Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعالى ((هو الذي أنزل)) سورة آل عِمْران
متشابهاً) أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال الله تعالى (تشابهت قلوبهم ) ومنه يقال :
اشتبه على الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وقال
عليه السلام ((الحلال بين الحرام بين وبينهما أمور متشابهات)) وفي رواية أخرى مشتبهات .
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي
الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه
أشكل . أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه
من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان
الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابهاً له ، وغير متميز أحدهما عن
الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم
والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول :
الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص
الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول :
اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى، فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا
يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملاً لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان
محتملاً لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر، وإما أن لا يكون
كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر سمي
ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا ، وأما إن كان احتماله لهما
على السوية كان اللفظ بالنسبة اليهما معاً مشتركاً ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين
مجملاً، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً ، أو ظاهراً، أو
مؤولاً ، أو مشتركاً ، أو مجملاً ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن
النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو
المسمى بالمحكم .
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، وإن لم یکن
راجحاً لكنه غير مرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ،
فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن
ذلك يسمى متشابهاً إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن، وإما
لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً
لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم ان اللفظ

١٨٢
قوله تعالى ((هو الذي أنزل عليك الكتاب)) سورة آل عِمْران
إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، مثل : القرء بالنسبة إلى
الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين ، ومرجوحاً
في الآخر، ثم كان الراجح باطلاً، والمرجوح حقاً . ومثاله من القرآن قوله تعالى (وإذا أردنا
أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ) فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون
بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى ( إن الله لا يأمر بالفحشاء) رداً على الكفار فيما حكى عنهم
( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) وكذلك قوله تعالى ( نسوا الله
فنسيهم) وظاهر النسيان ما يكون ضدأ للعلم ، ومرجوحة الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى
( وما كان ربك نسياً) وقوله تعالى ( لا يضل ربي ولا ينسى ) .
واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن
الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزلي يقول
قوله ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) محكم ، وقوله ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب
العالمين ) متشابه والنسي يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في هـ ا الباب
فنقول : اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً، وبالنسبة إلى الآخر
مرجوحاً ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على
المرجوح ولم نحمله على الراجح ، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى
المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون
عقلياً .
﴿ أما القسم الأول﴾ فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين
تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من
العكس ، اللهم إلا أن يقال : إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل
الرجحان ، أو يقال : كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح ، وحينئذ
يحصل الرجحان إلا أنا نقول :
أما الأول فباطل ، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة البتة ، لأن كل دليل لفظي
فإنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك
وعدم المجاز، وعدم التخصيص ، وعدم الإضمار ، وعدم المعارض النقلي والعقلي ، وكان
ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً، فثبت أن شيئاً من الدلائل
اللفظية لا يكون قاطعاً.

١٨٣
قوله تعالى ((هو الذى أنزل عليك الكتاب )) سورة آل عِمْران
وأما الثاني وهو أن يقال : أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل
الإحتمال قائماً فيهما معاً، فهذا صحيح ، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي
عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً ، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية ، بل
يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهية فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى
معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر
به ظاهر اللفظ محال ، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر
حمله على ظاهره ، فعند هذا يتعين التأويل ، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه
الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال
عقلاً ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر
به ظاهره ، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل
إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن
إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح
مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف
والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد
إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل ،
فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب ، والله ولي الهداية والرشاد .
المسألة الثالثة﴾ في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه ( فالأول ) ما نقل عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام (قل
تعالوا ) إلى آخر الآيات الثلاث ، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي أسماء
حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن
يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه ، وأقول : التكاليف الواردة
من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع ، وذلك كالأمر بطاعة الله
تعالى ، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ، ومنها ما يختلف بشرع
وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو
المسمى بالمحكم عند ابن عباس ، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا
القسم .
وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى
غيره على السوية ، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على

