Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى ((وما تفعلوا من خير يعلمه الله)) سورة البقرة القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله (ولا جدال) إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإِنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة للانسان على منازعة الناس ومماراتهم ، والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والإطلاع على نور جلاله ، والانخراط في سلك الخواص من عباده ، فلا يكون فيه هذه الأمور ، وهذه أسرار نفيسة هي المقصد الأقصى من هذه الآيات ، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلاً عنها ، ومن الله التوفيق في كل الأمور . المسألة الرابعة ﴾ من الناس من عاب الإستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه (أحدها) أنه تعالى قال (ولا جدال في الحج) وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال، ولو كان . الجدال في الدين طاعة وسبيلا إلى معرفة الله تعالى لما نهى عنه في الحج، بل على ذلك التقدير كان الاشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه (وثانيها) قوله تعالى (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) عابهم بكونهم من أهل الجدل، وذلك يدل على أن الجدل مذموم، (وثالثها) قوله (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) نهى عن المنازعة . وأما جمهور المتكلمين فانهم قالوا: الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين. إذا ثبت هذا فنقول: لا بد من التوفيق بين هذه النصوص، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله ، والذب عن دين الله تعالى. أما قوله تعالى (وما تفعلوا من خير يعلمه لله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) فاعلم أن الله تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة، فقال (وأتموا الحج والعمرة لله) وقال (فمن فرض فيهن الحج) ونهى عما هو شر ومعصية فقال (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ثم ١٨٢ قوله تعالى ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)) سورة البقرة عقب الكل بقوله (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال: وما تفعلوا من شيء يعلمه الله، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه الله لفوائد ولطائف (أحدها) إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك الشرسترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا، فكيف في العقبى (وثانيها) أن من المفسرين من قال في تفسير قوله (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) معناه: لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية، كأنه قيل للعبد: ما تفعله من خير علمته، وأما الذي تفعله من الشرفلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك (وثالثها) أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه، كان هذا وعداً له بالثواب العظيم، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعداً بالعقاب الشديد، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب (ورابعها) أن جبريل عليه السلام لما قال: ما الإحسان؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام («الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أن لم تكن تراه فإنه يراك)) فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة، فان الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذاً به وأقل نفرة عنه (وخامسها) أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله (وما تفعلوا من خير يعلمه الله). أما قوله تعالى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) ففيه قولان (أحدهما) أن المراد: وتزودوا من التقوي، والدليل عليه قوله بعد ذلك (فان خير الزاد التقوى) وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فَالسفر في الدنيا لا بد له من زاد، وهو الطعام. والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لا بد فيه ايضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه (الأول) أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن (وثانيها) أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم (وثالثها) أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجه بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة آمنة من الانقطاع والزوال (ورابعها) أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار : : ١٨٣ قوله تعالى ((واتقون يا أولى الألباب)) سورة البَقَرة والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول (وخامسها) أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية ، فكأنه تعالى قال : لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولى الألباب ، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه من كثرة المنافع ، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى : ولاقيت بعد الموت من قد تزودا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى وأنك لم ترصد كما كان أرصدا ندمت على أن لا تكون كمثله (والقول الثاني ) أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون : إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم ، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال : وتزودوا ما تبلغون به فان خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد : أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت . وروى محمد بن جرير الطبري عن ابن عمر قال : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي : وهذا بعيد لأن قوله ( فان خير الزاد التقوى ) راجع إلى قوله ( وتزودوا) فكان تقديره : وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال : فإن أردنا تصحيح هذا القول فيه وجهان ( أحدهما ) أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك ، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية ( والثاني ) أن يكون في الكلام حذف ویکون المراد : وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى . أما قوله تعالى ( واتقون ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ إن قوله (واتقون) فيه تنبيه على كمال عظمة الله وجلاله وهو كقول الشاعر : أنا أبو النجم وشعري شعري ﴿ المسألة الثانية) أثبت أبو عمرو الياء في قوله (واتقون) على الأصل ، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسرعليه . ١٨٤ قوله تعالى (( ليس عليكم جناح )) الآية . سورة البقرة ٤٤٠١٠١٠٠٠ ٠٠٠٠ لَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَتِ فَأَذْ كُرُواْ اله يعِندَ الْمَشْعَرِ الْخَرَامِ وَذْكُرُوُ كََّ هَدَ تَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ» لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ أما قوله تعالى ( يا أولى الألباب ) فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، فقال بعضهم : إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان ، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة ، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين ، وشر الشرين ، وقال آخرون : أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل ، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ) فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل ، فقوله ( يا أولى الألباب ) معناه : يا أولى العقول ، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور ، فانه يقال لمن له غيرة وحمية : فلان له نفس ، ولمن ليس له حمية : فلان لا نفس له فكذا ههنا . فان قيل : إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله ( يا أولى الألباب ). قلنا : معناه : إنكم لما كنتم من أولى الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح ، ولهذا قال الشاعر : ولم أر في عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام ولهذا قال تعالى ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) يعني الأنعام معذورة بسبب العجز ، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش ، فلا جرم كانوا أضل . قوله تعالى ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في الآية حذف والتقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلاً والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه : ١٨٥ قوله تعالى ((ليس عليكم جناح)) سورة البقرة ( أحدها ) أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية ، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها ، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج ( وثانيها ) أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية ، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى ، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية ( وثالثها ) أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج ، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سبباً لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إلى فبان يصير سبباً لحركة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى ( ورابعها ) عند الاشتغال بالصلاة یحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلاً عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج ، فلهذا السبب بين الله تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة ، فإذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا في تفسير قوله ( أن تبتغوا فضلاً من ربكم ) وجهين ( الأول) أن المراد هو التجارة ، ونظيره قوله تعالى ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) وقوله ( جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان ( الأول) ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ ( أن تبتغوا فضلاً من ربكم ) في مواسم الحج ( والثاني ) الروايات المذكورة في سبب النزول . فالرواية الأولى ﴾ قال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية ، وكانوا يسمون التاجر في الحج : الداج ويقولون : هؤلاء الداج ، وليسوا بالحاج ، ومعنى الداج : المكتسب الملتقط ، وهو مشتق من الدجاجة ، وبالغوا في الإِحتراز عن الأعمال ، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا جناح في التجارة ، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج ، وما بعدها أيضاً في الحج ، وهو قوله ( فإذا أفضتم من عرفات ) دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج ، فلهذا السبب استغنى عن ذكره . والرواية الثانية﴾ ما روى عن ابن عمر أن رجلاً قال له إنا قوم نكرى وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله يَليل عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله ( ليس عليكم جناح ) فدعاه وقال : أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت رداً على من يقول : لا حج للتجار والأجراء والجمالين . والرواية الثالثة ﴾ أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا يتجرون في أيام الموسم فيها ، ١٨٦ قوله تعالى ((ليس عليكم جناح)) سورة البَفَرة وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإِسلام كرهوا أن يتجروا في الحج بغير إذن ، فسألوا رسول الله ◌ُله فنزلت هذه الآية. : ﴿ والرواية الرابعة﴾ قال مجاهد: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولا منى، فنزلت هذه الآية . إذا ثبت صحة هذا القول فنقول : أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج ، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج ، قال والتقدير : فاتقون في كل أفعال الحج ، ثم بعد ذلك ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) ونظيره قوله تعالى. ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) .. واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه ( أحدها) الفاء في قوله ( فإذا أفضتم من: عرفات ) يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل ، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج (وثانيها) أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة ! ومعلوم أن محل الشبهة هو التجارة في زمن الحج ، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة . أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة ( فجوابه ) أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض ، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجاً لا يقال : بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات ، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية ، لأنا نقول : هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطاً . القول الثالث﴾ أن المراد بقوله تعالى (أن تبتغوا فضلاً من ربكم) هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجاً أعمالاً أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام ، واعترض القاضى عليه بأن هذا واجب أو مندوب ، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه ، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات . ( والجواب ) لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى (. فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) والقصر بالاتفاق من المندوبات ، وأيضاً فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللاً في الحج ونقضاً فيه ، فبين؛ الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله ( لا جناح عليكم ) . ١٨٧ قوله تعالى ((فإذا أفضتم من عرفات)) سورة البقرة المسألة الثالثة﴾ اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصاناً في الطاعة لم تكن مباحة . أما إن لم توقع نقصاناً البتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها ، لقوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) والإِخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه)) والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص . وقوله تعالى ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة ، ومنه يقال : أفاض البعير بحرته ، إذا وقع بها فألقاها منبثة ، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جميعها ثم ألقاها متفرقة ، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإِفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه ، وعليه قوله تعالى ( إذ تفيضون فيه ) ومنه يقال للناس : فوض ، وأيضاً جمعهم فوضى ويقال : أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق . فقوله تعالى ( أفضتم ) أي دفعتم بكثرة ، وأصله : أفضتم أنفسكم ، فترك ذكر المفعول ، كما ترك في قولهم : دفعوا من موضع كذا وصبوا ، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه : ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه . المسألة الثانية﴾ (عرفات ) جمع عرفة ، سميت بها بقعة واحدة ، كقولهم : ثوب أخلاق ، وبرمة أعشار، وأرض سباسب ، والتقدير : كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات ، فإن قيل : هلا منعت من الصرف وفيها السببان ، التعريف والتأنيث قلنا : هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة ، وعلى هذا التقدير لم يكن علماً ثم جعلت علماً لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة ، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات ، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوهاً أما يوم التروية ففيه قولان ( أحدهما ) من روى يروى تروية ، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته ( والثاني ) من رواه من الماء بروية إذا سقاه من عطش ( أما الأول ) ففيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت ، فلما بناه تفكر فقال : رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل ؟ قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك ، قال : يا رب زدني قال : أغفر لأولادك إذا طافوا به ، قال : زدني قال : أغفر ١٨٨ قوله تعالى ((فإذا أفضتم من عرفات)) سورة البقرة لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك ، قال : حسبي يا رب حسبي ( وثانيها ) أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكراً هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان ؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال : عرفت یا رب أنه من عندك ( وثالثها ) أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن یذکر وها في غدهم بعرفات . وأما القول الثاني ﴾ وهو اشتقاقه من تروية الماء . ففيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق ، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر ، ويتسعون في الماء ، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم ( والثاني ) أنهم يتزودون الماء إلى عرفة ( والثالث ) أن المذنبين كالعطاش الذين. وردوا بحار رحمة الله فشربوا منهاى حتى رووا ، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى ( والشفع والوتر ) عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة ، والوتر يوم النحر ، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال ((صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر ، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان)) وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال ((من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه ، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام )) . وأما يوم عرفة فلة عشرة أسماء ، خمسة منها مختصة به ، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره ، أما الخمسة الأولى ( فأحدها ) عرفة ، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه مشتق منأ المعرفة ، وفيه ثمانية أقوال ( الأول ) قول ابن عباس : إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرفأ أحدهما صاحبه فسمي اليوم عرفة ، والموضع عرفات ، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم! بسرنديب ، وحواء بجدة ، وإبليس بنيسان ، والحية بأصفهان ، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج؛ لقي حواء بعرفات فتعارفا ( وثانيها ) أن آدم علمه جبريل مناسك الحج ، فلما وقف بعرفات. قال له : أعرفت ؟ قال نعم ، فسمي عرفات ( وثالثها ) قول علي وابن عباس وعطاء والسدي : سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة ( ورابعها ) أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك ، وأوصله إلى عرفات ،. وقال له : أعرفت کیف تطوف وفي أي موضع تقف؟ قال نعم ( وخامسها ) أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين ، ثم التقيا يوم. عرفة بعرفات ( وسادسها ) ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام ( وسابعها ) أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا ( وثامنها ) أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة . ١٨٩ قوله تعالى ((فإذا أفضتم من عرفات)) سورة البقرة القول الثاني ﴾ في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال : إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا ، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما . ﴿ والقول الثالث ﴾ أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى (يدخلهم الجنة عرفها لهم) أي طيبها لهم ، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب ، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة، قال عليه الصلاة والسلام ((خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك)) ( الثاني ) يوم إياس الكفار من دين الإِسلام ( الثالث) يوم إكمال الدين ( الرابع ) يوم إتمام النعمة ( الخامس ) يوم الرضوان ، وقد جمع الله تعالى هذه الأشياء في أربع آيات ، في قوله ( الیوم یئس الذين كفروا من دينكم ) الآية ، قال عمر وابن عباس : نزلت هذه الآية عشية عرفة ، وكان يوم الجمعة والنبي مَّر واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام ، وذلك في حجة الوداع ، وقد اضمحل الكفر ، وهدم بنيان الجاهلية ، فقال عليه الصلاة والسلام (( لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية لقرت أعينهم)) فقال يهودي لعمر : لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر : أما نحن فجعلناه عيدين ، كان يوم عرفة ويوم الجمعة فأما معنى : إياس المشركين : فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم ، فأما معنى إكمال الدين فهو أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع ، وأما إتمام النعمة فأعظم النعم نعمة الدين ، لأن بها يستحق الفوز بالجنة والخلاص من النار ، وقد تمت في ذلك اليوم وكذلك في آية الوضوء ( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) ولما جاء البشير وقدم على يعقوب ، قال : علی أی دین تركت يوسف؟ قال : على دين الإِسلام قال : الآن تمت النعمة ، وأما معنى الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين ، وقيل : هذا اليوم يوم صلة الواصلين ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) ويوم قطيعة القاطعين ( أن الله برىء من المشركين ورسوله ) ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك يتوب على أولاده (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) وهو أيضاً يوم الوافدين ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً) وفي الخبر ((الحاج وفد الله، والحاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره )). وأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة ( فأحدها ) يوم الحج الأكبر قال الله تعالى ١٩٠ قوله تعالى ((فإذا أفضتم من عرفات)) سورة البقرة ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ) وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر ، واختلف الصدر الأول من الصحابة والتابعين فيه ، فمنهم من قال : إنه عرفة ، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف بعرفات والحج عرفة إذ لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم ، فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن : سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون ، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك ، وقال ابن سيرين : إنما سمي به لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم يجتمع قبله ولا بعده ، ومنهم من قال : إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر مناسك الحج ، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزىء في الليل وروى القولان جميعاً عن علي وابن عباس عن النبي ◌ّ (وثانيها) الشفع ( وثالثها ) الوتر ( ورابعها ) الشاهد ( وخامسها ) المشهود في قوله ( وشاهد ومشهود) وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية . واعلم أنه تعالى خص يوم عرفة من بين سائر أيام الحج بفضائل ، منها أنه تعالى خص صومه بكثرة الثواب قال عليه الصلاة والسلام (( صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين)) وعن أنس كان يقال في أيام العشر: كل يوم بألف ويوم عرفة بعشرة آلاف بل يستحب للحاج الواقف بعرفات أن يفطر حتى يكون وقت الدعاء قوي القلب حاضر النفس . المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه لا بد وأن نشير إشارة حقيقية إلى ترتيب أعمال الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية ، فمن دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله ، فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم ، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات ، وإن كان متمتعاً طافى وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات ، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد الحج من أهل مكة والسنة للأمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ك ذي الحجة بعدما يصلي الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعدما يصلون الصبح إلى منى ويعلمهم تلك الأعمال، ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بها ، ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يؤم عرفة ، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات ، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها ، بل يضرب فيه الإمام بنمرة وهي قريبة من عرفة ، فينزلون هناك حتى تزوال الشمس، فيخطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف ، إذا فرغ من الخطبة الأولى جلس ، ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان ، ثم ينزل فيقلم المؤذنون فيصلي بهم الظهر ، ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه ، ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات، لأن النبي ◌َّل : ١٩١ قوله تعالى ((فإذا أفضتم)) سورة البقرة وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس . واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته وموضوعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة ، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة ، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار فقد كفى ، وقال أحمد : وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة ، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فإذا غربت الشمس دفع الإِمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة . وفي تسمية المزدلفة أقوال ( أحدها ) أنهم يقربون فيها من منى والإزدلاف القرب ( والثاني ) أن الناس يجتمعون فيها والإجتماع الإزدلاف (والثالث ) أنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة : جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب ، وهذا قول قتادة ، وقيل إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء ، وازدلف إليها أي دنا منها ، ثم إذا أتى الإمام المزدلفة : جمع المغرب والعشاء بإقامتين ، ثم يبيتون بها ، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة ، فإذا طلع الفجر صلوا صلاة الصبح بغلس والتغليس بالفجر ههنا أشد استجاباً منه في غيرها ، وهو متفق عليه فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي ، يأخذ كل إنسان منها سبعين حصاة ، ثم يذهبون إلى المشعر الحرام ، وهو جبل يقال له قزح ، وهو المراد من قوله تعالى ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما يلي مني ، فيرقى فوقه إن أمكنه ، أو وقف بالقرب منه إن لم يمكنه ، ويحمد الله تعالى يهلله ويكبره ، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً ، ثم يدفع قبل طلوع الشمس ويكفي المرور كما في عرفة ، ثم يذهبون منه إلى وادي محسر فإذا بلغوا بطن محسر فيستحب لمن كان راكباً أن يحرك دابته ، ومن كان ماشياً أن يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر ، فإذا أتوا مني رموا جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي ، فإذا رمى جمرة العقبة ذبح الهدی إن کان معه هدی وذلك سنة لو ترکه لا شيء عليه ، لأنه ربما لا یکون معه هدی ، ثم بعدما ذبح الهدى يحلق رأسه أو يقصر والتقصير أن يقطع أطراف شعوره ، ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة ، ويصلي ركعتي الطواف ، ويسعى بين الصفا والمروة ، ثم بعد ذلك يعودون إلى منى في بقية يوم النحر وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي ، واتفقوا على أنه متى حصل الرمي والحلق والطواف فقد حصل التحلل ، والمراد من التحلل حل اللبس والتقليم والجماع ، فهذا هو الكلام في أعمال الحج والله أعلم . المسألة الخامسة﴾ اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة ١٩٢٠ قوله تعالى ((فإذا أفضتم)) سورة البَقَرة إبراهيم عليه السلام ، وذلك أن قريشاً وقوماً آخرين سموا أنفسهم بالحمس ، وهم أهل الشدة في دينهم ، والحماسة الشدة يقال : رجل أحمس وقوم حمس ، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات ، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس ، والذين يقفون بمزدلفةٍ يفيضون إذا طلعت الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير كما نغير، ومعناه : أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض ، وهو المنخفض منها ، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض ، فأمر الله تعالى مجمداً عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين ، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس ، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، والآية لا دلالة فيها على ذلك ، بل السنة دلت على هذه الأحكام . ﴿ المسألة السادسة﴾ الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج ، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات ، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج ، فإذا لم يأت به فلم يكن آتياً بالحج المأمور به ، فوجب أن لا يخرج عن العهدة وهذا يقتضى أن يكون الوقوف بعرفة شرطاً أقصى ما في الباب أن الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه ، وإنما يعدل عنه بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب ، إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه ، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة . : المسألة السابعة﴾ قوله ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام) يدل أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة ، فأما الوقوف هناك فمسنون ، وروى عن علقمة والنخعي أنهما قالا : الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له صريحاً في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة ، والمشعر الحرام فيه أمر جزم، وقال جمهور الفقهاء : إنه ليس بركن، واحتجوا بقوله عليه السلام ((الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه)) وبقوله ((من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج)) قالوا : وفي الآية إشارة إلى ما قلنا لأن الله تعالى قال ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر : : : ١٩٣ قوله تعالى ((واذكروه كما هداكم)) سورة البَقَرة الحرام ) أمر بالذكر لا بالوقوف، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام تبع للذكر ، وليس بأصل ، وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال ( فإذا أفضتم من عرفات ) ولم يقل من الذكر بعرفات . المسألة الثامنة﴾ ( المشعر) المعلم وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته ، وليت شعري ما فعل فلان ، أي ليت علمي بلغه وأحاط به ؛ وشعار الشيء أعلامه ، فسمي الله تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام ، لأنه معلم من معالم الحج ، ثم اختلفوا فقال قائلون : المشعر الحرام هو المزدلفة ، وسماها الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده ، هكذا قاله الواحدي في البسيط قال صاحب الكشاف : الأصح أنه قزح ، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات ، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة . المسألة التاسعة ﴾ اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكراً قال الله تعالى (وأقم الصلاة لذكرى) والدليل عليه أن قوله ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) أمر وهو للوجوب ، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا ، وأما الجمهور فقالوا : المراد منه ذكر الله بالتسبيح والتحميد ، والتهليل ، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال : كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون . أما قوله تعالى ( واذکر و ہ کما هداكم ) ففيه سؤالات : السؤال الأول ﴾ لما قال (اذكروا الله عند المشعر الحرام) فلم قال مرة أخرى ( واذكروه ) وما الفائدة في هذا التكرير ؟ ( والجواب من وجوه) (أحدها ) أن مذهبنا أن أسماء الله تعالى توقيفية لا قياسية فقوله أولا ( اذكروا الله) أمر بالذكر، وقوله ثانياً (واذكروه كما هداكم ) أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا وأمرنا أن نذكره بها، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس ( وثانيها ) أنه تعالى أمر بالذكر أولا ، ثم قال ثانيا ( واذكروه كما هداكم ) أي وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم الله لدين الإسلام ، فكأنه تعالى قال : إنما أمرتكم بهذا الذكر لتكونوا شاكرين لتلك النعمة ، ونظيره ما أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان ، فقال ( ولتكملوا العدة لتكبروا الله على ما هداكم) وقال في الأضاحي ( كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم) ( وثالثها ) أن قوله أولاً ( فاذكروا الله عند المشعر الفخر الرازي ج ٥ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى ((واذكروه كما هداكم)) سورة البقرة الحرام ) أمر بالذكر باللسان وقوله ثانيا ( واذكروه كما هداكم ) أمر بالذكر بالقلب ، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان ( أحدهما ) ذكر هو ضد النسيان ( والثاني ) الذكر بالقول ، فما هو خلاف النسيان قوله (وما أنسانية إلا الشيطان أن أذكره) وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، واذكروا الله في أيام معدودات ) فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين (فالأول) محمول على الذكر باللسان ( والثاني ) على الذكر بالقلب ، فإن بهما يحصل تمام العبودية ( ورابعها ) قال ابن الأنباري : معنى قوله ( واذكروه كما هداكم) يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته (وخامسها ) يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر ، كأنه قيل لهم : اذكروا الله واذكروه أي اذكر وه ذكراً بعد ذكر ، كما هداكم هداية بعد هداية ، ويرجع حاصله إلى قوله ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) ( وسادسها) أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة . ثم قال بعده ( واذكروه كما هداكم) والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة ، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة ، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرم ، بل عن من سواه فيصير مستغرقاً في نور جلاله وصمديته ، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكراً له ومشتغلاً بالثناء عليه ، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال ، ومن أراد أن يصل إليه ، فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر ( ورابعها ) أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى ، والمراد بالذكر ( الثاني ) الاشتغال بشكر نعمائه ، والشكر مشتمل أيضاً على الذكر ، فصح أن يسمى الشكر ذكراً ، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال ( كما هداكم ) والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر ( وثامنها ) أنه تعالى لما قال ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذ العبادة ، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال ( واذكروه كما هداكم ) يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكراً على هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منطقعة ، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمراً غير منقطع (وتاسعها) أن قوله (فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله ( واذكروه كما هداكم ) المراد منه التهليل والتسبيح . السؤال الثاني ﴾ ما المراد من الهداية في قوله ( كما هداكم) ؟ ١٩٥ قوله تعالى (( ثم أفيضوا )) الآية . سورة البقرة ثُمَ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُ واْ اللَّهَ إِنَّ الَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( الجواب ) منهم من قال : إنها خاصة ، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه . السؤال الثالث ﴾ الضمير في قوله ( من قبله ) إلى ماذا يعود ؟ ( الجواب ) يحتمل أن يكون راجعا إلى ( الهدى) والتقدير : وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين ، وقال بعضهم : إنه راجع إلى القرآن ، والتقدير : واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين . أما قوله تعالى ( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) فقال القفال رحمة الله عليه : فيه وجهان ( أحدهما ) وما كنتم من قبله إلا الضالين ( والثاني ) قد كنتم من قبله من الضالين ، وهو كقوله ( إن كل نفس لما عليها حافظ) وقوله ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) . قوله تعالى ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾. فيه قولان ( الأول ) المراد به الإفاضة من عرفات ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس ، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه ( أحدها ) أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى ( وثانيها ) أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل الله فلا نحلٍ حرم الله ( وثالثها ) أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم لكان ذلك يوهم نقصاً في الحرم ، ثم ذلك النقص كان يعود إليهم ، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمراً لهم بأن يقفوا في عرفات ، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس ، وروى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات ، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها ، وأمر سائر الناس بالوقوف بها ، وعلى هذا التأويل فقوله ( من حيث أفاض الناس ) يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات ، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية ١٩٦ قوله تعالى (( ثم أفيضوا)) ... . الإضافة من عرفات من يقول قوله ( ثم أفيضوا ) أمر عام لكل الناس ، وقوله ( من حيث أفاض الناس) المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروى أن النبي ◌ّلو كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدى به ، وهو كقوله تعالى ( الذين قال لهم الناس ) يعني نعيم بن مسعود ( إن الناس قد جمعوا لكم) يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور ، ومنه قوله ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وفي الآية وجها ثالث ذكره القفال رحمه الله ، وهو أن يكون قوله ( من حيث أفاض الناس ) عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديماً ، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات . القول الثاني﴾ وهو اختيار الضحاك: أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة الى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله ( من حيث أفاض ) المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس ، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من : القولین إشكالاً أما الإشكال على القول الأول﴾ فهو أن قوله تعالى ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله تعالى فإذاأ فضتم من عرفات ) لمكان ( ثم ) فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية: الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله ( فإذا أفضتم من عرفات ) كان هذا عطفاً للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات ، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير : فاتقون يا أولى الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ، وعلى هذا الترتيب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها . قلنا : هذا وإن كان محتملاً إلا أن الأصل عدمه، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه . : ١٩٧ قوله تعالى ((واستغفروا الله)) سورة البَقَرة وأما الإِشكال على القول الثاني ﴾ فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ ( من حيث ) في قوله ( من حيث أفاض الناس ) على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان . أجاب القائلون بالقول الأول ﴾ عن ذلك السؤال بأن ( ثم ) ھھنا على مثال ما في قوله تعالى ) وما أدراك ما العقبة فك رقبة) إلى قوله ( ثم كان من الذين آمنوا ) أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة ( ثم ) ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه . ( وأجاب القائلون بالقول الثاني ﴾ بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جداً فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملاً في الآخر على سبيل المجاز . أما قوله ( من حيث أفاض الناس ) فقد ذكرنا أن المراد من ( الناس ) إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية: آدم عليه السلام، واحتج بقراءة سعيد بن جبير ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ ( الناس ) بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه . أما قوله تعالى ( واستغفروا الله ) فالمراد منه الاستعمار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ، ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الاستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب . فإن قيل : کیف أمر بالاستغفار مطلقاً ، وربما كان فیھم من لم یذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار . (والجواب ) أنه إن كان مذنباً فالاستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الاستغفار أيضاً تداركاً لذلك الخلل المجوز، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه البتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالاستغفار أيضاً واجب ، وذلك لأن طاعة ١٩٨ قوله تعالى ((فإذا قضيتم منا سككم)) الآية - سورة البَقَرة فَإِذَا قَضَيْتُم مَّتَسِكَكُمْ فَاذْ كُرُواْ اللّهَ كَذِكْرٍ كُرْءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِ راً المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الاستغفار لازماً من هذه الجهة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة)). وأما قوله تعالى ( إن الله غفور رحيم) قد علمت أن غفوراً يفيد المبالغة ، وكذا) الرحيم ، ثم في الآية مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالاستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة ، فهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذالك المستغفر، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه . المسألة الثانية ﴾ اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون : إنها عند الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله ( ثم أفيضوا) على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه الله: ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله وَ له عشية يوم عرفة فقال (( يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله )) فقال أصحابه : يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيباً حزيناً وأفضت بنا اليوم فرحاً مسروراً ، فقال عليه الصلاة والسلام (« إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئاً لم يجد لی به: سألته التبعات فأبی علی به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي)) اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين. قوله تعالى ﴿ فإذ قضیتم مناسککم فاذكروا الله کذکرکم آباءکم أو أشد فكراً ﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في الساحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون بالمنثور من الكلام ، ویرید كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه ، فلما أنعم الله عليهم : ١٩٩ قوله تعالى ((فإذا قضيتم)) سورة البقرة بالإسلام أمرهم أن یکون ذکرهم لربهم کذکرهم لآبائهم ، وروی القفال في تفسيره عن ابن عمر قال : طاف رسول الله ◌َّير على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال (( أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، یا أیہا الناس إنما الناس رجلان بر تقي کریم علی الله أو فاجر شقي ھین علی الله ثم تلا ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)) وعن السدى أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثانية ﴾ اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام ، نظير الأول قوله تعالى ( فقضاهن سبع سموات في يومين، فإذا قضيت الصلاة) وقال عليه الصلاة والسلام ((وما فاتكم فاقضوا )) ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى (وقضى ربك ) وإذا استعمل في الاعلام ، فالمراد أيضاً ذلك كقوله (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) يعني أعلمناهم. إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى ( فاذا قضيتم مناسككم ) لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ) كقول القائل . إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله ( فإذا قضيتم مناسككم ) مشعر بالفراغ والاتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج . المسألة الثالثة﴾ ((المناسك)) جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، أى إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلتها جمع منسك الذي هو موضع العبادة ، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف . إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات ، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ الفاء في قوله ( فاذكروا الله) يدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر ، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ فمنهم من حمله على الذكر على ٢٠٠ قوله تعالى ((أو أشد ذكراً)) سورة البقرة الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق ، على حسب اختلافهم في وقته أولا وآخراً ، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات ، ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لولم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة ، فكأنه تعالى قال : فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء ، ومنهم من قال : بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار ، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال ، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى الله تعالى ، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة: قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصوداً بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله ، والتقدير : فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية ، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله ، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار. أما قوله تعالى ( كذكركم آباءكم ) ففيه وجوه ( أحدها ) وهو قول جمهور المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى ( فاذكروا الله کذکرکم آباءكم ) يعني توفروا علی ذکر الل كما كنتم تتوفرون علی ذکر الآباء وابذلوا جهدکم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه کما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء ، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذباً فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن کان صدقاً فذلك یوجب العجب والكبر وكثرة الغرور ، وكل ذلك من أمهات المهلكات ، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من أشغالكم بمفاخر آبائكم ، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي (وثانيها) قال الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم ، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله ( سرابيل تقيكم الحر ) قالوا هو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه ، أمه أمه ، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه (وثالثها) قال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله (ورابعها) قال ابن الأنباري في هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم ، فقال تعالى: :