Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب . سورة البقرة فإن له أن يستقبلها من أى جهة شاء وأراد ( وسادسها) ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : كنا مع رسول الله # في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل کل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله ﴿ فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس ( وسابعها ) أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته . وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر . وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صفى على راحلته تطوعاً يومىء برأسه نحو المدينة ، فمعنى الآية ( فأينما تولوا) وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم (فثم وجه الله) فقدصادفتم المطلوب (إن الله واسع ) الفضل غنى فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين ، إما ترك النوافل ، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل فانها غير محصورة فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج . فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب . قلنا : إن قوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله) مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين ( أحدهما ) في التطوع على الراحلة ( وثانيهما ) في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول إن الله تعالى خير للمكلفين في استقبال أي جهة شاؤا بهذه الآية وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا لم يثبت ذلك الاختصاص وأيضاً فكان يجب أن يقال إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضى أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع ، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول واله وصلاة المؤمنین إلی بیت المقدس فبین تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة کان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في الأذون فيه فثم وجه الله ، قالوا : وحمل الكلام على هذا الوجه أولی ، لأنه یعم کل مصل ، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولا على التطوع دون الفرض ، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص ، وأقصى ما في الباب أن يقال : إن على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال ( فأينما تولوا ) من الجهات المأمور بها ( فثم وجه الله ) إلا أن هذا الإضمار لا بد منه علی کل ٢٢ قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب . سورة البقرة حال لأنه من المحال أن يقول تعالى ( فأينما تولوا) بحسب ميل أنفسكم ( فثم وجه الله ) بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره: إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي ، فإنه. يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير ، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا . (القول الثاني) وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضاً وجوه : ( أولها) أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمى وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا ، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عنى وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم ، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم ، لا يخفى على مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها ، وقوله تعالى ( إن الله واسع عليم ) نظير قوله (إن استطعتم أن تنفذا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بلسطان ) فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم ، وهو نظير ( وهو معكم أينما كنتم) وقوله ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) وقوله ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) وقوله (وسع كل شيءٍ علما) أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه ( وثانيها) قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال ((إن أخاكم النجاشى قدمات فصلوا عليه قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم )» فنزل قوله تعالى ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) فقالوا : إنه كان يصلى إلى غير القبلة ، أنزل الله تعالى ( والله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ومعناها أن الجهات التي يصلى إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما ، كلها لي فمن وجَّه وجهه نحوشيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى ( وما كان الله لیضیع إيمانکم ) ( وثالثها لما نزل قوله تعالى ( ادعوني أستجب لكم ) قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية ، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك ( ورابعها ) أنه خطاب المسلمين ، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها ، وهو قول على بن عيسى ( وخامسها ) من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب . ﴿ المسألة الثانية﴾ إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أى جهة أريد فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة ، ٢٣ قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب . سورة البقرة وإن فسرناها سائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اللام في قوله تعالى (ولله المشرق والمغرب ) لأم الإختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله ( رب المشرقين ورب المغربين) وقوله ( برب المشارق والمغارب ، ورب المشرق والمغرب ) ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) . ﴿ المسألة الرابعة﴾ الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ( الأول ) أنه تعالى قال ( ولله المشرق والمغرب ) فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مرکب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات ( الوجه الثاني ) أنه تعالى قال ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ولو كان الله تعالی جسماً وله وجه جسماني لکان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله) فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ( الأول ) أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا لمن كان جسماً ( الثاني) أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، والسعة من صفة الأجسام (والجواب عن الأول ) أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى ( فأينما تولوا فثم وجه الله) لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه ( الأول ) أن إضافة وجه الله كاضافة بيت الله وناقة الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله ( فثم وجه الله ) أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأى وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة ( الثاني ) أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر : رب العباد إليه الوجه والعمل أستغفر الله ذنباً لست أحصيه ونظيره قوله تعالى ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ) ( الثالث ) أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله ، ونظيره قوله تعالى ( إنما نطعمكم لوجه الله ) يعني لرضوان - - ٢٤ قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه. ٤٠ منسورة البقرة ***: *** 41 وَقَالُواْ أَخَذَ اللهُ وَلَدًّا سُبْحَنَهُ، بَل لَّهُ، مَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلّ لَهِ، قِسْتُولِ بَدِيعُ السَّمَنوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىَّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ الله، وقوله ( كل شيء هالك إلا وجهه) يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحدٌ فَإنّه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي طلب الرضا يطلب وجهه (الرابع ) أن الوجه صلة کقوله (كل شيء هالك إلا وجهه) ويقول الناش هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير: صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى ( فثمتوجه الله) مع أنه. لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يعبدبها، أو ثم وتحلتها لونعنته. وطريق ثوابه والتماس مرضاته (والجواب عن الثاني) وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً ، فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق عبيل لابد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك، أو على أنه واسع العطاء والرحمة، أو على أنه والتع الإنعامِ ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليقع، أولا يجوز حمله على السعة في العلم، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً، فأما قوله (عليم ) في هذا. الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذو من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن وما يخفي على الأسمن شيء، فيكون متحذراً عن التساهل، ويحتمل أغل يكون قوله تعالى (واسع عليم ) أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاةعلى شرطها !! وتوفية عقاب من يتكاسل عنها. :٠ ٢.٠ .؟ ﴿المسألة الخامسة﴾ ولى إذا أقبل، وولى إذا أدبر، وهل هو الأضد اى ومعناه ههنا الإقبال، وقرأ الحسن (فيما تولوا) بفتح التاء من التولي. يريد فأينما توجهوا المقبلة ........ معناه رشالا هيا معهم ١٠٠٠٠ ...... قوله تعالى ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتو ذر بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ ..: إعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركيقينواعلم أن الظاهر قوله تعالى ( وقالوا اتخذ الله ولداً) أن يكون راجعاً إلا قوله (ومن أظلم من المنح محتاجة ٢٥ قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه . سورة البقرة الله ) وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى، لأن اليهود قالوا : عزير بن اللّه ، والنصارى قالوا : المسيح بن الله ، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزير بن الله، أما قوله تعالى ( سبحانه) فهو کلمة تنزیه ینزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع آخر ( سبحانه أن يكون له ولد ) فمرة أظهره ، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله ( قل له ما في السموات والأرض ) ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه ( الأول ) أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولداً، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممکن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد من الموجودین الواجبین لذاتھما ممکن لذاته ، هذا خلف، ثم نقول : إن کان کل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضى إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مرکب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن یکون حال عدمه أو حال وجوده فان کان الأول فذلك الممکن محدث وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه والأول محال لأنه يقتضی إیجاد الوجود فتعین الثاني وذلك يقتضی کون ذلك الممکن محدثاً فثبت أن کل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له ، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله (بل له ما في السموات والأرض) أى له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع (والثاني) أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا يجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس ، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا ٢٦ قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه. سورة البقرة یکون ولداً له ( الثالث ) أن الولد لا بد وأن یکون من جنس الوالد ، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه ، وممتازاً عنه من وجه آخر ، وذلك يقتضى كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة ( الرابع ) أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه ، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة ، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد علیه سبحانه وتعالى محالا ، واعلم أنه تعالى حکی في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له ، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له کن فیکون ، وقال في مریم ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذی فیه یمترون ما کان لله أن يتخذ من ولد سبحاته إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون ) وقال أيضاً في آخر هذه السورة ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، لقد جئتم شيئاً إداً، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، أن دعوا للرحمن ولداً، وما ينبغليّ للرحمن أن يتخذ ولداً، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض ، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال ( إن كل من في السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبداً؟ ) قلنا: قوله تعالى في هذه السورة (بل له ما في السموات والأرض") أتم ، لأن كلمة ( ما) تتناول جميع الأشياء ، وأما قوله تعالى ( كل له قانتون ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ القنوت: أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه: الطاعة، كقوله تعالى ( يا مريم اقنتي لربك) وطول القيام ، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل؟ قال ((طول القنوت)). وبمعنى السكوت، كما قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى (وقوموا لله قانتين ) فأمسكنا عن الكلام ، ويكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين (كل له قانتون ) أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء الكفار : ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول السدى ، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين ، وقوله ( له ما في السموات) يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر ( الأول ) بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية ( الثاني ) كون جميعها فى ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة ( الثالث) أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن على بن أبي طالب قال لبعض النصارى لولا تمرد عيسى عن عبادة ٢٧ قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه . سورة البقرة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي رضي الله عنه : فان كان عيسى إلهاً فالإِله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة ، فانقطع النصراني . المسألة الثانية ﴾ لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضى أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضى أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ يقال كيف جاء بما الذي لغيره أولى العلم مع قوله ( قانتون) جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم . أما قوله تعالى ( بديع السموات الأرض ) ففيه مسائل : . ﴿ المسألة الأولى﴾ البديع والمبدع بمعنى واحد. قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فان الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال ( بل له ما في السموات والأرض ) فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً السموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال (وإذا قضى أمراً فانما یقول له کن فیکون ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية کغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من ترکیب « ق ض ي)) وأصله ((قضاي)) إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً، ومن نظائره المضاء والاتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضية وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى ٢٨ قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه .- سورة البقرة اخربراء تيحالة القطع، من ذلك قولهم : "قضى القاضى لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فضل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضى معناه القاطع للأمور المحكم لها وقولهم انقضى البشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم: قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج ، ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضى والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، وقولهم: قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى ( فقضاهن سبع سموات ) وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم : قضى المريض وقضى نحبه إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضى البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أى شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، وانقاضٍ الحائط إذا انهدم من غير هدم، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس، وما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع ، ( فأولها ) قضبه إذا قطعه ، ومنه القضية المرطبة ، لأنها تقضب أى تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل ( وثانيها ) القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعاً للمأكول ، وسيف قضيم: في طرفه تكسر وتقلل (وثالثها) القضفُ وهو الدقة يقال رجل قضيف أي نحيف لأن القلة من مسببات القطع (ورابعها) القضاة فعلة وهي الفساد يقال قضّئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة . خلا ه المسألة الثانية﴾ في مجامل لفظ القضاء في القرآن قالوا أنه يستعمل على وجوه ( أحدها ) بمعنى الخلق ، قول تعالى ( فقضاهن سبع سموات ) يعني خلقهن ( وثانيها ) بمعنى الأمر قال تعالى ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) (وثالثها) بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي (ورابعا) بمعنى الإخبار ، قال تعالى ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) أي أخبرناهم، وهذا يأتي مقروناً بإلى (وخامسها) أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى ( فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين) يعني لما فرغ من ذلك، وقال تعالى ﴿ وقضى الأمر واستوت على الجودى) يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال (وليقضوا تفتهم) بمعنى ليفرغوا ٢٩ قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه . منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( إذا قضى أمراً) قيل : إذا خلق شيئاً ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئاً، وقيل : أحكم أمراً، قال الشاعر : داود أو صنع السوابغ تبع وعليهما مسرودتان قضاهما ﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمرههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن عامر (كن فيكون) بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران ( كن فيكون الحق ) وفي الأنعام (كن فيكون الحق ) فانه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ویس وبالرفع في سائر القرآن والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون . المسألة الخامسة ﴾ اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى ( فإنما يقول له كن فيكون ) هو أنه تعالى يقول له ( كن ) فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه ( الأول ) أن قوله ( كن فيكون ) إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على ( كن) إنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه ( الأول ) أن كلمة (كن) لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً ( الثاني) أن كلمة ( إذا) لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف (إذا) وقوله ( كن ) مرتب على القضاء بفاء التعقیب لأنه تعالی قال ( فإنما يقول له کن ) والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون (كن ) قديماً ( الثالث) أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله ( كن ) بفاء التعقيب فيكون قوله ( كن ) مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً فقوله ( كن ) لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله ( كن ) محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله ( كن) وقوله ( كن ) أيضاً محدث فيلزم افتقار (كن ) إلى (كن ) آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله ( کن ) . الحجة الثانية ) أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بکن قبل دخوله في الوجود أو حال ٦۔ ٣٠ قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه . سورة البقرة 1 دخوله في الوجود ، ( والأول ) باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، ( والثاني ) أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه .... ﴿ الحجة الثالثة) أن المخلوق قد يكون جماداً ، وتكلیف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم . ﴿الحجة الرابعة) أن القادر هو الذى يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ( کن ) فإما أن يتمكن من الإيجاد والإحداث أو لا يتمكن فإن تمکن لم یکن الإیجادموقوفاً على قوله ( کن ) وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ . ﴿ الحجة الخامسة ﴾ ان ( کن ) لو كان له أثر في التکوین لکنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة . الحجة السادسة ﴾ أن (كن ) كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدماً على النون فالمؤثر إما أن یکون هو أحد هذين الحرفین أو مجموعهما ، فإن کان الأول لم يكن لكلمة ( كن ) أثر البتة ، بل التأثیر لأحد هذین الحرفین ، وإن کان الثاني فهو محال لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً ، وحين جاء؛ الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثرا البتة . ﴿ الحجة السابعة ) قوله تعالى( إن مثل عیسی عند الله کمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) بين أن قوله ( کن) متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه فعلمنا أنه لا تأثير لقوله ( كن ) في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه : ( الأول ) وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض ( قال ها وللأرض ائتیا طوعا أو کرها قالتا أتینا طائعین ) من غیر قول کان منهما لكن على سبيل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال سل من يدقني فان الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى (وإن -ارده الغير ٣١ سورة البقرة قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون . وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكُِّنَ اللهُ أَوْ تَأْمِنَاَ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَتْ قُلُوبُهُمِّ قَدْ بَيَّنَا الْآَيَنْتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ( الثاني ) أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل ( الثالث ) أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم ( كونوا قردة خاسئين ) ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم (الرابع ) أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوى هو الأول . قوله تعالى ﴿ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ﴾ . اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ، ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة ، وقال أكثر المفسرين : هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً) وقالوا ( لولا يأتينا بآية كما أرسل الأولون ، وقالوا لولا نزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) هذا قول أكثر المفسرين إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) فإن قيل الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل الكتاب أهل العلم ، قلنا: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك . ﴿ المسألة الثانية) تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلا بد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا ٣٠٢: قوله تعالى: إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً .. من سورة البقرة إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ يَشِيرًا وَذِيرًا وَلَا تُبْحِلُ عَنْ أَعْحَسِنِ الْخَحِيمِ ١١٩ يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون) وحاصل هذا الجواب أناقد أيدنا قول محمد خالد بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه ( الأول) أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب فلو كان غرضه طلب الحق لايكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتفبها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى ( وقالوا لو أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يعلى عليهم ) حبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية (وثانيها) لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون). ( وثالثها) إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حدّ الإلجاء المخل بالتكليف، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام العيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة . ١٠ عطارة بنه ·أما قوله تعالى ( تشابهت قلوبهم) فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم.، فكما أن قوم موسى كانوا أبدياً في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم (لن نصبر على طعام واحد) وقولهم (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) وقولهم (أتتخذنا هزواً) وقولهم (أونا الله جهرة!) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد والدجاج وطلب الباطل . - أما قوله تعالى ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعمام القليل، آيات قاهرة ٨ ومعجزات باهرة من کان طالباً للیقین عشرة قولة تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيراً وتذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم »،٤٥ /٦ هـ): اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل .. ٣٣ قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً. سورة البقرة التعنت بين الله تعالى لرسوله ول أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لکی لا یکثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله ( بالحق ) وجوه (أحدها) أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالاً بالحق ( وثانيها) أنه متعلق بالبشير والنذير أى أنت مبشر بالحق ومنذر به (وثالثها) أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع الله بالثواب ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول ومسلم فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذراً لمن كفر بك وضل عن دينك . أما قوله تعالى ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) ففيه قراءتان : الجمهور برفع التاء واللام على الخبر، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي . أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه ( أحدها) أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولستمسؤلعن ذلك وهو کقوله ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) وقوله ( علیه ما حمل وعليكم ما حملتم) ( والثاني) أنك هاد وليس لك من الأمر شيء فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) ( الثالث ) لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت فإِن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه وفي الآية دلالة " على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً . أما القراءة الثانية ففيها وجهان ( الأول ) روى أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنهى عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم(١) وكان عالماً بأن الكافر معذب فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي ( والثاني ) معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب ، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه ، ووجه التعظيم أن المسئول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره الإيحاشه السامع وإضجاره فلا تسأل ، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي ( وما تسأل ) وقراءة عبد الله ( ولن تسأل ) . (١) قوله ((كان عالماً بكفرهم الخ)) هذا كلام تقشعر منه جلود المؤمنين ، ويرفضه من كان في عداد المسلمين ، وهو خطأ صريح ، والصواب أن أصحاب الجحيم هم اليهود والنصارى المذكورون في الآيات السابقة ، وهذا هو الموافق لنظم. الكتاب الكريم ، وهو ما رجحه الإمام أبو حيان في تفسيره ، وتوجد مؤلفات عدة لكثير من علماء المتقدمين والمتأخرين في نجاة الأبوين . ٣ ١٤-٣٢ ٠٠ ٣٤ قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى .. سورة البقرة وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْبَّهُودُ وَلَا النَّصَدَ خَّى تَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلٌ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْمُدَى وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى جَآءَ مِنَ الْعِلْ مَالَكَ مِنَ اَلَه مِنْ وَلٍِّ وَلَ نَصِيرٍ ◌ّله الَّذِينَءَاتََُّ الْكِتَبَ بَلُونَهُ خَّ تِلَوََّ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْبِهِ فَأُوْلَِّكَ هُمُ اَلْخَسِرُونَ (3) قوله تعالى ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا نصير﴾ ٠ *٠٫٫٫ اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم فی باطلهم وثباتھم علی کفرهم آنهم یریدون مع ذلك أن یتبع ملتهم ولا یرضون منه بالكتاب بل یریدون منه الموافقة لهم فیما هم عليه فبین بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال ( قل إن هدى الله هو الهدى) بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدى الحق والذی يصلح أن یسمی هدی وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ألا ترى إلى قوله ( ولئن اتبعت أهواءهم ) أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ( بعد الذي جاءك من العلم ) أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة ( مالك من الله من ولى ولا نصير ) أى معين يعصمك ويذب عنك بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والإعتصام بحبله قالوا الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه ( وثانيها) أن قوله ( بعد الذي جاءك من العلم ) يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق ( وثالثها ) فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد ( ورابعها) فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً ونصيراً لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف لأن اتباع أهوائهم كفر ، وعندنا لا شفاعة في الكفر . ٣٥ قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى . ! سورة البقرة قوله تعالى ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ﴾ اعلم أن في الآية مسائل : ١ ﴿ المسألة الأولى﴾ (الذين) موضعه رفع بالابتداء و( أولئك) ابتداء ثان و( يؤمنون به ) خبره. ﴿ المسألة الثانية﴾ المراد بقوله (الذين آتيناهم الكتاب ) من هم فيه قولان: ( القول الأول ) أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه (أحدها ) أن قوله ( يتلونه حق تلاوته) حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل ، فان قراءتهما غير جائزة ( وثانيها) أن قوله تعالى ( أولئك يؤمنون به) يدل على أن الإيمان مقصور عليهم ، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك ( وثالثها) قوله ( ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن. ( القول الثاني) أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام . أما قوله تعالى ( يتلونه حق تلاوته) فالتلاوة لها معنيان ( أحدهما ) القراءة ( الثاني ) الإِتِباع فعلا ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلا ، قال الله تعالى (والقمر إذا تلاها) فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الإتباع فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالى يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه ( فأولها ) أنهم تدبر وه فعملوا بموجبه حتی تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما ( وثانيها) أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرؤا القرآن في صلاتهم وخلواتهم ( وثالثها ) أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه ( ورابعها) يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق (وخامسها ) أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد لها لفظاً ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم . ٣٦ قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي .. سورة البَقَرة ٠ يَنِّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّيّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِى فَضَّلْمُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (٣) وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٍّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَ عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَعَةٌ ، وَإِذْ أَبَلَى إِبْرَاهِكَمَ رَبُّهُ بِكَلَتٍ فَأَتَّهُنَّ قَالَ إِىِ جَاعِلُكَ ولَ هُمْ يُصَرُونَ () * لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِ نِى قَالَ لَا يَنَلُ عَهْدِى الَّلِنَ (#) قوله تعالى ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ، واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون قد تقدم تفسيرهما في الآيتين المتقدمتين . قوله تعالى ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ر به بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أدیانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله ( يا بني إسرائيل اذکروا نعمتي ) إلى قوله ( ولا هم ينصرون ) شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذکر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله ، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته . وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد چ والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، وبیانه من وجوه : ( أحدها ) أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة ٣٧ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البَقَرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه ( وثانيها ) أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى ( لا ينال عهدي الظالمين ) فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين ، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل (وثالثها) أن الحج من خصائص دين محمد منير ، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك (ورابعها) أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى ، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فکان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم (وخامسها ) أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسرتلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان ، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشرکین الذین یعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد ◌َعليه، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام. واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها ، وبعضها يرجع الى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها ، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى ، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف . أما التكليف فقوله تعالى ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: العامل في (إذ) إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما ( قال إني جاعلك ) . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى وصفتكليفه إياه بیلوی توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقال هشام بن الحكم إنه تعالى كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط فأما حدوث تلك الماهيات ٣٨ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول أما الآية فهي هذه الآية قال إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) وقال ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وقال في هذه السورة بعد ذلك ( ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ) وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله ( فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) وكلمة ( لعل) للترجي وقال ( یا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذین من قبلكم لعلكم تتقون ) فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها أما العقل فدل على وجوه ( أحدها) أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق ، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين مجال ، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالا لعين هذه الدلالة ، فلو كان البارى تعالى عالمً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه ، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك ، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك ، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة (وثانيها ) أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر ، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك ، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات ، لكان له تعالى علوم غير متناهية ، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية ، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال ، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه ، فالناقص متناه ، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة ، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً ، فإذا وجود أمور غير متناهية محال . فان قيل : الموجود هو العلم ، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان ، قلنا : العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم ، فلولم يكن ذلك التعلق حاصلا في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال ( وثالثها ) أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها ، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم ، فان علم ٣٩ قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه . سورة البَقَرة عددها فهي متناهية ، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه ، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل ، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي (ورابعها) أن كل معلوم فهو متمیز في الذهن عما عداه ، وکل متمیز عما عداه فان ما عداه خارج عنه ، وکل ما خرج عنه غيره فهو متناه ، فاذن كل معلوم فهو متناه ، فاذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً (وخاسمها) أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه ، فانه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة ، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة ، فاستحال كونه متعلق العلم ، فان قيل يبطل هذا بالمحالات والمركبات قبل دخولها في الوجود ، فانا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة ، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا ، وليس جواباً عن كلامنا ، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة ، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء . أما الجمهور من المسلمين فانهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فانا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى ، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك محال ، فوجب أن لا يتعلق بشىء من المعلومات أصلا وإن تعلق بالبعض فانه يتعلق بكلها وهو المطلوب . ( أما الشبهة الأولى ) فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغنى عن القدرة. ( وأما الشبهة الثانية ) فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعدد التي لا نهاية لها . ( وأما الشبهة الثالثة ) فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن لها في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل . ( وأما الشبهة الرابعة ) فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء ٤٠ قوله تعالى : وإذا ابتلى إبراهيم ربه . سورة البقرة على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها . ( وأما الشبهة الخامسة ) فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض ، وبالله التوفيق . المسألة الثالثة ) اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى، وإما أن يكون بالعكس منه ( أما القسم الأول ) وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى، فالمشهور عند النحويين أنه غير جائز، وقال ابن جنى بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله : ١ جزاء الكلاب العاويات وقد فعل جزی ربه عني عدى بن حاتم وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبحد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فانه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز ( القسم الثاني ) وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه ( القسم الثالث) أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً ( القسم الرابع ) أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ، وهو كقوله تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه ) فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير : وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن الأمر. وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن عامر (إبراهام) بألف بين الهاء والميم، والباقون (إبراهيم) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضى الله عنه (إبراهیم ربه) برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى اليهن أم لا . المسألة الخامسة﴾ اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم.