Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين هـ ٥٤٤ - ٢٠٤ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام الجُزْءُ الثَّالِث دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ٢ قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة : سورة البقرة ◌ِلَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِسْـ ---- -- وَقُلْنَا يَتَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَاوَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَ مِنَ الَّلِنَ ٣٥ يجب : . ب- قوله تعالى ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ اعلم أن ههنا مسائل: المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن قوله (اسكن) أمر تكليف أو إباحة فالمروى عن قتاده أنه قال: إن الله تعالى ابتلی آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن یکون في الجنة یأکل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة اأن يأكل منها فما زالت به البلايا. حتى وقع فيما نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما؛ يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. وقال آخرون إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أمراً وتكليفاً بل إياحة والأصح أن ذلك الاسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكلیف فهو أن المنهى عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكا له فههنا لم يقل الله تعالى : وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة کالتقدمة على ذلك المسألة الثانية) أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه ، فذكر السدى عن إبن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من .. الجنة وأسكن آدم الجنة فبقى فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النو ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه حماً وخلق حواء منه فلما استيقظ و. عند رأسه إمرأة قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت أمرأة قال ولم خلقت ؟ قالت لتسكن إلى فقالت ٣ قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة . سورة البقرة الملائكة ما اسمها ؟ قالوا حواء ، ولم سميت حواء، قال لأنها خلقت من شيء حي ، وعن عمر وابن عباس رضى الله عنهما قال . بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة . ﴿ المسألة الثالثة) أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء (الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) وفي الأعراف (وجعل منها زوجها ليسكن إليها) وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت))، المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإِهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى (اهبطوا مصراً) واحتجا عليه بوجوه أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) ولما صح قوله (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى (وما هم منها بمخرجين) وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد ، ورابعها : أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى (أكلها دائم وظلها) ولقوله تعالى (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها) إلى أن قال (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت لكنها تفنى لقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات، وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدىء الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطى جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد، وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى ٤ قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك . سورة البقرة السماء من أعظم النعم فدل ذلك على أنه لم يحصل وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له (اسكن أنت وزوجك الجنة) جنة أخرى غير جنة الخلد (١) . القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى (اهبطوا منها)، ثم إن الاهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والاهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض. القول الثالث وهو قول جمهور أصحابنا: أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنی جمیع الجنان محال فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللفظ إليها ، والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم. المسألة الخامسة ﴾ قال صاحب الكشاف: السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و((أنت)) تأكيد المستكن في ((اسكن)) ليصح العطف عليه و ((رغداً)) وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و((حيث)) للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة. المسألة السادسة ﴾ لقائل أن يقول: إنه تعالى قال ههنا (وكلا منها رغداً) وقال في! الاعراف (فكلا من حيث شئتما) فعطف ((کلا)) على قوله ((اسكن» في سورة البقرة بالواو وفي سورة الاعراف بالفاء فما الحكمة؟ والجواب: كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة. الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى (وإذ قلنا. ادخلو هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً) فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود؛ الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصول إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف (وإذ قيل لهم اسكنو هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم) فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء. لان اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من: دخل بستاناً قد يأكل منه وإن كان مجتازاً فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول: إن ((اسكن)) يقال لمن دخل مكاناً فيراد منه إلزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله. (١) يلاحظ أن القول الأول هو قول أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصفهاني المتقدم ، لكن لم يعنون له المصنف رحمه الله تعالى . قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك . سورة البقرة واسكن فيه ففي سورة البقرة هذا الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأکل یتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم المسألة السابعة ﴾ قوله (ولا تقربا هذه الشجرة) لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان الأول ﴾ أن هذا نهى تحريم أو نهى تنزيه فيه خلاف، فقال قائلون: هذه الصيغة لنهى التنزيه ، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الاطلاق فيه لكن الاطلاق فيه كان ثابتاًبحكم الأصل فإن الأصل في المنافع الإباحة فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلا على التنزيه، قالوا وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول ، وقال آخرون بل هذا النهى نهى تحريم واحتجوا عليه بأمور (أحدها) أن قوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) كقوله (ولا تقربوهن حتى يطهرن) وقوله (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)؛ فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول (وثانيها) أنه قال (فتكونا من الظالمين) معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أکلا (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) (وثالثها) أن هذا النھی لو کان نهی تنزيه لما استحق آدم بفعله الاخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه، والجواب عن الأول نقول: إن النهى وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة، وعن الثاني : أن قوله (فتكونا من الظالمين) أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا، وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الاخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال قائلون قوله (ولا تقربا هذه الشجرة) يفيد بفحواه النهى عن البحث الثانى ﴾ الأكل وهذا ضعيف لأن النهى عن القرب لا يفيد النهى عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله بل هذا الظاهر يتناول النهى عن القرب. وأما النهى عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما) ولأنه صدر الكلام في باب الاباحة بالأكل فقال (وكلا منها رغداً حيث شئتما) فصار ذلك ٦ قوله تعالى ((وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك سورة البقرة كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهى عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة: المسألة الثامنة ﴾ اختلفوا في الشجرة ما هي فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها البر والسنبلة. وروى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه سأل رسول الله ◌َليّ عن الشجرة فقال هي الشجرة المباركة السنبلة، وروى السدى عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وقال الربيع بن أنس : كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضاً إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصودا في الكلام لا يجب على الحكيم ان يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال شغلت بضرب غلماني لإِساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان ، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجرا، قال المبرد: وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسمية شجرا في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أى أخذ يمنة ويسرة يقال رأيت فلاناً قد شجرته الرماح وقال تعالى (حتى يحكموك فيما شجر بينهم) وتشاجر الرجلان في أمر كذا. ﴿ المسألة التاسعة﴾ اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى (فتكونا من الظالمين) هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره فظلم النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال: الأول قول الحشوية الذين قالوا إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً، الثاني: قول المعتزلة الذين قالوا إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان ؛ أحدهما : قول أبى على الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه، الثالث: قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله. ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة فإنه يقال له يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟ فإن قيل هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو كانوا ظالمي أنفسهم؟ والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم. ٧ " قوله تعالى: فأزلهما الشيطان عنها. سورة البقرة فَهُمَا النَّيْطَانُ عَنْهَ فَأَنْرَجُهُمَا مَّا كَانَ فِيِهِ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوْ مُسْتَقَّرْ وَمَتَعُ إِلَى حِزٍ وَلَكُمْ فِ اْأَرْضِ قوله عز وجل ﴿ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حین﴾ قال صاحب الكشاف (فأزلهما الشيطان عنها) تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة ((عن)) في هذه الآية كهى فى قوله تعالى (وما فعلته عن أمري) قال القفال رحمه الله: هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء فيزل عنه ويصير متحولا عن ذلك الموضع ، ومن قرأ (فأزالهما) فهو من الزوال عن المكان ، وحكى عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد أي حولتك عنه ، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استزلهما فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه ، واعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد، وثانيها: ما يقع في باب التبليغ، وثالثها: ما يقع في باب الأحكام والفتيا، ورابعها: ما يقع فى أفعالهم وسيرتهم أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة وقالت الفضيلية من الخوارج: إنهم قد وقعت منهم الذنوب والذنب عندهم كفر وشرك فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم ، وأجازت الأمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية. أما النوع الثاني: وهو ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً، ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غیر ممکن. وأما النوع الثالث: وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد ، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون . وأما النوع الرابع: وهو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. ٨ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البقرة أحدها قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية. والثاني قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي، القول الرابع. أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس: أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ وهو مذهب الرافضة ، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها قول من ذهب إلى أنهم معصمون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة ، وثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة وهو قول كثير من المعتزلة، وثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة أما قبل النبوة فجائز وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة لا الكبيرة ولا الصغيرة ويدل عليه وجوه أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف وكل من كان كذلك کان صدور الذنب عنه أفحش ألا تری إلی قوله تعالى (یا نساء النبي من یأت منکن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) والمحصن يرجم وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة فذلك بالإجماع (وثانيها) أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) لكنه مقبول الشهادة وإلا كان أقل حالا من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك ، وأيضا فهو يوم القيام شاهد على الكل لقوله (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) (وثالثها) أن بتقدير اقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) (ورابعها) أن محمد ◌ً ا لو أتى بالمعصية لوجب علينا الإقتداء به فيها لقوله تعالى (فاتبعوني) فيفضى إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال، وإذا ثبت ذلك حق محمد ◌َّله ثبت أيضاً في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق (وخامسها) أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه ینادیه لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهى ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة (وسادسها) أنه لوصدرت المعصية : ٩ قوله تعالى : فازلهما الشيطان عنها . سورة البقرة من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها) ولا استحقوا اللعن لقوله (ألا لعنة الله على الظالمين) وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه (وسابعها) أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) وقال (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام (وثامنها) قوله تعالى (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه وذلك ينافي صدور الذنب عنهم (وتاسعها) قوله تعالى (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار). إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته فثبت أنهم كانوا أخيارا في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم وقال (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) وقال في إبراهيم (ولقد اصطفيناه في الدنيا) وقال في موسى (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) وقال (وأذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية، وذلك ينافى صدور الذنب عنهم (عاشرها) أنه تعالى حكي عن إبليس قوله (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام ، قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحق ويعقوب (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) وقال في يوسف (إنه من عبادنا المخلصين) وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق (والحادي عشر) قوله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال إنه ما صدر الذنب عنهم وإلا فقد كانوا متبعين له، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنبياء أو غيرهم فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلوثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق فيكون غير النبي أفضل من النبي ، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم (الثاني عشر) أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) وقال في الصنف الآخر (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان ، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان فلو صدرت المعصية من الرسول ٠ ١٠٠٠ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البَقَرة لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول ، وهذا لا يقوله مسلم (الثالث عشر) أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لا يصدر الذنب من الرسول ، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال (لا يسبقونه بالقول) وقال (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار). الرابع عشر: روى أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم کیفشهدت لی فقال يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذى الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة . الخامس عشر: قال في حق إبراهيم عليه السلام (إني جاعلك للناس إماما)﴾ والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضى الى التناقض. السادس عشر: قوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا تثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن تثبت النبوة للظالمين لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ويقتدى به والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً، أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى: أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة ، أولها: تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) إلى آخر الآية قالوا لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله (جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) يقتضي صدور الشرك عنهما ، والجواب. لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول: الخطاب لقريش وهم آل قصى والمعنى خلقكم من نفس قصى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصى ، والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما فهذا ١١ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البقرة الجواب هو المعتمد ، وثانيها: قالوا إن إبراهيم عليه السلام لم يكن عالما بالله ولا باليوم الآخر. أما الأول فلأنه قال في الكواكب (هذا ربي) وأما الثاني فقوله (أرني كيف تحي الموتى قَال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) والجواب: أما قوله (هذا ربي) فهو استفهام على سبيل الإنكار ، وأما قوله (ولكن ليطمئن قلبي) فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة ، وثالثها: تمسكوا بقوله تعالى (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) فدلت الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان في شك مما أوحى إليه والجواب: أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل. أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة ، قوله (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحى ، الجواب: ليس النهى عن النسيان الذي هو ضد الذكر لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى وثانيها : قوله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء ، وثالثها: قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) قالوا فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة ، والجواب: لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة ، أحدها: قوله (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء وثانيها: قوله في أساری بدر حین فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم(ما کان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب ، وثالثها: قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) والجواب عن الكل: أنا نحمله على ترك الأولى. أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة أولها: قصة آدم عليه السلام تمسكوا بها من سبعة أوجه، الأول: أنه كان عاصياً والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة، وإنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى) وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهین: الأول أن النص يقتضى كونه معاقباً لقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك، الثاني: أن العاصى اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة، الوجه الثاني: في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً، لقوله تعالى (فغوى) والغى ضد الرشد، لقوله تعالى (قد تبين الرشد من الغى) فجعل الغى مقابلا للرشد الوجه الثالث: أنه تائب والتائب مذنب، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وقال (ثم اجتباه ربه فتاب عليه) وإنما قلنا التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب ١٢٠ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البقرة والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا للذنب فإن كذب في ذلك الاخبار فهو مذنب بالكذب وإن صدق فيه فهو المطلوب. (الوجه الرابع) أنه ارتكب المنهى عنه في قوله (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، ولا تقربا هذه الشجرة) وارتكاب المنهى عنه عين الذنب (الوجه الخامس) سماه ظالماً في قوله (فتكونا من الظالمين) وهو سمى نفسه ظالماً في قوله(ربناظلمنا أنفسنا)؟ والظالم ملعون لقوله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة (الوجه السادس) أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسراً في قوله (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وذلك يقتضى كونه صاحب الكبيرة (وسابعها) أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإز لاله جزاء على ما اقدم عليه من طاعة الشيطان، وذلك يدل علی کونه صاحب الكبیرة، ثم قالوا: هب أن کل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلا للكبيرة لکن مجموعها لا شك في کونه قاطعاً في الدلالة علیه و يجوز أن یکون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالاً على الشيء. والجواب المعتمل! عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول كلامكم إنمايتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة ،. وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً ؟! ثم بعد ذلك صارنبياً ونحن قدبينا أنه لا دليل على هذا المقام، وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد: من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات . ولنذكر ههنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من قوله (فأزلهما الشيطان) فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً وحال كونه ذاكراً، أما الأول، وهو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا علیه بقوله تعالى (ولم نجد له عزما) ومثلوه بالصائم یشتغل بأمر يستغرقه ویغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو[لا] عن قصد لا يقال هذا باطل من وجهين (الأول) أن قوله تعالى (ما نهاکما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملکین) وقوله (وقاسمهما إني لکما من الناصحین)يدل على أنه ما نسی النھی حال الإقدام. وروى عن ابن عباس ما يدل علی أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت هما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنةفحبسته فناداه الله تعالى أفراراً مني فقال بل حياء منك فقال له أما کان فیا منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك قال بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً فقال وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً (الثاني) وهو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل أما من حيث العقل فلأن الناسى غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفاً به لقوله (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) وأما من حيث النقل فلقوم عليه الصلاة والسلام ((رفع القلم عن ثلاث)) فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان. ١٣ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البَقَرة لأنا نقول: أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة لأن إبليس لما قال لهما (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك في أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضاً كان آدم عليه السلام عالماً بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضاً له وحاسداً له على ما آتاه الله من النعم فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده ويدل على أن آدم كان عالماً بعداوته قوله تعالى (إن هذا عدولك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) وأما ما روى عن ابن عباس فهو أثر مروى بالآحاد فكيف يعارض القرآن؟ وأما الجواب عن الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على ترك التحفظ من أسباب النسيان ،وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) ثم قال (من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) وقال عليه الصلاة والسلام ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)) وقال أيضاً ((إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم)) فان قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم؟ قلنا أما سمعت ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)) ولقد كان على النبي ◌َّ من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره. فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان. ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة ، فإذا حملنا الشجرة على البر ، كان مأذوناً في تناول الخمر ولقائل أن يقول: إن خمر الجنة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة (لا فيها غول) أما القول الثاني وهو أنه علیه السلام فعله عامداً فههنا أربعة أقوال (أحدها) أن ذلك النھی کان نهی تنزيه لا نهى تحريم وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته (الثاني) أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً وقد عرفت فساد هذا القول (الثالث) أنه عليه السلام فعله عمداً لكن كان معه من الوجل والفزع والإِشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة ، وهذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهى عمداً وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن والذم والخلود فى النار ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله (فنسی ء. ١٤ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البَقَرة ولم نجد له عزما) وذلك ينافي العمدية (القول الرابع) وهو اختيار أكثر المعتزلة: أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضى كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له (ولا تقربا هذه الشجرة) فلفظ ((هذه)) قد يشار به إلى الشخص وقدا يشار به إلى النوع، وروى أنه عليه السلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال ((هذان حل الأناث أمتى حرام على ذكورهم)) وأراد به نوعهما ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)) وأراد نوعه ، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) ظن أن النهى إنما يتناول تلك الشجرة المعينة فتركها وتتاول من شجرة أخرى من ذلك النوع إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة ((هذه)) كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا، فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه (أحدها). أن كلمة ((هذا)) في أصل اللغة للإشارة إلى الشىء الحاضر والشىء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع فذاك على خلاف الأصل ، وأيضاً لأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإِشارة إلى ذلك الشخص فكان ما عداه خارجاً عن النهى لا محالة ، إذا ثبت هذا فتقول : : المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته فآدم عليه السلام لما حمل لفظ ((هذا)) على المعين كان قد: فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع، ، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين (احدهما) أن قوله(وكلا منها رغداً حیث شئتما) أفاد الإذن في تناول کل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل (والثاني) أن العقل يقتضى حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعین فثبت أن آدم عليه السلام کان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار وإذا ثبت هذا امتنع أن یستحق بسبب هذا عتاباً وأن یحکم علیه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه یوجب أن يحكم علیه بأنه کان مصیباً لا مخطئاً وإذا کان کذلك ثبت. فساد هذا التأويل (الوجه الثاني) في الاعتراض على هذا التأويل. هب أن لفظ ((هذا)) متردد بين الشخص والنوع ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟ فإن كان الأول فاما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك" البيان فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن : المراد هو النوع فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً ؛ (الوجه الثالث) أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل. بالظن وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ، أما الأنبياء فانهم قادرون على تحصيل اليقين فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين ١٥ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البَقَرة غير جائز عقلا وشرعاً ، وإذا ثبت أن الاقدام على الاجتهاد معصية (الوجه الرابع) هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً وحينئذ يعود الاشكال وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلاً وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطىء فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض؟ والجواب عن الأول: أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإِشارة إلى النوع كما تقدم بيانه وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع. والجواب عن الثاني: هو آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال أو يقال إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن عين الشجرة فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج. والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة ههنا إلى اثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد فانا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه کان قد عرفها لكنه قد نسیها وهو المراد من قوله تعالى (فنسى ولم نجد له عزماً) والجواب عن الرابع : يمكن أن يقال كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذراً في أن لا يصير الذنب كبيراً أو يقال كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص ، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة فكذا ههنا. واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال (ولا تقربا هذه الشجرة) ونهاهما معا فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها لأن قوله (ولا تقربا) نهى لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهى حال الاجتماع حصوله حال الانفراد فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه ، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب والله أعلم. ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة وذكروا فيه وجوهاً. أحدها: قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدى عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية وهي كأحسن الدواب بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها وجعل رزقها في التراب وصارت ١٦ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البَقَرة عدواً لبني آدم ، واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة. وثانيها: أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة ، وهذا القول أقل فساداً من الأول. وثالثها: قال بعض أهل الأصول: إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما ، ورابعها وهو قول الحسن: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة . قال بعضهم: هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطا بهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجة القول الأول: قوله تعالى (وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين) وذلك يقتضى المشافهة ، وكذا قوله (فدلاهما بغرور). وحجة القول الثاني: أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي ههنا سؤالان ، السؤال الأول: أن الله تعالى قد أضاف هذا الإذلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟ قلنا معنى قوله (فأزلهما) أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى (فلم يزدهم دعائي إلا فراراً) فقال تعالى حاکیاً عن إبليس (وما كان لی عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) هذا ما قاله المعتزلة. والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الانسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه ، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أوظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملا على مصلحة فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا بالفعل فلهذا المعنى أضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة ، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من! وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء) السؤال الثاني: كيف كانت تلك الوسوسة، الجواب: أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) فلم يصدقاه أيضاً ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شىء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب ١٧ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البقرة استغراقهما فيه نسيان النهى فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت ، أما قوله تعالى (وقلنا اهبطوا) ففيه مسائل: المسألة الأولى﴾ من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره ، كقوله (اهبطوا مصراً). المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوها: الأول وهو قول الأكثرين: أن إبليس داخل فيه أيضا قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله (فأزلها الشيطان عنها) أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا . وأما قوله تعالى (بعضكم لبعض عدو) فهذا تعریف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدولهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) فإن قيل: إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً وأخرج من الجنة وقيل له (اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) وقال أيضاً (اخرج منها فإنك رجيم) وإنما أهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله: (اهبطوا) متناولا له؟ قلنا: إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مرة أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما (اهبطا) فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال (اهبطوا) ومن الناس من قال ليس معنى قوله (اهبطوا) أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت. الوجه الثاني: أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى (كل قد علم صلاته وتسبيحه) وقال سليمان للهدهد (لأعذبنه عذاباً شديداً) الثالث: المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإِنس جعلا كأنهما الإنس کلهم والدليل عليه قوله (اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو) ويدل عليه ايضاً قوله ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى ( بعضكم لبعض عدو ) ما عليه ج٣ م٢ ١٨ قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها . سورة البقرة الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله : المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن قوله (اهبطوا) أمر أو إباحة، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم؟ فإن قيل ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف؟ قلنا أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم. فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا . ﴿المسألة الرابعة﴾ أن قوله تعالى (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون به ، فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمور بها لقوله تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) وقال تعالى (يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو. المسألة الخامسة ﴾ المستقر قد یکون معنى الاستقرار کقوله تعالى (إلی ربك يومئذ المستقر) وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرأ) وقال تعالى (فمستقر ومستودع ) إذا عرفت هذا فنقول: الأكثرون حملوا قوله تعالى (ولكم في الأرض مستقر) على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت ، وروى السدی عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال المستقر هو القبر أي قبورکم تکونون فیھا والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبكم بذلك عند الإِهباط وذلك يقتضى حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ، قال فيها تحيون وفيها ١٩ قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات سورة البقرة فَتَلََّهَادَمُ مِن رَّبِهِ، كَلِمَتِ فَتَبَ عَلَيْهِ إِنَّهُ, هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ تموتون ومنها تخرجون) فيجوز أن يكون قوله (فيها تحيون) إلى آخر الكلام بياناً لقوله (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) ويجوز أن يكون زيادة على الأول. المسألة السادسة﴾ اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأول أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه: ما رأيتك منذ حین إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول (ومتاع إلى حين): ﴿ المسألة السابعة﴾ اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: أحدها: أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي قال الشاعر: ومشاهداً للأمر غير مشاهد يا ناظراً يرنو بعيني راقد درك الجنان ونيل فوز العابد تصل الذنوب إلی الذنوب وترتجی منها إلى الدنيا بذنب واحد أنسيت أن الله أخرج آدما وعن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها ، وثانيها: التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص ، عن قتادة في قوله تعالى (أبى واستكبر) قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا نارى وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهى عنه ثم ألقى الحسد في قابيل حتى قتل هابيل. وثالثها: أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر. قوله تعالى ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قال القفال: أصل التلقى هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ قال الله تعالى (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيمعليم) أي تلقنه ويقال تلقينا الحجاج أي استقبلناهم ويقال تلقيت هذه الكلمة من ٢٠ قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات . سورة البقرة فلان أى أخذتها منه وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلا فتلاقياً لقى كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك ، فيقال: كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال: تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وجاز أن يقال: تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله (لا ينال عهدى الظالمين) وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون). المسألة الثانية﴾ اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ما هي التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل يجب حمله على أحد أمور. (أحدها) التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين (وثانيها) أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فاني أتوب عليه قال الله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) أي أخذها وقبلها وعمل بها (وثالثها) أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة (ورابعها) أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي؟ فروی سعید بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال: يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة قال بلى؟ قال يا رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال بلى قال ألم تسكني جنتك؟ قال بلى قال يارب ألم تسبق رجمتك غضبك؟ قال بلى قال يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة؟ قال بلى فهو قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات)أوزاد السدى فيه: يا رب هل كنت كتبت على ذنباً؟ قال نعم (وثانيها) قال النخعی أتیت ابن عباس فقلت ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه قال علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج فلما فرغا من الحج أوحى الله تعلل إليهما بأني قبلت توبتكما (وثالثها) قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (ورابعها) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم: إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر