Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى : ولما برزوا لجالوت)) سورة البقرة
من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما
يخلو بصب كل ما فيه .
إذا عرفت هذا فنقول قوله ( أفرغ علينا صبراً) يدل على المبالغة في طلب الصبر من
وجهين : ( أحدهما ) أنه إذا صب الشيء في الشىء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا
يدل على التأكيد ( والثاني ) أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ،
فمعنى : أفرغ علينا صبراً : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة ( فأولها )
أن يكون الإنسان صبوراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة : وهذا هو الركن الأعلى
للمحارب فإنه إذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً ( وثانيها ) أن يكون قد وجد من
الآلات والأدوات والإتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار
( وثالثها ) أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو .
إذا عرفت هذا فنقول ( المرتبة الأولى ) هي المراد من قوله ( أفرغ علينا صبراً)
(والثانية ) هي المراد بقوله (وثبت أقدامنا) ( والثالثة ) هي المراد بقوله ( وانصرنا على القوم
الكافرين ) .
المسألة الخامسة ﴾ احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله ( ربنا
أفرغ علينا صبراً) وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات ، ولا معنى للثبات إلا
السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى ، وهو
قوله ( أفرغ علينا صبراً) وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضاً بفعل الله
تعالى، وهو قوله (وثبت أقدامنا) وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله
تعالى ، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر ، وأسباب
ثبات القدم ، وتلك الأسباب أمور ( أحدها ) أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن
منهمٍ فيقع بسبب ذلك منهم الإضطراب فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم ، ويصير
داعياً لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام ، ( وثانيها ) أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة
بطلان ما هم عليه فيقع بينهالاختلاف والتفرق ويصير ذلك سبباً لجراءة المؤمنين عليهم
( وثالثها) أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل الموت والوباء ، وما
يكون سبباً لاشتغالهم بأنفسهم ، ولا يتفرغون حينئذ للمحاربة فيصير ذلك سبباً لجراءة
المسلمين عليهم ( ورابعها ) أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم ، أو يموت
رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سبباً لقوة قلوبهم ، وموجباً لأن

٢٠٢
قوله تعالى: ((فهزموهم بإذن الله)) سورة البَقَر؟
فَزَّهُوهُمْ بِذْنِ الَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَامَهُ اللهُالْمُلْكَ وَالْحِكَةَ وَعََّهُ مِمّ ◌َشَآءُ
وَلَوْلَ دَفْعُ اللَِّ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
اَلْعَلَمِينَ
يحصل لهم الصبر والثبات ، هذا كلام القاضي .
( والجواب عنه من وجهين) ( الأول) أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكون
والثبات عبارة عن السكون ، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك
يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام ،
ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا
حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أو ليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم
يكن لطلبها من الله فائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من
الله يحصل الرجحان ، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح ، فيجب حصول الطرف
الراجع ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب والله أعلم .
( قوله تعالى فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾.
المعنى : أن الله تعالى استجاب دعاءهم ، وأفرغ الصبر عليهم ، وثبت أقدامهم ،
ونصرهم على القوم الكافرين : جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال ( كم من فئة
قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وهزموهم بإذن الله) وأصل الهزم في اللغة الكسر، يقال سقاء
منهزم إذا تشقق مع جفاف، وهزمت العظم أو القصبة هزماً ، والهزمة نقرة في الجبل ، أو في
الصخرة ، قال سفيان بن عيينة في زمزم : هي هزمة جبريل يربي قزمها برجله فخرج الماء ،
ويقال : سمعت هزمة الرعد كأنه صوت فيه تشقق ، ويقال للسحاب : هزيم ، لأنه يتشقق
بالمطر ، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه ، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله
وبإعانته وتوفيقه وتيسيره ، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل البتة ثم قال ( وقتل داود جالوت )
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن داود عليه السلام كان راعياً وله سبعة أخوة مع طالوت فلما

٢٠٣
قوله تعالى: ((وآتاه الله الملك والحكمة)) سورة البَقَرة
أبطأ خبر أخوته على أبيهم إيشآً أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف
وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال : يا بني إسرائيل لو
كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لأخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟
فسكتوا ، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها أخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس ،
فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف
ملكي فقال دواد : فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي ،
وكان طالوت عارفاً بجلادته ، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره ، ونفذ الحجر
فيه ، وقتل بعده ناساً كثيراً ، فهزم الله جنود جالوت ( وقتل داود جالوت ) فحسده طالوت
وأخرجه من مملكته ، ولم يف له بوعده ، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل ، وملك داود
وحصلت له النبوة ، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له .
اعلم أن قوله ( فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ) يدل على أن هزيمة عسكر جالوت
كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام
العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده ، لأن الواو لا تفيد الترتيب .
أما قوله تعالى ( وآتاه الله الملك والحكمة ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة
العظيمة ، وبذلك النفس في سبيل الله ، مع أنه تعالى كان عالماً بأنه صالح لتحمل أمر النبوة ،
والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى (ولقد اخترناهم على علم على
العالمين ، وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ) وقال ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وظاهر
هذه الآية يدل أيضاً على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت ، قال بعده ( وآتاه
الله الملك والحكمة ) والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة ، يغلب على
الظن أن ذلك الإِنعام لأجل تلك الخدمة ، وقال الأكثرون : إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على
الأعمال، بل ذلك محض التفضل والإنعام ، قال تعالى ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن
الناس ) .
المسألة الثانية﴾ قال بعضهم: ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله
الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب
الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذك الحكم ، وبيان المناسبة أنه
عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزاً ، لا سيما وقد
تعلقت الأحجار معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ،

٢٠٤
قوله تعالى: ((وعلمه مما يشاء)) سورة البَقَرة
وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل ، فلا
شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضى حصول الملك له ظاهراً، وقال الأكثرون : إن حصول
الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت
بذلك ، قالوا : لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال
حياته ، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان
طالوت ، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى
الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه .
المسألة الثالثة﴾ ( الحكمة) هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ،
وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة ، قال تعالى
( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم
ملكاً عظيماً) وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) .
فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك
أدون حالاً من النبوة .
قلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ،
وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخراً من الذكر كان أعلى حالاً وأعظم
رتبة .
أما قوله تعالى ( وعلمه مما يشاء) ففيه وجوه ( أحدها ) أن المراد به ما ذكره في قوله
( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ) وقال ( وألنا له الحديد أن اعمل سابغات
وقدر في السرد) ( وثانيها) أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه ( علمنا منطق
الطير ) ( وثالثها ) أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فانه ما ورث الملك من
آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكاً بل كانوا رعاة ( ورابعها) علم الدين ، قال تعالى ( وآتينا داود
زبورا ) وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس ، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء
( وخامسها) الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل.
فان قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل
العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده ( علمه مما يشاء ) .
قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء
كان نبياً أولم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد ◌ّ﴾ ( وقل رب زدني علماً) ثم قال تعالى ( ولولا

٢٠٥
قوله تعالى: ((وعلمه مما يشاء)) سورة البقرة
دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت
وجنوده ، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا
الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال ( ولولا دفع
الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولولا دفع الله) بغير ألف، وكذلك في
سورة الحج (ولولا دفع الله) وقراً جميعاً (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) بغير ألف ووافقهما
عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا ( إن الله
يدافع عن الذين آمنوا) بالألف، وقرأ نافع ( ولولا دفاع الله) و(إن الله يدافع) بالألف.
إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ ( ولولا دفع الله ، إن الله يدفع ) فوجهه
ظاهر ، وأما من قرأ ( ولولا دفاع الله ، إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) فوجه الأشكال فيه أن
المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعاً لصاحبه ومانعاً له من
فعله ، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين
( أحدهما ) أنه مصدر لدفع ، تقول : دفعته دفعاً ودفاعاً ، كما تقول : كتبته كتباً وكتاباً ،
قالوا : وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحاً، وطمح
طماحاً، وتقول : لقيته لقاء، وقمت قياماً، وعلى هذا التأويل كان قوله ( ولولا دفاع الله )
معناه ولولا دفع الله .
والقول الثاني ﴾ قول من جعل دفاع من دافع، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة
والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين
وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة ، كما قال
( يحاربون الله ورسوله ، وشاقوا الله) وكما قال ( قاتلهم الله ) ونظائره والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية ﴾ اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به ، فقوله ( ولولا
دفع الله الناس بعضهم ) إشارة إلى المدفوع ، وقوله ( ببعض ) إشارة إلى المدفوع به ، فأما
المدفوع عنه فغير مذكور في الآية ، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل
أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا ، ويحتمل أن يكون مجموعهما .
( أما القسم الأول) وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ، فتلك الشرور إما
أن يكون المرجع بها إلى الكفر ، أو إلى الفسق ، أو إليهما ، فلنذكر هذه الإحتمالات.

٢٠٦
قوله تعالى: ((وعلمه مما يشاء)) سورة البقرة
﴿ الإحتمال الأول ﴾ أن يكون المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب
البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فانهم الذين يمنعون الناس عن
الوقوع في الكفر باظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج
الناس من الظلمات إلى النور ) .
والإِحتمال الثاني﴾ أن يكون المراد : ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي
والمنكرات بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر على ما قال تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون
عن المنكر ) ويدخل في هذا الباب : الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود
وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) وفي موضع آخر
( ويدرؤن بالحسنة السيئة ) .
﴿ الإحتمال الثالث﴾ ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا
بسبب البعض ، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام ، ثم الأئمة
والملوك الذابون عن شرائعهم ، وتقريره : أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده ، لأنه
ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا ، ولا يبني هذا لذاك ، ولا ينسج ذاك لهذا ، لا تتم
مصلحة الانسان الواحد ، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد ، فلهذا قيل : الإنسان
مدني بالطبع ، ثم إن الإجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولا ، والمقاتلة ثانياً ، فلا
بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق ، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات
والمنازعات ، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله
بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فان الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا
يقع بينهم خصام ولا نزاع ، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن
زائلة ، والمصالح حاصلة. فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة
الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا
بد في تنفيذ الشريعة من الملك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((الإِسلام والسلطان أخوان
توأمان)) وقال أيضاً ((الإسلام أمير، والسلطان حارس، فما لا أمير له فهو منهزم ، وما لا
حارس له فهو ضائع)) ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع
الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم ، ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله ( لفسدت
الأرض) أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي ، وذلك يسمى فساداً قال الله تعالى
( ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) وقال ( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس

٢٠٧
قوله تعالى: ((وعلمه مما يشاء)) سورة البقرة
إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ) وقال ( إني أخاف أن
يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) وقال ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض )
وقال ( ظهر الفساد في البر والبحر .. كسبت أيدي الناس ) وهذا التأويل يشهد له قوله في
سورة الحج ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت وامع وبيع وصلوات مساجد) .
﴿ الإحتمال الرابع﴾ ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت
الأرض ولهلكت بمن فيها، وتصديق هذا ما روى أن النبي ◌ّلي قال (( يدفع بمن يصلي من أمتي
عمن لا يصلي ، وبمن يزكي عمن لا يزكي ، وبمن يصوم عمن لا يصوم ، وبمن يحج عمن لا
يحج ، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة
عين)) ثم تلا رسول الله وسط هذه الآية على صحة هذا القول من القرآن قوله تعالى (وأما الجدار
فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً ) وقال تعالى ( ولولا رجال
مؤمنون ونساء مؤمنات ) إلى قوله ( ولو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً) وقال ( وما
كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله ( لفسدت الأرض ) أي
لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة .
والاحتمال الخامس ﴾ أن يكون اللفظ محمولاً على الكل، لأن بين هذه الأقسام قدراً
مشتركاً وهو دفع المفسدة ، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه .
المسألة الثالثة﴾ قال القاضي : هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان الجبر ، لأنه
إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
لفسدت الأرض ) ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال
الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر
يرجع إلى الناس .
( والجواب ) أن الله تعالى لما كان عالماً بوقوع الفساد ، فإذا صح مع ذلك العلم أن لا
يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود
الفساد ، فيلزم أن يكون قادراً على الجمع بين النفي والإثبات وهو محال .
أما قوله ( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) فالمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق
إنعام يعم الناس كلهم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكل بقضاء الله تعالى ، فقالوا :
لو لم يكن فعل العبد خلقاً لله تعالى ، لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلاً من الله تعالى على
أهل الدنيا لأن المتولی لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم یکن لله تعالى

٢٠٨
قوله تعالى: ((تلك آيات الله نتلوها)) الآية . سورة البقرة
٢٥
تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِنَ
( ولكن الله ذو فضل على العالمين) عقيب قوله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) يدل على
أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع ، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو
فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره .
فإن قالوا : يحمل هذا على البيان والإرشاد والأمر .
قلنا : كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع ، فعلمنا أن فضل الله
ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ﴾.
اعلم أن قوله ( تلك ) إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم
وإحيائهم وتمليك طالوت ، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء ، وغلب الجبابرة
على يد داود وهو صبي فقير ، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله
تعالی وحکمته ورحمته .
فإن قيل : لم قال ( تلك ) ولم يقل (هذه) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى
حاضر؟ .
قلنا : قد بينا في تفسير قوله ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) أن تلك وذلك يرجع إلى معنى
هذه وهذا ، وأيضاً فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى ،
فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال ( تلك ) .
أما قوله تعالى ( نتلوها ) يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة
جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه ، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام ، وهو كقوله ( إن
الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) .
أما قوله ( بالحق ) ففيه وجوه ( أحدها ) أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها
محمد رَّ، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد ، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة
( وثانيها ) ( بالحق ) أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ، لأنه في كتبهم ، كذلك من
غير تفاوت أصلاً (وثالثها) إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها

قوله تعالى: ((تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)) الآية. سورة البقرة ٢٠٩
تِلْكَ الرَّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضِ مِنْهُم مَّن ◌َّمَ الَهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ
وَءَا ◌ْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا أَقْتَثَلَ الَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِ مِنْ بَعْدِ مَآَتْهُمُ الْبِشَتُ وَلَكِ أَخْتَفُواْ فِنْهُ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُ مَّنْ كَفْرَ
وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
٢٥٣
من الفصحاحة والبلاغة ( ورابعها ) ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) أي يجب أن يعلم
أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى ، وليس بسبب إلقاء الشياطين ، ولا بسبب
تحريف الكهنة والسحرة .
ثم قال ( وإنك لمن المرسلين) وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه ( أحدها) أنك
أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة
والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى ( وثانيها ) أنك قد عرفت بهذه الآيات ما
جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم ، فلا يعظمن
عليك كفر من كفر بك ، وخلاف من خالف عليك ، لأنك مثلهم ، وإنما بعث الكل لتأدية
الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع ، لا على سبيل الإكراه ، فلا عتب عليك في
خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول وي ليه فيما يظهر من الكفار
والمنافقين ، ويكون قوله ( وإنك لمن المرسلين ) كالتنبيه على ذلك.
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وأتینا عیسی
ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم
البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما
يريد ﴾ فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (تلك) ابتداء، وإنما قال ( تلك) ولم يقل أولئك الرسل ، لأنه
ذهب إلى الجماعة ، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع ، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء
( فضلنا بعضهم على بعض ) .
=٦-١٤٢

٢١٠
قوله تعالى: ((تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)) سورة البقرة
﴿ المسألة الثانية) في قوله (تلك الرسل) أقوال (أحدها) أن المراد منه: من تقدم
ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن ، كابراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى
وغيرهم صلوات الله عليهم (والثاني ) أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل
وداود وطالوت على قول من يجعله نبياً ( والثالث ) وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين
أرسلهم الله لدفع الفساد ، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم
ببعض لفسدت الأرض ) .
المسألة الثالثة﴾ وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ
محمد ◌ً ◌ّ من أخبار المتقدمين مع قومهم ، كسؤال قوم موسى ( أرنا الله جهرة ) وقولهم ( اجعل
لنا إلهاً كما لهم آلهة ) وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص بإذن
الله فكذبوه وراموا قتله ، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود ، وفريق زعموا أنهم أولياؤه
وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت
ودفعوا ملكه بعد المسألة ، وكذلك ما جرى من أمر النهر ، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه
من التكذيب والحسد، فقال: هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين
درجات وأيد عيسى بروح القدس ، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات ،
وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك ، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك ،
ولكن ما قضى الله فهو كائن ، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية
الرسول ◌َل# على إيذاء قومه له .
المسألة الرابعة﴾ أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض ، وعلى أن
محمد ◌ً يّ أفضل من الكل ، ويدل عليه وجوه ( أحدها) قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين) فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين .
الحجة الثانية ) قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرك) فقيل فيه لأنه قرن ذکر محمد بذکره في
كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهيد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك .
الحجة الثالثة ﴾ أنه تعالى قرن طاعته بطاعته ، فقال ( من يطع الرسول فقد أطاع
الله) وبيعته ببيعته فقال ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) وعزته بعزته
فقال ( ولله العزة ولرسوله ) ورضاه برضاه فقال ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وإجابته
بإجابته فقال ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسوله ).
الحجة الرابعة ﴾ أن الله تعالى أمر محمداً بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال

٢١١
قوله تعالى: (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض سورة البقرة
( فأتوا بسورة من مثله ) وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل
ثلاث آيات من القرآن ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز
القرآن معجزاً واحداً بل يكون ألفى معجزة وأزيد .
وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، فلأن
يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى .
﴿ الحجة الخامسة﴾ أن معجزة رسولنا مثل أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن
يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء .
بيان الأول قوله عليه السلام (القرآن في الكلام کآدم في الموجودات».
بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك .
﴿ الحجة السادسة) أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف
والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم أنه
سبحانه جعل معجزة محمد طه باقية إلى آخر الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية .
الحجة السابعة) أنه تعالى بعد ما حكي أحوال الأنبياء عليهم السلام قال ( أولئك
الذين هدى الله فبهداهم اقتده) فأمر محمد ◌َّله بالاقتداء بمن قبله، فاما أن يقال: إنه كان
مأموراً بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين وهو غير
جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق ، فكأنه
سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن
مقتديا بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه أجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقاً فيهم ،
فوجب أن يكون أفضل منهم .
﴿ الحجة الثامنة﴾ أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضى أن تكون مشقته
أكثر، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى ( وما أرسلناك إلا
كافة للناس ) وأما أن ذلك يقتضى أن تكون مشقته أکثر فلأنه کان إنسانا فردا من غیر مال ولا
أعوان وأنصار ، فاذا قال لجميع العالمين ( يا أيها الكافرون ) صار الكل أعداء له ، وحينئذ
يصير خائفا من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فان موسى عليه السلام لما بعث إلى بني
إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا
أعداء له ، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل
واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيداً وبلغ إليه خبرا یوحشه ويؤذيه ، فانه قلما سمحت
نفسه بذلك ، مع أنه إنسان واحد ، ولو قيل له : أذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنيس ولا

٢١٢
قوله تعالى: (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)) سورة البقرة
صديق ، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، أما
النبي ◌َّ فانه كان مأموراً بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا
عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من
هذه الحالة ولم يتلكأ ، بل سارع إليها سامعاً مطيعاً ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله
أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) ومعلوم أن
ذلك البلاء كان على الرسول ◌َ لير ، فاذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك
بالرسول ، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره
لقوله عليه السلام ((أفضل العبادات أحمزها)).
الحجة التاسعة) أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد الخير
أفضل الأنبياء ، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخاً لسائر الأديان ، والناسخ يجب أن
يكون أفضل لقوله عليه السلام (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة )) فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثواباً ، كان واضعه أكثر ثواباً من واضعي سائر
الأديان ، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء .
الحجة العاشرة﴾ أمة محمد أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل
الأنبياء ، بيان الأول قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس ) بيان الثاني أن هذه الأمة إنما
نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد علي، قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )
وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع ، وأيضاً أن محمداً ي أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن
والإِنس ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثراً في علو شأن المتبوع .
﴿ الحجة الحادية عشرة) أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل ، لأن
نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.
﴿ الحجة الثانية عشرة ﴾ أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة
المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم ، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام
ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجما تى اسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كاشباع الخلق
الكثير من الطعام القليل وإروائهم من الماء القليل ، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن
الغيوب ، وفصاحة القرآن ، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل ، نحو كونه أشرف نسباً من
أشراف العرب ، وأيضاً كان في غاية الشجاعة ، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه
لعمرو بن ود : كيف وجدت نفسك يا علي ، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب
وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فانه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك ، الحديث

٢١٣
قوله تعالى: (( تلك الرسل فضلنا)) سورة البقرة
إلى آخره وهو مشهور ، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه ، وكتب الحديث ناطقة
بتفصيل هذه الأبواب .
الحجة الثالثة عشرة) قوله عليه السلام ((آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة )) وذلك
يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))
وقال عليه السلام (( لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا ، ولا يدخلها أحد من
الأمم حتى تدخلها أمتي)) وروى أنس قال ◌َ له(( أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا
خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي
ولا فخر)) وعن ابن عباس قال: جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله وَيّ
حديثهم فقال بعضهم : عجباً إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام
موسى كلمه تكليماً ، وقال آخر : فعيسى كلمه الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج
رسول اللهێ﴾ وقال : قد سمعت كلامکم وحجتکم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى
نجى الله وهو كذلك ، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ، ألا
وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع وأنا أول
مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء
المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر .
الحجة الرابعة عشرة ﴾ روي البيهقي في فضائل الصحابة أنه ظهر علي بن ابي طالب
من بعيد فقال عليه السلام : هذا سيد العرب فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ فقال
أنا سيد العالمين وهو سيد العرب ، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام .
﴿ الحجة الخامسة عشرة﴾ روي مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله وله
((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث
إلى قومه ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا ، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر ،
وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي ، فهي نائلة إن
شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً )) وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضلة بهذه الفضائل
على غيره .
﴿ الحجة السادسة عشرة﴾ قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى: إن
كل أمیر فانه تكون مؤنته على قدر رعيته ، فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر
تلك القرية ، ومن ملك الشرق والغرب أحتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك
القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطى من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما
حمل من الرسالة ، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز

٢١٤
قوله تعالى: ((تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)) سورة البقرة.
الروحانية بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن
يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب ، وإذا كان كذلك
كانت نسبة نبوة محمد ◌ّية إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد
المخصوصة ، ولما كان كذلك لا جرم أعطى من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله، فلا
جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشرقال تعالى في حقه (. فأوحى إلى عبده ما
أوحى) وفي الفصاحة إلى أن قال ((أوتيت جوامع الكلم)) وصار كتابه مهيمنا على الكتب
وصارت أمته خير الأمم .
﴿ الحجة السابعة عشرة﴾ روي محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب النوادر:
عن أبي هريرة عن النبي هو أنه قال ((إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وموسى نجيا، واتخذني
حبیبا ، ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجي )) .
﴿ الحجة الثامنة عشرة ﴾ في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول
الله ◌َّ ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع
لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت
ههنا لبنة فيتم بناؤك ؟ فقال محمد: كنت أنا تلك اللبنة)).
﴿ الحجة التاسعة عشرة﴾ أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه ( يا آدم
اسكن ، وناديناه أن يا إبراهيم ، يا موسى إني أنا ربك ) وأما النبي عليه السلام فانه ناداه بقوله
( يا أيها النبي ، يا أيها الرسول ) وذلك يفيد الفضل .
واحتج المخالف بوجوه ( الأول) أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، فان
آدم عليه السلام كان مسجوداً للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ، وإن إبراهيم
عليه السلام ألقى في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحاناً عليه ، وأن موسى عليه السلام
أوتی تلك المعجزات العظیمة ، ومحمد ما کان له مثلها ، وداود لأن له الحديد في يده ، وسلیمان
كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له، وما كان ذلك حاصلا لمحمد الخلية،
وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك
حاصلا لمحمد ◌َل .
﴿ الحجة الثانية﴾ أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا، فقال (واتخذ الله إبراهيم
خليلا ) وقال في موسى عليه السلام ( وكلم الله موسى تكليما ) وقال في عيسى عليه السلام
( ونفخنا فيه من روحنا ) وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام .
﴿ الحجة الثالثة) قوله عليه السلام ((لا تفضلوني على يونس بن متى)) وقال ◌َله(( لا
تخيروا بين الأنبياء )).

٢١٥
قوله تعالى: (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض.)) سورة البقرة
الحجة الرابعة﴾ روي عن ابن عباس : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا
نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى
السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال: فيم أنتم؟ فذكرنا له فقال ((لا ينبغي
لأحد أن يكون خيراً من يحي ابن زكريا )) وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها .
(والجواب) أن كون آدم عليه السلام مسجوداً للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من
محمد عليه السلام، بدليل قوله ◌َ لي ((آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة)) وقال (( كنت نبياً
وآدم بين الماء والطين)) ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد ◌ّ ليلة المعراج ، وهذا
أعظم من السجود ، وأيضاً أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة
عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه ( الأول ) أنه تعالى أمر الملائكة
بسجود آدم تأديباً، وأمرهم بالصلاة على محمد ◌ٍّ تقريباً (والثاني) أن الصلاة على محمد عليه
السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة
(الثالث) أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة، وأما الصلاة على محمد دل فإنما تولاها رب
العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين ( والرابع ) أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور
محمد عليه السلام في جبهة آدم .
فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وأما محمد عليه
السلام فقال في حقه ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) وقال ( ووجدك ضالا فهدى )
وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال ( وعلم آدم الأسماء ) ومعلم محمد عليه السلام جبريل
عليه السلام لقوله ( علمه شديد القوى ) .
( والجواب) أنه تعالى قال في علم محمد ◌َّة (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله
عليك عظيما) وقال عليه السلام ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وقال تعالى ( الرحمن علم
القرآن) وكان عليه السلام يقول ((أرنا الأشياء كما هي)) وقال تعالى لمحمد عليه السلام ( وقل
رب زدني علما ) وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى (علمه شديد القوى ) فذاك بحسب التلقين ،
وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال ( قل يتوفاكم ملك الموت ) ثم قال تعالى ( الله
يتوفى الأنفس حين موتها ) .
فان قيل : قال نوح عليه السلام ( وما أنا بطارد المؤمنين ) وقال الله تعالى لمحمد عليه
السلام ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن .
قلنا : إنه تعالى قال ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب

٢١٦
قوله تعالى: ((منهم من كلم الله)) سورة البقرة
أليم) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه ( وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى قوله ( رؤوف رحيم ) فكان عاقبة نوح أن قال
( رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة ( عسى أن
يبعثك ربك مقاماً محموداً) وأما سائر المعجزات فقد ذكر في كتب دلائل النبوة في مقابلة كلّ
واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد ◌َّ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله
أعلم .
وأما قوله تعالى ( منهم من كلم الله ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد منه من كلمه الله تعالى، والهاء تحذف كثيراً كقوله تعالى ( وفيها
ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) .
المسألة الثانية) قرىء (كلم الله) بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ،
لأن كل مؤمن فانه يكلم الله على ما قال عليه السلام ((المصلي مناج ربه)) إنما الشرف في أن يكلمه
الله تعالى ، وقرأ اليماني ( كالم الله) من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي ،
الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك فانه لما لم
يمتنع رؤية ما لیس یمکیف، فکذا لا يستبعد سماع ما ليس بمکیف ، وقال الماتريدي : سماع
ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف والصوت .
المسألة الرابعة ﴾ اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى (منهم من كلم
الله) قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله ( واختار
موسى قومه سبعين رجلاً) وهل سمعه محمد ◌ٍّ ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم
بدليل قوله ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) .
فإن قيل : إن قوله تعالى ( منهم من كلم الله ) المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك
الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام ، قال ( وكلم
الله موسى تكلياً ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال ( أنظرني إلى يوم
يبعثون ، قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه
الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف
حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفاً فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام
حيث قال ( وكلم الله موسى تكليماً ) ؟

٢١٧
قوله تعالى: ((ورفع بعضهم درجات)) سورة البقرة
والجواب ) أن قصة إبليس لیس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير
واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة .
أما قوله تعالى ( ورفع بعضهم درجات ) ففيه قولان ( الأول ) أن المراد منه بيان أن
مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يؤت أحداً مثله هذه
الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير
والريح ، ولم يكن هذا حاصلاً لأبيه داود عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه
مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على
المناصب والمراتب ، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء
أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام، وهي قلب
العصاحية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه
وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمة والأبرص ، وإحياء الموتى ،
كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه
السلام ، وهي القرآن من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات
متفاوتة بالقلة والكثرة ، وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن
يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة ، فإذا
تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمداً ◌ٍّ كان مستجمعاً للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى
وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر .
القول الثاني﴾ أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام، لأنه هو المفضل على الكل ،
وإنما قال ( ورفع بعضهم درجات ) على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له : من
فعل هذا فيقول : أحدكم أو بعضکم ویرید به نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ،
وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيراً والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث
أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة .
فإن قيل : المفهوم من قوله ( ورفع بعضهم درجات ) هو المفهوم من قوله ( تلك الرسل
فضلنا بعضهم على بعض ) فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضاً قوله ( تلك الرسل فضلنا بعضم على
بعض ) كلام كلي ، وقوله بعد ذلك ( منهم من كلم الله ) شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله
بعد ذلك ( ورفع بعضهم درجات ) إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع
في تفصیل جزئیاته یکون مستدركاً .

٢١٨
قوله تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات)) سورة البَقَرة
( والجواب ) أن قوله ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) يدل على إثبات تفضيل
البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات
قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله ( ورفع بعضهم درجات ) فيه فائدة زائدة فلم يكن
تكريراً .
أما قوله تعالى ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) ففيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ أنه تعالى قال في أول الآية (فضلنا بعضهم على بعض ) ثم عدل عن
هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال ( منهم من کلم الله ورفع بعضهم درجات ) ثم عدل من
المغايبة إلى النوع الأول فقال ( وآتينا عيسى بن مريم البينات ) فما الفائدة في العدول عن
المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟
( والجواب ) أن قوله ( منهم من كلم الله) أهيب وأكثر وقعاً من أن يقال : منهم من
كلمنا ، ولذلك قال ( وكلم الله موسى تكليماً) فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة .
وأما قوله ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) فأنما إختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في
قوله ( وآتينا ) ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء .
﴿ السؤال الثاني ﴾ لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على
أنهما أفضل من غيرهما ؟
( والجواب ) سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضاً
فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما
بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة
معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في
طاعتهما أعرضوا.
﴿ السؤال الثالث﴾ تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء
البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم : إنما خصهما بالذكر لأن تلك
البينات أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه
السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة .
( الجواب ) المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه

٢١٩
قوله تعالى: ((وأيدناه بروح القدس)) سورة البقرة
السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة.
السؤال الرابع ﴾ البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام.
قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم.
أما قوله تعالى ( وأيدناه بروح القدس ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم.
المسألة الثانية ) في تفسيره أقوال ( الأول) قال الحسن : القدس هو الله تعالى ،
وروحه جبريل عليه السلام ؛ والإضافة للتشريف، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول
أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله (فنفخنا فيه من روحنا) وأما في وسطه
فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت
اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس
جبريل عليه السلام قوله تعالى ( قل نزله روح القدس ) .
والقول الثاني ﴾ وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الإسم الذي كان
يجي به عيسى عليه السلام الموتى .
﴿ والقول الثالث﴾ وهو قول أبي مسلم: أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن
يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي
الذكر والأنثى .
ثم قال تعالى ( ولو شاء الله ماقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ) وفيه
مسائل :
المسألة الأولى﴾ تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعد ما جاءتهم البينات ،
ووضحت لهم الدلائل والبراهين ، اختلفت أقوامهم ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ،
وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا .
﴿ المسألة الثانية) احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية، وقالوا
تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم
الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئة عدم
الاقتتال مفقودة، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ،

٢٢٠
قوله تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل)) سورة البقرة
فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى أن قتل
الكفار وقتالهم للمؤمنين بارادة الله تعالى .
وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الإستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا
قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال : إنه تعالى لو شاء
لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من
القتال جبراً وقسراً وإذا كان كذلك فقوله ( ولو شاء الله ) المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ،
وهذا كما يقال : لوشاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى الخمر ،
والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال : إذا كانت
المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما
وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية .
( والجواب ) أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم کونها
مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة ، لا من حيث إنها
مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلاً ، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي
إما مشيئة الهلاك ، أو مشيئة سلب القوى والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق
وهو غير جائز، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل
القاطع ، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالماً بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم
وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول العلم بوجود
الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال ، فثبت أن
ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق .
ثم قال ( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) فقد ذكرنا في أول الآية أن
المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ،
وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم
التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا
تقع إلا لهذا الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل
على أن الفعل يمتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ثبت ذلك
ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعاً
للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضاً من هذا الوجه على صحة مذهبنا .