Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه . يروى ذلك عن ابن عباس . الثاني : إنما سماه الله خليفة لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدى وهذا الرأي متأكد بقوله ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضاً وهو قول الحسن ويؤكده قوله ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى وقرىء خليقة بالقاف. فان قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة ( إني جاعل في الأرض خليفة ) مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة والجواب من وجهين . الأول : أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب . الوجه الثاني : أنه تعالى علم عباده المشاورة . وأما قوله تعالى ( قالوا أتجعل فيها ) إلى آخر الآية ، ففيه مسائل: المسألة الأولى﴾ الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه . الأول : قوله تعالى ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشىء مأمور بتركه . فان قيل ما الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه . والثاني : قوله تعالى ( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي . والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج المخالف بوجوه . الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وهذا يقتضى صدور الذنب عنهم ويدل على ذلك وجوه ، أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها . هذا اعتراض على الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب . وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب . وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) وأنهم قالوا ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) ١٨٢ ا قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة قال عليه السلام. ثلاث مهلكات ، وذكر فيها أعجاب المرء بنفسه . وقال تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم ) . ورابعها : أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر . وخامسها أن قوله ( أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) يدل على أنهم كانوا کاذبین فیما قالوه أولا . وسادسها : أن قوله ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) يدل على أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالماً بكل المعلومات ، وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن یکون قد حصل بالوحي إليهم فى ذلك أو قالوه استنباطاً والأول بعيد لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لاعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم) وقال (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) وثامنها : روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذین کانوا جند إبليس في محاربة الجن ( إني جاعل في الأرض خليفة ) فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) ثم علموا غضب الله علیهم ( فقالوا سبحانك لا علم لنا ) وروى عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربناما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) في أني لا أخلق خلفاً إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و(قالوا سبحانك لا علم لنا) وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم ناراً. فأحرقتهم . الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكر ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالی إلیھما إني لو ابتلیتکمابما ابتليت به بني آدم من الشهواتلعصیتماني. فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك المؤكل به فهبطا إلى الأرض ،فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمراً فقالالا نشرب الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشرباثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي؟ قالت تستجدان لهذا ١٨٣ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . الصنم ، فقالا لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا نفعل ثم نستغفر فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملکها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعییر بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السما فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ثم إن الله تعالى عرف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلا وبين عذاب الدنيا عاجلا فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم أنه عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة . الشبهة الرابعة : قوله تعالى ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) قالوا فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال ( أولئك أصحاب النارهم فيها خالدون ) والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلاً عنه ، فان من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الانكار على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور . أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآى أن ذلك الغير يفعل فعلا لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذا ! كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه ، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة فاذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسرغامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وأحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء. وثانيها : أن إيراد الأشكال طلباً للجواب غير محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفة البتة ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فاذا خلقت قوماً يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلباً للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا والذي يؤكد هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين ١٨٤ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . لا إلى الخالق . والثاني : أنهم قالوا ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه ، وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شركثير فالملائكة ذكروا تلك الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله ( إني أعلم ما لا تعلمون ) يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلى أكثر من الشرور الحاصلة فيها والحكمة تقتضى إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء . ورابعها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فان العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . وخامسها : أن قول الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً فكأنهم قالوا يا إلهنا اجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) والمعنى لا تهلكنا فقال تعالى ( إني أعلم ما لا تعلمون) من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض فبين بذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له . وسادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل ، وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير : ..... وأندى العالمين بطون راح ألستم خير من ركب المطايا. أي أنتم كذلك . ولو كان استفهاماً لم يكن مدحاً ، ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم ( إني أعلم ما لا تعلمون ) كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحاً في حكمتي فاني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم فأعلم من بواطنهم أسراراً خفية وحكماً بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم . أما الوجه الثاني وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الأشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الأشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الأشكال . أما الوجه الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس. فالجواب : أن مدح ١٨٥ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقوله ( وأما بنعمة ربك فحدث ) وأيضاً فيحتمل أن يكون قولهم ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فانا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكان الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والالهية . بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل ، أما الوجه الرابع ؛ وهو أن قولهم ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) يشبه الاعتذار فلا بد من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا یوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذاراً من ترك الأولى فان قيل أليس أنه تعالى قال ( لا يسبقونه بالقول ) فهذا السؤال وجب أن يكون باذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص . أما الوجه الخامس وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطاً وظناً ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال : إنهم ذكروا ذلك ظناً ثم ذكروا فيه وجهين . الأول : وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض .. الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب . ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوهاً . أحدها : أنه تعالى لما قال للملائكة ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالوا ربنا وما یکون ذلك الخلیفة؟ قال یکون له ذرية یفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً ، فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وثانيها : أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم فسدوا فيها وسفكوا الدماء . وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا ربنا لمن حلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال ( إني جاعل في الأرض خليفة ) عرفوا أن المعصية تظهر منهم . ورابعها : لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك . وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من يكون نائباً لله تعالى في الحكم والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الأخبار عن وجود الخليفة اخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الاخيار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذباً فيه ، وذلك ينافي العصمة والطهارة . أما الوجه السادس . هو الاخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها. ١٨٦ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . أما الشبهة الثانية وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه . أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك ، وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين ، وثانيها : في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه . وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية . ورابعها أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ) فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى . وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة . وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) لا يدل أيضاً على کونهم معذبین بالنار بمجرد هذه الآية بل إنما عرفذلك بدليل آخر فقوله ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم. المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي والشرور أم لا؟ فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر : إنهم خيرات محض ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء : إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن قولهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وثانيها : قوله تعالى (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) وذلك يقتضي كونهم مزجورين ممنوعين وقال أيضاً ( لا يستكبرون عن عبادته ) والمدح بترك الاستكبار إنما يجوز لو كان قادراً على فعل الاستكبار . وثالثها : أنهم لولم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحاً بفعل ذلك الشيء ، ولقد استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله تعالى ، ومعنى كونه واجباً عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما الحاجة وهما محالان والمفضى إلى المحال محال ، فيكون ذلك الترك محالا من الله ١٨٧ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . تعالى ، وإذا كان الترك محالا كان الفعل واجباً فيكون الله تعالى فاعلا للثواب والعوض واجب وتركه مجال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك ، فثبت أن امتناع الترك لا يقدح في حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب . المسألة الثالثة﴾. الواو في ( ونحن) للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق. بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقدیس ، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، واعلم أن التبعيد إن أريد به التبعيد عن السوء فهو التسبيح فإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن، فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن النبيوء في الذات والصفات والأفعال، أما في الذات فأن لا تكون محلا للامكان فان منع السوء وإمكانه هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ونفي الضد والند، وحصوله الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في الصفاتْ فأن يكون منزها عن الجهل فيكون محيطاً بكل المعلومات وقادراً على كل المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات ، وأما في الأفعال فأن لا تكون أفعاله لجل المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل. يجيء منها ولا ينتقص بعدم شيء منها فيكون مستغنياً عن كل الموجودات والمعدومات مستولياً بالاعدام والايجاد على كل الموجودات والمعدومات ، وقال أهل التذكير : التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى التنزيه وأخرى بمعنى التعجب . أما الأول فجاء على وجوه ((أ)) أنا المنزه عن التنظير والشريك، هو الله الواحد القهار ((ب)) أنا المدبّر السموات والأرض سبحان رب السموات والأرض ((ج)) أنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين ((د)) أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون ((هـ)) أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني (((و)) أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ((ز)) أنا العالم بكل شىء، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب ((ح)) أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد ((ط)) أنا المنزه عن وصفهم وقولهم ، سبحانه وتعالى غما يشركون، عما يقولون، عما يصفون، أما التعجب فكذلك ((أ)) أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف، سبحان الذي سخر لنا هذا ((ب)) أنا الذي خلقت العالم وكنت منزهاً عن التعب والنصب، سبحانه إذا قضى أمراً ((ج)) أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بارشاد المرشدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ((د)) أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ، ثم يقول إن أردت رضوان الله فيسبح ، وسبحوه بكرة وأصيلا . وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وإن أردت رضا الحق فسبح ، ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ١٨٨ قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة . ترضى ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح ، سبحانك فقنا عذاب النار ، أيها العبد واظب. علی تسبیحی فسبحان الله فسبح وسبحوه فان لم تفعل تسبیحی فالضرر عائد إليك ، لأن لی من يسبحني ، ومنهم حملة العرش ( فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون ) ومنهم المقربون ( قالوا سبحانك أنت ولينا ) ومنهم سائر الملائكة ( قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ) ومنهم الأنبياء كما قال ذو النون ( لا إله إلا أنت سبحانك ) وقال موسى ( سبحانك إني تبت إليك ) والصحابة يسبحون في قوله ( سبحانك فقنا عذاب النار ) والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال ( سبح لله ما في السموات ) ثم يقول أيها العبد : أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء ، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعاً وذلك لا يليق بي ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته . والنكتة الأخرى اذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أُنا ( سبحان ربك رب العزة ) فانك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي (وسبحوه بكرة وأصيلا) أقرضني ( وأقرضوا الله قرضاً حسناً) وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ) كن معيناً لي وإن كنت غنياً عن إعانتك ( ولله جنود السموات والأرض ) وأيضاً فلا حاجة بي إلى العسكر (ولو يشاء الله لانتصرمنهم) لكنك إذا نصرتني نصرتك ( إن تنصروا الله ينصركم ) كن مواظباً على ذكري ( واذكروا الله في أيام معدودات ) ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) لكنك إذا ذكرتني ذكرتك ( فاذكروني أذكركم ) اخدمني ( يا أيها الناس. اعبدوا ربكم ) لا لأني أحتاج إلى خدمتك فاني أنا الملك ( ولله ملك السموات والأرض. ولله يسجد من في السموات والأرض ) ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة ( قل الله ثم ذرهم ) . ﴿ المسألة الرابعة ) قوله ( بحمدك) قال صاحب الكشاف بحمدك في موضع الحال .. أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك ، وأما المعنى ففيه وجهان ، الأول: أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحاً من غير استحقاق بل تستحق بحمدك. وجلالك هذا التسبيح الثاني : أنا نسبحك بحمدك فانه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام : يا رب كيف أقدر أنأشكركوأنا لا أصل إلی شکر نعمتك ١٨٩ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . إلا بنعمتك، فأوحى الله تعالى إليه ((الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني)) واختلف العلماء في المراد من هذا التسبيح فروى أن أبا ذر دخل بالغداة على رسول الله ﴿حَل﴾ أو بالعكس ، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته ( سبحان الله وبحمده رواه مسلم وروى سعيد بن جبير قال ((كان النبي ﴿وصل﴾﴾ يصلي فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا تصلي فقال له امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس ، فقال له مثلها فوثب عليه ﴾ فلما فرغ رسول الله فضربه ، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال يا نبي الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له : نبي الله يصلي وأنت جالس فقال لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ضربت عنقه، فقام عمر مسرعاً ليلحقه فيقتله فقال له النبي ﴿صَ﴾ يا عمر ارجع فان غضبك عز ورضاك حكم إن الله في السموات ملائكة له غني بصلاتهم عن صلاة فلان ، فقال عمر یا رسول الله وما صلاتهم ، فلم يرد عليه شيئاً فأتاه جبريل فقال يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال نعم قال أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوع القيامة يقولون ، سبحان الحي الذي لا يموت ، فهذا هو تسبيح الملائكة )). القول الثاني : أن المراد بقوله ( نسبح ) أي نصلي والتسبيح هو الصلاة ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود المسألة الخامسة﴾ التقديس التطهير، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا على وجوه . أحدها : نطهرك أى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة ، وثانيها : قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك . وثالثها ، قول أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك . ورابعها : نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه . أحدها : قولهم ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالا لله تعالى لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله تعالى . وثانيها : لو كان الفساد والقتل فعلا لله تعالى لكان يجب أن يكون الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء . وثالثها : أن قوله ( أعلم ما لا تعلمون ) يقتضى التبري من الفساد والقتل لكن التبري ١٩٠٠ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . سورة البقرة وَعَلَءَادَ الْأَسَمَاءَ كُلُّهَا ثُمَ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِعُونِى بِأَشْمَاءِ هَنَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣) من فعل نفسه محال . ورابعها : إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس ؟ وخامسها : أن قوله ( أعلم ما لا تعلمون ) يدل على مذهب العدل لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا . فلما لم يرض بهذا الجواب سقط هذا المذهب . وسادسها : لو كان الفساد والقتل ، من فعل الله تعالى لكان ذلك جارياً مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء فهكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة بمسألة الداعي والعلم والله أعلم. ﴿ المسألة السادسة﴾ إن قيل قوله ( إني أعلم ما لا تعلمون) كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوهاً ، أحدها : أنه للتعجب فیکون قوله ( أعلم ما لا تعلمون ) جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فاني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون. وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فاني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين ، ومن لو أقسم على لأبره . وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الاجمال دون التفصيل . بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض ، وفيه وجه خامس : وهو أنهم لما قالوا (نسبح بحمدك ونقدس لك ) قال تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسداً وكبراً ونفاقاً . ووجه سادس : وهو أني أعلم ما لا تعلمون فانكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) وبقوله ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ) وبقوله ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) . قوله تعالى ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في : ١٩١ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الأجمال بقوله تعالى ( إني أعلم ما لا تعلمون ) أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل ، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الاجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل: المسألة الأولى ﴾ قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقیفیة . بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني ، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني . واحتجوا عليه بقوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها ) والكلام على التمسك بهذه الآية سؤالاً وجواباً ذكرناه في أصول الفقه. وقال أبو هاشم : إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية واحتج على أنه لا بد وأن يكون الوضع مسبوقاً بالاصطلاح بأمور . أحدها : أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظة لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل ، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفة الله تعالى معلومة بالضرورة مع أن ذاته معلومة بالاستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل ، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد . وثانيها : أنه تعالى خاطب الملائكة وذلك يوجب تقدم لغة على ذلك التكلم . وثالثها : أن قوله ( وعلم آدم الأسماء كلها ) يقتضى إضافة التعليم إلى الأسماء . وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم ، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم . ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات ، وإلا لم يحصل العلم بصدقه ، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم . والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس ؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل . سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد. وعن الثاني: لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها . وعن الثالث : لا شك أن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم. ١٩٢ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها .. المسألة الثانية﴾ من الناس من قال قوله (وعلم آدم الأسماء كلها) أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإِن! كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ؛ فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء: کالمرتفع على ذلك الشيء فان العلم بالدلیل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدلیل أسمی فی الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ، وإذا ثبت/ أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه ، أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور. لاظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فان من كان عالماً باللغة والفصاحة ، يحسن أن يقول له غير على سبيل التحدي: انت بكلام مثل كلامي في الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن یقول الزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم ، فان حصل. التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله ، فصح وقوع التحدي فيه . القول الثاني : وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من : أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة . فی ولد آدم عليه السلام . قال أهل المعاني : قوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء ) لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولی لقوله تعالى ( أنبئوني بأسماء هؤلاء) وقوله تعالى ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فان قيل: فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلا . فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والأنس والجن وهم العقلاء ، فغلب الأكمل ، لأنه ٢ جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا . المسألة الثالثة ﴾ من الناس من تمسك بقوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاء) على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل ٠ ٠ ١٩٣ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى ( إن كنتم صادقين ) . المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة: إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب انه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً الى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الارسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً ، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولا في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لان حصول العلم باللغة أن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة . وأيضاً فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فان علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الالفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين. الأول ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات . وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً . الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الارهاص وهما عندنا جائزان وحينئذ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه . أحدها : أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة . وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان ، أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والاقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة. وثانيها : لو کان رسولا في ذلك الوقت لکان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فان كان مبعوثاً إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الأنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فخر الرازي ج ٢ م ١٣ . ١٩٤ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا) ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء ، وأن حواء إنما عرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى ( ولا تقربا هذه الشجرة ) شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائزاً أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة. وثالثها : قوله تعالى ( ثم اجتباه ربه) فهذه الآية دلت على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبي ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب أن لا يكون رسولا لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولا فقد خصه بذلك لقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته). ﴿ المسألة الخامسة﴾ ذكروا في قوله (إن كنتم صادقين) وجوهاً. أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الاعلام. وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز ، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن اخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم اليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم . وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. ورابعها: إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء . المسألة السادسة ﴾ هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر کمال حكمته في خلقة آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو کان في الإمکان وجود شيء من العلم أشرفمن العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء . لا بالعلم ، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول ، أما الكتاب فوجوه ، الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم ، بیان أنه تعالی سمی العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل : أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه ، أحدها : مواعظ القرآن قال في البقرة ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ) يعني مواعظ القرآن وفي النساء ( وأنزل عليكم الكتاب والحكمة ) يعني المواعظ ومثلها في آل عمران . وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى ( وآتيناه الحكم صبياً) وفي لقمان ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) يعني الفهم والعلم وفي الأنعام ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ( ١٩٥ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . وثالثها : الحكمة بمعنى النبوة في النساء ( فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة ) يعني النبوة وفي ص ( وآتيناه الحكمة ) يعني النبوة وفي البقرة ( وآتاه الله الملك والحكمة ) ، ورابعها : القرآن في النحل ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) وفي البقرة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ( قل متاع الدنيا قليل ) فما سماه قليلا لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً. ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهى القدر متناهى العدد متناهي المدة . والعلم لا نهاية لقدره ، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه ، وذلك ينبهك على فضيلة العلم . الثاني : قوله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال ( قل هل يستوي الخبيث والطيب ) يعني الحلال والحرام ، وفرق بين الأعمى والبصير فقال ( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) وفرق بين النور والظلمة فقال ( أم هل تستوي الظلمات والنور ) وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور ، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل . والثالث : قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس ، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال (شهد الله أنهلا إله إلاهو والملائكة وأولوا العلم ) ، وقال ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) ثم انه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العالم ) وقال ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) الرابع : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات الأربعة أصناف. أولها : للمؤمنين من أهل بدر قال ( إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) إلى قوله ( لهم درجات عند ربهم) والثانية : للمجاهدين قال ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين ) والثالثة : للصالحين قال ( ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ). الرابعة : للعلماء . قال : ( والذين أوتوا العلم درجات ) والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات ، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس . الخامس : قوله تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب ، أحدها : الإيمان ( والراسخون في العلم يقولون آمنا ١٩٦ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . به ) وثانيها : التوحيد والشهادة ( شهد الله) إلى قوله (وأولو العلم ) وثالثها : البكاء ( ويخرون للأذقان ييكون). ورابعها: الخشوع ( إن الذين أوتوا العلم من قبله) الآية . وخامسها : الخشية ( إنما يخشى الله من عبادة العلماء ) أما الأخبار فوجوها. أحدها : روى ثابت عن أنس قال قال رسول الله له ((من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله مُ النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض تستغفر له ويمسى ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار)) وثانيها : عن أنس قال قال عليه السلام (( من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله)). وثالثها: عن الحسن مرفوعاً ((من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإِسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة )) ورابعها : أبو موسى الأشعري مرفوعاً (( يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم)). وخامسها: قال عليه السلام ((معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودوا الأرض وحيتان البحور)) وسادسها : أبو هريرة مرفوعاً ((من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء)). وسابعها ابن عمر مرفوعاً ((فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة عدو للفرس سبعين عاماً ، وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها)). وثامنها : الحسن مرفوعاً قال عليه السلام (( رحمة الله على خلفائي فقيل من خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله)) وتاسعها: قال عليه السلام ((من خرج يطلب باباً من العلم ليرد به باطلاً إلى حق أو ضلالاً إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاماً))، وعاشرها : قال عليه السلام لعلى حين بعثه إلى اليمن ((لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خيرلك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب)) الحادي عشر: ابن مسعود مرفوعاً ((من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبياً)). الثاني عشر: عامر الجهني مرفوعاً (( يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر)) وفي رواية فيرجح مداد العلماء . الثالث عشر: أبو واقد الليثي : أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر أما أحدهم فرأي فرجة في الحلقة فجلس إليها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فانه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال: أخبركم عن النفر الثلاثة . أما الأول : فآوى ١٩٧ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض عن الله فأعرض الله عنه)) رواه مسلم، وأما الآثار فمن وجوه ((أ)) العللم أرأف بالتلميذمن الأب والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها ((ب )) قيل لابن مسعود بم وجدت هذا العلم : قال بلسان سؤول ، وقلب عقول ((ج)) قال بعضهم سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس ((د)) مصعب بن الزبير قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالاً وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً ((هـ)) قال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل (( و)) قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم بالله غير عالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله ، أما الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه . الثاني: هو الذي يكون عالماً بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله . أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام ((سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء)) فالمراد من قوله عليه السلام: سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم ، وأما الحكماء العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات أن يكون ذاكراً باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفاً من الخلق دون الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر، وأما العالم بالله فانه يكون ذاكراً خائفاً مستحيياً ، أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لاحياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالساً على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلماً للقسمين الأولين . وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما ، ثم قال : مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله فقط كمثل ١٩٨ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها. القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقط كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره ((ز)) قال فتح الموصلي : أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت ((ح)) قال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً . و وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى. وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة . والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر ((ط)) قال بعضهم في قوله تعالى ( فاحتمل السيل زبداً رابياً) السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال ، أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء . والثاني: كما ان إصلاح الأرض بالمطر فاصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم . والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فانه فرع الوعد والوعيد . الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع وضار: نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به ((ي)) كم من مذكر بالله ناس لله ، وكم من مخوف بالله ، جريء على اللّه، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله (( يا)) الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين . فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة ((يب)) فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء . أولها : لم يأمر أحداً بشيء حتى عمله ، والثاني لم ينه أحداً عن شىء حتى انتهى عنه ، والثالث: كل من طلب منه شيئاً مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال . والرابع: كان يستغني بعلمه عن الناس، والخامس: كانت سريرته وعلانيته سواء. ((يج)) إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمسه خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلباً للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلباً للفراغ ، وحب الحكمة طلباً لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلباً لمناجاة الرب (( يد)) اطلب خمسة في خمسة ، الأول : اطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة . والثاني : اطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة ، ١٩٩ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . والثالث : اطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا . والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة . والخامس : اطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية (( يه )) قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، والولاة . أما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض، وأما الغزاة فجند الله في الأرض، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعاً وللمال رافعاً فبمن يقتدي الجاهل ، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً فبمن يقتدى التائب ، وإذا كان الغازي طامعاً مرائياً فكيف يظفر بالعدو . وإذا كان التاجر خائناً فكيف تحصل الأمانة ، وإذا كان الراعي ذئباً فكيف تحصل الرعاية ((يو)) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلم أفضل من المال بسبعة أوجه ، أولها : العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة . الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص ، والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه . والرابع إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره . والخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن ، والسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال . السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه (( يز)) قال الفقيه أبو الليث : ان من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات أولها : ينال فضل المتعلمين . والثاني : ما دام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب . والثالث : إذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه . والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب . والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له طاعة . والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عز وجل ((أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي)) والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين ((يح)) قيل من العلماء من يضن بعلمه ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فان رد عليه شيء من حقه غضب ، فذاك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار لا يرى الفقراء له أهلاً ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من كان معجباً بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنق فذاك في الدرك الرابع من النار . ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه ٢٠٠ قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها . الناس فذاك في الدرك السابع من النار ((يط)) قال الفقيه أبو الليث : من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء . من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة الله ، ومن جلس مع السلطان، زاده الله القسوة والكبر ، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة . ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح ، ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم. والورع ((بي)) ان الله علم سبعة نفر سبعة أشياء ((أ)) علم آدم الأسماء (وعلم آدم الأسماء كلها) ((ب)) علم الخضر الفراسة (وعلمناه من لدنا علماً) ((ج))وعلم يوسف علم التعبير ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث) ((د)) علم داود صنعة الدرع ( وعلمناه صنعة لبوس لكم) ((هـ)) علم سليمان منطق الطير ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير) ((و)) علم عيسى عليه السلام علم التوراة والانجيل ( ويعلمه الكتاب والحكمة. والتوراة والانجيل) ((ز)) وعلم محمد ◌ً في الشرع والتوحيد (وعلمك ما لم تكن تعلم،. ويعلمهم الكتاب والحكمة ، الرحمن علم القرآن ) فعلم آدم كان سبباً له في حصول السجدة والتحية ، وعلم الخضر كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام ، وعلم. يوسف كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة ، وعلم داود كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة ، ، وعلم سليمان كان سبباً لوجدان بلقيس والغلبة ، وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمه، وعلم محمد ◌ّ كان سبباً لوجود الشفاعة ، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة ؟ بل يجد تحية الرب ( سلام قولا من رب رحيم) والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى ، فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف. لا تجدون صحبة محمد ◌َّ (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) ویوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا ، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس . الشهوات ( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وأيضاً فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال : ( وعلمتني من تأويل الأحاديث) . فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسراً لكلامه : وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه وزاجراً لهم عن ناره وعقابه ، كما جاء في الحديث : العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة (( كا)) المؤمن لا يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خصال من نفسه . أحدها : أن يقول إن الله أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على ادائها إلا بالعلم . الثانية : ۔۔