Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((فمن الناس من يقول)) سورة البقرة
عظموا الله كتعظيمكم آبائكم ( وخامسها ) قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله
بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف
منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية ، بل
المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك، وهذا هو المراد بقوله ( أو أشد ذكراً) (وسادسها) أن
الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكراً له بالتعظيم ، فكونوا أنتم في ذكر
الله تعالى ( سابعها ) يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند
الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة
بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك
وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل ، وقد نهى رسول الله وسيلة عن أن يحلفوا بآبائهم فقال
((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم
الله تعالى ولا إله غيره ( وثامنها) روى عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن
تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء .
واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه
مشتركة في شيء واحد ، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له
دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه ، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم
الأکرمین.
أما قوله تعالى ( أو أشد ذكراً ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ عامل الإعراب في (أشد) قيل: الكاف، فيكون موضعه جراً
وقيل : ( اذكروا ) فيكون موضعه نصباً ، والتقدير : اذكروا الله مثل ذكركم آباءكم ، واذكر وه
( أشد ذكراً ) من آبائكم .
﴿ المسألة الثانية ) قوله (أو أشد ذكراً) معناه: بل أشد ذكراً، وذلك لأن مفاخر
آبائهم كانت قليلة ، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية ، فيجب أن يكون
اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله تعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم ، قال
القفال رحمه الله : ومجاز اللغة في مثل هذا معروف ، يقول الرجل لغيره : افعل هذا إلى شهر أو
أسرع منه ، لا يريد به التشكيك ، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه .

٢٠٢
قوله تعالى ((فمن الناس من يقول)) الآية (سورة البقرة
فِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَاَ ءَاِنَا فِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِ اْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ
وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبِّنَاءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَّابَّ الَّارِ ﴾
أَوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ تِّ كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحَابِ
قوله تعالى ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق، ومنهم من
يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله
سريع الحساب ﴾ في الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج ، ثم أمر بعدها
بالذكر ، فقال ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم ) ثم
بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره ، وأن يقتصر على ذكره فقال ( فاذكروا الله کذکر کم آباءکم أبو
أشد ذكراً) ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في
الدنيا ) وما أحسن هذا الترتيب ، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وازالة ظلماتها ،
ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله ، ثم بعد ذلك
الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل اذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكى عن إبراهيم
عليه السلام أنه قدم الذكر فقال ( الذي خلقني فهو يهدين ) ثم قال ( رب هب لي حكما
وألحقني بالصالحين ) فقدم الذكر على الدعاء .
إذا عرفت هذا فنقول : بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان ( أحدهما ) أن
يكون دعاؤهم مقصوراً على طلب الدنيا ( والثاني ) الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا
وطلب الآخرة ، وقد كان في التقسيم قسم ثالث ، وهو من يكون دعاؤه مقصوراً على طلب
الآخرة ، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا؟ والأكثرون على أنه غير
مشروع ، وذلك أن الإنسان خلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة ،
فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة ، روى القفال في تفسيره عن أنس أن
النبي ټ دخل على رجل یعوده وقد أنهكه المرض ، فقال : ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال :
كنت أقول . اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا ، فقال النبي عليه السلام
(( سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذاب النار ))) قال فدعا له رسول الله له فشفى.
:
:
:

١٠٣
قوله تعالى ((فمن الناس من يقول)) سورة البقرة
واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن ، أو على منبت شعرة
واحدة ، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروماً عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال
بذكره ، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه ، فثبت أن الاقتصار في
الدعاء على طلب الآخرة غير جائز ، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين ، وأهمل هذا
القسم الثالث.
المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على
طلب الدنيا من هم؟ فقال قوم : هم الكفار ، روى عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون
إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلا وبقراً وغنماً وعبيداً وإماء ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ،
وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد ، وعن أنس كانوا يقولون : اسقنا المطر وأعطنا على
عدونا الظفر ، فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة ، أي لا
نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب ، نقل عن الشيخ أبي على الدقاق رحمه الله أنه قال :
أهل النار يستغيثون ثم يقولون : أفيضوا علينا من الماء ، أو مما رزقكم الله في الدنيا ، طلباً
للمأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة ، وقال آخرون .
هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم ، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من
جملة الذنوب حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها
الفاني ، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة ، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له
في الآخرة ، وإن كان الفاعل مسلماً ، كما روى في قوله ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم
ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق هم في الآخرة ) أنها نزلت فیمن أخذ مالا بیمین فاجرة ، روى عن
النبي ◌َّل، ((إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ثم معنى ذلك على وجوه (أحدها ) أنه
لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب (والثاني ) لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه
( والثالث ) لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ
مالا بيمين فاجرة وكخلاق من تورع عن ذلك والله أعلم.
المسألة الثالثة) قوله تعالى (ربنا آتنا في الدنيا) حذف مفعول ( آتنا ) من الكلام لأنه
كالمعلوم ، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث : روحانية ، وبدنية ، وخارجية ، أما الروحانية
فاثنان : تكميل القوة النظرية بالعلم ، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة ، وأما البدنية
فاثنان : الصحة والجمال ، وأما الخارجية فاثنان : المال ، والجاه ، فقوله ( آتنا في الدنيا )
يتناول كل هذه الأقسام فان العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان
من الدنيا ، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من

٢٠٤
قوله تعالى ((ومنهم من يقول)) سورة البقرة
الدنيا ، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جسمانية إلا لأجل
الدنیا ، ثم قال تعالى في حق هذا الفریق ( وماله في الآخرة من خلاق ) أي ليس له نصيب في
نعيم الآخرة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( من کان یرید حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان
يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن
الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا؟ قال بعضهم: إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل
للاجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان ولياً لله تعالى مستحظاً
للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفاً حياً فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال ( وما من دابة
في الأرض إلا على الله رزقها) وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجاباً، لكن تلك
الإِجابة قد تكون مكراً واستدراجاً .
أما قوله تعالى (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار ) فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً ( أحدها) أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة،
والأمن ، والكفاية والولد الصالح ، والزوجة الصالحة ، والنصرة على الأعداء ، وقد سمى الله
تعالى الخصب والسعة في الرزق، وما أشبهه ((حسنة)) فقال (إن تصبك حسنة تسؤهم) وقيل
في قوله ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) أنهما الظفر والنصرة والشهادة ، وأملا
الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب ، وبالجملة فقوله ( ربنا آتنا في
الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) كلمة جامعة جميع مطالب الدنيا والآخرة ور وی حماد بن
سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار )) قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا
والآخرة ولقد صدق أنس فانه ليس للعبد دار سوی الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا
وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه ( وثانيها) أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو
الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته
وبرؤيته وروی الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه ( ربنا آتنا في الدنيا.
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ما أعلم أن هذا
الرجل سأل الله شيئاً من أمر الدنيا ، فقال بعض الصحابة : بلی یا رسول الله إنه قال « ربنا
آتنا في الدنيا حسنة)) فقال رسول الله ◌َله، إنه يقول: آتنا في الدنيا عملاً صالحاً وهذا متأكد بقوله
تعالى (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) وتلك القرة هي أن
يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية (وثالثها ) قال قتادة :
الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين ، وعن الحسن : الحسنة في الدنيا فهم
كتاب الله تعالى ، وفي الآخرة الجنة ، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لوقيل ، آتنا في الدنيا

٢٠٥
قوله تعالى ((ومنهم من يقول)) سورة البقرة
الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال ( آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة ) وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف
المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة.
فان قيل : أليس أنه لوقيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولا
لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير؟ .
قلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن
يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقاً
لقضائك وقدرك فأعطني ذلك ، فلو قال : اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك
جزما ، وقد بينا أنه غير جائز ، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان
المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحکمه وحكمته
فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين.
أما قوله تعالى ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) ففيه مسائل:
{ المسألة الأولى) قوله تعالى (أولئك) فيه قولان ( أحدهما) إنه إشارة إلى الفريق
الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث
قال ( وما له في الآخرة من خلاق ) .
( والقول الثاني) أنه راجع إلى الفریقین أی لکل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما
نواه ، فمن أنكر البعث وحج التماساً لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه ، أو
یکون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصیب مثله في دنياه كما قال ( من كان يريد حرث الآخرة
نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ) .
أما قوله تعالى ( لهم نصیب مما کسبوا ) ففيه سؤالات :
السؤال الأول ) قوله ( لهم نصيب مما كسبوا ) يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد
منه ؟ .
( الجواب ) المراد : لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله
( من) في قوله ( مما كسبوا ) لابتداء الغاية لا للتبعيض .
السؤال الثاني ﴾ هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل؟.

٢٠٦
قوله تعالى ((والله سريع الحساب)) سورة البقرة
( الجواب ) نعم . ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي.
﴿ السؤال الثالث﴾ ما الكسب؟.
( الجواب ) الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فیکون کسبه ومكتسبه ، بشرط أن
يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة ، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح : إنها كسب فلان ، وأنه
كثير الكسب أو قليل الكسب ، لأنه لا يراد إلا الربح ، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن
الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام.
أما قوله تعالى ( والله سريع الحساب ) ففيه مسائل.
﴿ المسألة الأولى﴾ (سريع) فاعل من السرعة ، قال ابن السكيت : سرع يسرع سرعها
وسرعة فهو سريع ( والحساب ) مصدر كالمحاسبة ، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال :
حسب يحسب حساباً وحسبة وحسباً إذا عد ذكره الليث وابن السكيت ، والحسب ما عد ومنه.
حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره ، والاحتساب الاعتداد بالشيء ، وقال الزجاج :
الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم : حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حساباً
لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان .
المسألة الثانية ﴾ اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسباً لخلقه على وجوه
( أحدها) أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم ، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم
الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها ، وبمقادير ما لهم من الثواب
والعقاب ، قالوا : ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه ،
فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وهذا مجازر
مشهور ، ونقل عن ابن عباس أنه قال : إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى
ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم ، فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ، ثم
يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
والقول الثاني ﴾ أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى (وكأين من قرية عتت عن
أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً) ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء
وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز ، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة.
والقول الثالث ﴾ أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب
والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعناً
يسمع به كلامه القدیم کما أنه يخلق في عينه رؤية یری بها ذاته القديمة ، ومن قال إنه صوت قال
:
:
:

٢٠٧
قوله تعالى ((واذكروا الله في أيام)) الآية . سورة البَقَرة
وَذْ كُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَِّ مَّعْدُودَاتٍ فَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَّنِ فَلَا إِنَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَّرَ فَلَّ إِنْمَ
عَلَيْهِ لِمَن أَتَّقَ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في
جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به ، فهذا
هو المراد من كونه تعالى محاسباً خلقه
المسألة الثالثة﴾ ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها (أحدها) أن
محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوماً ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه
وعقابه ، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعاً في أذن
كل مكلف يسمع به الكلام القديم ، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتاً دالاً على مقادير
الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسباً إلى أنه تعالى يخلق
شيئاً ، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات ، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق
مادة ولا مدة ولا آلة ولا يستغله شأن عن شأن لا جرم كان قادراً على أن يخلق جميع الخلق في أقل
من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر ، ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب
ناقة ( وثانيها ) أن معنى كونه تعالى ( سريع الحساب ) أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة
لهم ، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور
الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتيه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع
واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب ، فأعلم الله تعالى أنه ( سريع الحساب ) أي
هو عالم بجملة سؤالات السائلين ، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد ، ولا إلى فكرة ورويه ،
وهذا معنى الدعاء المأثور (( يا من لا يشغله شأن عن شأن)) وحاصل الكلام في هذا القول أن
معنى كونه تعالى ( سريع الحساب ) كونه تعالى عالماً بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز
فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم
فأطلق اسم السبب على المسبب ( وثالثها ) أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة.
قوله تعالى ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا
إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ .
اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين ( أحدهما ) أن ذلك كان
/

٢٠٨
قوله تعالى ((وأذكروا الله)) سورة البقرة
أمراً مشهوراً فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك ، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم
كانوا لا يفعلونه ( والثاني) لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الأيام دليلا
عليه ، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال ( واذكروا الله في أيام معدودات )
وفيه مسائل:
المسألة الأولى) إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات ، والأيام
المعلومات فقال هنا ( واذكروا الله في أيام معدودات ) وقال في سورة الحج ( ليشهدوا منافع لهم
ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر
الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وهي أيام
التشريق ، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريق بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات ، والأيام
لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة ، ثم قال بعده ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا
إثم عليه ) وهذا يقتضى أن يكون المراد ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) من هذه الأيام
المعدودات ، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق ،
فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، والقفال أكد هذا بما روى في تفسيره عن عبد
الرحمن بن نعمان الديلمي، أن رسول الله له أمر منادياً فنادى ((الحج عرفة من جاء ليلة جمع
قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ،
ومن تأخر فلا إثم عليه )) وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، قال الواحدي
رحمة الله عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر ( أولها) يوم النفر ، وهو اليوم
الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى ( والثاني ) يوم النفر الأول لأن بعض الناس
ينفرون في هذا اليوم من منى ( والثالث ) يوم النفر الثاني ، وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر
كلها أيام النحر ، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير إدباو
الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه .
١
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد بالذكر في هذه الأيام: الذكر عند الجمرات، فإنه يكبر مع
كل حصاة والذكر ادبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك ، إلا أنهم اختلفوا في مواضع :
الموضع الأول﴾ أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بادبار الصلوات مختصة بعيد
الأضحى ، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف.
القول الأول﴾ أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام
التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة ، وهو قول ابن عباس وابن

٢٠٩
قوله تعالى ((واذكروا الله)) سورة البقرة
عمر ، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله ، والحجة فيه أن الأمر بهذه
التكبيرات إنما ورد في حق الحاج ، قال تعالى ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) ثم قال ( واذكروا
الله في أيام معدودات فمن تعجل في يويمين فلا إثم عليه ) وهذا إنما يحصل في حق الحاج ، فدل
على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج ، وسائر الناس تبع لهم في ذلك ، ثم إن
صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى ، فانهم يلبون قبل ذلك ، وآخر صلاة
يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق
غير الحاج مقيد بهذا الزمان .
القول الثاني ﴾ للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، إلى
صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة
صلاة .
﴿والقول الثالث﴾الشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ بها من صلاة الفجريوم عرفة، وينقطع بعد
صلاة العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة، وهو
قول أكابر الصحابة ، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي
يوسف ومحمد وأحمد وإسحق والمزني وابن شريح ، وعليه عمل الناس بالبلدان ، ويدل عليه
وجوه ( الأول) ما روى جابر أن النبي ◌ّ صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال: الله
أكبر ، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق ( والثاني ) أن الذي قاله أبو حنيفة أخذ
بالأقل ، وهذا القول أخذ بالأكثر ، والتكثير في التكبير أولى ، لقوله تعالى ( اذكروا الله ذكراً
كثيراً) ( الثالث ) أن هذا هو الأحوط ، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها
( والرابع ) أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق ، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام
التشريق .
فإن قيل : هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، فوجب أن لا
تكون مشروعة يوم عرفة .
قلنا : فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع ، وأيضاً لما كان الأغلب في
هذه المدة أيام التشريق ؛ صح أن يضاف التكبير إليها .
الموضع الثاني﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثاً
نسقاً أي متابعاً ، وهو قول مالك ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يكبر مرتين ، حجة الشافعي ما
الفخر الرازي ج ٥ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى ((فمن تعجل )) سورة البقرة
روي عبد الله ابن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، قال: رأيت الأئمة یکبرون في أيام
التشريق بعد الصلاة ثلاثاً ، ولأنه زيادة في التكبير ، فكان أولى لقوله تعالى ( اذكروا الله ذكراً
كثيراً) ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ويقول بعد الثلاث (( لا إله إلا الله والله أكبر ولله
الحمد)) ثم قال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن ، وقال في التلبية: وأحب أن لا يزيد على.
تلبية رسول الله له ، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها ،
وههنا یکېر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت ، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن
النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة ، فينبغي أن يفعل ذلك .
أما قوله تعالى ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) ففيه
سؤالات :
:
السؤال الأول ﴾ لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل ؟ .
( الجواب ) قال صاحب الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ،
يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله .
﴿ السؤال الثاني ﴾ قوله ( ومن تأخر فلا إثم عليه) فيه إشكال ، وذلك لأنه إذا كان قد
استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج ، فما معنى قوله ( فلا إثم عليه ) فإن هذا اللفظ إنما يقال في
حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل .
(والجواب) من وجوه ( أحدها) أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل
أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم ، ألا ترى أن أبا حنيفة
رضي الله عنه يقول : القصر عزيمة ، والإتمام غير جائز، فلما كان هذا الإحتمال قائماً ، لا جرم
أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين ، فإن شاء استعجل وجرى على موجب
الرخصة ، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة ، ولا إثم عليه في الأمرين جميعاً
( وثانيها) قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل ، ومنهم من كان يتأخر ، ثم كل
واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله ، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج.،
وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج ، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من
القسمين ولا إثم ، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل ( وثالثها ) أن المعنى في إزالة الأثم عن
المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث ، فكأنه قيل : إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي
ثلاث ، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه ، ومن زاد عليها فتأخر عن
الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ( ورابعها) أن هذا الكلام إنما ذكر

٢١١
قوله تعالى (( فمن تعجل)) سورة البقرة
مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول
الترياق ، فالطبيب يقول له : الآن إن تناولت السم فلا ضرر ، وإن لم تتناول فلا ضرر ،
مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار ، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله
يجريان مجرى واحد ، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفراً لكل
الذنوب ، لا بيان أن التعجل وتركه سيان ، ومما يدل على كون الحج سبباً قوياً في تكفير الذنوب
قوله عليه الصلاة والسلام (( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ))
(وخامسها ) أن كثيراً من العلماء قالوا : الجوار مكروه ، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه
عن عينه ، وإذا كان غائباً إزداد شوقه إليه ، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على
هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل ، وأيضاً من تعجل في يومين فقد
انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى ، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك
الاستعجال في الطواف فلهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر ؟
فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما ( وسادسها ) قال الواحدي رحمه الله تعالى :
إنما قال ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية ، كقوله ( وجزاء سيئة
سيئة مثلها ) وقوله ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ونحن نعلم أن
جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان ، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في
المعنى ، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى ، لأن المبرور المأجور يصح في
المعنى نفي الإثم عنه .
﴿ السؤال الثالث ﴾ هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من
المزدلفة ؟ .
( الجواب ) نعم ، كما كان في قوله ( فإذا أفضتم من عرفات ) دليل على وقوفهم بها .
واعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من
اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث
لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم ، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا
مذهب الشافعي ، وقول كثير من فقهاء التابعين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجوز له أن
ينفر ما لم يطلع الفجر ، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد .
أما قوله تعالى ( لمن اتقى) ففيه وجوه (أحدها ) أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن
يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب ، ومعناه التحذير من الاتكال

٢١٢
قوله تعالى (( ومن الناس من يعجبك )) الآية . سورة البَقَرة
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعِْبُكَ قَوْلُهُ، فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيُشْبِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ
وَهُوَ أَلَّ ◌َنِصَامِ (﴾ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار
بالحج السابق ( وثانيها ) أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجه ، كما قال تعالى
( إنما يتقبل الله من المتقين ) وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى
الفرض في الظاهر ( وثالثها) أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال
اشتغاله بالحج ، كما روى في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام ((من حج فلم يرفث ولم
يفسق)) واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال
والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله ( لمن اتقى ) ما يلزمه التوقي في
الحج عنه من قتل الصيد وغيره ، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوماً ، وربما صار عمله محبطاً ،
وهذا ضعيف من وجهين ( الأول ) أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل ( الثاني ) أن هذا لا يصح
إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام ، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق ، فقد تحلل قبل
رمي الجمار فلايلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم ، لكن ذاك ليس للإحرام ، لكن اللفظ مشعر بأن
هذا الإِتقاء معتبر في هذه الأيام ، فسقط هذا الوجه .
أما قوله تعالى ( واتقوا الله ) فهو أمر في المستقبل ، وهو مخالف لقوله (لمن اتقى ) الذي
أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار ، وقد علمت أن التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك
المحرمات .
فأما قوله ( واعلموا أنكم إليه تحشرون ) فهو تأكيد للأمر بالتقوى ، وبعث على التشديد
فيه ، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة ، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو
النار ، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى ، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء
خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور ،
والمراد بقوله ( إليه) أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه ، ولا يستطيع أحد دفعاً عن
نفسه ، كما قال تعالى ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ) .
قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد
الخصام ، وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل

٢١٣
قوله تعالى ((ومن الناس من يعجبك)) الآية . سورة البقرة
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أْخَلَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِنِ ◌َسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَيْسَ الْمِهَادُ
له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو الذي يقول
( ربنا آتنا في الدنيا) ومسلم وهو الذي يقول ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) بقي
المنافق فذكره في هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل
ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، وأن يعلموا أن
المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية
مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفة المذكورة
فى هذه الآية ، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه :
فالرواية الأولى ﴾ أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة
أقبل إلى النبي ◌َّ وأظهر الإِسلام، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك، وهذا هو المراد بقوله
( يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ) غير أنه كان منافقاً حسن العلانية
خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق
الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث
والنسل) وقال آخرون المراد بقوله تعالى ( يعجبك قوله ) هو أن الأخنس أشار على بني زهرة
بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمداً ابن أختكم، فإن يك كاذباً كفا كموه سائر الناس ، وإن
يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس
بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله
وَل*، فسمى لهذا السبب أخنس، وكان اسمه: أبي ابن شريق، فبلغ ذلك رسول الله قله
فأعجبه ، وعندى أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى
( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ) مذكور في معرض الذم
فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح .
والرواية الثانية ﴾ في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن

٢١٤
قوله تعالى ((ومن الناس من يعجبك)) سورة البقرة
كفار قريش بعثوا إلى النبي ◌َّل أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك ، فبعث
إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكباً
وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من
يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء .
القول الثاني ﴾ في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة
في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه
جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية
في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات ، والتحقيق في المسألة أن قوله
( ومن الناس ) إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله ( ويشهد الله ) لا
يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما
نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول : فيها ما يدل على العموم ،
وهو من وجوه ( أحدها ) أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله
تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك
الصفات ، فيلزم أن كل من كان مصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم ( وثانيها ) أن
الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة
( وثالثها ) أنّ هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ،
وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على
العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه
الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور
بصفات خمسة ، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله ( يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) وهذا
لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله (في الحياة الدنيا) لأن الإنسان
إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعاً من المذمة ( وثانيها) قوله ( ويشهد الله
على ما في قلبه) وهذا لا دلالة فيه على حالة منكرة ، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه
مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق ، لأنه ليس في الآية أن "
الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد ، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون
منافقاً ، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ویظهر ضده حتی یکون مرائیاً ( وثالثها ) قوله ( وهو
ألد الخصام) وهذا أيضاً لا يوجب النفاق ( ورابعها) قوله ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد
فيها) والمسلم الذي يكون مفسداً قد يكون كذلك ( وخامسها ) قوله ( وإذا قيل له اتق الله

٢١٥
قوله تعالى ((ومن الناس من يعجبك)) سورة البقرة
أخذته العزة بالإثم ) فهذا أيضاً لا يقتضى النفاق ، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في
الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي ، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا
المذكور يجب أن يكون منافقاً إلا أن المنافق داخل في الآية ، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون
موصوفاً بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا
متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي ، وإذا عرفت
هذه الجملة فنقول : الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة .
و الصفة الأولى ) قوله ( يعجبك قوله في الحياة الدنيا) والمعنى : يروقك ويعظم في
قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس .
أما قوله ( في الحياة الدنيا) ففيه وجوه ( أحدهما ) أنه نظير قول القائل : يعجبني كلام
فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا
( والثاني ) أن يكون التقدير : يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله
وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام ، وأما في الآخرة فإنه
تعتريه اللكنة والإحتباس خوفاً من هيبة الله وقهر كبريائه .
الصفة الثانية﴾ قوله (ويشهد الله على ما في قلبه) فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه
ودعواه بالاستشهاد بالله ، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين ، ويحتمل أن
يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما قلت ، فهذا يكون استشهاداً بالله ولا يكون
يميناً ، وعامة القراء يقرؤون ( ويشهد الله ) بضم الياء ، أي هذا القائل يشهد الله على ما في
ضميره ، وقرأ ابن محيصن ( يشهد الله على ما في قلبه ) بفتح الياء ، والمعنى : أن الله يعلم من
قلبه خلاف ما أظهره .
( فالقراءة الأولى ) تدل على كونه مرائياً وعلى أنه يشهد الله باطلاً على نفاقه وريائه .
( وأما القراءة الثانية ) فلا تدل إلا على كونه كاذباً ، فأما على كونه مستشهداً بالله على
سبيل الكذب فلا ، فعلى هذا القراءة الأولى أدل على الذم .
الصفة الثالثة ﴾ قوله تعالى (وهو الد الخصام ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الألد: الشديد الخصومة ، يقال : رجل ألد، وقوم لد ، وقال الله
تعالى ( وتنذر به قوماً لداً) وهو كقوله ( بل هم قوم خصمون ) يقال : منه لد یلد ، بفتح اللام
في يفعل منه، فهو ألد ، إذا كان خصماً ، ولددت الرجل ألده بضم اللام ، إذا غلبته

٢١٦
قوله تعالى ((وإذا تولى سعى في الأرض)) سورة النفرة
بالخصومة ، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه ، ولديدي الوادي ، وهما
جانباه ، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من
خاصمه .
وأما ( الخصام) ففيه قولان ( أحدهما ) وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى المخاصمة ،
كالقتال والطعان بمعنى المقاتلة والمطاعنة ، فيكون المعنى : وهو شديد المخاصمة ، ثم في هذه
الإضافة وجهان ( أحدهما)، أنه بمعنى ( في ) والتقدير: ألد في الخصام ( والثاني ) أنه جعل
الخصام ألد على سبيل المبالغة .
والقول الثاني ﴾ أن الخصام جمع خصم ، كصعاب وصعب ، وضخام وضخم ،"
والمعنى : وهو أشد الخصوم خصومة ، وهذا قول الزجاج ، قال المفسرون : هذه الآية نزلت في
الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضاً قوله ( ويل لكل همزة ) وقوله ( ولا تطع كل
حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة ، قال مجاهد ( ألد
الخصام) معناه : طالب لا يستقيم ، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام
معناه أنه جدل بالباطل ، شديد القسوة في معصية الله ، عالم اللسان جاهل العمل .
1
﴿ المسألة الثانية﴾ تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية، قالوا إنه تعالى ذم ذلك
الإنسان بكونه شديداً في الجدل ، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم ، وإلا لما جاز ذلك.
وجوابه ما تقدم في قوله ( ولا جدال في الحج ) .
الصفة الرابعة ﴾ قوله تعالى (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث
والنسل والله لا يحب الفساد ) اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام ،!
وأنه يقرر صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام ، بین بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان
فقلبه منطو على ضد ذلك فقال ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله تعالى (وإذا تولى) فيه قولان ( أحدهما ) معناه وإذا انصرف من
عندك سعى في الأرض بالفساد ، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين ( أحدهما ) ما كان من اتلاف
الأموال بالتخريب والتحريق والنهب ، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن
الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر
بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان
بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم .

٢١٧
قوله تعالى ((وإذا أسعى في الأرض)) سورة البقرة
( والوجه الثاني في تفسير الفساد ) أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام
يشتغل بادخال الشبه في قلوب المسلمين ، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر ، وهذا المعنى
يسمى فساداً ، قال تعالى حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في
الأرض ) أي يردوا قومك عن دينهم ، ويفسدوا عليهم شريعتهم ، وقال أيضاً ( إني أخاف أن
يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى ( وإذا قيل لهم لا
تفسدوا في الأرض) ما يقرب من هذا الوجه ، وإنما سمي هذا المعنى فساداً في الأرض لأنه يوقع
الإختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض ، فتنقطع الأرحام
وينسفك الدماء ، قال تعالى ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا
أرحامكم ) فأخبر أنهم إن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض ، وقطع
الأرحام ، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن ، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من
حمله على التخريب والنهب ، لأنه تعالى قال ( ويهلك الحرث والنسل ) والمعطوف مغاير
للمعطوف عليه لا محالة .
﴿ القول الثاني﴾ في تفسير قوله (فإذا تولى) وإذا صار والياً فعل ما يفعله ولاة السوء
من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه
القطر فيهلك الحرث والنسل ، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان نفاقه ،
وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة
والفساد .
المسألة الثانية) قوله ( سعى في الأرض ) أي اجتهد في إيقاع القتال ، وأصل السعي
هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس ، ومنه يقال : فلان يسعى
بالنميمة قال الله تعالى ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم
الفتنة ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ من فسر الفساد بالتخريب قال: إنه تعالى ذكره أولاً على سبيل
الإجمال ، وهو قوله ( ليفسد فيها ) ثم ذكره ثانياً على سبيل التفصيل فقال ( ويهلك الحرث
والنسل ) ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما أن الدين الحق امران أولهما العلم ،
وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشبهات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا
ذكر تعالى أولاً من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله ( ليفسد فيها ) ثم ذكر
ثانياً إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله ( ويهلك الحرث والنسل ) ولا شك أن هذا التفسير
أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر

:
٢١٨
قوله تعالى ((ويهلك الحرث والنسل)) سورة البقرة
قال : المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال
تعالى (أفرأ يتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه) وهو يقع على كل ما يحرث ويزرع من أصناف!
النبات ، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به : محرث ، وأما النسل فهو على ؛
هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة : الولد ، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : ١
نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج
فسقط ، والقطعة منها إذا سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى ( إلى ربهم ينسلون ) أي يسرعون ، أ
لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه ، والناس
نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال : إن سبب نزول الآية : أن
الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً ، فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى
( نساؤكم حرث لكم ) أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق
الأرض ، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد ، وأما النسل فالمراد منه الصبيان .
واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن
المراد منها على التفسير الأول . إهلاك النبات والحيوان ، وعلى التفسير الثاني : إهلاك الحيوان
بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه ، فإذن قوله ( ويهلك الحرث والنسل ) من
الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في
صفة الجنة ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) وقال ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) .
فإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟ .
قلنا : إن قوله ( سعی فی الأرض ليفسد فیھا ) دل على أن غرضه أن یسعی في ذلك ، ثم
قوله ( ويهلك الحرث والنسل ) إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك ، فإن تقدیر
الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلاماً
مبتدأ منقطعاً عن الأول ، دل على وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في
سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود ..
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ بعضهم (ويهلك الحرث والنسل) على أن الفعل للحرث
والنسل ، وقرأ الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو : أبى يأبى ، وروي عنه ( ويهلك )
على البناء للمفعول .
﴿ المسألة الخامسة﴾ استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى
( والله لا يحب الفساد ) قالوا : والمحبة عبارة عن الإرادة ، والدليل عليه قوله تعالى ( إن الذين

٢١٩
قوله تعالى ((وإذا (أقبل له اتق الله)) سورة البقرة
يحبون أن تشيع الفاحشة ) والمراد بذلك أنهم يريدون ، وأيضاً نقل عن الرسول عليه السلام
أنه قال ( إن الله أحب لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً ، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً،
وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال)) فجعل
الكراهة ضد المحبة ، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضداً للإرادة ،
وأيضاً لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه ، لأن الكراهة على هذا
القول إنما تضار الإرادة دون المحبة ، قالوا : وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله ( والله لا
يحب الفساد ) جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) بل دلالة
هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال ( والله لا يحب الفساد )
إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد
وجب أن لا يكون خالقاً له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة
الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه بوجهين (الأول ) أن المحبة غير الإرادة بل
المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه ( والثاني ) إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة ، ولكن
قوله ( والله لا يحب الفساد ) لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان
العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان ( الأول ) أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح
والفساد فترجح الفساد على الصلاح ، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع ، وإن وقع لمرجح فذلك
المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل ، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب
الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال : إنه لا يريده ( الثاني ) أنه عالم بوقوع
الفساد فإِن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال : إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلاً وذلك
محال .
الصفة الخامسة﴾ قوله تعالى (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) وفيه
مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي: قوله تعالى (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ) معناه
أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم .
اعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ) ليس فيه
دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة ، فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس
في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان
يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص .
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة ( أولها)

٢٢٠
قوله تعالى ((ومن الناس من يشري)) الآية. سورة البقرة
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا ( وثانيها) استشهاده بالله كذباً وبهتاناً (وثالثها ) لجاجه
في إبطال الحق وإثبات الباطل (ورابعها ) سعيه في الفساد (وخامسها ) سعيه في إهلاك الحرث
والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله ( إذا قيل له اتق الله ) فليس بأن ينصرف إلى بعض
هذه الأمور أولى من بعض ، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل : اتق الله في إهلاك الحرث
والنسل وفي السعي بالفساد ، وفي اللجاج الباطل ، وفي الاستشهاد بالله كذلك ، وفي الحرص
على طلب الدنيا فانه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض .
المسألة الثالثة ) قوله ( أخذته العزة بالإثم ) فيه وجوه ( أحدها ) أن هذا مأخوذ من
قولهم أخذت فلانا بأن يعمل كذا ، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه ، فتقدير الآية : أخذته
العزة بأن يعمل الإثم ، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه
( وثانيها) ( أخذته العزة ) أي لزمته يقال: أخذته الحمى أي لزمته ، وأخذه الكبر ، أي
اعتراه ذلك ، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذي في قلبه ، فإِنه
تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ، ونظيره
قوله تعالى ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) والباء ههنا في معنى اللام ، يقول الرجل : فعلت
هذا بسببك ولسببك ، وعاقبته بجنايته ولجنايته .
أما قوله تعالى ( فحسبه جهنم ) قال المفسرون : كافيه جهنم جزاء له وعذاباً يقال : حسبكا
درهم أي كفاك وحسبنا الله ، أي كافينا الله ، وأما جهنم فقال يونس وأكثر النحويين : هي
اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وقال آخرون . جهنم اسم عربي سميت
نار الآخرة بها لبعد قعرها ، حكى عن رؤبه أنه قال : ركية جهنام بريد بعيدة القعر .
أما قوله تعالى ( ولبئس المهاد ) ففيه وجهان ( الأول ) أن المهاد والتمهيد : التوطئة ،
وأصله من المهد ، قال تعالى ( والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) أي الموطئون الممكنون ، أي
جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى ( فلأنفسهم يمهدون ) أي
يفرشون ويمكنون ( والثاني ) أن يكون قوله ( ولبئس المهاد ) أي لبئس المستقر كقوله ( جهنم
يصلونها فبئس القرار ) وقال بعض العلماء : المهاد الفراش للنوم ، فلما كان المعذب في النار
يلقي على نار جهنم جعل ذلك مهاداً له وفراشاً
قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ﴾