Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ قوله تعالى ((والذين من قبلهم)) سورة آل عمران ونظيره قوله تعالى ( يحبهم كحب الله ) أي كحبهم الله وقال ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك (والثالث ) قال القفال رحمه الله : يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد ◌ّ كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين ، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي ◌ّ على إيذاءء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم. ﴿ الوجه الثالث﴾ في تفسير الدأب والدؤب، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء ، وتقدير الآية ، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ، أي دؤبهم في النار كلؤب آل فرعون . والوجه الرابع ﴾ أن الدأب هو الاجتهاد، كما ذكرناه، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به ، فانه تعالى بين أن عذابهم حصل في غاية القرب ، وهو قوله تعالى ( أغرقوا فأدخلوا ناراً) وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) . الوجه الخامس﴾ أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلا في هذين الوجهين ، والمعنى : أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد ◌َل# في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغنى عنكم الأموال والأولاد . الوجه السادس ﴾ يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد ◌ّ وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ) كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بين أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل ، ثم يصيرون إلى دوام العذاب ، فسينزل بمن كذب بمحمد ◌ّ امران (أحدهما ) المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال ، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم ، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى . أما قوله تعالى ( والذين من قبلهم ) فالمعنى : والذين من قبلهم من مكذبي الرسل ، ٢٠٢ قوله تعالى (( قل للذين كفروا)) الآية سورة آل عِمْران قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. وقوله ( كذبوا بآياتنا ) المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء . ثم قال ( فأخذهم الله بذنوبهم ) وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير کالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص. ثم قال ( والله شديد العقاب ) وهو ظاهر. قوله تعالى ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي (سيغلبون ويحشرون ) بالياء فيهما ، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما ، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت ، فالمعنى : بلغهم أنهم سيغلبون ، ويدل على صحة الياء قوله تعالى ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) و( قل للمؤمنين يغضوا ) ولم يقل غضوا ، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة ، ويدل على حسن التاء قوله ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ) والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكى لهم والله أعلم. ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً (الأول) لما غزا رسول الله مَا﴾ قريشاً يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ﴿ الرواية الثانية﴾ أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض ، لا تعجلوا فلما كان يوم أحد ونكب أصحابه قالوا : ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ﴿والرواية الثالثة) أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم . المسألة الثالثة﴾ احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية، فقال: إن الله تعالى ٢٠٣ سورة آل عمران قوله تعالى (( قد كان لكم آية في فئتين )) الآية قَدْ كَانَ لَكُرْ ءَايَةٌ فِى فِشَتَيْنِ الْتَّقَا فِئَةٌ تُقَدِلُ فِ سَبِيلِ اللهِ وَأَنْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَىَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِأَوْلِ اْأَبْصَرِ ١٢ أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذبا وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان الإيمان والطاعة محالا منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) . المسألة الرابعة ﴾ قوله ( ستغلبون) إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى ( غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) . ﴿ المسألة الخامسة﴾ دلت الآية على حصول البعث في القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار. ثم قال ( وبئس المهاد ) وذلك لأنه تعالی لما ذکر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال ( بئس المهاد ) والمهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش ، قال الله تعالى (والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) فلما ذكر الله تعالى مصیر الکافرین إلى جهنم أخبر عنها بالشرلأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله. قوله تعالى ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة الأولى الأبصار ﴾. اعلم أن في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ لم يقل: قد كانت لكم آية، بل قال (قد كان لكم آية ) وفيه وجهان : ( الأول) أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية . ٢٠٤ قوله تعالى (( قد كان لكم آية)) سورة آل عِمْران ( والثاني ) قال الفراء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله ( لكم ) . المسألة الثانية﴾ وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله تعالى (ستغلبون وتحشرون ) نزلت في اليهود، وأن رسول الله بت لقي لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فانكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ) يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورین وذلك يدل على أن تلك الغلبة کانت بتأييد الله ونصره ، ومن کان کذلك فانه یکون غالباً لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله ( قل للذين كفر واستغلبون) الآية ، فهذا هو الكلام في وجه النظم . المسألة الثالثة﴾ ( الفئة) الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله ◌َلّ وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روى أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وفيهم أبوسفيان وأبوجهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخير كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا بين كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة. واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً ( الأول ) أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها : قلة العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله وَليه ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم ، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة ، والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً . ٢٠٥ قوله تعالى ((قد كان لكم آية)) سورة آل عِمْران ﴿ والوجه الثاني﴾ في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب ، فكان معجزاً . ﴿ والوجه الثالث ﴾ في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى ( يرونهم مثليهم رأى العين) والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز. فان قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة . قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة . والوجه الرابع ﴾ في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن: إن الله تعالى أمد رسوله وَ ثّر في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال ( فاستجاب لكم أني ممدكم بألف) وقال ( بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) والألف مع الأربعة آلاف: خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله (والله يؤيد بنصره من يشاء ) والله أعلم. ثم قال الله تعالى ( فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ القراءة المشهورة (فئة) بالرفع، وكذا قوله (وأخرى كافرة) وقرىء ( فئة تقاتل وأخرى كافرة ) بالجر على البدل من فئتين ، وقرىء بالنصب إما على الإختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال الواحدي رحمه الله : والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام . ٠ ٢٠٦ قوله تعالى (( يرونهم مثليهم رأي )) سورة آل عِمْران المسألة الثانية ﴾ المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله . وقوله ( وأخرى كافرة ) المراد بها كفار قريش. ثم قال تعالى ( يرونهم مثليهم رأي العين ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وأبان عن عاصم (ترونهم) بالتاء المنقطة من فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثلي ما كانوا ، أو مثلي الفئة الكافرة ، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو قوله ( فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ) فقوله ( يرونهم ) يعود إلى الاخبار عن إحدى الفئتين . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله ( يرونهم مثليهم ) يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان ، وأيضاً فقوله ( مثليهم ) يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فاذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة ( الأول) أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين . ﴿ والإِحتمال الثاني﴾ أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم . فان قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال ( ويقللكم في أعينهم ) . ( فالجواب ) أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا مغلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر ، أبلغ في القدرة واظهار الآية . ﴿ والاحتمال الثالث ﴾ أن الرائين هم المسلمون ، والمرئيين هم المشركون ، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد ، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى ( إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) . ٢٠٧ قوله تعالى (( يرونهم مثليهم رأي)) سورة آل عمران فان قيل : كيف يرونهم مثليهم رأي العين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟ . ( الجواب ) أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم ، وذلك لأنه تعالى قال ( إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم ، وإزالة للخوف عن صدورهم. والاحتمال الرابع ﴾ أن الرائين هم المسلمون ، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد ، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بايقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك ، وفي الآية احتمال خامس . وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود ، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة. فان قيل : كيف رأوهم مثليهم وقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه. بقي من مباحث هذا الموضع أمران: ﴿ البحث الأول﴾ أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً، أما الأول فهو محال عقلا ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، وأما الثاني فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال : إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة فعندهم الادراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه ( أحدها ) أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض ( وثانيها ) لعله يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض ( وثالثها ) يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ذلك محتمل . البحث الثاني ﴾ اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤون هم المشركون ، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل : إن كون المشرك رائياً أولى ، ويدل عليه وجوه ( الأول) أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلا ، وأبعدهما مفعولا أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله ( وأخرى كافرة ) ( والثاني ) أن مقدمة الآية وهو قوله ( قد كان لكم آية ) خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً ( الثالث ) أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال ( قد ٢٠٨ قوله تعالى (( زين للناس حب الشهوات )» الاية سورة آل عمران زُيِّنَلِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ الَّسَاءِ وَآلْبِنَ وَالْقَدِطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَآلْأَنْعَِمِ وَالْخَرْثِ ذَلِكَ مَنَعُ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا وَاللهُ ٠٠ ١٠٠ عِندَهُ، حُسْنَ الْمَعَابِ ١٤ كان لكم آية في فئتين التقتا ) فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم. واحتج من قال : الراؤون هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم. ثم قال ( رأى العين ) يقال : رأيته رأياً ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول : هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري ، فقوله ( رأى العين ) يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفاً للمكان ، كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله : هو مني مناط العنق ومزجر الكلب. ثم قال ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) نصر الله المسلمين على وجهين : نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح. ثم قال ( إن في ذلك لعبرة ) والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، ومنه العبارة وهي الكلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ، وعبارة الرؤيا من ذلك، لأنها تعبير لها، وقوله ( لأولى الأبصار ) أي لأولى العقول . كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر، أي علم ومعرفة ، والله أعلم . قوله سبحانه وتعالى ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ﴾ في الآية مسائل : ٢٠٩ قوله تعالى ((زين للناس حب الشهوات .)) سورة آل عِمْران المسألة الأولى ﴾ في كيفية النظم قولان ( الأول ) ما يتعلق بالقصة فانا روينا أن أبا حارثة ابن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد 5 في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه ، وأيضاً روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبين الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة ، وأن الآخرة خير وأبقى . القول الثاني﴾ وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة (والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بين أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية ، واللذات الدنيوية ، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها ، وتبقى تبعاتها ، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ) ثم بين طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية . ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن قوله ( زين للناس) من الذي زين ذلك؟ أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا : لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان ، فان كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل ، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان ، وإن كان من الله تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك ، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا) يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا ، وهذا الكلام ظاهر جداً . أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقول : القول الأول﴾ حكى عن الحسن أنه قال: الشيطان زين لهم، وكان يحلف على ذلك بالله ، واحتج القاضي لهم بوجوه ( أحدها ) أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان ( وثانيها ) أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة ( وثالثها ) قوله تعالى ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ( ورابعها ) قوله بعد هذه الآية ( قل أؤنبئكم بخير ذلكم ) والمقصود من هذا الكلام الفخر الرازي ج ٧ م ١٤ ٢١٠ قوله تعالى ((زين للناس حب الشهوات)) سورة آل عِمْران صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه . والقول الثاني ﴾ قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه ( أحدها ) أنه تعالى كما رغب في منافع الآخرة فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فانه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهي ، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها ( وثانيها ) أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان مزيناً لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه ( الأول ) أن يتصدق بها ( والثاني ) أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى (والثالث ) أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه (والرابع ) أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخرة ( والخامس ) قوله تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وقال (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) وقال ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) وقال ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) وقال في سورة البقرة ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) وقال ( كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ) وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد ( زين للناس ) على تسمية الفاعل . والقول الثالث﴾ وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي وهو التفصيل، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي ، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبين أن التزيين فيه من الله تعالى ، أو من الشيطان . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( حب الشهوات ) فيه أبحاث ثلاثة : ﴿ البحث الأول﴾ أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال ، ، كما يقال للمقدور قدرة ، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم ، وهذه استعارة مشهورة في اللغة ، يقال : هذه شهوة فلان ، أي مشتهاه ، قال صاحب ٢١١ قوله تعالى ((من النساء والبنين)) سورة آل عمران الكشاف : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان : ( إحداهما ) أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها ( والثانية ) أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها . ﴿ البحث الثاني﴾ قال المتكلمون: دلت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه ، والشهوة من فعل الله تعالى ، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات . ﴿ البحث الثالث﴾ قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يجب أن لا يحبه مثل المسلم فانه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب ، وأما من أحب شيئاً وأحب إن يحبه فذاك هو كمال المحبة ، فان كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام ( إني أحببت حب الخير ) ومعناه أحب الخير وأحب أن أکون محباً للخير ، وإن كان ذلك في جانب الشر، فهو كما قال في هذه الآية فان قوله ( زین للناس حب الشهوات) يدل على أمور ثلاثة مرتبة ( أولها) أنه يشتهي أنواع المشتهيات ( وثانيها) أنه يحب شهوته لها ( وثالثها) أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة ، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاث بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة ، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس ، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل أيضاً يدل عليه ، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان ، جسماني وروحاني ، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر ، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة ، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية ، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة ، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة ، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال ( زین للناس حب الشهوات ) . وأما قوله تعالى ( من النساء والبنين ) ففيه بحثان : البحث الأول ﴾ ( من) في قوله ( من النساء والبنين ) كما في قوله ( فاجتنبوا الرجس ٢١٢ قوله تعالى ((من النساء والبنين م سورة آل عِمْران من الأوثان ) فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية : زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة. ﴿ البحث الثاني﴾ اعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة ( أولها) النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى ( خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة . ﴿ المرتبة الثانية﴾ حب الولد: ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى. لا جرم خصه الله تعالى بالذكر ، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك . واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة ، فانه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل ، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فانها حاصلة لجميع الحيوانات ، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل . المرتبة الثالثة والرابعة ﴾ ( القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) وفيه أبحاث : البحث الأول ﴾ قال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق ، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب ، وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد ، واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده ، وفيه روايات: فروى أبو هريرة عن النبي ◌َّ أنه قال ((القنطار اثنا عشر ألف أوقية)) وروى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار ، وروى أبي بن كعب أنه عليه السلام قال : القنطار ألف ومائتا أوقية وقال ابن عباس : القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم ، وهو مقدار الدية ، وبه قال الحسن ، وقال الكلبي : القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة ، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير معضودة بحجة البتة . ﴿ البحث الثاني﴾ (المقنطرة) منفعلة من القنطار، وهو للتأكيد، كقولهم : ألف مؤلفة ، وبدرة مبدرة ، وإبل مؤبلة ، ودراهم مدرهمة ، وقال الكلبي : القناطير ثلاثة ، والمقنطرة المضاعفة ، فكان المجموع ستة . البحث الثالث﴾ الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء ، فما لكهما كالمالك لجميع الأشياء ، وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال ٢٠١٣ قوله تعالى ((من النساء والبنين)) سورة آل عِمْران - محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب ، لا جرم كانا محبوبين. المسألة الخامسة﴾ ( الخيل المسومة ) قال الواحدي : الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلا لخيلائها في مشيها ، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا ، وسمى الخيال خيالا ، والتخيل تخيلا ، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة ، والأخيل الشقراق ، لأنه يتخيل تارة أخضر، وتارة أحمر ، واختلفوا في معنى (المسومة ) على ثلاثة أقوال ( الأول ) أنها الراعية ، يقال: أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي ، كما يقال : أقمت الشيء وقومته ، وأجدته وجودته ، وأمته ونومته ، والمقصود أنها إذا رعت أزدادت حسناً ، ومنه قوله تعالى ( فيه تسيمون ) . والقول الثاني ﴾ المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد ، ومعناه واحد ، وهو الهيئة الحسنة ، قال الله تعالى ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة ، فقال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل ، وهي أن تكون الأفراس غرا محجلة ، وقال الأصم : إنما هي البلق ، وقال قتادة : الشية ، وقال المؤرج : الكي ، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال ، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا ، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفاً في الفرس . القول الثالث﴾ وهو قول مجاهد وعكرمة: أنها الخيل المطهمة الحسان ، قال القفال : المطهمة المرأة الجميلة. ﴿ المرتبة السادسة﴾ (الأنعام) وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم ، ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم إلا للابل خاصة فانها غلبت عليها. ﴿ المرتبة السابعة﴾ ( الحرث) وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله (ويهلك الحرث والنسل ). ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) قال القاضي : ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى ، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه : منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فیکون أيضاً مذموماً ، ومنه أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم ، ومنها أن ينتفع به ٢١٤ قوله تعالى ((قل أؤنبئكم بخير من ذلكم)) الآية سورة آل عِمْران قُلْ أَؤُنَيِّئُكُم بِخَيرٍ مِّن ◌َالِكٌ لِلَّذِينَ آَتَّقَوْ عِندَ رَبِهِمْ حَّدْتُ تَجْرِى مِن تَحْهَا الْأُنْهَُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجْ مُطَهِّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللَّهُ يَصِيرٌ بِالْعِبَادِ على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح . ثم قال تعالى ( والله عنده حسن المآب ) اعلم أن المآب في اللغة المرجع ، يقال : آب الرجل إيابا وأوبة وأبية ومآبا ، قال الله تعالى ( إن إلينا إيابهم ) والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته ، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن . فان قيل : المآب قسمان : الجنة وهي في غاية الحسن ، والنار وهي خالية عن الحسن ، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن . قلنا : المآب المقصود بالذات هو الجنة ، فأما النار فهي المقصود بالغرض ، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، كما قال : سبقت رحمتي غضبي ، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة . قوله تعالى ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ﴾. في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (أؤنبئكم ) بهمزتين واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو. المسألة الثانية ﴾ ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه (الأول ) أن يكون المعنى: هل أؤنبئكم بخير من ذلكم ، ثم يبتدأ فيقال : للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذا ( والثاني ) هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا، ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنات تجري ( والثالث ) هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم ، ثم يبتدي فيقال : جنات تجري . المسألة الثالثة ﴾ في وجه النظم وجوه ( الأول ) أنه تعالى لما قال (والله عنده حسن ٢١٥ قوله تعالى ((قل أؤنبئكم بخير من ذلكم)) سورة آل عمران المآب ) بين في هذه الآية أن ذلك المآب ، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ) ( الثاني ) أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى ( والآخرة خير وأبقى ) ( الثالث ) كأنه تعالى نبه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل ، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم ، فكذلك الآخرة أطیب وأوسع وأفسح من الدنيا. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ إنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا ، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة ، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية ، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة ، ونعم الآخرة باقية لا محالة. أما قوله تعالى ( للذين اتقوا ) فقد بينا في تفسير قوله تعالى ( هدى للمتقين ) أن التقوى ما هي وبالجملة ، فان الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات ، محترزاً عن المحظورات ، وقال بعض أصحابنا : التقوى عبارة عن اتقاء الشرك ، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان ، قال تعالى ( وألزمهم كلمة التقوى ) وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له ، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات ، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات ، لأن ماهية الإشتراك لا تدل على ماهية الامتياز ، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك، وعرف القرآن مطابق لذلك ، فوجب حمله عليه فكان قوله ( للذين اتقوا) محمولا على كل من اتقى الكفر بالله . أما قوله تعالى ( للذين اتقوا عند ربهم ) ففيه احتمالان ( الأول ) أن يكون ذلك صفة للخير، والتقدير : هل أنبئكم بخير من ذلكم عند ربهم للذين اتقوا ( والثاني ) أن يكون ذلك صفة للذين ، اتقوا والتقدير : للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى ، فيخرج عنه المنافق ، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله . وأما قوله ( جنات) فالتقدير : هو جنات ، وقرأ بعضهم ( جنات ) بالجر على البدل من خير، واعلم أن قوله ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) وصف لطيب الجنة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى ( فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ) . ثم قال ( خالدين فيها ) والمراد كون تلك النعم دائمة . ٢١٦ قوله تعالى (( الذین یقولون ربنا )) الآية سورة آل عمران الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبََّ إِنَّنَءَ امَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ◌ّ ثم قال ( وأزواج مطهرة ورضوان من الله ) وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة ( ولهم فيها أزواج مطهرة) وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال ( مطهرة ) ويدخل في ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة. ثم قال تعالى ( ورضوان من الله ) وفهي مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم (ورضوان) بضم الراء، والباقون بكسرها ، أما الضم فهو لغة قيس وتميم ، وقال الفراء : يقال رضيت رضا ورضوانا ، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال المتكلمون: الثواب له ركنان (أحدهما ) المنفعة ، وهي التي ذكرناها ، ( والثاني ) التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم، حامد لهم ، مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فانهم قالوا : الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله ( راضية مرضية ) ونظير هذه الآية قوله تعالى ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) . ثم قال ( والله بصير بالعباد ) أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا. قوله تعالى ﴿ الذين يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ﴾ . في الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ في إعراب موضع ( الذين يقولون ) وجوه ( الأول ) أنه خفض صفة ٢١٧ سورة آل عمران قوله تعالى ((الصابرين والصادقين )) الآية الصَِّرِينَ وَالصَِّدِقِينَ وَالْقَنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِلْأُسْحَارِ الذين اتقوا ، وتقدير الآية : للذين اتقوا الذين يقولون ، ويجوز أن يكون صفة للعباد ، والتقدير : والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين لهم عند ربهم جنات هم الذين يقولون كذا وكذا ( والثاني ) أن يكون نصباً على المدح ( والثالث ) أن يكون رفعاً على التخصيص ، والتقدير : هم الذين يقولون كذا وكذا . المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (ربنا إننا آمنا) ثم إنهم قالوا بعد ذلك ( فاغفر لنا ذنوبنا ) وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم ، والثناء عليهم ، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى ، فان قالوا : الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) وأيضاً فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور ، وتاب عن جميع الذنوب ، كان إدخاله النار قبيحاً من الله عندهم ، والقبيح هو الذي يلزم من فعله ، إما الجهل ، وإما الحاجة فهما محالان ، ومستلزم المحال محال ، فادخال الله تعالى إياهم النار محال ، وما كان محال الوقوع عقلا كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبئاً وقبيحاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ). فإِن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله ( الصابرين والصادقين ) . قلنا : تأويل هذه الآية يؤكد ما ذكرناه ، وذلك لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى ، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات . ﴿ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار قوله تعالى وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ (الصابرين) قيل نصب على المدح بتقدير : أعني الصابرين، ٢١٨ قوله تعالى ((الصابرين والصادقين)) سورة آل عمران وقيل : الصابرين في موضع جر على البدل من الذين . المسألة الثانية ﴾ اعلم أنه تعالى ذكرههنا صفات خمسة : الصفة الأولى﴾ كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات ، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد ، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى ، كما قال ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) قال سفيان بن عيينة في قوله ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر ، ويروى أنه وقف رجل على الشبلى ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال الصبر في الله تعالى ، فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، قال لا قال فايش ؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف. وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين ، فقال ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) . ﴿ الصفة الثانية﴾ كونهم صادقين، اعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنية ، فالصدق في القول مشهور، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه ، يقال : صدق فلان في القتال وصدق في الحملة ، ويقال في ضده : كذب في القتال ، وكذب في الحملة ، والصدق في النية إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل. الصفة الثالثة﴾ كونهم قانتين ، وقد فسرناه في قوله تعالى ( وقوموا لله قانتين ) وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها . الصفة الرابعة ﴾ كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر. الصفة الخامسة ﴾ كونهم مستغفرين بالأسحار ، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت ، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك فقوله ( والمستغفرين بالأسحار ) يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار ٢١٩ قوله تعالى ((الصابرين والصادقين)) سورة آل عمران بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه ( الأول ) أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل ، وبسبب طلوع نور الصبح كان الأموات يصيرون أحياء ، فهناك وقت الجود العام والفيض التام ، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب ( والثاني ) أن وقت السحر أطيب أوقات النوم ، فاذا أعرض العبد عن تلك اللذة ، وأقبل على العبودية ، كانت الطاعة أكمل ( والثالث ) نقل عن ابن عباس ( والمستغفرين بالأسحار ) يريد المصلين صلاة الصبح. ﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( والصابرين والصادقين ) أكمل من قوله : الذين يصبرون ويصدقون ، لأن قوله ( الصابرين ) يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها. ﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن الله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها ، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعاً أخر من الطاعات ، وأما بسبب الشروع فيه وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه ، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل البتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً ثم قال ( الصادقين ) ثانياً، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال (والقانتين ) فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات ، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران (أحدهما) الخدمة بالمال، وإليه الإِشارة بقوله عليه السلام ((والشفقة على خلق الله)) فذكر هنا بقوله ( والمنفقين) (والثانية) الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله ((التعظيم لأمر الله)) فذكره هنا بقوله ( والمستغفرين بالأسحار ) . فان قيل: فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ، وأخر في قوله (( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله)). قلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار، وقوله ((التعظيم لأمر الله)) في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى ، فلا جرم كان الترتيب بالعكس . المسألة الرابعة ﴾ هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله ( هو الله الخالق البارىء المصور ) إلا أنه ذكر ههنا واو العطف وأظن والعلم عند الله أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح ٢٢٠ قوله تعالى ((شهد الله أنه لا إله إلا هو)) الآية سورة آل عمران شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَ إِلَّ هُوَ وَ الْمَلَّكُهُ وَأُوْلُواْ الْعِلِ غَيٍّا بِالْفِطِ لَآ إِلَيْهِ إِلَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ها العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل والله أعلم. قوله تعالى ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ . اعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله ( الذين يقولون ربنا إننا آمنا ) أردفه بأن بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية ، فقال ( شهد الله ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوة محمد متمثلة على العلم به، فانه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فانه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة، وفي حق أولى العلم ، لكن العلم بصحة نبوة محمد ري لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحداً فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحداً بمجرد الدلائل السمعية القرآنية. إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) قولين : ( أحدهما ) أن الشهادة من الله تعالى، ومن الملائكة ، ومن أولى العلم بمعنى واحد ( الثاني ) أنه ليس كذلك ، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين : الوجه الأول﴾ أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولى العلم ، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحداً لا إله معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز، وأما من الملائكة وأولى العلم فكلهم أخبروا أيضاً أن الله تعالى واحد لا شريك له . فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولى العلم. الوجه الثاني ﴾ أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان، ثم نقول: إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك ، وبينوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة فقد بينوا ذلك المرسل عليهم الصلاة والسلام ، » والرسل للعلماء ، والعلماء لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار