Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى : وإذ استسقى موسى . سورة البقرة
وَ إِذْ أَسْتَسْقَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَا عَشْرَةَ
مشربهم
. كُواْ وَاشْرَبُوْ مِن رِّزْقِ اللهِوَلاَ تَعْثُواْ فِى الْأَرْضِ
رؤه
عَيْنَا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ.
مُفْسِدِينَ
٦٠
قوله تعالى ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة
عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾
قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين ،
وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء ، واعلم أن هذا هو
الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل وهو جامع لنعم الدنيا والدين ، أما في
الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه ، كما لولا إنزاله المن
والسلوى لهلكوا ، فقد قال تعالى ( وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ) وقال (وجعلنا من
الماء كل شيء حي) بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا
اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لکونه في مکان لا ماء فيه ولا
نبات فاذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد
يعدلها شيء من النعم ، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع
وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه لأن الله
تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ
خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر ، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام
مسيرهم إلى التيه فقال بل هو الكلام مفرد بذاته ، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على
عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال
الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع
في التيه ، ويدل عليه وجهان. أحدهما: أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في
النادر ، الثاني: ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع انفسهم لأنه صار معدا لذلك فكما كان
المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا
بأیامهم في التیه.

١٠٢
قوله تعالى : وإذ استسقى موسى . سورة البَقَرة
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في العصا، فقال الحسن كانت عصا أخذها من بعض
الأشجار ، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في
الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقداراً يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية
عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه.
واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا
يتعلق بها عمل حتی یکتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولی ترکها.
المسألة الثالثة﴾ اللام في ((الحجر)) إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فروى أنه
حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين
تسيل في جدول إلى ذلك السبط وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشرميلا ، وقيل اهبط مع
آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل هو الحجر الذي وضع
عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل يقول الله تعالى: ارفع هذا.
الحجر فان لي فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته ، وإما للجنس أي إضرب الشيء الذي
يقال له الحجر ، وعن الحسن: لم يأمروه أن يضرب حجراً بعينه قال وهذا أظهر في الحجة
وأبين في القدرة وروي أنهم قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجراً.
في محلاته فحيثما نزلوا ألقاه وقيل كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا إن فقد
موسى عصاه متنا عطشاً فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك ، واختلفوا في صفة
الحجر فقيل كان من رخام وكان ذراعا في ذراع ، وقيل مثل رأس الإنسان. والمختار عندنا
1
تفويض علمه إلى الله تعالى.
المسألة الرابعة ﴾ الفاء في قوله (فانفجرت) متعلقة بمحذوف أی فضرب فانفجرت أو
فإن ضربت فقد انفجرت. بقي هنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ﴾ هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن یضرب بعصاه الحجر فینفجر من غير
ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟ الجواب: لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن
یضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن یضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل
إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله
بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار
الأمر بالضرب بالعصا عبثاً، كأنه لا معنى له ولأن المروى في الأخبار أن تقديره فضرب
فانفجرت كما في قوله تعالى (فانفلق) من أن المراد فضرب فانفلق.
1
.م"

١٠٣
قوله تعالى : وإذا استسقى موسى . سورة البقرة
السؤال الثاني ﴾ أنه تعالى ذکر ههنا (فانفجرت) وفي الأعراف (فانبجست) وبینھما
تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلا. الجواب من ثلاثة أوجه
أحدها: الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين
بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل فهما مختلفان اختلاف العام والخاص
فلا يتناقضان وثانيها لعله انبجس اولاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر
لدوام خروجه. وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيراً
ثم كانت تقل فکان ینبجس أی يخرج قليلا .
السؤال الثالث ﴾ كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟ الجواب هذا
السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال السؤال ، لأنه قادر على
أن يخلق الجسم کیفشاء کما خلق البحار وغيرها ، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى
القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله
تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع
بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم وقالوا إنه يصح الكون والفساد
عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالو [الهواء] إذا وضع في الكوز الفضة
جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء فقالوا تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء
انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية فلم
يكن مستبعدا أن يحدث اتصال فلكي يقتضى وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم. فثبت أن
الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك.
أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم لم لا يجوز أن يقدر
العبد على خلق الجسم ؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما إن شاء الله تعالى في
تفسير آية السحر ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما . وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك
من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه
لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى ، فلا
جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقاً.
السؤال الرابع ﴾ أتقولون إن ذلك الماء كان مستكنا في الحجر ثم ظهر أو قلب الله
الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء؟ والجواب: أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم
العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال. أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل ، فإن
كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان

١٠٤
قوله تعالى : كلوا واشربوا من رزق الله . سورة البقرة
على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها. واعلم أن الكلام في هذا الباب
كالكلام فيما كان من رسول الله صل# في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه
ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا.
﴿ السؤال الخامس ﴾ معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام؟
الجواب: كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة لكن التي لمحمد هي أقوى لأن نبوع الماء من
الحجر معهود في الجملة أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد البتة فكان ذلك أقوى.
السؤال السادس) أما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً؟ والجواب: أنه كان في
قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فانه يقع بينهم
تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عین لکل
سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما
يقع بين المختلفين.
﴿ السؤال السابع﴾ من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز؟ والجواب من وجوه:
أحدها: أن نفس ظهور الماء معجز، وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجز الصغير،
وثالثها: خروج الماء بقدر حاجتهم ، ورابعها: خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا،"
وخامسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة
تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان ، وما
ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى.
. أما قوله تعالى (قد علم كل أناس مشربهم) فنقول إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن
لا يشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء ، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه
تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذی یلیه صار ذلك
كالملك لهم وجازت إضافته إليهم.
أما قوله تعالى (كلوا واشربوا من رزق الله) ففيه حذف، والمعنى فقلنا لهم أو قال لهم
موسى كلوا وأشربوا ، وإنما قال كلوا لوجهين ، أحدهما: لما تقدم من ذكر المن والسلوى ،
فكأنه قال كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء ،
والثاني: أن الأغذية لا تكون الا بالماء فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول
والمشروب: واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال قالوا لأن أقل درجات قوله
(كلوا واشربوا) الاباحة ، وهذا يقتضی کون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك
:

١٠٥
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر . سورة البقرة
وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَاءٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبِّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْتُ
الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقَِّهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى
بِلَّذِى هُوَ خَرُّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّلَكُ مَّا سَأَلْثُّ وَضُرِبَتْ عَلَّهُ الَّهُ وَالْمَسْكَنَّةُ
وَبَهُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ ذَلِكَ بِنَهُمْ كَانُوْ يَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اللهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّعْنَ بِغَيْرٍ
اَلْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَ كَانُواْ يَعْتَدُونَ
الرزق مباحا وحراماً وإنه غير جائز.
أما قوله تعالى (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) فالعثى أشد الفساد فقيل لهم لا تتمادوا في
الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه ، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من
التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه ، فكأنه تعالى قال إن وقع التنازع بسبب ذلك
الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على الطعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت
الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ، قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير
إهبطوا مصراً فان لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم
كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء ، تنبت بضم التاء وكسر الباء ،
وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء ، تثبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر
الظاهرين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك ،
والدليل عليه أن قوله تعالى (كلوا واشربوا) من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس
بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم (لن نصبر على طعام واحد فادع لناربك)
معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان
الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى
الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية .

١٠٦
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى . سورة البقرة
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض: الأول: أنهم لما
تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره ، الثاني: أملهم في أصل الخلقة ما
تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان
خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً. الثالث: لعلهم ملوا من البقاء في التيه. فسألوا
هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة ..
الرابع: أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة
والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع
يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين
عنه ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى (اهبطوا
مصراً فإن لكم ما سألتم) كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة اليه.
معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال إنهم لما أبوا شيئا اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما :
سألوه كما قال (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا
على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول: أن قولهم (لن نصبر على طعام واحد) دلالة على
أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، الثاني: أن قول موسى عليه السلام
(أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) استفهام علی سبیل الانکار، وذلك يدل على كونه
معصية الثالث: أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنی وما كانوا عليه بأنه خیر وذلك
يدل على ما قلناه ، والجواب عن الأول. أنه ليس تحت قولهم (لن نصبر على طعام واحد) دلالة
على أنهم ما كانوا راضين به فقط بل اشتهوا شيئاً آخر ، ولأن قولهم (لن نصبر) إشارة إلى:
المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع ، وعن الثاني: أن !
الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من:
تفويت الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث: بقريب من ذلك فإن الشيء قد یوصف بأنه خير من
حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقنا ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر
فقد يقال في الغائب المشكوك فيه إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا ؛
بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) هذا المعنى أوا
بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً ، وإذا كان كذلك ! :
فقوله تعالى (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباء وبغضب من الله) لا يجوز أن يكون لا تقدم بل :..
لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى (ذلك بأنهم کانوا یکفرون بآيات الله ويقتلون النبیین "
بغير الحق ) فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث.
کانوا یکفرون لا لأنهم سألوا ذلك.

١٠٧
قوله تعالى : اهبطوا مصراً . سورة البَقَرة
المسألة الثانية) قوله تعالى (لن نصبر على طعام واحد) ليس المراد أنه واحد في النوع
بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن
نهجه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ القراءة المعروفة (وقثائها) بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها
بضم القاف والقراءة المعروفة (وفومها) بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن
عباس قالوا وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضاً
أن الفوم هو الخبز وهو أيضاً المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب:
فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروى أيضاً عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي
واحتجوا عليه بوجوه (الأول) أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها (الثاني ) أن المراد لو كان
هو الحنطة لما جاز أن يقال (أتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير ) لأن الحنطة أشرف
الأطعمة (الثالث) أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ القراءة المعروفة (اتستبدلون) وفي حرف أبي ابن كعب (أتبدلون)
بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي (أدنا) بالهمزة من الدناءة ، واختلفوا في المزاد بالأدنى وضبط
القول فيه أن المراد إما أن يكون كونه أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا ،
والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن
يجيبهم إليه لكنه قد أجابهم إليه بقوله (إهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم) فبقي أن يكون المراد منه
المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي
تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين ، بل
المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقن خير من
المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب ، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب فيكون
الأول أولى. فإن قيل كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان
تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا هب أنه وقع التعارض من
هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.
﴿ المسألة الخامسة﴾ القراءة المعروفة (اهبطوا) بكسر الباء وقرىء بضم الباء ، القراءة
المشهورة (مصراً) بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون
وسطه كقوله (ونوحا هدينا. ولوطا) وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد فما فيه إلا
سبب واحد ، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش (اهبطوا مصرا) بغير تنوين كقوله (ادخلوا
مصراً) واختلف المفسرون في قوله (إهبطوا مصراً) روى عن ابن مسعود وأبي ابن كعب ترك

١٠٨
قوله تعالى : اهبطوا مصراً . سورة البقرة
التنوين ، وقال الحسن الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل
على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي کان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية.
والربيع ، وأما الذين قرؤا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا فمنهم من قال المراد.
البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط ، وقال آخرون المراد الأمر
بدخول أي بلد کان کأنه قيل لهم ادخول بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء ، وبالجملة
فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصرهو البلد الذي کانوا فیه أولا أو بلد آخر فقال کثیر
من المفسرين لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى
(إدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) والاستدلال بهذه الآية من
ثلاثة أوجه (الأول) أن قوله تعالى (ادخلوا الأرض المقدسة) إيجاب لدخول تلك الأرض ،
وذلك يقتضى المنع من دخول أرض أخرى (والثاني) أن قوله (كتب الله) يقتضى دوام كونهم فيه
(والثالث) أن قوله (ولا ترتدوا على أدباركم) صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس.
(الرابع) أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة
يتيهون في الأرض) فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند
زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر؛
سواها. فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة أما الأول: فلأن قوله (إدخلوا الأرض المقدسة) أمرا
والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما!
الثاني فهو كقوله (كتب الله لكم) فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث: وهو قوله:
تعالى (ولا ترتدوا على أدباركم) فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران !
(الأول) المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصی فیما يؤمر به ارتد على عقبه والمراد
من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى (الثاني) أن يخصص ذلك
النهي بوقت معين فقط. قلنا: ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على
هذا الأصل ، وأيضاً فهب أنه للندب ولکن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب ، وذلك
لا يليق بالأنبياء. قوله لا نسلم أن المراد من قوله (ولا ترتدوا) لا ترجعوا. قلتا الدليل عليه أنه لماً.
أمر بدخول الأرض المقدسة ، ثم قال بعده (ولا ترتدوا على أدباركم) تبادر إلى الفهم أن هذا
النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. أن يخصص ذلك النهي بوقت معين ، قلنا التخصيص
خلاف الظاهر ، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه!
بوجهين (الأول) أنا إن قرأنا (إهبطوا مصر) بغير تنوين كان لا محالة علما لبلد معين وليس في.
العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار
بين كونه علما وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث

١٠٩
قوله تعالى ((اهبطوا مصرًّا سورة البَقَرة
فانهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع
ذلك اسم علم ونقول إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير
أيضاً ما تقدم بعينه ، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى (اهبطوا مصرا) يقتضى التخيير كما
إذ قال أعتق رقبة فإنه يقتضى التخيير بين جميع رقاب الدنيا(الوجه الثاني) أن الله تعالى ورث بني
إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم
قوله تعالى (فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم) إلى قوله (كذلك وأورثناها بني
إسرائيل) ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك
والملك مطلق للتصرف. فان قيل الرجل قد يكون مالكا للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه
آخر کحال من أ وجب على نفسه اعتكاف أیام في المسجد فإن داره وإن کانت مملوكة له لکنه یحرم
عليه دخولها فلم لا يجوز أن يقال إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها ، ثم إنه تعالى
حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله (ادخلوا الأرض
المقدسة) قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل ، أجاب الفريق
الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا: أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا
نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين. قوله تقتضى التخيير قلنا نعم لكنا نخصص
العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل.
(أما الوجه الثاني) فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك
هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر ، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة.
أما قوله تعالى (وضربت عليهم الذلة) فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة
عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما
يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى
الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد (ذلك لهم خزى في الدنيا) فأما من يقول المراد به
الجزية خاصة على ما قال (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فقوله بعيد لأن الجزية ما
كانت مضروبة عليهم من أول الأمر
أما قوله تعالى (والمسكنة) فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة فهذا الجنس يجوز أن
يكون كالعقوبة ، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب
الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
أما قوله تعالى (وباءو) ففيه وجوه. أحدها: البوء الرجوع فقوله (بائ) أي رجعوا

١١٠
قوله تعالى : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله . سورة البقرة
وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر، وثانيها: البوء التسوية فقوله (باءو) أي استوى عليهم
غضب الله قاله الزجاج. وثالثها: باءو أي استحقوا ، ومنه قوله تعالى (إني أريد أن تبوء بإثمي
وإنمك) أي تستحق الإِثمين جميعاً، وأما غضب الله فهو إرادة الانتقام.
أما قوله تعالى ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) فهو علة لما تقدم ذكره من ضرب
الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم . قالت المعتزلة لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله
تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه لما كان جعل أحدهما جزاء للثاني أولى من
العكس ، وجوابه المعارضة بالعلم والداعي ، وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها .
أما قوله تعالى (ويقتلون النبيين بغير الحق) فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه
الأفعال أيضاً وفيه سؤالات.
السؤال الأول﴾ أن قوله تعالى (يكفرون) دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة
أخرى؟ الجواب: المذكور ههنا الكفر بآيات الله ، وذلك هو الجهل والححد بآياته فلا يدخل
تحته قتل الأنبياء .
السؤال الثاني﴾ لم قال (بغير الحق) وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟
الجواب من وجهين (الأول) أن الاتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة
وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا ، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: (ويقتلون
النبيين بغير الحق) أى أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل
كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه (وثانيها) أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى
(ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به) ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان
(وثالثها) أن الله تعالى لوذمهم على مجرد القتل لقالوا أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال القتل.
الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق.
وأما قوله تعالى (ذلك بما عصوا) فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول وهو بمنزلة أن
يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها: هذا بما عصيتني
وخالفت أمري ، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي ، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ
مختلفة تبكيتاً. أما قوله تعالى (وكانوا يعتدون) فالمراد منه الظلم أي تجاوزوه الحق إلى الباطل.
واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو
جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناها بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم
من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء

١١١
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا . سورة البقرة
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِيْنَ هَادُوا وَالَّصَدَرَى وَالصَِّئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِلّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ
صَلِعًا فَلَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَيْهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَخَْنُونَ (٥)
والظلم ، وذلك في نهاية حسن الترتيب. فإن قيل: قال ههنا (ويقتلون النبيين بغير الحق) ذكر
الحق بالألف واللام معرفة ، وقال في آل عمران (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين
بغير حق) نكرة وكذلك في هذه السورة (ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون
ليسوا سواء) فما الفرق؟ الجواب: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ، قال عليه
السلام ((لا يحل دم أمریءمسلمإلا بإحدی معان ثلاث، کفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل
نفس بغير حق)) فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد
العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة.
قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر
وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾
اعلم أن القراءة المشهورة (هادوا) بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال
وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري
والصابين بياء ساكنة من غير همزة ، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة ، وعن العمري
يجعل الهمزة فيهما ، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة ، فأما ترك الهمزة
فيحتمل وجهين أحدهما : أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه ، والآخر: قلب
الهمزة فنقول: الصابين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب
لأن أهل العلم قالوا: هو الخارج من دين إلى دين ، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعداً أو وعيداً
عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاماً فهنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من
العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالا على أنه سبحانه وتعالى يجازي
المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين
أحسنوا بالحسنى) فقال (إن الذين آمنوا) واختلف المفسرون في المراد منه ، وسبب هذا
الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية (من آمن بالله واليوم الآخر) فان ذلك يقتضى أن يكون المراد
من الإيمان في قوله تعالى (إن الذين آمنوا) غير المراد منه في قوله في (من آمن بالله) ونظيره في

١١٢٠
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا .. سورة البقرة
الإشكال. قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوهاً، أحدها
وهو قول ابن عباس. المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن
أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة ، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن
عمرو بن نفيل وورقة ابن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى
قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا
على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم
الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم ، وثانيها: أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة
المنافقين ثم طريقة اليهود بالمراد من قوله تعالى (إن الذين آمنوا) هم الذين يؤمنون باللسان دون
القلب وهم المنافقون فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال هؤلاء
المبطلون كل من أتى منهم بالإِيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان
الثوري ، وثالثها: المراد من قوله (إن الذين آمنوا) هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في
الحقيقة وهو عائد إلى الماضى ، ثم قوله تعالى (من آمن بالله) يقتضى المستقبل فالمراد الذين آمنوا
في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين.
أما قوله تعالى (والذين هادوا) فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه . أحدها: إنما سموا به
حين تابوا من عبادة العجل وقالوا (إنا هدنا إليك) أي تبنا ورجعنا ، وهو عن ابن عباس.
وثانيها: سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب فان
العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها. وثالثها : قال أبو عمرو
بن العلاء سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ، وأما النصارى ففي
اشتقاق هذا الإسم وجوه أحدها: أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة
فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج ، وثانيها لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة
بعضهم بعضاً، وثالثها: لأن عيسى عليه السلام قال للحواربين من أنصاري إلى الله ، قال
صاحب الكشاف النصارى جمع نصران يقال رجل نصران ، وأمرأة نصرانة والياء في نصراني
للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح
٠٤
أما قوله تعالى (والصابئين) فهو إذا خرج من دينه إلى دين آخر ، وكذلك كانت العرب
يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من
مطلعها ، وصبأنا به إذا خرجنا به ، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال، أحدها، قال مجاهد
والحسن: هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وثانيها: قال
قتادة هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضاً الأديان

١١٣
قوله تعالى ((والذين هادوا والصائبين )) سورة البقرة
خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن: الصابئون وهم يعبدون الملائكة ، والمجوس وهم
يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان ، واليهود والنصارى. وثالثها: وهو الأقرب
أنهم قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان. الأول: أن خالق العالم هو الله سبحانه إلا أنه
سبحانه أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم. والثاني: أن الله
سبحانه خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر
والصحة والمرض ، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم
إنها تعبد الله سبحانه ، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم
عليه السلام رادً عليهم ومبطلا لقولهم ، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا
آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا
بالدين الحق فان الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته البتة، واعلم
أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم
الآخرة ، فهذان القولاان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من
ثواب وعقاب .
أما قوله تعالى (عند ربهم) فليس المراد العندية المكانية فان ذلك محال في حق الله تعالى
ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم.
وأما قوله تعالى (ولا خوف عليهم ولا هم يحزون) فقيل أراد زوال الخوف والحزن عنهم
في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا صح لأن قوله (ولا خوف عليهم) عام
في النفي ، وكذلك (ولا هم يحزنون) وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين
لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة فكأنه
سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف
والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن
العظيم. فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا (إن الذين آمنوا
والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم
ولا هم يحزنون) وفي سورة الحج (إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس
والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) فهل في إختلاف هذه
الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع ((الصابئين)) في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي
ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فان
أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم
والله اعلم .
ج/٣ م٨

١١٤
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم . سورة البقرة
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَدْقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُرُ الطُّورَ خُذُواْ مَآءَ اتَيْنَكُ بِقُوَّةٍ وَأَذْ كُرُواْ مَافِهِ
◌َعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (٥) ثُمَّ تَوَلَيْتُ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ، لَكُنْتُم مِّنَ
الْخَسِرِ ينَ ®
٠
- ســـ
قوله تعالى ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة واذكروا ما فيه
لعلكم تتقون ، ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾.
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك
من إنعامه عليهم:
٠
أما قوله تعالی ( وإذ أخذنا میثاقکم ) ففیه بحثان :
﴿ الأول﴾ اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة،
والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً أحدها ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على
وجود الصانع وحكمته والدلائل على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى
المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه البتة وهو قول الأصم ،وثانيها: ما رويعن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم إن
فيها كتاب الله فقالوا لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول هذا كتابي فخذوه فأخذتهم
الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل
لهم خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور
آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين فلما رأوا ذلك وعرفوا
أنه من قبله تعالى علما لموسى عليه السلام علما مضافا إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء
به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن
يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه الله على أنفسهم ، وهذا اختيار أبي مسلم (وثالثها)
أن لله ميثاقين (فالأول) حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم (والثاني) أنه
ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد.هذا قول ابن عباس وهو ضعيف (الثاني)
قال القفال رحمه الله إنما قال (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين (أحدهما) أراد به الدلالة
علی أن کل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال (ثم نخرجكم طفلا) أي كل واحد منكم (والثاني)
.
٠
:

١١٥
قوله تعالى ((واذ اخذنا ميثاقكم)) سورة البقرة
أنه كان شيئاً واحداً أخذمن كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحداً
ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد والله أعلم.
. وأما قوله تعالى (ورفعنا فوقكم الطور) فنظيره قوله تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه
ظلة) وفيه أبحاث:
البحث الأول﴾ الواو في قوله تعالى (ورفعنا) واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى
أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على
تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه
قال وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم (الثاني) قيل إن الطور كل جبل قال العجاج:
داني جناحيه من الطور فمر تقضى البازي إذا البازي كسر
أما الخليل فقال في كتابه إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف
فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم والمعهود هو الجبل الذي وقعت
المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم
لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال
ابن عباس: أمر تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان
المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم فلما رأوا
أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل فلذلك سجدت
اليهود على أنصاف وجوههم (الثالث) من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا
عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا
على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب
أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول (الرابع) قال
بعضهم إظلال الجبل غیر جائز لأن ذلك لو وقع لکان يجري مجرى الالجاء إلى الإيمان وهو ینافي
التكليف. أجاب القاضي بأنه لا يلجىء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم فاذا استمر في
مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف
فيزول الإلجاء ويبقى التكليف.
أما قوله تعالى (خذوا ما آتيناكم بقوة ) أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل
والتكاسل قال الجبائي: هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال خذ هذا
بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال اكتب بالقلم ولا قلم وأجاب أصحابنا بأن المراد خذوا ما
آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل.

٠٠
١١٦
قوله تعالى : ثم توليتم من بعد ذلك . سورة البقرة
وأما قوله تعالى (واذكروا ما فيه) أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا
عنه. فان قيل هلا حملتموه على نفس الذكر؟ قلنا لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله
تعالى فكيف يجوز الأمر به. فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال.
أما قوله تعالى (لعلكم تتقون) أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد
فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم.
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى (وإذ أخذنا میثاقکم ورفعنا فوقکم الطور خذوا ما
آتيناكم بقوة) أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد (ثم
توليتم) فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.
أما قوله تعالى (ثم توليتم من بعد ذلك) أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال
القفال رحمه الله: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور
كثيرة فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما
اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخر وهم ولم يزالوا في
التیه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهاراً يخالفون موسی ويعترضون علیه ويلقونه بکل اذى
ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم
وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا
خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. والقرآن وإن لم يكن
فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير
عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في
كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم .
أما قوله تعالى (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) ففيه بحثان:
الأول﴾ ذكر القفال في تفسيره وجهين. الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من
إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم ينار
جهنم ، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم.
بالإِمهال حتى تابوا الثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى (ثم توليتم من بعد ذلك)
ثم قيل (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) رجوعاً بالكلام عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى
تبتم .
البحث الثاني﴾ أن لقائل أن يقول كلمة ((لولا)) تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ، فهذا

١١٧
قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا . سورة البقرة
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِعِينَ
٦٥
◌َعَلْنَهَا نَكلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةُ لِّلْمُتَّقِينَ
٦٦
يقتضى أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا
يحصل هناك لطف الله تعالى. وهذا يقتضى أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف
الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن
انتفع بعضهم دون بعض ، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في
العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل
اللغة نصوا على أن ((لولا)) تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي
ساقط جداً
قوله تعالى ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ،
فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من
التشديدات ، وهذا النوع الأول وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ روی عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام
بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض
في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية
المذكورة في قوله (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت) فحفروا
حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك
الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من
العقوبة فلما طال العهد استسن الأنبياء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى اليهم طوائف من
أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا نحن في هذا العمل منذ
زمان فما زادنا الله به إلا خيرا ، فقيل لهم لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم
،وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا .
الأبناء
﴿ المسألة الثانية﴾ المقصود من ذكر هذه القصة أمران (الأول) إظهار معجزة محمد عليه
السلام فإن قوله ( (ولقد علمتم) كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما

١١٨
قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا . سورة البقرة
أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم
دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي (الثاني) أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به
أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من
العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى (يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما
نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فتردها على أدبارها).
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الكلام فيه حذف كأنه قال ولقد علمتم اعتداء من اعتدی منکم في
السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك ، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه
في السبت کان محرماً علیهم وتفصيل ذلك غير مذکور في هذه الآية لکنه مذکور في قوله تعالى
(واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) ثم يحتمل أن يقال إنهم تعدوا في ذلك الأصطياد
فقط، وأن يقال إنهم إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم
السبت. فإن قيل لما كان الله نهاهم عن الاصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم
السبت دون سائر الأيام كما قال (تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتوين لا تأتيهم
كذلك نبلوهم) وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال. قلنا أما على مذهب أهل السنة
فإرادة الاضلال جائزة من الله تعالى وأما مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض
ازدياد الثواب.
أما قوله تعالى (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الکشاف (قردة خاسئین) خبر أیی کونوا جامعین بین
القردية والخسوء ، وهو الصغار والطرد.
المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى (كونوا قردة خاسئين) ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على
أن يقبلوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى (إنما أمرنا لشيء إذا
أردناه أن نقول له كن فيكون) وكقوله تعالى (قالتا أتينا طائعين) والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما
اراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال هم (کونوا قردة خاسئین صاروا) کذلك آییما أراد ذلكا
بهم صاروا كما أراد وهو كقوله (كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) ولا يمتنع أيضاً
أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن
قيل لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟ قلنا أما عندنا فأحكام الله تعالى
وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح البتة ، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً
لبعض الملائكة أو لغيرهم . .
تقلبوا

١١٩
قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا . سورة البَقَرة
المسألة الثالثة﴾ المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع
والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى (كمثل الحمار يحمل أسفاراً) ونظيره أن يقول
الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح فيه تعليمه: كن حماراً. واحتج على امتناعه بأمرين
(الأول) أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك
الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للانسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على
هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها
الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً (والثاني) إن
جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنسان عاقلا ، وذلك يفضي إلى الشك في
المشاهدات. واجيب عن الأول بأن الانسان ليس هو تمام هذا الهيكل ، وذلك لأن الإنسان قد
يصير سميناً بعد أن كان هزيلا وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإِنسان المعين هو الذي كان موجوداً
والباقي غير الزائل فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس ، وذلك الأمر إما أن يكون جسما
سارياً في البدن أوجزأ في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً على ما يقوله الفلاسفة
وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو
المسخ وبهذا التقدير يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول
عليه السلام. وعن الثاني أن الأمان يحصل باجماع الأمة ، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن
إجراء الآية على ظاهرها ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما
ذكره مستبعد جداً لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال
في العرف الظاهر إنه حمار وقرد ، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن
في المصیر إلیه محذور البتة. بقي ههنا سؤالان.
﴿السؤال الأول﴾ أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل
به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل
العذاب بسببه؟ الجواب: لم لا يجوز أن يقال أن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلا
فاهما كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال
الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف
والخجالة، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية
بتلك الصورة عدم تألم بتلك الصورة الغريبة العريضة.
﴿ السؤال الثاني﴾ أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة
التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا ؟ . الجواب الكل جائز

١٢٠
قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا . سورة البَقَرة
عقلاً إلى أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال أهل اللغة الخاسىء الصاغر المبعد المظرود کالكلب إذا دنا من
الناس قيل له اخسأ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك ، قال الله
تعالى (ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) يحتمل صاغراً ذليلا ممنوعا عن معاودة النظر لأنه.
تعالى قال (فارجع البصرهل ترى من فطور ، ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً
وهو حسير) فكأنه قال ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فأنك وإن أكثرت من ذلك
لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلا كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر
به فانه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده.
أما قوله (فجعلناها) فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه
أحدها: قال الفراء (جعلناها) يعني المسخة التي مسخوها، وثانيها قال الأخفش: أى جعلنا
القردة نكالا وثالثها: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالا . ورابعها: جعلنا هذه الأمة نكالا لأن
قوله تعالى (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) يدل على الأمة والجماعة أو نحوها
والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره
فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما النكال فقال القفال رحمه الله: إنه
العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الاقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه
النكول عن اليمين وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما
من المنع والحبس. ونظيره قوله تعالى (إن لدينا أنكالا وجحيا) وقال الله تعالى (والله أشد بأساً
وأشد تنكيلا) والمعنى أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد
بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه
وتؤثر فيه ، وأما نحن فأنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي: اليسير من
الذم لا يوصف بأنه نکال حتی إذ عظم وکثر واشتهر يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى
في السارق المصر القطع جزاء ونكالا وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة
الخزى الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم
الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا
ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان
لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة
للصورة ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله ( فجعلناها نكالا) أنه تعالى فعلها عقوبة على ما
کان منهم ،