Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
قوله تعالى ((واخرجوهم من حيث أخرجوكم)) سورة البقرة
أما قوله تعالى ( والفتنة أشد من القتل ) ففيه وجوه ( أحدها) وهو منقول عن ابن
عباس : أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى ، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض
يؤدي إلى الظلم والهرج ، وفيه الفتنة ، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ، لأن الكفر ذنب
يستحق صاحبه به العقاب الدائم ، والقتل ليس كذلك ، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة ،
والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل، وروی في سبب نزول هذه الآية أن بعض
الصحابة كان قتل رجلا من الكفر في الشهر الحرام ، فالمؤمنون عابوه على ذلك ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية ، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام ،
فإِن اقدام الكفار على الكفر من الشهر الحرام أعظم من ذلك ( وثانيها ) أن الفتنة أصلها عرض
الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ، ثم صار اسماً لكل ما كان سبباً للامتحان تشبيهاً بهذا
الأصل ، والمعنى : أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين ، وعلى تشديد الأمر
عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هرباً من إضلالهم في الدين ، وتخليصاً
للنفس مما يخافون ويحذرون ، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضى التخليص من
غموم الدنيا وآفاتها ، وقال بعض الحكماء : ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير
تلك الفتنة .
الوجه الثالث ﴾ أن يكون المراد من الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب
كفرهم ، فكأنه قيل : اقتلوهم من حيث ثقفتموهم ، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما
هو أشد منه كقوله ( ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعدّاب من عنده ) وإطلاق اسم الفتنة
على العذاب جائز ، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب ، قال تعالى ( يوم هم على
النار يفتنون ) ثم قال عقيبه ( ذوقوا فتنتكم ) أي عذابكم ، وقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين
والمؤمنات ) أي عذبوهم ، وقال ( فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) أي عذابهم
كعذابه .
الوجه الرابع﴾ أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ، أشد من
قتلكم إياهم في الحرم ، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس
إلا لها .
﴿ الوجه الخامس﴾ أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقاً والمعنى: وأخرجوهم
من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فانكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى
وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم .
أما قوله ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) ففيه مسألتان :

١٤٢
قوله تعالى (( ولاتقاتلوهم عند المسجد الحرام)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة ، وقد كان
من قبل شرطاً في كل القتال وفي الأشهر الحرم .
المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والكسائي (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ) كله
بغير ألف ، والباقون جميع ذلك بالألف، وهو في المصحف بغير ألف، وإنما كتبت كذلك
للايجاز، كما كتب : الرحمن بغير ألف، وكذلك : صالح ، وما أشبه ذلك من حروف المد
واللين ، قال القاضي رحمه الله : القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العميل وجب العمل بهما،
كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما ، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي
فيه ، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه ، يروى أن الأعمش قال لحمزة : أرأيت
قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قائلاً لغيره ؟ فقال حمزة : إن العرب إذا
قتل رجل منهم قالوا قتلنا ، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا .
المسألة الثالثة﴾ الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجىء إلى الحرم، وقالوا : لما
لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب
الذنب الذي هو دون الكفر کان أولى ، وتمام الكلام فيه في کتب الخلاف .
أما قوله تعالى ( فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ) فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال
على ما تقدم ذكره ، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير
من الحدود أن التوبة لا تزيله ، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم ( فإن انتهوا فإن الله
غفور رحيم ) بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم ، ونظيره قوله تعالى
( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس : فان انتهوا عن القتال وقال الحسن : فان انتهوا
عن الشرك .
حجة القول الأول﴾ أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله
( فان انتهوا ) محمولا على ترك المقاتلة .
﴿ حجة القول الثاني﴾ أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال ، بل بترك
الكفر . ( المسألة الثانية ) الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين (أحدهما ) التوبة
والآخر التمسك بالإسلام، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين : إنه انتهى من
الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط. أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران
والرحمة فليس إلا ما ذكرنا .

١٤٣
قوله تعالى ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)) الآية . سورة البقرة
وَقَاتِلُوهُمْ خَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الَّذِينُ لِلَّهِ فَإِ أَنْتَهُوْفَلَ عُدْوَانَ إِلَّ عَلَى
الظَّلِينَ
المسألة الثالثة ﴾ دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة ، وقول من قال :
التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ ، لأن الشرك أشد من القتل ، فإذا قبل الله توبة الكافر
فقبول توبة القاتل أولى ، وأيضاً فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافراً كونه قاتلاً . فلما
دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلاً مقبولة والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين ﴾ فيه مسائل :
: المسألة الأولى ﴾ قال القوم : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند
المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد
الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله
عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدماً على المخصص أو متأخراً عنه فإنه يصير مخصوصاً به
والله أعلم .
.
﴿ المسألة الثانية﴾ في المراد بالفتنة ههنا وجوه (أحدها) أنها الشرك والكفر، قالوا:
كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي ◌َّ بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم
واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا
دينهم ويرجعوا كفاراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : قاتلوهم حتى تظهروا عليهم
فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك (وثانيها) قال أبو مسلم: معنى الفتنة ههنا الجرم
قال : لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤوا به كان فتنة على
المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار . فإن قيل : كيف يقال ( وقاتلوهم حتى لا تكون
فتنة ) مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقاً .
قلنا الجواب من وجهين ( الأول) أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم
زوال الكفر والشرك ، لأن من قتل فقد زال كفره ، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر
فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك .
﴿ الجواب الثاني﴾ أن المراد قاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر ، لأن الواجب على

١٤٤
قوله تعالى ((الشهر الحرام بالشهر الحرام)) الآية، سورة البَقَرة
الشَّهْرُ الْخَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ أَنْتَدَى عَلَيْكُرْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِثْلِ مَاعْتَدَى عَلَيْكْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا ، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال
وجب عليه العدول عنه .
:
أما قوله تعالى ( ويكون الدين لله ) فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك ، لأنه ليس بين
الشرك وبين أن يكون الدين كله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر
ما يعبد ويطاع غيره . فصار التقدير كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت
الإِسلام ، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب ، ونظيره قوله تعالى
( تقاتلونهم أو يسلمون) وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال بهذا المقصود .
أما قوله تعالى ( فان انتهوا) فالمراد : فان انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم ،
وهو إما كفرهم أو قتالهم ، فعند ذلك لا يجوز قتالهم ، وهو كقوله تعالى ( قل للذين كفروا إن
ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) .
أما قوله تعالى ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) ففيه وجهان ( الأول ) فان انتهوا فلا
عدوان ، أي فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون
لأنفسهم على ما قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) .
فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه في نفسه حق وصواب ؟
قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى
( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقوله تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم ، ومكروا ومكر الله فيسخرون منهم سخر الله منهم) ( والثاني) إن تعرضتم لهم بعد
انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فتشلط عليكم من يعتدي عليكم .
قوله تعالى ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين
1

١٤٥
قوله تعالى ((الشهر الحرام بالشهر الحرام)) سورة البقرة
اعلم ان الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكراً فيما بينهم ، ذكر في هذه الآية ما يزيل
ذلك فقال ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) وفيه وجوه ( أحدها ) روى عن ابن عباس ومجاهد
والضحاك أن رسول الله عليه خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من
الهجرة فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل حتى يتركوا
له مكة ثلاثة أيام ، فرجع رسول الله ◌َّة في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة
واعتمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام ، والقوم كانوا
صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر ( وثانيها ) ما روى عن الحسن
أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول وسلو عن أن يقاتلهم في الأشهر الحرم ، فأرادوا
مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم ، وذلك قوله تعالى ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال
فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحكم في
هذه الواقعة ، فقال ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر
الحرام فاستحلوه فيه ( وثالثها ) ما ذكره قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن
الكفر بالله ، فكيف يمنعنا عن مقاتلتكم ، فالشهر الحرام من جانبنا ، مقابل بالشهر الحرام من
جانبكم ، والحاصل في الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال
القبيحة ، فكيف جعلوه سبباً في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم .
أما قوله تعالى ( والحرمات قصاص ) فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من انتهاكه
والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه .
﴿ أما على الوجه الأول﴾ فهو أن المراد بالحرمات: الشهر الحرام ، والبلد الحرام،
وحرمة الإحرام فقوله ( الحرمات قصاص ) معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست
فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع .
وأما على الوجه الثاني ﴾ فهو أن المراد : إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم
أيضاً ، قال الزجاج : وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات
على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص ، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية ، وهو قوله
( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) وبما بعدها وهو قوله ( فمن اعتدى
عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).
﴿ أما على القول الثالث﴾ فقوله ( والحرمات قصاص) يعني حرمة كل واحد من
الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان ، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر
والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال .
الفخر الرازي ج ٥ م١٠

١٤٦
قوله تعالى ((وأنفقوا في سبيل الله)) الآية . سورة البقرة
وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ
١٩٥
أما قوله تعالى ( فمن إعتدی علیکم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فالمراد منه :
الأمر بما يقابل الإعتداء من الجزاء والتقدير : فمن اعتدى عليكم فقابلوه ، والسبب في تسميته
اعتداء قد تقدم ثم قال ( واتقوا الله) وقد تقدم معنى التقوى ، ثم قال ( واعلموا أن الله مع
المتقين ) أي بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم ، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا
في مكان إذ لو كان جسماً لكان في مكان معين ، فكان إما أن يكون مع أحد منهم ولم يكن معٍ
الآخر أو يكون مع كل واحد من المؤمنين جزء من أجزائه وبعض من أبعاضه تعالى الله عنه علواً
كبيراً .
قوله تعالى ﴿وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب
المحسنين ﴾ .
اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين ( الأول ) أنه تعالى لما أمر بالقتال
والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال ، وربما كان ذو المال عاجزاً
عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيراً عديم المال ، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن
ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال ( والثاني) يروى أنه لما نزل قوله تعالى (الشهر
الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) قال رجل من الحاضرين : والله يا رسول الله ما لنا زاد
وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله ولل أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا
أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا ، فنزلت هذه الآية على وفق
رسول الله الآ .
واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ، فلذلك لا يقال في المضيع : إنه
منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به في طريق الدين ، لأن السبيل هو الطريق ،
وسبيل الله هودينه ، فكل ما أمر الله به في دينه من إنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقاً في
حج أو عمرة أو كان جهاداً بالنفس ، أو تجهيزاً للغير ، أو كان إنفاقاً في صلة الرحم . أو في
الصدقات ، أو على العيال ، أو في الزكوات والكفارات ، أو عمارة السبيل وغير ذلك ، إلا
أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد ، بل قال ( وأنفقوا
:

١٤٧
قوله تعالى ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) سورة البقرة
في سبيل الله) لوجهين (الأول ) أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن
المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه
إنفاق المال ( الثاني) أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله وله إلى مكة لقضاء
العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضي إلى القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة
وجهاداً ، واجتمع فيه المعنيان ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى ( وأنفقوا في سبيل
الله) ولم يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة .
أما قوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال أبو عبيدة والزجاج (التهلكة ) الهلاك يقال: هلك يهلك
هلاكاً وهلكاً وتهلكة : قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم
العين إلا هذا ، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسماً
غير مصدر ، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يقال أصله
التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار
في الجوار .
وأقول : إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ،
وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة قوية ، فورود
هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة ، أولى بأن يدل على
صحة هذه اللفظة واستقامتها .
المسألة الثانية ﴾ اتفقوا على أن الباء في قوله ( بأيديكم) تقتضى إما زيادة أو نقصاناً
فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة . وهو كقوله : جذبت الثوب
بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان . أو المراد بالأيدي الأنفس
كقوله ( بما قدمت يداك) أو ( بما كسبت أيديكم ) فالتقدير : ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ،
وقال آخرون : بل ههنا حذف ، والتقدير : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) اختلف المفسرون فيه ، فمنهم
من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال : إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون
فذكروا فيه وجوه ( الأول ) أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم
ويهلكهم ، وكأنه قيل : إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب
مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك ( الوجه

١٤٨
قوله تعالى ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) سورة البقرة
الثاني ) أنه تعالى لما أمره بالانفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى
التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله
( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) وفي قوله ( ولا تجعل يدك
مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) وأما الذين قالوا : المراد منه غير النفقة فذكروا فيه
وجوها ( أحدها) أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على
التمسك بالجهاد وهو كقوله ( ليهلك من هلك عن بينة ) ( وثانيها) المراد من قوله ( ولا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة ) أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه
إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ،
فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه ، وهذا الوجه
منقول عن البراء بن عازب ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : هو
الرجل يستقل بين الصفين ، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال : هذا القتل غير محرم
واحتج عليه بوجوه ( الأول ) روى أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به
الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا .:
صحبنا رسول الله وَ ل ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى
أهالينا وأموالنا وتصالحنا ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد ( والثاني )
روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله وَطير ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت
يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً؟ قال عليه الصلاة والسلام: لك الجنة فانغمس في جماعة
العدو فقتلوه بين يدي رسول الله ، وأن رجلا من الأنصار ألقى درعاً كانت عليه حين ذكر النبي
- عليه الصلاة والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه ( والثالث ) روى أن رجلاً من الأنصار
تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه ، فقال لبعض من معه
سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ، ففعل ذلك فذكروا
ذلك للنبي وَّ، فقال فيه قولاً حسنا ( الرابع) روى أن قوماً حاصروا حصناً ، فقاتل رجل
حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال : كذبوا
أليس يقول الله تعالى ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) ولمن نصر ذلك التأويل
أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول : إنا إنما حرمنا القاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع
نكاية منهم ، فأما إذا توقع فنحن نجوز ذلك ، فلم قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع
( الوجه الثالث ) في تأويل الآية أن يكون هذا متصلاً بقوله ( الشهر الحرام بالشهر الحرام
والحرمات قصاص) أي فان قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فان الحرمات قصاص ،
فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا
:
:
:
٠٠

١٤٩
قوله تعالى ((وأتموا الحج)) الآية، سورة البَقَرة
وَأَعِمُواْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإنْ أُخْصِرُمْ لَمَا أَسْتَسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُواْرُءُ وسَكُمْ
خَّى يَبْلُغَ الْمَدْىُ عِلَهُ.
بترككم القتال فانكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة ( الوجه الرابع ) في التأويل أن
يكون المعنى : أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا
شيء ، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق ، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم
بذلك كما يقال جعل فلان فلاناً هالكاً وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك ( الوجه الخامس )
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك
هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل
الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب ( الوجه السادس ) يحتمل أن يكون المراد
وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط ، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك
الإنفاق فعلاً يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة ، ونظيره قوله تعالى ( ولا
تبطلوا أعمالكم ) .
أما قوله تعالى ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن المحسن مشتق من ماذا وفيه وجوه (الأول) أنه
مشتق من فعل الحسن وأنه كثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن من حيث أن الإحسان
حسن في نفسه ، وعلى هذا التقدير فالضرب والقتل إذا حسنا كان فاعلهما محسناً ( الثاني ) أنه
مشتق من الإحسان ، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسناً إلا إذا كان فعله حسناً وإحساناً
معاً ، فالإشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين .
﴿ المسألة الثانية) قوله (وأحسنوا) فيه وجوه (أحدها ) قال الأصم : أحسنوا في
فرائض الله ( وثانيها) وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ، ونفقته ، والمقصود منه أن
يكون ذلك الإنفاق وسطاً فلا تسرفوا ولا تقتروا ، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل
الآية على جميع الوجوه .
وأما قوله (إن الله يحب المحسنين ) فهو ظاهر وقد تقدم تفسيره مراراً .
قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤسكم
حتى يبلغ الهدى محله ﴾ في الآية مسائل :

١٥٠
قوله تعالى ((وأتموا الحج)) سورة البَقَرة
المسألة الأولى﴾ (الحج) في اللغة عبارة عن القصد وإنما يقال: حج فلان
الشيء إذا قصده مرة بعد أخرى ، وأدام الاختلاف إليه ( والحجة ) بكسر الحاء السنة ، وإنما
قيل لها حجة لأن الناس يحجون في كل سنة ، وأما في الشرع فهو اسم لأفعال مخصوصة منها
أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات ، فالأركان ما لا يحصل التحلل حتى يأتي به والأبعاض هي
الواجبات التي إذا ترك شيء يجبر بالدم ، والهيئات ما لا يجب الدم على تركها ، والأركان عندنا
خمسة : الإِحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، وفي حلق
الرأس أو تقصيره قولان : أصحهما أنه نسك لا يحصل التحلل إلا به ، وأما الأبعاض فهي
الإحرام من الميقات والمقام بعرفة إلى الغروب في قول والبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر في قول ورمي
جمرة العقبة والبيتوتة بمنى ليالي التشريق في قول ورمي أيامها .
وأما سائر أعمال الحج فهي سنة .
وأما أركان العمرة فهي أربعة : الإحرام ، والطواف، والسعي ، وفي الحلق قولان ،
ثم المعتمر بعدما فرغ من السعي فإن كان معه هدى ذبحه ثم حلق أو قصر، ولا يتوقف التحلل
على ذبح الهدى .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (وأتموا) أمر بالإتمام ، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط
بالدخول فيه ، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق ، والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت
الكمال والتمام ( والقول الثاني ) وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: إن هذا الأمر مشروط ،
والمعنى أن من شرع فيه فليتمه قالوا : ومن الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجباً إلا أن
بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجباً ، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند أصحابنا ،
وغير واجبة عند أبي حنيفة رحمه الله حجة أصحابنا من وجوه .
الحجة الأولى) قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وجه الاستدلال به أن الإتمام قد
يراد به فعل الشيء كاملاً تاماً ، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه ، وإذا ثبت
الإحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك، أما بيان الإحتمال فيدل عليه قوله تعالى
( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) أي فعلهن على سبيل التمام والكمال ، وقوله تعالى ( ثم
أتموا الصيام إلى الليل ) أي فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل ، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول
من قال : المراد فاشرعوا في الصيام ثم أتموه ، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار ، وعلى
التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله ( وأتموا الحج ) يحتمل أن يكون المراد منه
الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب حمله عليه ، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضاً أن
:
:
:

١٥١
قوله تعالى ((وأتموا الحج)) سورة البَفَرة
يكون المراد منه انكم إذا شرعتم فيه فأتموه ، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ،؛ ويدل
عليه وجوه ( الأول ) أن حمل الآية على الوجه الثاني يقتضى أن يكون هذا الأمر مشروطاً ،
ويكون التقدير : أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما ، وعلى التأويل الأول الذي نصرناه لا
يحتاج إلى إضمار هذا الشرط ، فكان ذلك أولى ( والثاني ) أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية
هي أول آية نزلت في الحج فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع
فيه ( الثالث ) قرأ بعضهم ( وأقيموا الحج والعمرة لله ) وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية
مجرى خبر الواحد لكنه بالإتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل ( الرابع ) أن الوجه الذي
نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة ، ويفيد وجوب اتمامهما بعد الشروع فيهما ، والتأويل الذي
ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب ، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة ، فكان حمل كلام الله عليه
أولى (الخامس) أن الباب باب العبادة فكان الاحتياط فيه أولى ، والقول بإيجاب الحج
والعمرة معاً أقرب إلى الاحتياط ، فوجب حمل اللفظ عليه ( السادس ) هب أنا نحمل اللفظ
على وجوب الإتمام ، لكِنا نقول : اللفظ دل على وجوب الإتمام جزماً، وظاهر الأمر للوجوب
فكان الإتمام واجباً جزماً والإتمام مسبوق بالشروع ، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً
للمكلف فهو واجب ، فيلزم أن يكون الشروع واجباً في الحج وفي العمرة ( السابع ) روى عن
ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله ، أي إن العمرة لقرينة الحج
في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية فكان كقوله ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ( فهذا تمام
تقرير هذه الحجة .
فإن قيل : قرأ علي وابن مسعود والشعبي ( والعمرة لله ) بالرفع وهذا يدل على أنهم
قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب .
قلنا : هذا مدفوع من وجوه ( الأول ) أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة ،
( الثاني ) أن فيها ضعفاً في العربية ، لأنها تقتضى عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية
( الثالث ) أن قوله ( والعمرة لله) معناه أن العمرة عبادة الله ، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي
وجوبها ، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين وهو غير جائز (الرابع ) أنه لما كان قوله
( والعمرة لله ) معناه : والعمرة عبادة الله ، وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى ( وما
أمروا إلا ليعبدوا الله ) والأمر للوجوب ، وحينئذ يحصل المقصود .
الحجة الثانية ) في وجوب العمرة أن قوله تعالى ( يوم الحج الأكبر ) يدل على وجوب
حج أصغر على ما عليه حقيقة أفعل ، وما ذاك إلا العمرة بالإتفاق ، وإذا ثبت أن العمرة
حج ، وجب أن تكون واجبة لقوله تعالى ( وأتموا الحج ) ولقوله ( ولله على الناس حج

١٥٢
قوله تعالى ((وأتموا الحج)) سورة البقرة
البيت ) .
﴿ الحجة الثالثة﴾ في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق بين
الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله وَّه عن الإسلام ، فقال : أن تشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج
وتعتمر ، وروى النعمان بن سالم عن عمر بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه
الصلاة والسلام فقال : إن أبي شيخ كفي أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا.
الظعن، فقال عليه الصلاة والسلام : حج عن أبيك واعتمر ، فأمر بهما ، والأمر للوجوب ،
ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال ((الحج والعمرة
فرضان لا يضرك بأيهما بدأت )) ومنها ما روت عائشة رضى الله عنها بنت طلحة عن عائشة أم
المؤمنين ، قالت : قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال عليه الصلاة والسلام :
عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة .
﴿ الحجة الرابعة) في وجوب العمرة، قال الشافعي رضي الله عنه: اعتمر النبي مط ير قبل
الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب، وحجة من
قال : العمرة ليست واجبة وجوه :
الحجة الأولى﴾ قصد الأعرابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أركان:
الإِسلام فعلمه الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، فقال الأعرابي: هل على غير هذا قال: لا
إلا أن تطوع ، فقال الأعرابي ، لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال عليه الصلاة والسلام :.
أفلح الأعرابي إن صدق، وقال عليه الصلاة والسلام ((بنى الإِسلام على خمس شهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت))
وقال عليه الصلاة والسلام (( صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا جنة ربكم))
فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها ، وعن محمد بن المنكدر عن جابرا
بن عبدالله عن النبي ( أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ فقال: لا وإن تعتمر خيرا
لك، وعن معاوية الضرير عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َ ﴿ قال!
((الحج جهاد والعمرة تطوع)) .
( والجواب ) من وجوه ( أحدها) أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن
( وثانيها ) لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام تلك
الأحاديث ، ثم نزل بعدها قوله ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وهذا هو الأقرب ، لأن هذه الآية.
:
١

١٥٣
قوله تعالى ((وأتموا الحج)) سورة البَقَرة
إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة (وثالثها ) أن قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس
فيها بيان تفصيل الحج ، وقد بينا ان العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر ، فلا تكون هي منافية
لوجوب العمرة ، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا : رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف .
المسألة الثالثة﴾ اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام : الإفراد ، والقران ، والتمتع ،
فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل ، أو يعتمر قبل أشهر الحج ، ثم يحج
في تلك السنة ، والقران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه ، وكذلك
لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قرانا، والتمتع هو أن
يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها ثم يحج في هذه السنة ، وإنما سمي تمتعاً لأنه يستمتع
بمحظورات الإحرام بعد التحلل عن العمرة قبل أن يحرم بالحج .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة فقال الشافعي
رضي الله عنه أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران وقال في اختلاف الحديث التمتع أفضل من
الإفراد وبه قال مالك رضي الله عنه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : القران أفضل ، ثم
الإفراد ، ثم التمتع ، وهو قول المزني وأبي إسحق والمروزي من أصحابنا ، وقال وأبو
يوسف ومحمد : القران أفضل ، ثم التمتع ، ثم الإفراد ، حجة الشافعي رضي الله عنه في أن
الإفراد أفضل من وجوه ( الأول ) التمسك بقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) والإستدلال
به من ثلاثة أوجه ( الأول ) أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج ، والعطف يستدعي
المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والمغايرة لا تحصل إلا عند الأفراد ، فأما عند القران
فالموجود شيء واحد ، وهو حج وعمرة ، وذلك مانع من صحة العطف ( الثاني ) قوله ( وأتموا
الحج والعمرة لله ) يقتضى الإفراد ، بدليل أنه تعالى قال (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى)
والقارن يلزمه هديان عند الحصر، وأيضاً أنه تعالى أوجب على الخلق عند الإداء فدية
واحدة ، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر ( الثالث ) هذه الآية تدل على وجوب الاتمام ،
والاتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان ( الأول ) أن السفر مقصود في الحج ،
بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فانه يحج من وطنه ، ولولا أن السفر مقصود في الحج لكان
يحج عنه من أدنى المواقيت ، ويدل عليه أيضاً أنهم قالوا أو نذر أن يحج ماشياً وحج راكباً
يلزمه دم ، فثبت أن السفر مقصود والقران يقتضى تقليل السفر ، لأن بسببه يصير السفران
سفراً واحداً ، فثبت أن الاتمام لا يحصل إلا بالافراد ( الثاني ) أن الحج لا معنى له إلا زيارة
بقاع مكرمة، ومشاهد مشرفه، والحاج زائر الله ، والله تعالى مزوره ، ولا شك أنه كلما
كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم ، وعند القران تنقلب الزيارتان

١٥٤
قوله تعالى ((وأتموا الحج والعمرة لله)) سورة البقرة
زيارة واحدة ، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي العمرة تكرر عند الإفراد ،
وتصير واحدة عند القران ، فثبت أن الأفراد أقرب إلى التمام ، فكان الإفراد إن لم يكن واجباً
عليكم بحكم هذه الآية فلا أقل من كونه أفضل .
الحجة الثانية﴾ في بيان أن الإفراد أفضل: أن الافراد يقتضى كونه آتياً بالحج مرة ،
ثم بالعمرة بعد ذلك ، فتكون الأعمال الشاقة في الافراد أكثر فوجب أن يكون أفضل لقوله
عليه السلام ((أفضل الأعمال أحمزها)) أني أشقها .
﴿ الحجة الثالثة﴾ أنه عليه السلام كان مفرداً فوجب أن يكون الإفراد أفضل ، أما
قولنا : إنه كان مفرداً فاعلم أن الصحابة اختلفت رواياتهم في هذا المعنى ، فروى مسلم في
صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ® أفرد بالحج ، وروى جابر وابن عمر أنه
أفرد، وأما أنس فقد روى عنه أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله (ص1 ، فكان
لعابها يسيل على كتفي، فسمعته يقول ((لبيك بحج وعمرة معاً)) ثم الشافعي رضي الله عنه
رجح رواية عائشة رضي الله عنها وجابر وابن عمر على رواية أنس من وجوه ( أحدها) بحال
الرواة، أما عائشة فلأنها كانت عالمة، ومع علمها كانت أشد الناس التصاقاً برسول الله عليه ،
وأشد الناس وقوفاً على أحواله، وأما جابر فإنه كان أقدم صحبة الرسول # من أنس ، وإن
أنساً کان صغیراً في ذلك الوقت قبل العلم ، وأما ابن عمر فإنه کان مع فقهه أقرب إلی رسول
الله ◌َ﴾ من غيره، لأن أخته حفصة كانت زوجة النبي وَله (والثاني) أن عدم القران متأكد
بالاستصحاب ( والثالث ) أن الأفراد يقتضى تكثير العبادة ، والقران يقتضى تقليلها ، فكان
إلحاق الأفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أولى، وإذا ثبت أن النبي # كان مفرداً وجب أن
يكون الإفراد أفضل لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختار الأفضل لنفسه ، ولأنه قال (( خذوا
عني مناسككم » أي تعلموا مني .
﴿ الحجة الرابعة﴾ أن الإفراد يقتضي تكثير العبادة، والقران يقتضى تقليلها، فكان
الأول أولى ، لأن المقصود من خلق الجن والإنس هو العبادة ، وكل ما كان أفضى إلى تكثير
العبادة كان أفضل ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه :
الحجة الأولى﴾ التمسك بقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وهذا اللفظ يحتمل
أن يكون المراد إيجاب كل واحد منهما ، أو يكون المراد منه إيجاب الجمع بينهما على سبيل
التمام ، فلو حملناه على الأول لا يفيد الثاني ، ولو حملناه على الثاني أفاد الأول ، فكان الثاني
أكثر فائدة ، فوجب حمل اللفظ عليه ، لأن الأولى حمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة .
:

١٥٥
قوله تعالى ((وأتموا الحج والعمرة لله)) سورة البقرة
﴿ الحجة الثانية﴾ أن القران جمع بين النسكين فوجب أن يكون أفضل من الإتيان
بنسك واحد .
الحجة الثالثة﴾ أن في القران مسارعة إلى النسكين وفي الإفراد ترك مسارعة إلى أحد
النسكين فوجب أن يكون القران أفضل لقوله ( وسارعوا ) .
والجواب عن الأول﴾ أنا بينا أن هذه الآية تدل من ثلاثة أوجه دلالة ما هو أكثر فائدة
على الإفراد ، وأما ما ذكرتموه فمجرد حسن ظن حيث قلتم : حمل اللفظ على ما هو أكثر فائدة
أولى وإذا كان كذلك كان الترجيح لقولنا .
﴿ والجواب عن الثاني والثالث﴾ أن كل ما يفعله القارن يفعله المفرد أيضاً، إلا أن
القرآن كان حيلة في إسقاط الطاعة فينتهي الأمر فيه أن يكون مرخصاً فيه فأما أن يكون أفضل
فلا ، وبالجملة فالشافعي رضي الله عنه لا يقول إن الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة
المقرونة لكنه يقول : من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها فمجموع هذين الأمرين أفضل
من الإتيان بالحجة المقرونة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في تفسير الإتمام في قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) وفيه وجوه
( أحدها) روي عن علي وابن مسعود أن إتمامهما أن يحرم من دويرة أهله ( وثانيها ) قال أبو
مسلم : المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام ، قال : ويدل على صحة هذا
التأويل أن هذه الآية إنما نزلت بعد أن منع الكفار النبي ◌ّله في السنة الماضية عن الحج والعمرة
فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية أن لا يرجع حتى يتم هذا الفرض ، ويحصل من هذا التأويل
فائدة فقهية وهي أن تطوع الحج والعمرة كفرضيهما في وجوب الإتمام ( وثالثها ) قال الأضم :
إن الله تعالى فرض الحج والعمرة ثم أمر عباده أن يتموا الآداب المعتبرة ، وذكر الشيخ الإمام
أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الأحياء ما يتعلق بهذا الباب فقال : الأمور المعتبرة قبل
الخروج إلى الإحرام ثمانية ( الأول) في المال يعني أن يبدأ بالتوبة ، ورد المظالم ، وقضاء
الديون ، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ، ويرد ما عنده من الودائع ،
ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه مع
التوسع في الزاد والرفق بالفقراء ، ويتصدق بشيء قبل خروجه ، ويشتري لنفسه دابة قوية على
الحمل أو يكتريها ، فإن اكتراها فليظهر للمكاري كل ما يحصل رضاه فيه ( الثاني ) في الرفيق
فينبغي أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير ، معيناً عليه ، إن نسى ذكره ، وإن ذكر ساعده ،
وإن جبن شجعه وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره ، وأما الأخوان والرفقاء المقيمون

-----
١٥٦
قوله تعالى ((وأتموا الحج والعمرة لله)) سورة البقرة
فيودعهم ، ويلتمس أدعيتهم ، فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيراً ، والسنة في الوداع أن
يقول : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ( الثالث ) في الخروج من الدار ، فإذا هم
بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأول بعد الفاتحة ( قل يا أيها الكافرون ) وفي الثانية
(الإخلاص) وبعد الفراغ يتضرع إلى الله بالإخلاص ، ( الرابع ) إذا حصل على باب الدار
قال : بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكلما كانت الدعوات أزيد كانت
أولى ( الخامس ) في الركوب ، فإذا ركب الراحلة قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت
على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ،
سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ( السادس ) في
النزول ، والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ، ولا ينزل حتى يحمي النهار ، وإذا نزل صلى
رکیتین ودعا الله کثیراً ( السابع ) إن قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار ، فليقرأ آية الكرسي ،
وشهد الله، والإخلاص، والمعوذتين ، ويقول: تحصنت بالله العظيم، واستعنت بالحي.
الذي لا يموت، ( الثامنة ) مهما علا شرفاً من الأرض في الطريق ، فيستحب أن يكبر ثلاثاً.
( التاسع ) أن لا يكون هذا السفر مشوباً بشيء من أثر الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها.
( العاشر) أن يصون الإنسان لسانه عن الرفث والفسوق والجدال ، ثم بعد الإتيان بهذه
المقدمات ، يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة ،
ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ، فقوله ( وأتموا الحج والعمرة ) كلمة
شاملة جامعة لهذه المعاني ، فإذا أتى العبد بالحج على هذا الوجه كان متبعاً ملة إبراهيم حيث
قال تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) .
﴿ الوجه الرابع﴾ في تفسير قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) أن المراد : أفردوا كل
واحد منهما بسفر وهذا تأويل من قال بالإفراد ، وقد بيناه بالدليل، وهذا التأويل يروى عن
علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد يروى مرفوعاً عن أبي هريرة ، وكان عمر يترك القران
والتمتع ، ويذكر أن ذلك أتم للحج والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحج ، فإن الله تعالى
يقول ( الحج أشهر معلومات) وروي نافع عن ابن عمر أنه قال : فرقوا بين حجكم
وعمرتكم .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن عاصم
( الحج ) بفتح الحاء في كل القرآن وهي لغة الحجاز ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص ، عن
عاصم بالكسر في آل عمران ، قال الكسائي : وهما لغتان بمعنى واحد ، كرطل ورطل ،
وقيل : الفتح المصدر، وبالكسر الإسم .
:

١٥٧
قوله تعالى ((فإن أحصرتم)) سورة البَقَرة
وقوله تعالى ( فإن أحصرتم ) قال أحمد بن يحيى : أصل الحصر والإحصار : الحبس
ومنه يقال للذي لا يبوح بسره : حصر. لأنه حبس نفسه عن البوح والحصر احتباس الغائط
والحصير الملك لأنه كالمحبوس بين الحجاب وفي شعر لبيد :
جن لدى باب الحصير قيام
والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض تشبيهاً باحتباس الشيء مع
غيره .
إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن
مراده وضيق عليه ، أما لفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال ( الأول ) وهو اختيار
أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل اللغة أنه مختص بالمرض ، قال ابن
السكيت : يقال أحصره المرض إذا منعه من السفر وقال ثعلب في فصيح الكلام : أحصر
بالمرض وحصر بالعدو .
( والقول الثاني ) أن لفظ الإِحصار يفيد الحبس والمنع ، سواء كان بسبب العدو أو
بسبب المرض وهو قول الفراء .
( والقول الثالث ) أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو ، وهو قول الشافعي رضي
الله عنه وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر، فإنهما قالا : لا حصر إلا حصر العدو، وأكثر
أهل اللغة يردون هذا القول على الشافعي رضي الله عنه ، وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة
فقهية ، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإِحصار عند حبس العدو ثابت ، وهل
يثبت بسبب المرض وسائر الموانع ؟ قال أبو حنيفة رضي الله عنه : يثبت . وقال الشافعي : لا
يثبت . وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان
( أحدهما ) الذين قالوا : الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط، وعلى هذا
المذهب تكون هذه الآية نصاً صريحاً في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم ( والثاني ) الذين
قالوا الإِحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلاً بسبب المرض أو بسبب العدو ، وعلى هذا
القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضاً ، لأن الله تعالى علق الحكم على مسمي الإحصار ،
فوجب أن يكون الحكم ثابتاً عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض ( وأما على
القول الثالث ) وهو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو ، فهذا القول باطل باتفاق أهل
اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج وهذا قياس جلي ظاهر

١٥٨
قوله تعالى ((فإن أحصرتم)) سورة البقرة
فهذا تقرير قول أبي حنيفة رضي الله عنه وهو ظاهر قوي ، وأما تقرير مذهب الشافعي رضي
الله عنه، فهو أنا ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط ، والروايات المنقولة
عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر ، ولا شك أن قولهما أوالى
لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن ، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا
القول بوجوه من الدلائل .
الحجة الأولى﴾ أن الإحصار إفعال من الحصر والإفعال تارة يجيء بمعنى التعدية
نحو : ذهب زيد وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى صار ذا كذا نحو : أغد البعير إذا صار ذا غدة ،
وأجرب الرجل إذا صارذا أبل جربي ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا نحو : أحمدت الرجل أي
وجدته محموداً والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية ، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على
الوجدان والمعنى : أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين ، ثم إن أهل اللغة اتفقوا على
أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى الإِحصار هو أنهم صاروا
ممنوعين بالعدو ، أو وجدوا ممنوعين بالعدو ، وذلك يؤكد مذهبنا .
الحجة الثانية﴾ أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان إنه ممنوع من فعله
ومحبوس عن مراده ، إذا كان قادراً على ذلك الفعل متمكناً منه ، ثم إنه منعه مانع عنه ،
والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في
حق المريض فهو غير قادر البتة على الفعل ، فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع ، لأن إحالة
الحكم على المنافع تستدعي حصول المقتضى ، أما إذا كان ممنوعاً بالعدو فههنا القدرة على الفعل
حاصلة ، إلا أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو ، فصح ههنا أن يقال إنه ممنوع من الفعل ،
فثبت أن لفظة الإحصار حقيقة في العدو ، ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض .
الحجة الثالثة ) أن معنى قوله ( أحصرتم ) أي حبستم ومنعتم ، والحبس لا بد له من
حابس ، والمنع لا بد له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابساً ومانعاً ، لأن الحبس
والمنع فعل، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلاً، لأن المرض عرض لا يبقي زمانين ، فكيف
يكون فاعلاً وحابساً ومانعاً، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي، وحمل
الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه .
الحجة الرابعة ﴾ أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الخصر لا إشعار فيه بالمرض،
فلفظ الإِحصار وجب أن يكون خالياً عن الإشعار بالمرض قياساً على جميع الألفاظ المشتقة .
الحجة الخامسة ) أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من
ے
:

١٥٩
قوله تعالى ((فإن أحصرتم )) سورة البقرة
رأسه) فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلاً فيه ،
لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه .
فإن قيل : إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكماً خاصاً ، وهو حلق الرأس ، فصار
تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم .
قلنا : هذا وإن كان حسناً لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه ،
أما إذا لم يكن المحصر مفسراً بالمريض ، لم يلزم عطف الشيء على نفسه ، فكان حمل المحصر
على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ذلك أولى .
﴿ الحجة السادسة﴾ قال تعالى في آخر الآية (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج )
ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه يقال في المرض : شفي وعفى
ولا يقال أمن .
فإن قيل : لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف، فإنه يقال : أمن المريض
من الهلاك وأيضاً خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها .
قلنا : لفظ الأمن إذا كان مطلقاً غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو ، وقوله
خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها .
قلنا : بل يوجب لأن قوله ( فإذا أمنتم ) ليس فيه بيان أنه بيان حصل الأمن بماذا ،
فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الإحصار ،
فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الإحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق
العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الإحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار
المذكور في الآية هو منع العدو فقط، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو
باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية
أن الكفار أحصروا النبي وَعليه بالحديبية، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل
تتناول غير ذلك السبب؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجاً عنه ،
فلو كان الإِحصار إسماً لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجاً عنها ، وذلك باطل
بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا
فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه، وبيانه من وجهين (الأول ) أن كلمة : إن شرط عند
أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهراً ، فهذا يقتضى أن لا يثبت الحكم
إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه، فلو أثبتنا هذا الحكم في غيره قياساً كان ذلك نسخاً

١٦٠
قوله تعالى ((فما استيسر من الهدى)) سورة البقرة
للنص بالقياس ، وهو غير جائز .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصداً، ألا ترى أنه إذا جامع
امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض
ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو
فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه
المسألة على ما يليق بالتفسير .
أما قوله ( فما استيسر من الهدي ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال القفال رحمه الله: في الآية إضمار، والتقدير : فحللتم فما
استيسر، وهو كقوله ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) أي فأفطر
فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن قوله ( فما استیسرمن الهدى ) کلام غیر تام لا بد فيه من
إضمار ، ثم فيه احتمالان : (أحدهما ) أن يقال : محل ، ما : رفع ، والتقدير : فواجب
عليكم ما استيسر (والثاني ) قال الفراء : لو نصبت على معنى : اهدوا ما تيسر كان صواباً ،
وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع .
﴿ المسألة الثانية﴾ ( استيسر) بمعنى تيسر، ومثله : استعظم، أي تعظم واستكبر:
أي تكبر ، واستصعب : أي تصعب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ (الهدى) جمع هدية، كما تقول: تمر وتمرة ، قال أحمد بن يحيى:
أهل الحجاز يخففون ( الهدى) وتميم تثقله ، فيقولون : هدية ، وهدى ، ومطية ، ومطي ،
قال الشاعر :
حلفت برب مكة والمصلی
وأعناق الهدى مقلدات
ومعنى ( الهدى) ما يهدي إلى بيت الله عز وجل تقرباً إليه ، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان
إلى غيره تقرباً إليه ، ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة : الهدى أعلاه بدنة ، وأوسطه
بقرة ، وأخسه شاة ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المحصر إذا كان عالماً بالهدى، هل له بدل ينتقل إليه؟ للشافعي
رضي الله عنه فيه قولان ( أحدهما ) لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبداً، وبه قال أبو حنيفة
رضي الله عنه، والحجة في أنه تعالى أوجب على المحصر الهدى على التعيين ، وما أثبت له بدلاً
( والثاني ) أن له بدلاً ينتقل إليه ، وهو قول أحمد فإذا قلنا بالقول الأول : هل له أن يتحلل في