١٨٤
قوله تعالى ((هو الذي أنزل عليك الكتاب)) سورة آل عمران
السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة .
القول الثاني﴾ وهو أيضاً مروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو
الناسخ ، والمتشابه هو المنسوخ .
والقول الثالث ﴾ قال الأصم: المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً، مثل ما
أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى ( فخلقنا النطفة علقة ) وقوله (وجعلنا من الماء
كل شيء حي ) وقوله ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) والمتشابه ما
يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا
لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أولا قدر على الإعادة ثانياً .
واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله : المحكم ما يكون دلائله
واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظة على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون
كذلك، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولا ، وإن
عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم
صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة
القرآن متشابها ، لأن قوله ( فخلقنا النطفة علقة ) أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل
العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات
الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ،
فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعل الأصم يقول : هذه الأشياء
وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون
مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير
· المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول هو المحكم والثاني هو المتشابه .
القول الرابع ﴾ أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، أو
بدليل خفي ، فذاك هو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك
كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين ، ونظيره قوله
تعالى ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) .
المسألة الرابعة ﴾ في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً .
اعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم
تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحیث یتمسك به کل

١٨٥
قوله تعالى ((هو الذي أنزل عليك)) سورة آل عِمْران
صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى ( وجعلنا على
قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأً ) والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه
تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
وفي آذاننا وقر ) وفي موضع آخر ( وقالوا قلوبنا غلف) وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله
( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) والنافي يتمسك بقوله ( لا. تدركه الأبصار ) ومثبت الجهة
يتمسك بقوله ( يخافون ربهم من فوقهم) وبقوله ( الرحمن على العرش استوى ) والنافي
يتمسك بقوله ( ليس كمثله شيء ) ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ،
والآيات المخالفة لمذهبه : متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات
خفية ، ووجوه ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل
الدين إلى قيام الساعة هكذا، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى
حصول الغرض .
واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها :
الوجه الأول ﴾ أنه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب
وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب . قال الله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما
يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) .
الوجه الثاني﴾ لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد ، وكان
تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن
النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع
صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهيه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب
المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فاذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات
مفسرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق .
الوجه الثالث﴾ أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى
الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال
والبينة ، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى فى
الجهل والتقليد .
الوجه الرابع﴾ لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلم طرق
التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة

١٨٦
قوله تعالى ((منه آيات محكمات)) سورة آل عمران
والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه
العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة .
الوجه الخامس﴾ وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على
دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق .
فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن
أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما
يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم
الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو
الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم
بمراده .
وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) فالمراد به هو القرآن ( منه آيات
محكمات ) وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل
القطعية ، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها .
ثم قال ( هن أم الكتاب ) وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه ؟.
( الجواب ) الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات
مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات
كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري
القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبر عن هذا المعنى
بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم
الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) محكماً لأن معناه
متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب
ردها إلى ذلك المحكم .
السؤال الثاني ﴾ لم قال ( أم الكتاب) ولم يقل: أمهات الكتاب ؟ .

١٨٧
قوله تعالى ((فالذين في قلوبهم زيغ)) سورة آل عِمْران
( الجواب ) أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير
شيء آخر وأحدهما أم الآخر، ونظيره قوله تعالى ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) ولم يقل
آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا .
ثم قال ( وأخر متشابهات ) وقد عرفت حقيقة المتشابهات، قال الخليل وسيبويه : أن
( أخر ) فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر
وأخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع ( من ) أو بالألف واللام ،
فيقال : زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ،
فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو، أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ
( من) لأن لفظه اقتضى معنى ( من ) فأسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام
معقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضاً فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر فأخر
جمعه ، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها
و وحدانها .
ثم قال ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) اعلم أنه تعالى لما بين أن الكتاب ينقسم إلى قسمين
منه محكم ومنه متشابه ، بين أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن
الحق ، يقال : زاغ زيغاً : أي مال ميلاً واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله ( في قلوبهم
زيغ) فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله ◌َيّ في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة
الله وروح منه قال : بلى. فقالوا : حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل ( إن مثل عيسى
عند الله كمثل آدم ) وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من
الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ، لأنه
قال في آخر الآية ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل
الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله بالمتشابه ، لأن
اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن
جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون ( ائتنا بعذاب
الله ، ومتى تأتينا الساعة ، ولو ما تأتينا بالملائكة ) فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا
الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) فإنه لما ثبت بصريح العقل أن
كل ما كان مختصاً بالحيز فأما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما
أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع

١٨٨
قوله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغ سورة آل عِمْران
أن يكون الإله في مكان ، فيكون قوله ( الرحمن على العرش استوى ) متشابهاً ، فمن تمسك به
كان متمسكاً بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل
بالكلية إلى العبد ، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ،
وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل
عند تلك الداعية واجباً ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ،
وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته . فيصير واجباً، فحينئذ يبطل ذلك
التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته . فيصير استدلال المعتزلة بتلك
الظواهر وإن كثرت استدلالاً بالمتشابهات ، فبين الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن
الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في
قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل .
واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ،
والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله :
المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون
بالمتشابهات .
وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا
يتأوله على المحكم الذي بينه الله تعالى بقوله ( وأضلهم السامري وأضل فرعون قومه وما هدى
وما يضل به إلا الفاسقون ) وفسروا أيضاً قوله ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا
فيها) على أنه تعالى أهلكهم. وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم
مع أنه تعالى قال ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ويريد الله ليبين لكم ويهديكم )
وتأولوا قوله تعالى ( زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا
بذلك ما في القرآن كقوله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وما كنا مهلكي
القرى إلا وأهلها ظالمون ) وقال ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) وقال
( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) وقال ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم )
فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه
بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات
المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم
أن ذلك لا يتم إلا بالرجع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة
الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عنه أحد الفعلين دون الثاني من غير

١٨٩
قوله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغ )) سورة آل عِمْران
مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن
العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد
والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم
على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها
عالماً ، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا
لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء
والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق
مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة .
وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة ( أحدها ) ما يتأكد
ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقاً ( وثانيها) الذي قامت الدلائل القاطعة على
امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره ( وثالثها ) الذي لا
يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك
متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح
حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده .
واعلم أنه تعالى لما بين أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بين أن لهم فيه غرضين ، فالأول
هو قوله تعالى ( ابتغاء الفتنة ) والثانية هو قوله ( وابتغاء تأويله ) .
فأما الأول ﴾ فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشىء والغلو فيه ، يقال : فلان
مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة
وجوهاً : ( أولها ) قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم
مخالفاً للبعض في الدين ، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة ( وثانيها) أن
التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا
ينقلع عنه بحيلة البتة ( وثالثها ) أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد
أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه .
﴿ وأما الغرض الثاني لهم﴾ وهو قوله تعالى (وابتغاء تأويله) فاعلم أن التأويل هو
التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته
تأويلاً إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلاً، قال تعالى
(سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) وقال تعالى (وأحسن تأويلاً) وذلك أنه إخبار عما

١٩٠
قوله تعالى ((ابتغاء الفتنة)) سورة آل عمران
يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله
عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع
وعاص كم تكون ؟ قال القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين ( أحدهما ) أن
يحملوه على غير الحق : وهو المراد من قوله ( ابتغاء الفتنة ) (والثاني ) أن يحكموا بحكم في
الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله ( وابتغاء تأويله ) ثم بين تعالى ما يكون زيادة في
ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال ( وما يعلم تأويله إلا الله ) واختلف الناس في هذا الموضع ،
فمنهم من قال : تم الكلام ههنا ، ثم الواو في قوله ( والراسخون في العلم ) واو الابتداء ،
وعلى هذا القول : لا يعلم المتشابه إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس
والكسائي والفراء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا .
والقول الثاني ﴾ أن الكلام إنما يتم عند قوله (والراسخون في العلم) وعلى هذا
القول يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً
مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول
الأول وجوه :
الحجة الأولى ﴾ أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على أن
ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ، وفي المجازات
كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، والترجيحات اللغوية
لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية
الضعيفة غير جائز ، مثاله قال الله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) ثم قام الدليل القاطع
على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن
مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ،
وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد
إلا الظن الضعيف، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول فيها
بالدلائل الظنية باطلاً، وأيضاً قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) دل الدليل على أنه
يمتنع أن يكون الإله في المكان ، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به
ظاهرها ، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا
بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع
المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه ، والفطرة
الأصلية تشهد بصحته وبالله التوفيق .

١٩١
قوله تعالى ((والراسخون في العلم )) سورة آل عِمْران
الحجة الثانية ) وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم ،
حيث قال ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتة وابتغاء تأويله ) ولو كان
طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في قوله
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربي ) وأيضاً طلب مقادير الثواب
والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا ( لو ما تأتينا بالملائكة ) .
قلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودل العقل على صحة هذه
القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله على معناه الذي ليس
بِراجح هو المتشابه ، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض
المتشابهات دون البعض تركاً للظاهر، وأنه لا يجوز .
الحجة الثالثة ) أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وقال في أول
سورة البقرة ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين
بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأن كل من عرف شيئاً على
سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل
القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ،
وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز
أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد
إلى علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعني أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون
في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن
الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن .
الحجة الرابعة ﴾ لو كان قوله ( والراسخون في العلم) معطوفاً على قوله (إلا الله)
لصار قوله ( يقولون آمنا به ) ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال :
وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به .
فإن قيل : في تصحيحه وجهان ( الأول ) أن قوله ( يقولون ) كلام مبتدأ ، والتقدير :
هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به ( والثاني ) أن يكون ( يقولون ) حالاً من الراسخين .
قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى
من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار ( والثاني ) أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد

١٩٢
قوله تعالى ((والراسخون في العلم )) سورة آل عِمْران
تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله ( يقولون آمنا به ) حالاً من
الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركاً للظاهر، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا
بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى ..
الحجة الخامسة) قوله تعالى (كل من عند ربنا) يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على
التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا
الكلام فائدة .
﴿ الحجة السادسة) نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على
أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحداً جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه
العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى .
وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية
مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة
البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرناه هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .
ثم قال تعالى ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء.
واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ،
وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئاً متشابهاً ، ودل القطعي على
أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه
ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن .
ثم حكى عنهم أيضاً أنهم يقولون ( كل من عند ربنا ) والمعنى : أن كل واحد من
المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : .
﴿ السؤال الأول﴾ لوقال: كل من ربنا كان صحيحاً، فما الفائدة في لفظ (عند)؟.
( الجواب ) الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة ( عند ) لمزيد
التأكيد .
﴿ السؤال الثاني﴾ لم جاز حذف المضاف إليه من ( كل) ؟.
( الجواب ) لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل .

١٩٣
سورة آل عمران
قوله تعالى ((ربنا لا تزغ قلوبنا)) الآية
رَبََّا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْدَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
ثم قال ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به ،
ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم
يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً ،
وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز
في كلامه التناقص والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند
اللّه تعالى ، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ،
ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق
دلائل العقول ، وتوافق اللغة والإعراب .
واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان
موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ، ومتى تكلم
في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول ، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد
عن الله، ولهذا قال النبي ◌َّ ((من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)).
قوله تعالى ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت
الوهاب ﴾ .
واعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين أنهم يقولون آمنا به حكى عنهم أنهم يقولون
( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا) وحذف (يقولون ) لدلالة الأول عليه ، وكما في
قوله ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً ( وفي هذه الآية اختلف
كلام أهل السنة وكلام المعتزلة .
أما كلام أهل السنة فظاهر ، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان ، وصالح لأن
يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله
تعالى ، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر، فهي الخذلان ، والإِزاغة ، والصد، والختم ،
والطبع ، والرين ، والقسوة ، والوقر ، والكنان ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وإن
كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي : التوفيق ، والرشاد ، والهداية ، والتسديد ،
الفخر الرازي ج ٧ م ١٣

١٩٤
قوله تعالى ((ربنا لا تزغ قلوبنا)) سورة آل عِمْران
والتثبيت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وكان رسول الله ◌ٍ لل يقول ((قلب
المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن )) والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان ، فكما أن الشيء
الذي يكون بين أصبعي الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الأصبعين ، فكذلك
القلب لكونه بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين ، ومن أنصف ولم
يتعسف ، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس ، ولوجوز حدوث إحدى الداعيتين
من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان ◌َّ يقول (( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي
على دينك)) ومعناه ما ذكرنا فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات
والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها
مائلة إلى الحق ، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني .
ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون المتشابهات ، بل
يؤمنون بها على سبيل الإجمال ، وترك الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا
بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء لاعتقادهم أنه من المحكمات ، ثم إن الله
تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك ، وهذا يدل
على أن هذه الآية من أقوى المحكمات ، وهذا كلام متين .
وأما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله
تعالى ، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل ، فأما دلائلهم فقد ذكرناها في تفسير قوله تعالى
( سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) .
ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وهو
صريح في أن ابتداء الزيغ منهم ، وأما تأويلاتهم في هذه الآية فمن وجوه ( الأول ) وهو الذي
قاله الجبائي واختاره القاضي : أن المراد بقوله ( لا تزغ قلوبنا ) يعني لا تمنعها الألطاف التي
معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان ، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم منع
ذلك جاز أن يقال : أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)
( والثاني ) قال الأصم : لا تبلنا ببلوى تزيغ عندها قلوبنا فهو كقوله ( ولو أنا كتبنا عليهم أن
اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) وقال ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن
لبيوتهم سقفاً من فضة ) والمعنى لا تكلفنامن العبادات مالا نأمن معه الزيغ ، وقد يقول القائل ،
لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك ( الثالث ) قال الكعبي ( لا تزغ
قلوبنا) أي لا تسمنا باسم الزائغ ، كما يقال : فلان يكفر فلاناً إذا سماه كافراً ( والرابع ) قال
الجبائي : أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا ، وهذا قريب من الوجه الأول إلا
٠

١٩٥
قوله تعالى ((ربنا لا تزغ قلوبنا سورة آل عِمْران
أن يحمل على شيء آخر، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى
السنة الثانية لكفر ، فقوله ( لا تزغ قلوبنا) محمول على أن يميته قبل أن يصير كافراً ، وذلك
لأن إبقاءه حياً إلى السنة الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة ( الخامس ) قال الأصم
( لا تزغ قلوبنا) عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل ( السادس ) قال أبو
مسلم : أحرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ ، فهذا جملة ما ذكروه في تأويل
هذه الآية وهي بأسرها ضعيفة .
أما الأول ﴾ فلأن من مذهبهم أن كل ما صح في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم
لطفاً وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ، ولصار جاهلاً ومحتاجاً والشيء الذي يكون
كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول يستمر على قول بشربن المعتمر وأصحابه
الذين لا يوجبون على الله فعل جميع الألطاف .
وأما الثاني ﴾ فضعيف، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثراً في حمل
المكلف على القبيح قبح من الله تعالى ، وإن علم الله تعالى أنه لا أثر له البتة في حمل المكلف على
فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى كون العبد مطيعاً وعاصياً ، فلا فائدة في صرف
الدعاء إليه .
﴿ وأما الثالث﴾ فهو أن التسمية بالزيغ والكفر دائر مع الكفر وجوداً وعدماً والكفر
والزيغ باختيار العبد ، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ والكفر .
﴿ وأما الرابع ﴾ فهو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن
يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا يخلقه .
وأما الخامس﴾ وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه
الآية ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) .
وأما السادس ﴾ وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدوراً
وجب فعله ، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدوراً تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء ، فظهر بما
ذكرنا سقوط هذه الوجوه ، وأن الحق ما ذهبنا إليه .
فإن قيل : فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله
قلوبهم ) .
قلنا : لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون ، ثم يترتب على

١٩٦
قوله تعالى ((ربنا إنك جامع الناس )) الآية
سورة آل عمران
ج
نََّآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ لََّرَيْبَ فِهِ إِنَّاللَّلَ يْلِفُ اَلْمِيعَادَ
هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه .
أما قوله تعالى ( بعد إذ هديتنا) أي بعد أن جعلتنا مهتدين ، وهذا أيضاً صريح في أن
حصول الهداية فى القلب بتخليق الله تعالى .
ثم قال ( وهب لنا من لدنك رحمة ) واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره
مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولاً أن لا يجعل قلوبهم)) ائلة إلى الباطل والعقائد
الفاسدة ، ثم إنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم
وأعضائهم بزينة الطاعة ، وإنما قال (رحمة) ليكون ذلك شاملاً لجميع أنواع الرحمة ، فأولها
أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة (وثانيها ) أن يحصل في الجوارح والأعضاء
نور الطاعة والعبودية والخدمة ( وثالثها ) أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن
والصحة والكفاية ( ورابعها ) أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت ( وخامسها ) أن
يحصل في القبر سهولة السؤال ، وسهولة ظلمة القبر .
( وسادسها ) أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح
الحسنات فقوله ( من لدنك رحمة ) يتناول جميع هذه الأقسام ، ولما ثبت بالبراهين الباهرة
القاهرة أنه لا رحيم إلا هو، ولا كريم إلا هو، لا جرم أكد ذلك بقوله ( من لدنك ) تنبيهاً
للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في
غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سببل التنكير ، كأنه يقول : أطلب رحمة وأية
رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية العظمة .
ثم قال ( إنك أنت الوهاب ) كأن العبد يقول : إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا
الدعاء عظيم بالنسبة إلى ، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ،" وغاية جودك ورحمتك ، فأنت
الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك
فمن جودك وإحسانك وكرمك ، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان ، لا تخيب رجاء هذا
المسكين ، ولا ترد دعاءه، واجعله بفضلك أهلاً لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين .
قوله تعالى ﴿ ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ﴾
واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله

١٩٧
قوله تعالى ((إن الله لا يخلف)) سورة آل عِمْران
تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من
هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق
بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون
خلفاً وكلامك لا يكون كذباً ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن أعطيته
التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد ،
فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة ، بقي في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) تقديره : جامع
الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه ، فحذف لكون المرَاد ظاهراً .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الجبائي : إن كلام المؤمنین تم عند قوله ( ليوم لا ريب فيه ) فأما
قوله ( إن الله لا يخلف الميعاد) فهو كلام الله عز وجل ، كأن القوم لما قالوا ( إنك جامع الناس
ليوم لا ريب فيه ) صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله (إن الله لا يخلف الميعاد) كما
قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخرنا يوم
القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) ومن الناس من قال : لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في
الكلام من الغيبة إلى الحضور ، ومثله في كتاب الله تعالى كثير، قال تعالى ( حتى إذا كنتم في
الفلك وجرين بهم بريح طيبة ) .
فإن قيل : فلم قالوا في هذه الآية ( إن الله لا يخلف الميعاد ) وقالوا في تلك الآية ( إنك لا
تخلف الميعاد ) .
قلت : الفرق والله أعلم أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر
والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام ، أما قوله
في آخر السورة ( إنك لا تخلف الميعاد ) فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه
بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة ، فلا جرم قال ( إنك لا تخلف
الميعاد ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال : وذلك
لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، بدليل قوله تعالى ( أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل
وجدتم ما وعدربكم حقاً) والوعد والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف
الميعاد فكان هذا دليلاً على أنه لا يخلف في الوعيد .
( والجواب ) لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقاً ، بل ذلك الوعيد عندنا مشروطاً

١٩٨
قوله تعالى ((إن الله لا يخلف،)) أسورة آل عِمْران
بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط
بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل ، سلمنا أنه يوعدهم ، ولكن
لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، أما قوله تعالى ( فهل وجدتم ما وعد ربكم
حقاً ) .
قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله ( فبشرهم بعذاب أليم ) وقوله ( ذق إنك
أنت العزيز الكريم ) وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها
تشفع لهم عند الله ، فكان المراد من الوعد تلك المنافع ، وتمام الكلام في مسألة الوعيد قد مر في
سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب
النارهم فيها خالدون) وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى ، فقال : لم لا يجوز أن يحمل
هذا على ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ، قال :
والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك ، قال الشاعر :
وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه
إذا وعد السراء أنجز وعده
وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء ، وبين عمرو بن عبيد ، قال أبو
عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد : ما تقول في أصحاب الكبائر ؟ قال : أقول إن الله وعد
وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده ، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء :
إنك رجل أعجم ، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ، إن العرب تعد الرجوع عن
الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً وأنشد :
لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
وإني وإن أوعدته أو وعدته
واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن
عبيد : يا أبا عمر وفهل يسمى الله مكذب نفسه ؟ فقال : لا ، فقال عمرو بن عبيد: فقد
ـقطت حجتك ، قالوا : فانقطع أبو عمرو بن العلاء .
وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست
الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين ، وذلك لأن الوعد حق عليه
والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك
هو اللؤم ، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد ، وبطل قياسك ، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح
هذا الفرق ، فأما قولك : لولم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه ، فجوابه : أن هذا إنما يلزم لو
كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من

١٩٩
سورة آل عمران
قوله تعالى ((إن الذين كفروا لن تغنى )) الآية
إِنَّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَِّ شَبْعًا
وَأَوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾
١٠
تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم
وقود النار ﴾ .
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم ، حكى كيفية حال
الكافرين وشديد عقابهم ، فهذا هو وجه النظم ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من
الله شيئاً) قولان ( الأول ) المراد بهم وفد نجران ، وذلك لأنا روينا في بعض قصتهم أن أبا
حارثة بن علقمة قال لأخيه: إني لأعلم أنه رسول الله وَ لل حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ
ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه ، فالله تعالى بين أن أموالهم وأولادهم لا تدفع
عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة .
والقول الثاني ﴾ أن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
المسألة الثانية﴾ اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ، ثم
يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة .
( أما الأول) فهو المراد بقوله ( لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم ) وذلك لأن المرء
عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد ، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها
في دفع الخطوب فبين الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع
المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم ، فما عداه بالتعذر أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( يوم لا
ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) وقوله ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا
والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً) وقوله ( ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً) وقوله ( ولقد
جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) .
( وأما القسم الثاني ) من أسباب كمال العذاب ، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ،
وإليه الإشارة بقوله تعالى ( وأولئك هم وقود النار ) وهذا هو النهاية في شرح العذاب فانه لا

٢٠٠
قوله تعالى ((كدأب آل فرعون)) الآية سورة آلَ عِمْران
كَدَأْبِءَال ◌ِفِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا فَأَخَذَ هُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ
شَدِيدُ الْعِقَابِ
عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس ، والوقود بفتح الواو الحطب
الذي توقد به النار ، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله : وردت وروداً .
﴿ المسألة الثالثة) في قوله ( من الله) قولان ( أحدهما ) التقدير : لن تغنى عنهم
أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ( والثاني ) قال أبو
عبيدة ( من ) بمعنى عند ، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً .
قوله تعالى ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله
شديد العقاب
٠.
يقال : دأبت الشيء أداب دأبا ويؤباً إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه ، قال الله تعالى
( سبع سنين دأبا) أي بجد واجتهاد ودوام ، ويقال : سار فلان يوماً دائباً ، إذ أجهد في السير
يومه كله ، هذا معناه في اللغة ، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا
دأب فلان أي عادته ، وقال بعضهم : الدؤب والدأب الدوام.
إذا عرفت هذا فنقول : في كيفية التشبيه وجوه ( الأول ) أن يفسر الدأب بالاجتهاد ،
كما هو معناه في أصل اللغة ، وهذا قول الأصم والزجاج ، ووجه التشبيه أن دأب الكفار ،
أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد ◌ّ وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه
السلام ، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم ، فكذا نهلك هؤلاء.
الوجه الثاني﴾ أن يفسر الدأب بالشأن والصنع، وفيه وجوه (الأول) ( کدأب آل
فرعون ) أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد ◌ّئية، كشأن آل فرعون في التكذيب
بموسى ، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد ،
وفي هذا الوجه على الصنع والعادة ( والثاني ) أن تقدير الآية : أن الذين كفروا لن تغنى عنهم
أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون ،
فانهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل ، وتارة إلى
المفعول ، والمراد ههنا، كدأب الله في آل فرعون ، فانهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم ،