إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب ( إني لأجد ريح يوسف) فأحس بها من مسيرة أيام (ورابعها) تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا قلات حين قال ((إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم) (وخامسها ) تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار برداً وسلاماً عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ، قال تعالى ( سنقرئك فلا تنسى ) ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام ((علمني رسول الله تض ليل ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب)) فإذا كان حال الولي هكذا، فكيف حال النبي ◌َّر. وأما القوى المحركة﴾ فمثل عروج النبي ◌َّ إلى المعراج، وعروج عيسى حياً إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال الله تعالى ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) . وأما القوى الروحانية العقلية ﴾ فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء . واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة والمدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء . إذا عرفت هذا فقوله ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً ) معناه : إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام، هم شيث وأولاده، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسمعيل وإسحق ، فجعل إسمعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد ◌َّة، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو، فوضع النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو، واستمر ذلك إلى زمان محمد ◌ّار ، فلما ظهر محمد ٢٤ قوله تعالى: ((أن الله اصطفى آدم ونوحاً)) الآية سورة آل عِمْران وَلا نقل نور النبوة ونور الملك إلى محمد ◌َّله، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة . المسألة الثالثة﴾ من الناس من قال. المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله ( أدخلوا آل فرعون) والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى ( إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران والد موسى وهرون ، وهو عمران بن یصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهرون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وکان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا . وبين العمرانيين ألف وثمانمائة سنة ، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور ( أحدها ) أن المذکور عقیب قوله ( وآل عمران على العالمين ) هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم، فكان صرف الكلام إليه أولى ( وثانيها ) أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراماً من الله تعالى إياه بها ، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهرون (وثالثها) أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى ( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم . أما قوله تعالى ( ذرية بعضها من بعض ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ في نصب قوله ( ذرية) وجهان (الأول) أنه بدل من آل إبراهيم ( والثاني ) أن يكون نصباً على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض . ﴿ المسألة الثانية﴾ في تأويل الآية وجوه ( الأول) ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإِخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق ( والثاني ) ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم . أما قوله تعالى ( والله سميع عليم ) فقال القفال : المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفى من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً ، ونظيره قوله ٢٥ قوله تعالى: ((أذ قالت امرأة عمران)) الآية سورة آل عِمْران إِذْ قَالَتِ أمْرَأْتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطَنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴿ فَلَّا وَضَعَتَهَا قَالَتْ رَبِّ إِىِ وَضَعْتُهَا أَنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَلأُنْثَى وَ إِى سَمْتُهَا مَرْيَ وَ إِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِ بَّهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنَّا وَكَفَّلَهَا ذَكَرِيًّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّ الْمِسْرَبَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَدْمَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذٌّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَّآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) وقوله ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطبيب قلوب العوام بقي مصراً عليه ، فالله تعالى كأنه يقول : والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم . واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصاً كثيرة : القصة الأولى واقعة حنة أم مريم عليهما السلام قوله تعالى ﴿ إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ٢٦ قوله تعالى: ((أذ قالت امرأة عمران)) الآية سورة آل عِمْران كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ، فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وکفلها زکریا کلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ في موضع (إذ) من الإعراب أقوال ( الأول ) قال أبو عبيدة : إنها زائدة لغواً، والمعنى : قالت امرأة عمران ، ولا موضع لها من الإعراب ، قال الزجاج : لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً ، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى ، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة ( والثاني ) قال الأخفش والمبرد : التقدير ( اذكر إذ قالت امرأة عمران ) ومثله في كتاب الله تعالى كثير ( الثالث ) قال الزجاج ، التقدير : واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران ، وطعن ابن الأنباري فيه وقال : إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح ، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال : إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده ، وظهور طاعاته ، فجاز أن يقال: إن الله اصطفى آدم عند وجوده ، ونوحاً عند وجوده ، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام ( الرابع ) قال بعضهم : هذا متعلق بما قبله ، والتقدير : والله سميع عليم إذا قالت امرأة عمران هذا القول . فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد ؟ قلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات . المسألة الثانية ﴾ أن زكريا بن اذن ، وعمران بن ماثان ، كانا في عصر واحد ، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم ، وكان يحبى وعيسى عليهما السلام ابني خالة ، ثم في كيفية هذا النذر روايات : ٢٧ قوله تعالى: ((أذ قالت امرأة عمران)) الآية سورة آل عمران الرواية الأولى﴾ قال عكرمة. إنها كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد ، ثم قالت : اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته . والرواية الثانية ﴾ قال محمد بن إسحق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت ، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت جعلته لله محرراً، أي خادماً للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسی فقذفته في اليم وليس بوحي . المسألة الثالثة ﴾ المحرر الذي يجعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه بغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق ، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادماً للبيعة ، وقيل : عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل : خادماً لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أر الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الإنتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس . ﴿ المسألة الرابعة﴾ هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيها من الحيض والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر . المسألة الخامسة﴾ في انتصاب قوله (محرراً) وجهان (الأول) أنه نصب على الحال من ( ما) وتقديره : نذرت لك الذي في بطني محرراً ( والثاني) وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً . ٤ ٢٨ قوله تعالى: ((أذ قالت امرأة عمران)) الآية سورة آل عِمْران ثم قال الله تعالى حاكياً عنها ( فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) التقبل : أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإِخلاص في عبادته ، ثم قالت ( إنك أنت السميع العليم ) والمعنى : أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي . واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام ، قال تعالى ( فلما وضعتها ) واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال : إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال : عادت إلى المنذورة . ثم قال تعالى ( قالت رب إني وضعتها أنثى) واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذکر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت ( رب إني وضعتها أنثى ) خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الإعتذار . ثم قال الله تعالى ( والله أعلم بما وضعت ) قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ( وضعت ) برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها ، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت ( إني وضعتها أنثى ) خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى ، فأزالت الشبهة بقولها (والله أعلم بما وضعت ) وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للإعلام، والباقون بالجزم على أنه كلام الله ، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال : والله أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها ، وتجهيلاً لها بقدر ذلك الولد ، ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت ، وفي قراءة ابن عباس ( والله أعلم بما وضعت ) على خطاب الله لها ، أي : أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات . ثم قال تعالى حكاية عنها ( وليس الذكر كالأنثى ) وفيه قولان ( الأول ) أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى ، وسبب هذا التفضيل من وجوه ( أحدها ) أن شرعهم أنه لا ٢٩ قوله تعالى: ((وإني سميتها مريم)) الآية سورة آل عمران يجوز تحرير الذكور دون الإناث (والثاني ) أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان (والثالث ) الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة ( والرابع ) أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى (والخامس ) أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى . والقول الثاني ﴾ أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى ، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله ، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه . ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً وهو قولها ( وإني سميتها مريم ) وفيه أبحاث : بن ما نان البحث الأول﴾ أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم ، فلذلك تولت الأم تسميتها ، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء . البحث الثاني ﴾ أن مريم في لغتهم : العابدة ، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا ، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) . البحث الثالث ﴾ أن قوله (وإني سميتها مريم) معناه: وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها ، وهذا يدل على أن الإِسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة . ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم ، وأن يجعلها من الصالحات القانتات ، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب . ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال ( فتقبلها ربها بقبول ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ إنما قال ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ولم يقل : فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى ( والله أنبتكم من الأرض نباتاً) أي إنباتاً ، والقبول مصدر قولهم : قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه ، قال سيبوية : خمسة مصادر جاءت على ٣٠ قوله تعالى: ((فتقبلها ربها بقبول حسن)) الآية سورة آل عِمْران فعول : قَبول وطَهور وَوَضوء وَوَقود وَوَلوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدراً الضم ، وأجاز الفراء والزجاج : قبولاً بالضم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال : قبلته قبولاً وقبولاً ، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة ، فكذا ههنا التقبل يفيد المبالغة فى إظهار القبول . فإن قيل : فلم لم يقل : فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل ؟ ( والجواب ) أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع ، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة ، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع ، بل على وفق الطبع ، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى ، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها ، وهذا الوجه مناسب معقول . المسألة الثانية ﴾ ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول﴾ أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي وسلم قال ((ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها )) ثم قال أبو هريرة : اقرؤا إن شئتم ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ) طعن القاضي في هذا الخبر وقال : إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده ، وإنما قلنا : إنه على خلاف الدليل لوجوه ( أحدها ) أن الشيطان إنما يدعو إلى الشرمن يعرف الخير والشر والصبي وليس كذلك ( والثاني ) أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم ( والثالث ) لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام ( الرابع ) أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء ، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه ، واعلم أن هذه الوجوه محتملة ، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم . الوجه الثاني ﴾ في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن ، ما روى أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، وقالت : خذوا هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم ، وكانت بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى تفترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه ٣١ سورة آل عمران قوله تعالى: ((وأنبتها نباتاً حسناً)) الآية أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع علمه فهو الراجح ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا . الوجه الثالث ﴾ روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مریم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط، وإنّ رزقها كان يأتيها من الجنة . ﴿ الوجه الرابع﴾ في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد ، وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد ، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن . ثم قال الله تعالى (وأنبتها نباتاً حسناً ) قال ابن الأنباري : التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا ، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين ، أما الأول فقالوا : المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد ، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة . ثم قال الله تعالى ( وكفلها زكريا ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ يقال: كفل يكفل كفالة وكفلا فهو كافل ، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي الحديث ((أنا وكافل اليتيم كهاتين)) وقال الله تعالى ( اكفلنيها ) . المسألة الثانية ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وكفلها) بالتشديد ، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ (زكريا) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب ولباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه ، وهو الإختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى ( أيهم يكفل مريم ) وعليه ضمنها زكرياء إلى نفسه ، وهو الإختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى ( أيهم يكفل مريم) وعليه الأكثر، وعن ابن كثير في رواية ( كَفِلها) بكسر الفاء ، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا، وقرأ مجاهد ( فَتَقَبَّلْهَا رَبَّهَا، وأَنْبْتُها، وكَفُلْها) على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب (ربها ) كأنها كانت تدعو الله فقالت : أقبلها یا ربها ، وأنبتها يا ربها ، وأجعل زكريا كافلا لها : الفخر الرازي ج ٨ م ٣ ٣٢ قوله تعالى: ((كلما دخل عليها زكريا المحراب)) الآية سورة آل عمران المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، فقال الأكثرون : كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم : بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، وأحتجوا عليه بوجهين ( الأول ) أنه تعالى قال ( وأنبتها نباتاً حسناً) ثم قال ( وكفلها زكريا ) وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن ( والثاني ) انه تعالى قال : ( وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أني لك هذا قالت هو من عند الله) وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أاجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل الأنبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معا . وأما الحجة الثانية ﴾ فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة . ثم قال الله ( كلما دخل عليها زكريا بالمحراب وجد عندها رزقا) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ (المحراب) الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة : ربة محراب إذا جئتها لم أدن حتى أرتقى سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى (إذ تسورواالمحراب) والتسور لا يكون إلا من علو، وقيل : المحراب أشرف المجالس وأرفعها ، يروي أنها لما صارت شابة بني زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه بسلم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم : أني لك هذا؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقا للعادة ، أو لا يكون ، فان قلنا : إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه ( الأول ) أن على هذا التقدير لا یکون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلا على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى ( والثاني ) أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) والقرآن دل على أنه كان آيسا من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله ( هنالك دعا زكريا ربه ) أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقا للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر ( الثالث ) أن التنكر في قوله ( وجد عندها رزقا ) يدل قوله تعالى: (( كلما دخل عليها زكريا المحراب)) الآية سورة آل عِمْران ٣٣ على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل : رزقا، أي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة ( الرابع ) هو أنه تعالى قال ( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق ، وإلا لم يصح ذلك . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر ؟ قلنا : ليس هذا بآية ، بل يحتاج تصحيحه إلى آية ، فكيف نحمل الآية على ذلك ، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها ، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على یدها کما ظهرت علی ید ولدها عیسی علیه السلام ( الخامس ) ما تواترت الروايات به أن زکریا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء ، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلا خارقا للعادة ، فنقول : إما أن يقال : إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك ، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام ، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالما بحاله وشأنه ، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم ( أنى لك هذا) وأيضاً فقوله تعالى ( هنالك دعا زكريا ربه) مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم أنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا باخبار مريم ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال : إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام ، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء . اعترض أبو علي الجبائي وقال : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام ، وبيانه من وجهين ( الأول ) أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً، وأنه ربما كان غافلا عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى ، فاذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها ( أنى لك هذا قالت هو من عند الله ) فعند ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة (والثاني ) يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقا معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره . المقام الثاني ﴾ أنا لا نسلم أنه کان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل ٣٤ قوله تعالى: ((انى لك هذا قالت هو من عند الله)) الآية سورة آل عِمْران معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقا على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في تفسيره وهو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذونا في ذلك الطلب كان عالما قطعاً بأنه يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضاً لقوله ( هنالك دعا زكريا ربه ) فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني . وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضاً فان كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق . أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلا على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم . والجواب من وجوه ( الأول) وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي ، فان ادعى صاحبه النبوة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه وليا ( والثاني ) قال بعضهم : الأنبياء مأمورون باظهارها ، والأولياء مأمورون باخفائها ( والثالث ) وهو أن النبي يدعى المعجز ويقطع به ، والولى لا يمكنه أن يقطع به ( والرابع ) أن المعجزة يجب أنفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق . ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى ، وقوله (بغير حساب ) أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله (ويرزقه من حيث لا يحتسب ) وههنا آخر الكلام في قصة حنة . ٣٥ قوله تعالى: ((هنالك دعا زكريا ربه)) الآية سورة آل عِمْران هُنَالِكَ دَمَا زَكَرِيًّا رَبُّ، قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَُّنْكَ ذُرِّيَّةٌ طَِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدَّعَءِ ٣٨ القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام قوله تعالى ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن قولنا: ثم، وهناك، وهنالك، يستعمل في المكان ، ولفظة : عند ، وحين يستعملان في الزمان ، قال تعالى ( فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ) وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه ، وقال تعالى : ( إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ) أي في ذلك المكان الضيق ، ثم قد يستعمل لفظة ( هنالك ) في الزمان أيضاً ، قال تعالى ( هنالك الولاية لله الحق ) فهذا إشارة إلى الحال والزمان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( هنالك دعا زکریا ربه ) إن حملناه علی المکان فهو جائز ، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام ، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه ، وإن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز، يعنى في ذلك الوقت دعا ربه . ﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أن قوله ( هنالك دعا) يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء، وقد اختلفوا فيه، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا : هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء ، ومن فاكهة الشتاء في الصيف، فلما رأى خوارق العادات عندها ، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضا فيرزقه الولد من الزوجة الشيخة العاقر . ﴿ والقول الثاني ) وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، وإرهاصات الأنبياء قالوا : إن زكريا عليه السلام لما رأى أثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك، واعلم أن القول الأول أولى، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات ، فرؤية ذلك لا يحمل ٣٦ قوله تعالى: (( هنالك دعا زكريا ربه)) الآية سورة آل عمران الإنسان على طلب ما يخرق العادة، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطعمه في أن يطلب أيضاً فعلا خارقا للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم ، والزوجة العاقر من خوارق العادات ، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى . فأن قيل : إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عند ما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام . فان قلنا : إنه كان عالما بقدرة الله على ذلك لم تكن مشاهدة تلك الأشياء سبباً لزيادة علمه بمقدرة الله تعالى ، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك ، فلا يبقى لقوله هنالك أثر . ( والجواب ) أنه كان قبل ذلك عالما بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالما به ، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولى ، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى ، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات . المسألة الثالثة﴾ إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن ، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة ، فحينئذ تصير مردودة ، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، هكذا قاله المتكلمون ، وعندي فيه بحث ، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقاً ، وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا يكون معصية ، ثم أنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، وذلك لا يكون نقصاناً بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون فان أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يحبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق . أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام ( هب لي من لدنك ذرية طيبة ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ أما الكلام في لفظة (لدن ) فسيأتي في سورة الكهف والفائدة في ذكره ههنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد فقدان تلك الأسباب كان المعنى : أريد منك إلهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من هذه الأسباب . المسألة الثانية﴾ الذرية النسل، وهو لفظ يقع على الواحد، والجمع ، والذكر ٣٧ قوله تعالى: ((فنادته الملائكة وهو قائم)) الآية سورة آل عِمْران فَنَةُ الْمَئِكَةُ وَهُوَ قَتْمٌ يُصَلِّ فِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِى مُصَدِّقًا بِكَةٍ قَالَ رَبٍ أَنَّى يَكُونُ لِ ثُمٌ وَقَدْ مِنَ اللهِ وَسَِّدًا وَحَصُورًا وَنِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ( بَلَغَنِىَ اَلْكِبُرُ وَامْرَأَنِى ◌َقِّرُ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَّآءُ. ٤٠ والأنثى ، والمراد منه ههنا : ولد واحد ، وهو مثل قوله ( فهب لي من لدنك وليا ) قال الفراء : وأنث ( طيبة ) لتأنيث الذرية في الظاهر ، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ وتارة على المعنى ، وهذا إنما نقوله في أسماء الأجناس ، أما في اسماء الأعلام فلا ، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة ، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص ، فاذا كان ذلك الشخص مذكرا لم يجز فيها إلا التذكير . المسألة الثالثة﴾ قوله تعالى (إنك سميع الدعاء ) ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم ، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه ، وهو كقول المصلين : سمع الله لمن حمده ، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين ، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) . قوله تعالى ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحي مصدقا بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ، قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وأمرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء) وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة، على التذكير والإمالة ، والباقون على التأنيث على اللفظ، وقيل : من ذكر فلأن الفعل قبل الأسم ، ومن أنت فلأن الفعل للملائكة ، وقرأ ابن عامر ( المحراب ) بالإِمالة ، والباقون بالتفخيم ، وفي قراءة ابن مسعود : فناداه جبريل . المسألة الثانية ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة، ولا شك أن هذاء في التشريف أعظم ، فان دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه . وحملنا هذا اللفظ على التأويل ، فانه يقال : فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل ٣٨ قوله تعالى: ((إن الله يبشرك بيحيى)) الآية جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن ( الذين قال لهم الناس ) وهم نعيم بن مسعود إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك . أما قوله ( وهو قائم يصلي في المحراب ) فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه . أما قوله ( أن الله يبشرك بيحي ) ففيه مسائل : و المسألة الأولى﴾ أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وفي قوله ( يبشرك بيحي) وجهان ( الأول ) أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحي وله ذرية عالية ، فاذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحي هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحي عليه السلام ( والثاني ) أن الله يبشرك بولد اسمه يحي . المسألة الثانية ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة ( إن ) بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك . المسألة الثالثة ﴾ قرأ حمزة والكسائي ( يبشرك ) بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون ( يبشرك) وقرىء أيضاً (يبشرك ) قال أبو زيد يقال : بشريبشر بشرا ، وبشر يبشر تبشيرا ، وأبشر يبشر ثلاث لغات . المسألة الرابعة﴾ قرأ حمزة والكسائي ( يجي ) بالإِمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحي فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحي ثلاثة أنواع : الصفة الأولى ﴾ قوله ( مصدقا بكلمة من الله ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي قوله ( مصدقا بكلمة من الله) نصب على الحال لأنه • نكرة ، ويجي معرفة. المسألة الثانية﴾ في المراد بكلمة (من الله) قولان (الأول) وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة . ٣٩ قوله تعالى: ((إن الله يبشرك بيحيى)) الآية سورة آل عِمْران والقول الثاني ﴾ وهو أختيار الجمهور: أن المراد من قوله (بكلمة من الله) هوعيسى عليه السلام ، قال السدى : لقيت أم عيسى أم يحي عليهما السلام ، وهذه حامل بيحي وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضا حبلى ، قالت أمرأة زكريا فاني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله ( مصدقا بكلمة من الله ) وقال ابن عباس : إن يحي كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر، وكان يجي أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ثم قتل يحي قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فان قيل : لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته) قلنا : فيه وجوه ( الأول ) أنه خلو بكلمة الله ، وهو قوله ( كن ) من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله ( كن ) وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر، لا جرم سمي : كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقاً، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهى شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة ( والثاني ) أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلما بالغاً مبلغا عظيما ، فسمى كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملا فيهما ( والثالث ) أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحا من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى الله القرآن روحا . فقال ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) ( والرابع ) أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله ، فلما جاء قيل : هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا : ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فاذا حدث ذلك الأمر قال : قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى ( وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ) وقال ( ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) ( الخامس ) أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم : كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال : أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلا في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل . الصفة الثانية ﴾ ليحي عليه السلام قوله (وسيداً) والمفسرون ذكروا فيه وجوها ( الأول) قال ابن عباس : السيد الحليم ، وقال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين ، رئيساً لهم ٤٠ قوله تعالى: ((إن الله يبشرك بيحيى )) الآية سورة آل عِمْران في الدين ، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع ، وقال مجاهد : الكريم على الله ، وقال ابن المسيب الفقيه العالم ، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب ، قال القاضي : السيد هو المتقدم المرجوع إليه ، فلما كان سيداً في الدين كان مرجوعا إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع . الصفة الثالثة ﴾ قوله (وحصوراً) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس، يقال حصر حصره يحصره حصرا وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه. والحصور الذر يكتم السر ويحبسه، والحصور الضيق البخيل، وأما المفسرون: فلهم قولان (أحدهما) أنه كان عاجزا عن إتيان النساء، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيما . والقول الثاني ﴾ وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضى قائماً ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلا عن أن يكون حصوراً ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل. المسألة الثانية ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل . ﴿ الصفة الرابعة﴾ قوله (ونبياً) واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين ( أحدهما ) قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين ( والثاني ) ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما