Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى . سورة البقرة
أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة ثم إن موسى عليه السلام صبر
على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى (وخامسها) أن
أشد الناس مجادلة مع الرسولپ﴾ وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال إن هؤلاء إنما يفتخرون
بأسلافهم ، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء
الأخلاف.
أما قوله تعالى (وأنتم ظالمون) ففيه أبحاث:
﴿ البحث الأول﴾ في تفسير الظلم وفيه وجهان (الأول) قال أبو مسلم الظلم في أصل
اللغة هو النقص قال الله تعالى (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) والمعنى أنهم لما
تركوا عبادة الخالق المحي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين
والدنيا (والثاني) أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة
أعظم منه والاستحقاق عن الغير في عمله أو ظنه فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالماً ثم
إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعاً ولذة كما
قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وقال (فمنهم ظالم لنفسه) ولما كانت عبادتهم لغير الله شرکا.
[ كان الشرك ] مؤدياً إلى النار سمي ظلماً .
البحث الثاني ﴾ استدلت المعتزلة بقوله (وأنتم ظالمون) على أن المعاصي ليست بخلق
الله تعالى من وجوه (أحدها) أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا
.من فعلها (وثانيها) أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة
عبارة عن فعل المراد (وثالثها) لو كان العصيان مخلوقاً لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم
بسبب كونه أسود وأبيض وطويلا وقصيراً ، والجواب: هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو
معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مراراً.
البحث الثالث ﴾ في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا
بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة
الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء .
أما قوله تعالى ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) فقالت المعتزلة المراد ثم عفونا عنكم
بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضاً، وهذا ضعيف من وجهين ( الأول ) أن قبول
التوبة واجب عقلا فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الانعام لأن أداء الواجب لا يعد من
باب الانعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم ( الثاني ) أن العفو اسم
ج٣ م٦

٨٢
قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب سورة البقرة
وَ إِذْءَاتَيْنَا مُوسَى أَلْكِتَبَ وَالْغُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفواً ألا ترى أن الظالم لما
لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لا يسمى ذلك الترك عفواً فكذا ههنا ، وإذا
ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا
أنفسكم ) وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وإذا ثبت
ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى قد أسقطعقاب من يجوز عقابه عقلا وشرعاً ، وذلك أيضاً خلاف قول
المعتزلة ، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد ثنائية مع
أنهم ( خير أمة أخرجت للناس ) كان أولى .
أما قوله تعالى ( لعلكم تشكرون) فاعلم أن الكلام في تفسير ((لعل)) قد تقدم في قوله
( لعلكم تتقون ) وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى ، ثم
قالت المعتزلة إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه
تعالى لم يرد منهم إلا الشكر، والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط
أن يحصل للشاكر داعية الشكرن أولا بهذا الشرط، والأول باطل إذ لو أراد ذلك بهذا الشرط
فإِن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى ، وإن كان من الله فحيث
خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر ،
وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه الحال
لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضاً والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون
اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون
شيئاً داخلا في التوراة وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير
الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتاباً منزلا وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو
كقولك رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى ( ولقد
آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكراً) وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من
الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزاً من الباطل ، فالمراد من
الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن
:

٨٣
قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب . سورة البقرة
وجوه ( أحدها ) أن يكون المراد من الفرقان ما أوتى موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر
الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل ، وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان
النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى ( وما أنزلنا على عبدنا يوم
الفرقان يوم التقى الجمعان ) والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر
يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولى وصاحبه هو المقهور فاذا ظهر النصر تميز
الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب وثالثها : قال قطرب الفرقان
هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فان قلت فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى ( وإذ فرقنا
بكم البحر ) وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك (لعلكم تهتدون) لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا
يذكر إلا عقيب الهدى . قلت الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى ( وإذ فرقنا
بكم البحر ) أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على
سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى
فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية
وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب
نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن من
الناس من غلَطَ فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن
الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ
بالقرآن وقال آخرون المعنى ( وإذ آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة وآتينا محمداً ◌ّير الفرقان
لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب
وهذا تعسف شديد من غير حاجة البتة إليه .
وأما قوله تعالى ( لعلكم تهتدون ) فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت
المعتزلة بقوله ( لعلكم تهتدون ) على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول
من قال أراد الكفر من الكافر ، وأيضاً فاذا كان عندهم أنه تعالى يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي
والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول ( لعلكم تهتدون )
ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لُو خلق الاهتداء ولا كتاب
لحصل الاهتداء ، ولو أنزل بدلا من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما
حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد
تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم .

٨٤
قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه . سورة البقرة
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَهُمْ أَنْفُسَكُمْ بِخَاذِ كُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى
ج
بَارِكُمْ فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَرِبِكُمْ فَبَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّبُ
٤
الرّحِيمَ
قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى
بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارثکم فتاب علیکم إنه هو التواب الرحيم ﴾
اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما
تقدم من التذكير بالنعم وذلك ، لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه
أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب
العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن
يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن
وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً من تمام النعمة . فصار كل ما تضمنته هذه الآية
معدوداً في نعم الله فجاز التذكير بها . وثانيها أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر
عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين ، وفي حق الذين كانوا
موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد
أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة
والسلام، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمداً عليه
الصلاة والسلام كان يقول لهم لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم
وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيهاً على الإنعام العظيم بقبول
مثل هذه التوبة السهلة الهيئة . ورابعها : أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلوات الله وسلامه
عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس
فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى . ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما
هو المصلحة المهمة من أعظم النعم .
وأما قوله تعالى ( وإذ قال موسى لقومه ) أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من
الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل يا قوم ( إنكم ظلمتم أنفسكم ) وللمفسرين في
الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه

٨٥
قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه . سورة البَقَرة
السلام والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علماً
ولا طباً ، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم
الظلم ، ولذلك قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا
يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال ( إنكم ظلمتم
أنفسكم ) .
أما قوله تعالى ( باتخاذكم العجل ) ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم
لو اتخذوه ولم يجعلوه إلهاً لم يكن فعلهم ظلماً ، فالمراد باتخاذكم العجل إلهاً، لكن لما دلت
مقدمة الآية على هذه المحذوف حسن الحذف.
أما قوله تعالى ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) ففيه سؤالات.
﴿ السؤال الأول) قوله تعالى (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) يقتضى كون التوبة
مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام (( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور
مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه )» يقتضى أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين
ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي
بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب ليس
المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان
كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل
عمداً لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من
شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء مجازاً
كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردماً غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا
ههنا .
السؤال الثاني﴾ ما معنى قوله تعالى (فتوبوا إلى بارئكم) والتوبة لا تكون إلا
البارىء والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم لو أظهرتم التوبة لا عن
القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا
فائدة فيه ، فانكم إذا أذنبتم إلى الله وجب أن تتوبوا إلى الله .
﴿ السؤال الثالث ﴾ كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء ؟ والجواب : البارىء هو
الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) ومتميزاً بعضه عن
بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق

٨٦
قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه . سورة البقرة
بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة .
السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله ( فتوبوا) والفاء في قوله ( فاقتلوا ) ؟
الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام
التوبة فمعنى قوله ( فتوبوا ) أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم .
السؤال الخامس : ما المراد بقوله ( فاقتلوا أنفسكم ) أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل
كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟ الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين : لا
يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار
واحتجوا عليه بوجهين . الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفسير أن المفسرين أجمعوا على
أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، الثاني :
وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من
أن يكون حياً وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمى قتلا على طريق
المجاز. إذا عرفت حقيقة القتل فنقول إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية
إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة ولیس بعد
القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماته لأن
ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحاً لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض
العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه ولا يحصل الموت
عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأفعال
المستقبلة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو :
عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل
إنساناً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حياً لحظة واحدة ثم مات فانه يحنث في
يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلا والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل
اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود
الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن
يقتل الإنسان نفسه ، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود
الأمر به ؟ قوله لا بد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية ، قلنا أولا لا نسلم أنه لا بد فيه
من مصلحة ، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من
ذلك التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد من
عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع.
٠٠

٨٧
قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه . سورة البقرة
به ذلك الغير، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه . سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة
اليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأموراً بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر
بأن يقتل نفسه غداً فإن علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود
الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول الذي عول
عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه وجهان : الأول أن
يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضاً فقوله ( اقتلوا أنفسكم ) معناه
ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر ( ولا تقتلوا أنفسكم) ومعناه لا يقتل بعضكم
بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الواحدة ، وقيل في قوله تعالى ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي
إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله ( لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً)
أي بأمثالهم من المسلمين ، وكقوله ( فسلموا على أنفسكم ) أي ليسلم بعضكم على بعض .
ثم قال المفسرون أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل الوجه الثاني : أن
الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله ( اقتلوا أنفسكم )
أي استسلموا للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا
اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فاذا كلفوا بأن يقتل
بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات فالأول : أنه أمر من لم يعبد
العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون
سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام ، وهذا القول ذكره محمد بن إسحاق .
الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل
فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هرون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل
البتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا
الله واصبروا فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مد طرفه اليهم أو اتفاهم بيد أو رجل يقولون
أمين ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهرون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية
البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي ، قال وكان القتلى
سبعين ألفاً ، هذه رواية الكلبي . الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد
العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من
اشتغل بالعبادة ، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي
لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهرون
عليهما السلام وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة
وسقطت الشفار من أيديهم .

٨٨
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك . سورة البَقَرة
وَإِذْ فُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ خَّى نَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُ الصَّدْعِقَةُ وَأَنُمْ
تَنْظُرُونَ (٥) ثُمَّبَعَنْنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُونَ
السؤال السادس ﴾ كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا
يقتل ؟ الجواب ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب
عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم .
السؤال السابع ﴾ هل يصح ما روى أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته؟ الجواب:
لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى ( إنكم ظلمتم أنفسكم ) خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو
إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص .
أما قوله تعالى ( ذلکم خیر لکم عند بارثکم ) ففیه تنبيه على ما لأجله یمکن تحمل هذه
المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه
متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم
والتأخير، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم .
أما قوله تعالى ( فتاب عليكم ) ففيه محذوف ته فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من.
قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر : أن يكون خطاباً من:
الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم .
وأما معنى قوله تعالى ( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) فقد تقدم في قوله ( فتابا
عليه إنه هو التواب الرحيم ) .
قوله تعالى ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم
تنظرون ، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ .
أعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، ( أحدها ) كأنه تعالى قال : ]
اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم:
أحببتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، ( وثانيها ) أن فيها.
تحذيراً لمن كان في زمان نبينا محمد ﴿ عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.
(وثالثها ) تشبيههم في جحودهم معجزات النبي مدير بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام.

٨٩
قوله تعالى ((وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك)) سورة البَقَرة
مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهاً على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي ومدير مثلها
لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ،
(ورابعها) فيه تسلية للنبي وَّ مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم
من الرسل ( وخامسها ) فيه إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد عليه لو صحت لكان أولى الناس
بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم
تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه
ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار
عن نبوته ( وسادسها ) لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أمياً
لم يشتغل بالتعلم البتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي .
﴿ البحث الثاني﴾ للمفسرين في هذه الواقعة قولان (الأول ) أن هذه الواقعة كانت
بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل قال محمد بن اسحق . لما رجع موسى عليه السلام من
الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وحرق العجل
وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى
سل ربك حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل
وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم
ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع
أحد من بني آدم النظر إليه وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له افعل ولا تفعل
فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك
حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو
ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع
إليهم وليس معي منهم واحد فما الذي يقولون في ، فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد الله
إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال لا إلا أن يقتلوا أنفسهم .
القول الثاني ﴾ أن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدى: لما تاب بنو إسرائيل
من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل
يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلا فلما أتوا الطور قالوا لن نؤمن
لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول يا رب ماذا أقول
لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء فاذا رجعت إليهم ولا يكون معي
منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً

٩٠
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى. سورة البقرة
فقال موسى ( إن هي إلا فتنتك ) إلى قوله ( إنا هدنا إليك ) ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل
واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى فقالوا يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك.
فادعه يجعلنا أنبياء فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته . واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح
أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا .
العجل أو غيرهم .
١
أما قوله تعالی ( لن نؤمن لك) فمعناه لا نصدقك ولا نعترفبنوتك حتی نری الله جهرة
[ أي] عياناً. قال صاحب الكشاف: وهي مصدر من قولك جهرت بالقراءة وبالدعاء؛ كأنّ :
الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع
من الرؤية فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة !
وقرىء جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من
الظهور يقال جهرت الشيء [ إذا ] كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته
حتی ظهر ماؤه ویقال صوت جھیر ورجل جهوریی الصوت إذا کان صوته عالیاً ویقال وجه جھیر
إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو
التخيل على [ نحو] ما يراد النائم .
1
أما قوله تعالى ( فأخذتكم الصاعقة ) ففيه أبحاث :
البحث الأول﴾ استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد
الجبار إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم
تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى ( لن نصبر
على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ) وقال أبو الحسين في كتاب التصفح :
إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه ، وذلك في آيات (أحدها) هذه الآية فإن
الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) كقول الأمم لأنبيائهم :
لن نؤمن إلا باحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة ( وثانيها) قوله تعالى ( يسألك
أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله
جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال فلو كانت الرؤية جائزة
لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة ، فإن قلت ألیس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى
إنزال الکتاب من السماء مجری الرؤیة فی کون كل واحد منهما عتواً ، فكما أن إنزال الكتاب
غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية . قلت : الظاهر يقتضى كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك
العمل به في إنزال الکتاب فیبقی معمولاً به في الرؤية ( وثالثها ) قوله تعالى ( وقال الذین لا

٩١
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك . سورة البقرة
يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتواً عتواً كبيراً )
فالرؤية لو كانت جائزة هي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله
تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال لن نؤمن لك حتى يحيي
الله بدعائك هذا الميت .
واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان
سؤالها عتواً ومنكراً، وذلك ممنوع. [ و] قوله إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى
طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات . قلنا ولم قلت إنه
لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غيرعات والاعتماد في
مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وان الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا
وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة
وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين ، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتوما حصلت
لأجل كون المطلوب ممتنعاً . أما قوله أبي الحسين : الظاهر يقتضى كون الكل ممتنعاً ترك العمل
به في البعض فيبقى معمولا به في الباقي . قلنا إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق
إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة والمثال لا ينفع في هذا الباب فبطل
قولك : الظاهر يقتضى كون الكل ممتنعاً . فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة . فإن قال قائل :
فما السبب في استعظام سؤال الرؤية ؟ الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً . أحدها : أن رؤية الله
تعالى لا تحصل إلا في الآخرة فكان طلبها في الدنيا مستنكراً، وثانيها : أن حكم الله تعالى أن
يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول
المعتزلة أولى لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف، وثالثها :
أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب
التعنيف، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن فی منع الخلق عن رؤیته سبحانه فی الدنيا
ضرباً من المصلحة المهمة فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب
من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم .
﴿ البحث الثاني﴾ للمفسرين في الصاعقة قولان . الأول: أنها هي الموت وهو قول
الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى ( فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء
الله ) وهذا ضعيف لوجوه . أحدها : قوله تعالى ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) ولو
كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة ، وثانيها : أنه تعالى قال في حق
موسى ( وخر موسى صعقاً) أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال ( فلما أفاق )

٩٢
قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك. سورة البقرة
والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ، وثالثها أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة
إلى سبب الموت ، ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا
وردت بغتة وهم لا يعلمون . ولذلك قال ( وأنتم تنظرون ) منبهاً على عظم العقوبة ، القول
الثاني : وهو قول المحققين إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف ( فلما
أخذتهم الرجفة ) واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه . أحدها : أنها
نار وقعت من السماء فأحرقتهم ، وثانيها : صيحة جاءت من السماء ، وثالثها أرسل الله تعالى
جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.
أما قوله تعالى ( ثم بعثناکم من بعد موتکم ) لأن البعث قد [ لا ] یکون إلا بعد الموت
کقوله تعالى ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ، ثم بعثناهم لنعلم أي الحز بين أحصى
لما لبثوا أمداً) فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام؟ قلت لا ، لوجهين .
الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام . الثاني : أنه لو تناول
موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى ( فلما أفاق ) مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل
في الموت وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه أما قوله تعالى
( لعلكم تشكرون ) فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من
الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم أما أنه كلفهم فلقوله تعالى ( لعلكم تشكرون )
ولفظ الشکر یتناول جمیع الطاعات لقوله تعالى ( اعملوا آل داود شكرا ) فإن قيل : کیف يجوز
أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟
قلنا الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء وإنما يمنع من ذلك أنه قد
اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد
العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة
أن لا يكون قد اضطرهم وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الأحياء
بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء . ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم
أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم
بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أمائهم بالصاعقة إلا
وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلا لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلا لحياتهم.
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى ( لعلكم تشكرون ) على أنه تعالى يريد الإيمان من
الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة.

٩٣
قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام سورة البقرة
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَتْلَنَا عَلَيْكُرُ أَلْمَنَّ وَالسَّلْوَ كُلُواْ مِنْ طَيِّئَتِ مَارَزَقْتَكُمْ وَمَا
ظَُّونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (َ﴾ وَ إِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ
وَسَنَزِيدَ
شِتُمْ رَغَدًا وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ حُهَدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَنْكُمْ
الْمُحْسِنِينَ
قوله تعالى ﴿ وظللنا علیکم الغمام وأنزلنا علیکم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم
وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ .
اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه
الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه
تعالى قال ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ، وظللنا عليكم الغمام ) بعضه معطوف
على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها .
قال المفسرون ، ( وظللنا) وجعلنا الغمام تظلكم ، وذلك في التيه سخر الله لهم
السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع
الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح
الرجل منها ما يكفيه ( كلوا ) على إرادة القول ( وما ظلمونا ) يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم
أو بأن أخذوا أزيد ما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر
الكلام بحذفه لدلالة ( وما ظلمونا ) عليه .
قوله تعالى ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً
وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم فأنزلنا
على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون ﴾.
اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن ، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما
بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل [ عليهم ] من المن والسلوى وهو من النعم
العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق
المخلص مما استوجبوه من العقوبة.

٩٤
قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية . سورة البَقَرة
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين :
النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير فنقول: أما قوله تعالى (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية )
فاعلم أنه أمر تكليف، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً ،
وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية ، وما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب ، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة . الثاني :
أن قوله ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) دليل على ما
ذكرناه ، أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها ، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار ، وفيه
أقوال : أحدها . وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس،
واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) ولا
شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد ، وثانيها : أنها نفس مصر، وثالثها : وهو قول ابن
عباس وأبي زيد إنها أريجاء وهي قريبة من بيت المقدس ، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن
تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى ( فبدل الذين ظلموا) تقتضي التعقيب
فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى ، لكن موسى مات في
أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس ، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس.
وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية : أنا قلنا لهم ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على
لسان يوشعٍ ، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال . وأما قوله تعالى ( فكلوا منها حيث
شئتم رغداً) فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة .
أما قوله تعالى ( وادخلوا الباب سجداً ) ففيه بحثان .
﴿الأولى﴾ اختلفوا في الباب على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن عباس والضحاك
ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس ، وثانيهما : حكى الأصم عن
بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القرية ومدخلا إليها :
﴿ الثاني﴾ اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو
الصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا
السجود على ظاهره لامتنع ذلك ، ومنهم من حمله على غير السجود ، وهؤلاء ذكروا وجهين :
الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع ، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً
يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء ، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً

٩٥
قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية. سورة البَقَرة
فما كان يحتاج فيه إلى الأمر . الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب ، لأنه لما تعذر حمله على
حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لا بد
أن يكون خاضعاً مستكيناً . أما قوله تعالى ( وقولوا حطة ) ففيه وجوه : أحدها وهو قول
القاضي: المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما
يدل على التوبة ، وذلك لأن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها ، فإِذ اشتهر واحد بالذنب
ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب ، لأن التوبة لا تتم إلا به ، إذ الأخرس
تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإِزالة
التهمة عن نفسه ، وكذلك من عرف بمذهب خطأ ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه
الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه ، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته
بعد معاداته ، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن
يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله ( وقولوا حطة ) فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا
الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتی یکونوا جامعین بین ندم
القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان ، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى
التحقيق . ثانيها : قول الأصم إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في
العربية ، وثالثها : قال صاحب الكشاف ( حطة ) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر
مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما
رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله :
صبر جميل فكلانا مبتلى
والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب . ورابعها : قول
أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها وزيف القاضي
ذلك بأن قال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله ( وقولوا حطة
نغفر لكم خطاياكم) يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة ، ويمكن الجواب عنه
بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به .
وخامسها قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإِنا إنما انخططنا لوجهك وإرادة التذلل لك
فحط عنا ذنوبنا . فإن قال قائل : هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا ؟ قلنا
روى عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين .
أحدهما أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم

٩٦
قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية .. سورة البَقَرة
أمروا بأن يقولوا قولا دالا على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم ((حطة))
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلا ، لأن المقصود من التوبة، إما القلب
وإما اللسان ، أما القلب فالندم، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب
وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها.
أما قوله تعالى ( نغفر لكم ) فالكلام في المغفرة قد تقدم . ثم ههنا بحثان :
الأول﴾ أن قوله ( نغفر لكم ) ذكره الله تعالى في معرض الامتنان ، ولو كان قبول
التوبة واجباً عقلا على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك بل كان أداء الواجب وأداء الواجب
لا يجوز ذكره في معرض الامتنان .
﴿ الثاني ﴾ ههنا قراءات: أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادى بالنون وكسر الفاء.
وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها . وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء
وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح
الفاء . قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد ، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى
فقد غفرت وإذا غفرت فانما يغفرها الله ، والفعل إذا تقدم الإِسم المؤنث وحال بينه وبين
الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) والمراد من الخطيئة
الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد . أما قوله تعالى ( خطاياكم ففيه قراءات أحدها: قرأ
الجحدري (خطيئتكم)) بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهزة على واحدة . وثانيها : الأعمش
((خطيئاتكم )) بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء . وثالثها الحسن كذلك إلا أنه
يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن
كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف . وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون
بامالة الياء فقط.
أما قوله تعالى ( وسنزيد المحسنين ) فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً
:
بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف . أما على التقدير
الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين . أما
الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإِنا
نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون
من منافع الآخرة فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على
غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) أي نجازيهم
بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً، وأكثر من ذلك ، وأما إن
:
٠

٩٧
قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا . سورة البَقَرة
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَهُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِبْزًا مِّنَ السَّمَاءِ
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
كان المراد من ((المحسنين)) من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فسيكون المعنى أنا
نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب ، إذا أتيتم بعد ذلك
بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن
المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في
إحسانه ، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين
والزيادة للمطيعين.
أما قوله تعالى ( فبدل الذين ظلموا ) ففيه قولان . الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى
( فبدل ) يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن
تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى ( سيقول المخلفون من الأعراب ) إلى قوله
( يريدون أن يبدلوا كلام الله) ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا ،
فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه .
الثاني : وهو قول جمهور المفسرين إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من
البدل فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى
دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى ( قولا غير الذي قيل لهم ) ثم اختلفوا في أن ذلك القول
والفعل أي شيء كان ؟ فروى عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه
سجداً زاحفين على أستاههم قائلين حنطة من شعيرة وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم
وقالوا حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا
لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة .
أما قوله تعالى ( الذين ظلموا ) فانما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان
خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم ، وذلك ظلم على ما تقدم.
أما قوله تعالى ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء ) ففيه بحثان :
﴿ الأول﴾ أن في تكرير (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز
عليهم لظلمهم . الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى ( ولما وقع عليهم
الرجز ) أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى ( لئن كشفت عنا الرجز ) وذكر الزجاج أن الرجز
والرجس معناهما واحد وهو العذاب.
ج٣ م٧

٩٨
قوله ((فبدل الذين ظلموا)) سورة البقرة
وأما قوله ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) فمعناه لطخه وما يدع اليه من الكفر، ثم
إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة
أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من
الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً، ولم يبق منهم أحد .
أما قوله تعالى ( بما كانوا يفسقون ) فالفسق هو الخروج المضر، يقال فسقت الرطبة إذا
خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته ، قال أبو مسلم هذا
الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى ( على الذين ظلموا) وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه
غير مكرر لوجهين الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك
وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) ولأنه تعالى قال (إن الشرك لظلم
عظيم ) ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يكون من
الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولا وصفهم بالفسق ثانياً ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا
من الصغائر . الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز
عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا
الوجه يزول التكرار.
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة
الأعراف وهي قوله ( وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة
وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ، فبدل الذين ظلموا منهم قولا
غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون ) واعلم أن من الناس من
يحتج بقوله تعالى ( فبدل الذين ظلموا) على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز
تغییرها ولا تبديلها بغيرها ، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم
الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما
استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول ، فلا جرم استوجبوا الذم ،
فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله ( فبدل الذين ظلموا قولا
غير الذي قيل لهم) يتناول كل من بدل قولا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم
يتفقا ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول﴾ لم قال في سورة البقرة (وإذ قلنا) وقال في الأعراف (وإذ قيل لهم)
الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للابهام ولأنه
ذكر في أول الكلام ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) ثم أخذ يعدد [ نعمه ] نعمة نعمة
٠٠٠

٩٩
قوله تعالى: ((فبدل الذين ظلموا)) سورة البَقَرة
فاللائق بهذا المقام أن يقول ((وإذ قلنا)) أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى ( وإذ قيل
لهم ) إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة .
السؤال الثاني ﴾ لم قال في البقرة (وإذ قلنا ادخلوا ) وفي الأعراف ( اسكنوا ) ؟
الجواب الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة
والسكون في السورة المتأخرة.
﴿ السؤال الثالث﴾ لم قال في البقرة (فكلوا) بالفاء وفي الأعراف (وكلوا ) بالواو ؟
والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة ( وكلا منها رغداً) وفي الأعراف
( فكلا ).
﴿ السؤال الرابع ﴾ لم قال في البقرة (نغفر لكم خطاياكم ) وفي الأعراف ( نغفر لكم
خطيئاتكم ) الجواب الخطايا جميع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة ، وفي سورة البقرة
لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) لا جرم قرن به ما يليق جوده
وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة ، وفي الأعراف لما لم
يضف ذلك إلى نفسه بل قال ( وإذ قيل لهم ) لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، فالحاصل أنه لما
ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثير [٥] وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم
يذكر اللفظ الدال على الكثرة.
﴿ السؤال الخامس﴾ لم ذكر قوله (رغداً) في البقرة وحذفه في الأعراف؟ الجواب عن
هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام
الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا ، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم
فيه .
﴿ السؤال السادس﴾ لم ذكر في البقرة (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) وفي
الأعراف قدم المؤخر ؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله ( ادخلوا الباب
سجداً وقولوا حطة ) يحتمل أن يقال إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين
فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن
الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا
أولا ((حطة)) ثم يدخلوا الباب سجداً، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولا
بالعبادة ثم يذكر التوبة ثانياً على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء
يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولا ثم يقولوا حطة ثانياً فلما احتمل كون أولئك المخاطبين

١٠٠
قوله تعالى: ((فبدل الذين ظلموا)) سورة البقرة
منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.
السؤال السابع ﴾ لم قال ( وسنزيد المحسنين) في البقرة مع الواو وفي الأعراف
( سنزيد المحسنين ) من غير الواو؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين: أحدهما :
قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ( وثانيها ) دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة ، ثم
ذكر جزاءين : ( أحدهما ) قوله تعالى ( نغفر لكم خطاياكم ) وهو واقع في مقابلة قول الحطة
( والآخر ) قوله ( سنزيد المحسنين) وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد
توزع كل واحد من الجزاءين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد كون
مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة .
٠
السؤال الثامن﴾ قال الله تعالى في سورة البقرة (فبدل الذين ظلموا قولا ) وفي
الأعراف ( فبدل الذين ظلموا منهم قولا ) فما الفائدة في زيادة كلمة ((منهم)) في الأعراف؟
الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص
بلفظ ((من)) لأنه تعالى قال (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فذكر أن منهم من
يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال الله تعالى ( فبدل
الذين ظلموا منهم) فذكر لفظة ((منهم)) في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر
الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بازاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ،
وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة
الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله ( فبدل الذين ظلموا )
تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق.
السؤال التاسع ﴾ لم قال في البقرة (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً) وقال في الأعراف
( فأرسلنا ) الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم
واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة.
السؤال العاشر﴾ لم قال في البقرة ( بما كانوا يفسقون) وفي الأعراف ( بما كانوا
يظلمون ) الجواب أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في
سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة والله أعلم.