Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البَفَرة
الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية ( وسابعها ) أن الأمة
مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى اللّه تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام
ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته ، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي
خرج من الدنيا مصراً على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على
الكبائر . لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل
شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في
دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم
للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الاصرار وتقدم الذنب ، لأنا
نقول : الجواب عنه من وجهين ( الأول ) ليس يجب إذا شرطنا شرطاً في قولنا : اللهم اجعلنا من
التوابين ، أن نزيد شرطاً في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة ( الثاني ) أن الأمة في كلتا الرغبتين
إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم : اجعلنا
من التوابين ، أن يرغبون في يوفقهم للتوبة من الذنوب ، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم
ما يكونون عنده أهلا لشفاعته عليه السلام ، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من
الدنيا مصراً على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالاً للاخراج من الدنيا حال الاصرار على
الكبائر ، وذلك غير جائز بالاجماع . أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من
الدنيا مستحقاً للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسناً فظهر الفرق ( وثانيها ) أن قوله تعالى
( وإن الفجار لفي جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وماهم عنها بغائبين ) يدل على أن كل الفجار
يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنه الا يخرجون منها ،
وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الاخراج من النار بعد
الادخال فيها ( وتاسعها) قوله تعالى ( يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) فنفى الشفاعة
عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) وكذا قوله تعالى ( لا
يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب
الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل ، أما العقل فلا مجال له فيه ، وأما
النقل فأما بالتواتر أو بالآحاد والآجاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة
علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز . وأما بالتواتر فباطل لأنه لو
حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة ، فحيث أطبق
الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن ( وعاشرها ) قوله تعالى ( الذين يحملون
العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ویؤمنون به ويستغفرون اللذين آمنوا ربنا وسعت كل
شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن

٦٢
قوله تعالى . واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البقرة
لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى ( الحادي عشر) الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة
في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة ( الأول ) ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء
الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت اخواننا : قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك قال بل
أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من
أمتك ؟ قال أرأيت إن كان لرجل خیل غر ممجلة فی خیل دهم فهل لا يعرفخیله ؟ قالوا بلی یا
رسول الله ، قال فانهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض ، ألا
فلیذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أياديهم ألا هلم ألا هلم فیقال إنهم قد بدلوا
بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً)) والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاً لهم لم
يكن يقول فسحقاً فسحقاً لأن الشفيع لا يقول ذلك ، وكيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في
الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء ( الثاني) روى عبد الرحمن بن ساباط عن
جابر بن عبد الله أن النبي _* قال لكعب بن عجرة (( يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة
السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فاعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني
ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم
بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض ، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة
والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من
سحت ) والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه (أحدها) أنه إذا لم يكن من النبي ولا
النبي منه فكيف يشفع له ، وثانيهما قوله: ((لم يرد على العوض)» دليل على نفي الشفاعة لأنه
إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من
العقاب أولى ( وثالثها ) أن قوله (( لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت )) صریح فی أنه لا أثر
للشفاعة في حق صاحب الكبيرة ، (الثالث) عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام ((لا.
ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك
من الله شيئاً قد بلغتك)) وهذا صريح في المطلوب لأنه إذا لم يملك له من الله شيئاً فليس له في
الشفاعة نصيب ( الرابع) عن أبي هريرة قال قال عليه الصلاة والسلام ((ثلاثة أنا خصيمهم
يوم القيامة ومن كنت خصيمه خصمته ، رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حراً فأكل
ثمنه ، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجرته)) والاستدلال به أنه عليه الصلاة
والسلام لما كان خصباً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا
الباب . أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه ( أحدها ) قوله سبحانه وتعالى حکایة عن عيسى
عليه السلام ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم ) وجهٍ.
الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في

٦٣
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البقرة
حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو
المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة ، والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى ( وإن تغفر لهم فانك
أنت العزيز الحكيم ) لا يليق بالكفار ، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع
والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند
الخصم ، وإذا كان كذلك لم يكن قوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) لائقاً بهم وإذا بطل ذلك لم
يبق إلا أن يقال إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح
القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد ◌َّه ضرورة أنه لا
قائل بالفرق ( وثانيها ) قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ( فمن تبعني فانه مني ومن
عصاني فانك غفور رحيم ) فقوله ( ومن عصاني فانك غفور رحيم ) لا يجوز حمله على الكافر
لأنه ليس أهلا للمغفرة بالاجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد
التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلا عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على
صاحب الكبيرة قبل التوبة ، ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب
شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم ( ومن عصاني فانك غفور
رحيم) وقول عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الآية ثم رفع يديه وقال ((اللهم
أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه
جبريل فسأله فأخبره رسول الله وَله بما قال، فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد فقل
له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)) رواه مسلم في الصحيح (وثالثها ) قوله تعالى في سورة
مريم ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ، لا يملكون
الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً) فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن
المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز
ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه
الثاني أولى لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات فان كل أحد يعلم أن
المجرمين الذين يساقون إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة لغيرهم فتعين حملها على الوجه
الثاني. إذا ثبت هذا فنقول : الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر لأنه قال عقيبه ( إلا
من اتخذ عند الرحمن عهداً) والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا
اتخذوا عند الرحمن عهداً ، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله ( فيه وصاحب الكبيرة
اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما في الباب
أن يقال : واليهودى اتخذ عند الرحمن عهداً وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك
العمل به في حقه لضرورة الاجماع فوجب أن يكون معمولا به فيما وراءه (ورابعها ) قوله تعالى في

٦٤
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس. سورة البقرة
٠١٠٠
صفة الملائكة ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند.
الله تعالى وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة إنما قلنا إن
صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من
صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن ؛
المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا : مرتضى عند الله بحسب إيمانه، ومتى صدق المركب
صدق المفرد فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من؛
أهل الشفاعة لقوله تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) نفي الشفاعة إلا لمن كان مرتضى
والاستثناء عن النفي إثبات فوجب أن يكون المرتضى أهلا لشفاعتهم ، وإذا ثبت أن صاحب أ
الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد ﴿3﴾، ضرورة.
أنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : الكلام على هذا الاستدلال من وجهين ( الأول ) أن الفاسق!
ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة ، وإذا لم يكن أهلا لشفاعة الملائكة !
وجب أن لا يكون أهلا لشفاعة محمد ﴿ إنما قلنا: إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب،
فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى.
بعين ما ذكرتم من الدليل ، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة
لأن قوله تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق !
المرتضى فاذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلا في النفي ( الوجه الثاني ).
أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) محمولا على أن المراد.
منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا یشفعون إلا من ارتضى.
الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة
(( وهذا أول المسألة.
١
والجواب عن الأول : أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان ، فقولنا زيد
عالم زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقة زيد ليس بعالم
بالكلام ، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى لا
يتناقضان لاحتمال أن يقال إنه مرتضى بحسب دينه ليس بمرتضى بحسب فسقه ، وأيضاً فمتى
ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمی کونه مرتضى وإذا كان المستثنی هو مجرد كونه
مرتضى ، ومجرد كونه مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء
وخروجه عن المستثنى منه ، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة ، وأما السؤال
الثاني : فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من
حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته ، لأن على التقدير الأول تفيد الآية

٦٥
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البَقَرة
الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه ، وعلى التقدير
الثاني لا تفيد الآية ذلك ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى ،؟
وخامسها : قوله تعالى في صفة الكفار ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) خصهم بذلك فوجب أن
يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب، وسادسها: قوله تعالى لمحمد رَله
( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً بأن يستغفر لكل
المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) أن صاحب الكبيرة
مؤمن ، وإذا كان كذلك ثبت أن محمد ◌ً ◌ّ استغفر لهم ، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد
غفر لهم . وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والأيذاء
وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد بيّليّ فدل على أن الله تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل
العصاة فقد استجاب دعاءه ، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا هذا ،
وسابعها : قوله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) فالله تعالى أمر الكل
بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلها تلك التحية بأحسن منها أو بأن يردوها ، ثم أمرنا بتحية
محمد ◌َّ حيث قال ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) والصلاة من الله رحمة ولا
شك أن هذا تحية ، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله
( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من
الله تعالى ، وهذا هو معنى الشفاعة ، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة والسلام غير مردود
الدعاء ، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو المطلوب . وثامنها : قوله تعالى ( ولو أنهم
إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) وليس في
الآية ذكر التوبة ، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم ،
وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون
مقبولة في الآخرة، لأنه لا قائل بالفرق، وتاسعها: أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد ولا
فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل وإلا لكنا شافعين
للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عندما نقول : اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد ، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب ، فان قيل : إنما
لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد # لوجهين، الأول : أن الشفيع لا بد أن يكون أعلى رتبة
من المشفوع له ، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه
عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له . الثاني : قال أبو الحسين : سؤال
المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان
لسؤاله تأثير في فعلها، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها ، وكان غرض السائل
ج٣ م٥

٦٦
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البقرة
التقرب بذلك إلى المسئول وإن لم يستحق المسئول له بذلك السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا
يكون شفاعة له ، ألا ترى أن السلطان إذا عزم على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه
على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه عليه أو لم يحثه ، وقصد بذلك التقرب إلى
السلطان ليحصل له بذلك منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان : وهذه حالتنا في
حق الرسول(ټ فيما نسأله له من الله تعالى فلم يصح أن نكون شافعین والجواب على الأول ، لا
نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة ، والدليل عليه أن الشفيع إنما سمى شفيعاً مأخوذاً من
الشفع ، وهذا المعنى لا تعتبر فيه الرتبة ، فسقط قولهم ، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني ،
وأيضاً فنقول في الجواب عن السؤال الثاني : إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم رسوله
ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أو لم تسأل ، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز أن يزيد في إكرامه
بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال
يجوز ، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين للرسول ◌َ ل﴿ ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم،
وعاشرها : قوله تعالى في صفة الملائكة ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم
ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ) وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة
من تستغفر الملائكة لهم ، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا
سبيلك ) إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا
ذكر بعده بعض أقسامه فان ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص؛ الحادي عشر:
الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، ولنذكر منها ثلاثة أوجه الأول : قوله عليه
الصلاة والسلام ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) قالت المعتزلة: الإعتراض عليه من ثلاثة
وجوه : أحدها : أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن فإنا بينا أن كثيراً من الآيات يدل على
نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده ، وثانيها : أنه يدل على
أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل
الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز لأنه لا أقل من التسوية ، وثالثها !
أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا
الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر . ثم إن سلمنا صحة الخبرلكن فيه احتمالاث
أحدها : أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
كما أن المراد من قوله ( هذا ربي ) أي أهذا ربي، وثانيها: أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في
أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة قال تعالى في صفة
الصلاة ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر لا يجب أن يكون
المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة ، فان قيل : هب أن

٦٧
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البقرة
لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام
فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان
من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا : لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن لفظ
((أهل)) مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله
على الشخص الآتي بكل الطاعات فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه ، وثالثها :
هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصى الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من
أهل المعاصى الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد
التوبة ، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على
فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال
(( أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار . وروى
الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (( ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ))
واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ولكن بمجموع
الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات ،
الثاني: روى أبو هريرة قال قال رسول الله وَّله((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته
وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك
بالله شيئاً)) رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته .
تنال كل من مات امنه لا يشرك بالله شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك فوجب أن تناله الشفاعة ،
والثالث: عن أبي هريرة قال ((أتى رسول الله ◌َليل يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه
فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟ قالوا لا يا رسول
الله قال يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو
الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون ما
أنتم فيه ؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض
((الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك
من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد
بلغنا فيقول لهم : إن ربي قد غضب الیوم غضباً لم یغضب مثله قبله ولن یغضب بعده مثله ،
وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته : نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحاً
فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبداً شكوراً اشفع لنا إلى ربك
ألا تری إلی ما نحن فيه فیقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن
يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم

٦٨
قوله تعالى: واتقوا يوماً لا تجزى نفس. سورة البَفَرة
فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون أنت ابراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى
ربك ألا تری إلی ما نحن فيه فیقول لهم إبراهیم إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله
مثله ولن یغضب بعده مثله ، وذكر كذباته ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى ،
فيأتون موسى ويقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسلاته وبكلامه على الناس اشفع.
لنا إلى ربك ألا تری إلی ما نحن فیہ فیقول لهم موسی إن ربي قد غضب الیوم غضباً لم یغضب
قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري
اذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فيأتون عيسى فيقولون أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم عيسى
إن ربي قد غضب الیوم غضباً لم یغضب قبله مثله ولم یغضب بعده مثله ولم یذکر له ذنباً ،
نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد . فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله
وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما
نحن فيه؟ فأنطلق وأستأذن على ربي فيؤذن لى فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله
أن یدعني ثم يقول لی : یا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي
بمحامد علمنيها ، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك
وتعالى وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول ارفع رأسك وقل تسمع وسل
تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم
أرجع فاذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول يا محمد ارفع
رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي
حداً فأدخلهم الجنة . ثم أرجع فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب
عليه الخلود)) وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه في الصحيحين . قالت المعتزلة الكلام على هذا الخبر
وأمثاله من وجوه ، أحدها : أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها يلفظ الرسول
وَ ل*، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه ، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة ،
وثانيها : أنها خبر عن واقعة واحدة وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات ،
وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها . وثالثها أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضاً يطرق
التهمة إليها ورابعها : أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن . وذلك أيضاً بطرق التهمة إليها ؛
وخامسها : أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها فلو كان صحيحاً لوجب بلوغه
إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها ، وسادسها : أن الاعتماد على
خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل القطعية غير جائز . أجاب أصحابنا عن هذه
المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مروياً بالآحاد إلا أنها كثيرة جداً وبينها قدر

٦٩
قوله تعالى : واتقوا يوماً لا تجزى نفس . سورة البَقَرة
مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مروياً على
سبيل التواتر فيكون حجة والله أعلم . والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن
أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات ، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد
إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة
على دلائلهم ، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة :
أما ( الوجه الأول ) وهو التمسك بقوله تعالى ( ولا يقبل منها شفاعة ) فهب أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص
يكفي فيه أدنى دليل ، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى
تخصيصها .
وأما ( الوجه الثاني ) وهو قوله تعالى ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) فالجواب
عنه أن قوله ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع ) نقيض لقولنا : للظالمين حميم وشفيع ، لكن قولنا
للظالمين حميم وشفيع موجبة كلية ، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية ، والسالبة يكفي في
صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور ، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في جميع
الصور، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب
وهم الكفار، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا.
وأما ( الوجه الثالث ) وهو قوله ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة
فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول.
وأما ( الوجه الرابع ) وهو قوله ( وما للظالمين من أنصار ) فالجواب عنه أنه نقيض
لقولنا : للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله ( وما للظالمين من أنصار ) سالبة جزئية فيكون
مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب .
وأما ( الوجه الخامس ) وهو قوله ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) فهذا وارد في حق
الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين.
وأما ( الوجه السادس ) وهو قوله ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) فقد تقدم القول فيه.
وأما ( الوجه السابع) وهو قول المسلمين: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد الخ.
فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب
المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي ، وذلك القدر المشترك لا
يتوقف على كون العبد عاصياً فاندفع السؤال.
:

٧٠
قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون . سورة البقرة
وَإِذْنَيْنَكُم مِّنْ ءَالِ فَرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَنْجُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَاءَ كُمْ وَفِيِ ذَلِ كُ بَةُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمُ(
٤٩
وأما ( الوجه الثامن ) وهو التمسك بقوله ( وإن الفجار لفي جحيم ) فالكلام عليه
سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد.
وأما ( الوجه التاسع ) وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة
لأصحاب الكبائر ، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على
حصول هذه الشفاعة.
وأما ( الوجه العاشر) وهو قوله في حق الملائكة ( فاغفر للذين تابوا ) فجوابه ما بينا أن
خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها.
وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمداً جلي لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض
مواطن القيامة ، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد البتة من أصحاب الكبائر ولا أنه يمتنع
من الشفاعة في جميع المواطن . والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا
بإذن الله فلعل الرسول لم یکن مأذوناً فی بعض المواضع وبعض الأوقات فلا يشفع في ذلك
المكان ولا في ذلك الزمان ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك
والله أعلم.
قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة : إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود فحيث لا
يحصل فإِنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعداً ، ومن الجائز أن لا يكون الشىء مستعداً لقبول
الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شىء قبله عن واجب
الوجود ، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول ، ومثاله في
المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل وسقف البيت لما لم يكن مقابلا لجرم الشمس
لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء
الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء
الصافي متوسطاً في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس ،
وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب
الوجود إلى أرواح العامة ، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعاً على أصولهم.
قوله تعالى ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم
ويستحیون نساءکم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ .

٧١
قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون . سورة البقرة
:
اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم
على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فكأنه قال اذكروا نعمتي واذكروا
إذ نجيناكم واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات والمذكور في هذه الآية هو الإنعام
الأول . أما قوله ( وإذ نجيناكم) فقرىء أيضاً أنجيناكم ونجيتكم ، قال القفال . أصل
الأنجاء والتنجيه التخليص وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى
ونجا بنفسه ، وقالوا للمكان العالى نجوة لأن من صار إليه نجا أي تخلص ولأن الموضع المرتفع
بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه . قال صاحب الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر
بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم ولا يقال آل
الحجام والإسكاف، قال عيسى : الأهل أعم من الآل يقال أهل الكوفة وأهل البلد وأهل
العلم ولا يقال آل الكوفة وآل البلد وآل العلم ، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة
تغليبه عليهم ، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة . وحكى عن أبي عبيدة أنه سمع
فصيحاً يقول : أهل مكة آل الله ، أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر
وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك ، واختلفوا في
فرعون من وجهين ، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا
مصعب بن ريان ، وقال ابن إسحق : هو الوليد بن مصعب ولم يكن من الفراعنة أحد أشد
غلظة ولا أقسى قلباً منه ، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا إن اسم فرعون كان
قابوس وكان من القبط، والثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون
موسى وهذا غير صحيح إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة
سنة ، وقال محمد بن اسحق : هو غیر فرعون یوسف وإن فرعون یوسفکان اسمه الريان بن
الوليد ، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا
على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجياً لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب
بقاءهم وهلاك فرعون وقومه أما قوله تعالى ( يسومونكم ) فهو من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ،
قال عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفاً
أبينا أن نقر الخسف فينا
وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم ،
والسوء مصدر ساء بمعنى السيء يقال أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ،
ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيء أشده وأصعبه كأن قبحه [ زاد ] بالإضافة إلى ساء ،
واختلف المفسرون في المراد من ((سوء العذاب)) فقال محمد بن اسحق : إنه جعلهم خولا

٧٢
قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون . سورة البقرة
وخدماً له وصنفهم في أعماله أصنافاً ، فصنف كانوا يبنون له ، وصنف كانوا يحرثون له ،
وصنف کانوا یزرعون له فھم کانوا في أعماله ومن لم یکن في نوع من أعماله کان یأمر بأن
يوضع عليه جزية يؤديها ، وقال السدى : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس
المبرز وعمل الطین ونحت الجبال وحکی الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى ( أو ذينا
من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) وقال موسى لفرعون ( وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني
إسرائیل ) واعلم أن کون الإنسان تحت ید الغیر بحیث یتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله
فى الأعمال الشاقة الصعبة القذرة فان ذلك يكون من أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه
خالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع
ذلك بنعمة أخرى أعظم منها ، فقال : ( يذبحون أبناءكم) ومعناه يقتلون الذكورة من
الأولاد دون الإناث . وههنا أبحاث.
البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه أحدها : أن ذبح الأبناءٍ.
يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في
ذلك ، وذلك يفضى آخر الأمر إلى هلاك الرجال والنساء ، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضى
فساد مصالح النساء في أمر المعيشة فان المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم
بأمرها الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في
المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل
وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد
من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك
بحسب شدة المحنة فيه ، ورابعها أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فان أكثر
الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ولذلك قال تعالى ( وإذا بشر أحدهم ..
بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ) الآية ، ولذلك نهي.
العرب عن الواد بقوله ( ولا تقتلوا أولادکم خشية إملاق) وإنما کانوا یئدون الإناث دو.
الذكور ، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكر أن يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء
وذلك نهاية الذل والهوان .
البحث الثاني: ذكر في هذه السورة ((يذبحون)) بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع
الواو والوجه فيه أنه إذا جعل قوله ( يسومونكم سوء العذاب ) مفسراً بقوله ( يذبحول
أبناءكم ) لم يحتج إلى الواو، وأما إذا جعل قوله ( يسومونكم سوء العذاب ) مفسراً بسائر.
التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئاً آخر سوى سوء العذاب احتيج فيه إلى الواو ،
٠٠

٧٣
قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون . سورة البقرة
وفي الموضعين يحتمل الوجهين إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف
العطف في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن
أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ) والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد
نعم الله تعالى فوجب أن يكون المراد من قوله (يسومونكم سوء العذاب ) نوعاً من العذاب
والمراد من قوله ( ويذبحون أبناءكم) نوعاً آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة .
فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي
قوله ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو
غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلاً فظهر الفرق.
البحث الثالث : قال بعضهم أراد بقوله ( يذبحون أبناءكم ) الرجال دون الأطفال
ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون
قالوا إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإِفساد أمره. وكثر
المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين ، وهذا هو الأولى لوجوه ( الأول ) حملا
للفظ الأبناء على ظاهره ( الثاني ) أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم ( الثالث ) أنهم
كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة ( الرابع ) أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء
موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في
مقابلة النساء ففيه جوابان : ( الأول ) أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالاً فلم
يجز إطلاق اسم الرجال عليهم اما البنان لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز اطلاق
اسم النساء عليهن ( الثاني ) قال بعضهم المراد بقوله: ( ويستحبون نساءكم) أي يفتشون حياء
المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهراً لم
يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد .
البحث الرابع ﴾ في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهاً. أحدها : قول ابن عباس
رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء
وملوكاً فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا
يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه فلما رأوا کبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ
لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة فصاروا يقتلون عاماً دون عام (وثانيها ) قل السدى : إن
فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت النبط وتركت
بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك ؟ فقالوا يخرج من بيت المقدس من يكون
هلاك القبط على يده ، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان
يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم

٧٤
قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر . سورة البقرة
وَإِذْ فَقْنَا بِكُ الْبَحْرَ فَأَنْجَنَكُمْ وَأَغْرَقْنَءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
٥٠
:
لا يكون أمراً مفصلا وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملا
والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل إن فرعون
کان کافراً بالله فکان بأن یکون کافراً بالرسل أولى ، وإذا کان کذلك فکیفیمکن أن يقدم على
هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه . قلنا لعل فرعون كان عارفاً بالله
وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً کفر الجحود والعناد أو يقال إنه کان شاكاً متحیراً في دينه
وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً .
البحث الخامس ﴾ اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها : أن هذه
الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار
تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم
وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب
الانقياد والطاعة ويقتضى نهاية قبح المخالفة والمعاندة فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة
العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم ، وثانيها : أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في
نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلا لا جرم زال
ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال فإنه
محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك
على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للانسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في
طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى ( وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم) قال القفال : أصل
الكلمة من الابتلاء وهو الاختبار والامتحان قال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وقال
( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) والبلوى واقعة على النوعين فيقال للنعمة بلاء وللمحنة
الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال
زهير :
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
جزى الله بالإإحسان ما فعلا بكم
إذ عرفت هذا فنقول: البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ ((ذلكم)) إلى صنع فرعون
والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى
ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على اسلافهم .
قوله تعالى ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ﴾ .

٧٥
قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر . سورة البَقَرة
هذا هو النعمة الثانية ، وقوله ( فرقنا ) أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه
مسالك لكم وقرىء ( فرقنا ) بالتشديد بمعنى فصلنا يقال فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء
لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط فإن قلت : ما معنى ( بكم ) ؟ قلنا فيه
وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق
بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث :
البحث الأول﴾ روى أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم
الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلى القبط ، وذلك
لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم.
نزل جبريل عليه السلام بالعشى وقال لموسى : أخرج قومك ليلا ، وهو المراد من قوله
( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل
سبط خمسون ألفاً فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال لا تتبعوهم
حتى يصيح الديك ( قال الراوي ) فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة
فذبحت ثم قال لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلى ستمائة ألف من القبط ، وقال
قتادة : اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم
نهاراً. وهو قوله تعالى ( فأتبعوهم مشرقين ) أي بعد طلوع الشمس ( فلما تراءى الجمعان قال
أصحاب موسی إنا لمدرکون ) فقال موسی ( کلا إن معی ربی سیھدین ) فلما سار بهم موسى
وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك فقال موسى إلى أمامك وأشار إلى البحر
فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر فسبح الفرس وهو عليه
ثم رجع وقال له يا موسى أين أمرك ربك ؟ فقال البحر ، فقال والله ما كذبت ففعل ذلك ثلاث
مرات فأوحى الله إليه ( أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) فانشق
البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق فقال له ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف
البحر وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى ( فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً )
فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى إن بعضنا لا يرى صاحبه فضرب موسى
عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً ثم أتبعهم فرعون فلما بلغ
شاطىء البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه
السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو کان علی فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر فلما دخل
فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء
حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى ( وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) وقيل كان ذلك اليوم
يوم عاشوراء فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى .

٧٦
قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر . سورة البقرة
﴿ البحث الثاني) اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا أما نعم
الدنیا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه (أحدها) أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي
من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر فان توقفوا أدركهم العدو وأهلكم بأشد العذاب
وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من
ذلك (وثانيها) أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة, وذلك سبب لظهور
كرامتهم على الله تعالى (وثالثها) أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن
الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم فكيف إذا حصل معه ذلك الاكرام العظيم
وإهلاك العدو (ورابعها) أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم (وخامسها) أنه تعالى:
لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم ولو
أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من:
حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ولكن الله تعالى لما.
أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية (وسادسها) أنه وقع ذلك الاغراق بمحضر من بني.
إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى (وأنتم تنظرون) وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام.
فمن وجوه (أحدها) أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك:
والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه.
السلام تقرب من العلم الضروري فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق
(وثانيها) أنهم لما عاينوا ذلك صار داعياً لهم إلى الثبات على تصديق موسى والإنقياد له وصار.
ذلك داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون.
(وثالثها) أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد ..
مما كانت ببني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزاً، ..
وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه.
في كل الأمور، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد له من ذكر هذه القصة فكثيرة (أحدها) أنها
كالحجة لمحمد ◌ّ على أهل الكتاب لأنه كان معلوماً من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه.
كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا،
يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق فصار ذلك حجة له عليه السلام.
على اليهود وحجة لنا في تصديقه (وثانيها) أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور
العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة؛
فصار ذلك مرغباً لنا في الطاعة ومنفراً عن المعصية (وثالثها) أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم.
خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى.
:

٧٧
قوله تعالى ((واذ فرقنا بكم البحر)) سورة البقرة
قالوا (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) وأما أمة محمد ◌ّ فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف
كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد ◌ّ وما خالفوه في أمر البتة ، وهذا يدل على أن
أمة محمد * أفضل من أمة موسى عليه السلام. وبقي على الآية سؤالان:
السؤال الأول﴾ أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على
صدق موسى كالأمر الضروري فكيف يجوز فعله في زمان التكليف؟ والجواب أما على قولنا
فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة
والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانو كذلك فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات
العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى ، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون
على أصنام لهم فقالوا (يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك
لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول فلا جرم اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة
والمعجزات اللطيفة .
السؤال الثاني﴾ أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلا بد وأن يعلم أن ذلك
ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟
فإن قلت إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود. قلت فاذا عرف ذلك
بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر
إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب: حب الشيء يعمي ويصم
فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة .
وأما قوله تعالى (وأنتم تنظرون) ففيه وجوه (أحدها) أنكم ترون التطام أمواج البحر
بفرعون وقومه (وثانيها) أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى
عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم فنظروا
إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى (فاليوم ننجيك ببدنك
لتكون لمن خلفك آية) أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس وتكون عبرة
لهم (وثالثها) أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث تواجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم
بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول
ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

٧٨
قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى . سورة البَقَرة
وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ ثُمَ اتَّخَذْتُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلُونَ (٥٦) ثُمَّ عَفَوْنَا.
عَنْكُمْمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (
قوله تعالى ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون . ثم
عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون
أعلم أن هذا هو الإنعام الثالث. فأما قوله تعالى (وإذ واعدنا) فقر أبو عمرو ويعقوب
وإذا وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في
المواضع الثلاثة فأما بغير ألف فوجه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى والمواعدة مفاعلة ولا بد
من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه (أحدها) أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبلوه كان من
موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك ،
(وثانيها) قال القفال لا يبعد أن یکون الآدمی یعد الله ویکون معناه یعاهد الله (وثالثها) أنه أمر
جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا (ورابعها) وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو
وعد الله المجيء للميقات إلى الطور، أما موسى ففيه وجوه (أحدها) وزنه فعلى والميم فيه
أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك (وثانيها)
وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي
بذلك لصلعه ، وثالثها: أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فموهو الماء بلسانهم ، وشى هو
الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في
البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون فخرجت جواري آسية
إمرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء
والشجر. واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً أما الأول فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا
يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني فلأن هذه اللفظة اسم
علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس
فأما نسبه چ فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق ابن
إبراهيم عليهم السلام. أما قوله تعالى (أربعين ليلة) ففيه أبحاث:
البحث الأول: أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل إن خرجنا من البحر سالمين
أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك فلما جاوز موسى البحر
ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا: يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه

٧٩
قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى . سورة البقرة
ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر فتم ميقات
ربه أربعين ليلة) واستخلف عليهم هرون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة
عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه
صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور:
البحث الثاني: إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي.
البحث الثالث: قوله تعالى (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) معناه واعدنا موسى انقضاء
أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه
حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى (واسأل القرية) وأيضاً فليس المراد
انقضاء أي اربعين كان ، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي
الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون ، وأيضاً فقوله تعالى (وإذ
واعدنا موسى أربعين ليلة) يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجىء إلى
الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد
بالأخبار.
البحث الرابع: قوله ههنا (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) يفيد أن المواعدة كانت من
أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) يفيد
أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب الحسن البصري فقال
ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً ، وهو
كقوله (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة).
أما قوله تعالى (ثم اتخذتم العجل من بعده) ففيه أبحاث:
البحث الأول: إنما ذكر لفظة (ثم) لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة
عليه بحضرة السبعين ، وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون
ذلك تنبيهاً للحاضرين على علو درجتهم وتعريفاً للغائبين وتكملة للدين ، كان ذلك من أعظم
النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول
إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.
البحث الثاني: قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام
إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هرون (إخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)
فلما ذهب موسى إلى الطور ، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلى الذي استعاروه من

٨٠
قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى . سورة البَقَرة
القبط قال لهم هرون إن هذه الثياب والحلى لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا ناراً وأحرقوها ،
وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام
حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافز تلك الدابة ، ثم إن
السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلا وألقى ذلك التراب فيه فخرج
منه صوت كأنه الخوار فقال للقوم ( هذا إلهكم وإله موسى ) فاتخذه القوم إلهاً لأنفسهم فهذا ما في
الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده
بديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه: أحدها: أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم
المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات
والأرض ، وهب أنه ظهر منه خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من
العقلاء في كونه إلهاً ، وثانيها: أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي
تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام ، فمع قوة هذه
الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب
يستحيل أن يقتضى شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً. والجواب: هذه الواقعة لا يمكن
تصحيحها إلا على وجه واحد ، وهو أن يقال إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام
إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه
المعجزات ، فقال السامري للقوم: وأنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن
جعله بحيث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الاتيان
بالخوارق ، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإِله في بعض الأجسام فلذلك
وقعوا في تلك الشبهة .
﴿ البحث الثالث﴾ هذه القصة فيها فوائد: أحدها: أنها تدل على أن أمة محمد ێ خير
الأمم ، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة
جداً، وأما أمة محمد ◌َّ فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجزاً إلى الدلائل
الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية العظيمة ، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك
وأكمل عقلا وأزكى خاطراً منهم (وثانيها) أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم
یتعلم علماً ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي (وثالثها) فیه تحذير
عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما
وقعوا في شبهة السامري (ورابعها) في تسلية النبي ◌َسير مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود
والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام
في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من