Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة الفاتحة
فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله ، ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع
فقلت إياك نعبد ، ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين ، فلا جرم
لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت اهدنا الصراط المستقيم ، ولما طلبت الاقتداء بالصالحين
طلبت الاقتداء بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم ، ولما طلبت الفرار من المردودين
فررت من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في
الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة ، قال تعالى ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من
النبيين - الآية ).
الفائدة الثالثة : اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين
نقطتين ، فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة ، فكان العبد يقول :
اهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها ، وأنا عاجز فلا يليق
بضعفي إلا الطريق المستقيم . الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضاً
في الاعوجاج فيشتبه الطريق علي ، أما المستقيم فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات
وأقرب إلى الأمان . الثالث : الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود ، والمعوج لا يوصل اليه .
والرابع : المستقيم لا يتغير، والمعوج يتغير، فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم ، والله
أعلم .
الفصل الثامن
في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم ، وفيه فوائد
الفائدة الأولى : في حد النعمة ، وقد اختلف فيها ، فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة
المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول : المنفعه الحسنة المفعولة على جهة
الإحسان إلى الغير ، قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة يستحق بها الشكر ، وإذا كانت قبيحة
لا يستحق بها الشكر ، والحق أن هذا القيد غير معتبر ، لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإِحسان
وإن كان فعله محظوراً ، لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذنب والعقاب ، فأي
امتناع في إجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق بانعامه الشكر ، والذم بمعصية الله ، فلم لا
يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك.
ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول) أما قولنا ((المنفعة)) فلان المضرة المحضة لا تكون

٢٦٢
تفسير سورة الفاتحة
نعمة ، وقولنا ((المفعولة على جهة الاحسان)) لأنه لو كان نفعاً حقاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا
نفع المفعول به لا يكون نعمة ، وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها.
إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى
الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله)
ثم أن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد الله بايجادها ، نحو أن خلق ورزق .
وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر ، وفي الحقيقة فهي أيضاً إنما وصلت من
الله تعالى ، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة ، والخالق لذلك المنعم ، والخالق لداعية
الانعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم ، إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد
كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال ( أن أشكر لي
ولوالديك إلى المصير) فبدأ بنفسه تنبيهاً على أن انعام الخلق لا يتم إلا بانعام الله ، وثالثها :
نعم وصلت من الله الينا بسبب طاعتنا ، وهي أيضاً من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله سبحانه
وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا اليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء
منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى.
الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ، ويدل عليه العقل
والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به ، ولا يمكن
الانتفاع به إلا عند حصول الحياة ، فان الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء ، فثبت أن أصلٍ
جميع النعم هو الحياة ، وأما النقل فهو أنه تعالى قال ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً
فأحياكم ) ثم قال عقيبة ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فبدأ بذكر الحياة ، وثنى
بذكر الأشياء التي ينتفع بها ، وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة.
الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا؟ فقال بعض أصحابنا
ليس لله تعالى على الكافر نعمة ، وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية
واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن فآيات . إحداها : قوله
تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم ) وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت
قوله تعالى ( أنعمت عليهم ) ولو كان كذلك لكان قوله ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين
أنعمت عليهم ) طلباً لصراط الكفار ، وذلك باطل ، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على
الكفار ، فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك ، قلنا : إن قوله ( صراط الذين أنعمت
عليهم ) بدل من قوله ( الصراط المستقيم ) فكان التقدير اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ،

٢٦٣
تفسير سورة الفاتحة
وحينئذ يعود المحذور المذكور . والآية الثانية : قوله تعالى ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي
لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب
الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نعمة ، بدليل أن من جعل
السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك
الضرر الكثير فكذا ههنا .
وأما الذين قالوا ان لله على الكافر نعماً كثيرة فقد احتجوا بآيات : إحداها : قوله تعالى
( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم
الأرض فراشاً والسماء بناء ) فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة.
وثانيها : قوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح
النعم. وثالثها : قوله تعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم). ورابعها :
قوله تعالى ( وقليل من عبادي الشكور ) وقول إبليس ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) ولو لم
تحصل النعم لم يلزم الشكر ، ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور ؛ لأن الشكر لا
يمكن إلا عند حصول النعمة .
الفائدة الثانية : قوله ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) يدل على
إمامة أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم
والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين انعم الله عليهم من هم فقال ( فأولئك مع الذين أنعم
الله عليهم من النبيين والصديقين - الآية) ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر
الصديق رضي الله عنه ، فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو
بكر الصديق وسائر الصديقين ، ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الاقتداء به ، فثبت بما ذكرناه
دلالة هذه الآية على امامة أبي بكر رضي الله عنه .
الفائدة الثالثة: قوله ( أنعمت عليهم ) يتناول كل من كان الله عليه نعمة ، وهذه النعمة
إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين ، ولما بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة *
الدين ، فنقول : كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان ، وأما النعمة
التي هي الايمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية ، وهذا يغل على أن المراد من قوله
( أنعمت عليهم ) هو نعمة الإيمان ، فرجع حاصل القول في قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط
الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان ، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: يتفرع عليه
أحكام : -

٢٦٤
تفسير سورة الفاتحة
الحكم الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان ، ولفظ الآية صريح في
أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعمة ؛ ثبت أن خالق الايمان والمعطى للايمان هو الله تعالى ،
وذلك يدل على فساد قول المعتزلة ، ولأن الإيمان أعظم النعم ، فلو كان فاعله هو العبد لكان
إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله ، ولو كان كذلك لما حسن من الله أن يذكر انعامه في
معرض التعظيم.
....
الحكم الثاني : يجب أن لا يبقى المؤمن مخلداً في النار ، لأن قوله ( انعمت عليهم )
مذكور في معرض التعظيم لهذا الانعام ، ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل
الفائدة فما كان يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم.
الحكم الثالث: دلت الآية على أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين ،
لأنه لو كان الارشاد واجباً على الله لم يكن ذلك انعاماً ؛ لأن أداء الواجب لا يكون انعاماً ،
وحيث سماه الله تعالى انعاماً علمنا أنه غير واجب.
الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالانعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه
وأرشده إليه وأزاح اعذاره وعلله عنه ؛ لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلما خص الله
تعالى بعض المكلفين بهذا الانعام مع أن هذا الاقدار وازاحة العلل عام في حق الكل علمنا أن
المراد من الانعام ليس هو الاقدار عليه وإزاحة الموانع عنه.
الفصل التاسع
في قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وفيه فوائد
الفائدة الأولى : المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود ، لقوله تعالى ( من لعنه الله
وغضب عليه ) والضالين : هم النصارى لقوله تعالى ( قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا
عن سواء السبيل ) وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود
والنصارى ، فكان الاحتراز عن دينهم أولى ، بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل
من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ، ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الإعتقاد
لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ، ويحتمل أن يقال : المغضوب عليهم هم الكفار ،
والضالون هم المنافقون ، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات من

٢٦٥
تفسير سورة الفاتحة
أول البقرة ، ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله ( ان الذين كفروا ) ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو
قوله ( ومن الناس من يقول آمنا ) فكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله ( أنعمت عليهم ) ثم
أتبعه بذكر الكفار وهو قوله ( غير المغضوب عليهم ) ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله ( ولا
الضالين ) .
الفائدة الثانية : لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين ، وإلا لزم
انقلاب خبر الله الصدق كذباً ، وذلك محال ، والمفضى إلى المحال محال.
الفائدة الثالثة : قوله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) يدل على أن أحداً من
الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ، ولا على
اعتقاد الذين أنعم الله عليهم ، لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق ، لقوله تعالى
( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم ، ولا الاهتداء بطريقهم ،
ولكانوا خارجين عن قوله ( أنعمت عليهم ) ولما كان ذلك باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء
والملائكة عليهم السلام ..
الفائدة الرابعة : الغضب : تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام ، واعلم
أن هذا على الله تعالى محال ، لكن ههنا قاعدة كلية ، وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني
الرحمة ، والفرح ، والسرور ؛ والغضب ، والحياء ، والغيرة ، والمكر والخداع ، والتكبر ،
والاستهزاء - لها أوائل ، ولها غايات ، ومثاله الغضب فان أوله غليان دم القلب ، وغايته إرادة
إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو
غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الاضرار ، وأيضاً ، الحياء له أول وهو انكسار
يحصل في النفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا
على انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب .
الفائدة الخامسة : قالت المعتزلة : غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح
باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلماً من الله تعالى ، وقال أصحابنا : لما ذكر غضب الله
عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين ،
وحينئذ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد ، أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب الله
عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى، وذلك محال.
الفائدة السادسة : أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له ، وآخرها

٢٦٦٠
تفسير سورة الفاتحة
مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والاقرار بطاعته ، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات
وعنوان السعادات هو الاقبال على الله تعالى، ومطلع الآفات ورأس المخافات هو الاعراض
عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته.
الفائدة السابعة : دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة ، وإليهم
الاشارة بقوله : أنعمت عليهم ، وأهل المعصية وإليهم الاشارة بقوله غير المغضوب عليهم ،
وأهل الجهل في دين الله والكفر واليهم الاشارة بقوله ولا الضالين.
فان قيل : لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة؟ قلنا : لأن كل واحد يحترز عن الكفر
أما قد لا يحترز عن الفسق فكان أهم فلهذا السبب قدم.
الفائدة الثامنة: في الآية سؤال ، وهو أن غضب الله إنما تولد عن علمه بصدور القبيح
والجناية عنه ، فهذا العلم إما أن يقال إنه قديم ، أو محدث ، فان كان هذا العلم قديماً فلم
خلقه ولم أخرجه من العدم إلى الوجود مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العذاب
الدائم ، ولأن من كان غضبان على الشيء كيف يعقل إقدامه على إيجاده وعلى تكوينه ؟ وأما إن
كان ذلك العلم حادثاً كان الباري تعالى محلا للحوادث ، ولأنه يلزم أن يفتقر احداث ذلك
العلم إلى سبق علم آخر ، ويتسلسل ، وهو محال ، وجوابه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.
الفائدة التاسعة : في الآية سؤال آخر ، وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون
مغضوباً عليه وأن يكون من الضالين ، فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في أن ذكر عقيبه
غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ والجواب : الايمان إنما يكمل بالرجاء والخوف ، كما قال عليه
السلام : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدل ، فقوله صراط الذين أنعمت عليهم يوجب
الرجاء الكامل ، وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل ، وحينئذ يقوي
الايمان برکنیه وطرفيه ، وینتهي إلى حد الكمال.
الفائدة العاشرة : في الآية سؤال آخر ، ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة
واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم ، والمردودين فريقين : المغضوب عليهم ، والضالين؟
والجواب أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل
العمل به ، فهؤلاءهم المرادون بقوله أنعمت عليهم ، فان اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم
المغضوب عليهم كما قال تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله
عليه ولعنه ) وان اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) وهذا
آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل ، والله أعلم.

٢٦٧
تفسير سورة الفاتحة
القسم الثاني
الكلام في تفسير مجموع هذه السورة ، وفيه فصول
الفصل الأول
في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة
اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة ، وعالم الآخرة عالم الصفا ، فالآخرة بالنسبة إلى
الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع ، وكالجسم بالنسبة إلى الظل ، فكل ما في الدنيا فلا بد له في
الآخرة من أصل ، وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل ، وكل ما في الآخرة فلا بد له في
الدنيا من مثال ، وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل ، فعالم الروحانيات عالم
الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور ، ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال
والنقصان ولا بد وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ، ويكون ما سواه
في طاعته وتحت أمره ونهيه ، كما قال ( ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) وأيضاً فلا
بد في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ،
ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره ، فالمطاع الأول هو المطاع في عالم
الروحانيات والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات ، فذاك مطاع العالم الأعلى ، وهذا
مطاع العالم الأسفل ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات . كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب
أن يكون بين هذين المطاعين ملافاة ومقارنة ومجانسة ، فالمطاع في عالم الأرواح هو المصدر ،
والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو الرسول الملكي ، والمظهر هو الرسول
البشري ، وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا .
وإذا عرفت هذا فنقول: كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله ، وهذه
الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله ( والمؤمنون كل آمن
بالله - الآية ) ويندرج في أحكام الرسل قوله ( لا نفرق بين أحد من رسله ) فهذه الأربعة
متعلقة بمعرفة المبدأ ، وهي معرفة الربوبية ، ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني

٢٦٨
تفسير سورة الفاتحة
على أمرين: أحدهما المبدأ ، والثاني ، الكمال . فالمبدأ هو قوله تعالى (وقالوا سمعنا وأطعنا )
لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد الذهاب إلى الله، وأما الكمال فهو التوكل على الله والإلتجاء
بالكلية إليه وهو قوله (غفرانك ربنا) وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية
والإلتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ، ثم إذا تمت معرفة الربوبية
بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين
المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى
المعاد ، وهو المراد من قوله ( وإليكِ المصير ) ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ
والوسط، والمعاد ، أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله ،
والملائكة ، والكتب، والرسل، وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين (( سمعنا
وأطعنا)) نصيب عالم الأجساد، ((وغفرانك ربنا)) نصيب عالم الأرواح . وأما النهاية فهي
إنما تتم بأمر واحد ، وهو قوله (وإليك المصير ) فابتداء الأمر أربعة ، وفي الوسط صار إثنين ،
. وفي النهاية صار واحداً.
ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع: ـ!
فأولها : قوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى
( يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكراً كثيراً) وقوله ( واذكر ربك إذا نسيت ) وقوله ( تذكروا
فإذا هم مبصرون ) وقوله ( واذكر اسم ربك ) وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الرحمن
الرحيم .
٠١٠
وثانيها: قوله (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) ودفع الإصر-
والإصرهو الثقل - يوجب الحمد ، وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .
وثالثها : قوله ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) وذلك إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك
هو قوله الرحمن الرحيم .
ورابعها : قوله ( وأعف عنا ) لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ، وهو
قوله مالك يوم الدين .
وخامسها : قوله تعالى ( واغفر لنا ) لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في کل المهمات ،
وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين .
١٠
وسادسها : قوله ( وارحمنا ) لانا طلبنا الهداية منك في قولنا إهدنا الصراط المستقيم .....

٢٦٩٠
تفسير سورة الفاتحة
وسابعها : قوله ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) وهو المراد من قوله غير
المغضوب عليهم ولا الضالين .
فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في
عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر
فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى
المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المظهر إلى المصدر، فلهذا
السبب قال عليه السلام: ((الصلاة معراج المؤمن)).
الفصل الثاني
فى مداخل الشيطان
اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة ، والغضب ،
والهوى ، فالشهوة بهيمية ، والغضب سبعية ، والهوى شيطانية : فالشهوة آفة لكن الغضب
أعظم منه ، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه ، فقوله تعالى ( إن الصلاة تنهي عن
الفحشاء ) المراد آثار الشهوة ، وقوله ( والمنكر ) المراد منه آثار الغضب ، وقوله ( والبغي ) المراد
منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه ، وبالغضب يصير ظالماً لغيره ، وبالهوى
يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى ولهذا قال عليه السلام : الظلم ثلاثة : فظلم لا
يغفر ، وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه ، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله ، والظلم
الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً ، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان
نفسه ، فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى ، ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ، ومنشأ
الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة ، ثم لها نتائج : فالحرص والبخل نتيجة الشهوة ،
والعجب والكبر نتيجة الغضب ، والكفر والبدعة نتيجة الهوى ، فإذا اجتمعت هذه الستة في
بني آدم تولد منها سابع - وهو الحسد - وهو نهاية الأخلاق الذميمة . كما أن الشيطان هو النهاية
في الأشخاص المذمومة ، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله
( ومن شرحاسد إذا حسد) كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله ( یوسوس في
صدور الناس من الجنة والناس ) فليس في بني آدم أشرمن الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر

٢٧٠
تفسير سورة الفاتحة
من الوسواس ، بل قيل : الحاسد أشرمن إبليس ، لأن إبليس روي أنه أتي باب فرعون وقرع
الباب فقال فرعون من هذا؟ فقال إبليس : لو كنت إلهاً لما جهلتني ، فلما دخل قال فرعون :
أتعرف في الأرض شراً مني ومنك ، قال نعم ، الحاسد ، وبالحسد وقعت في هذه المحنة .
إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة ، والأولاد والنتائج
هي هذه السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات
السبع وأيضاً أصل سورة الفاتحة هو التسمية ، وفيها الأسماء الثلاثة ، وهي في مقابلة تلك
الأخلاق الأصيلة الفاسدة ، فالأسماء الثلاثة الأصيلة في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصيلة ،
والآيات السبع ( التي هي الفاتحة ) في مقابلة الأخلاق السبعة ، ثم إن جملة القرآن كالنتائج
والشعب من الفاتحة ، وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة ، فلا
جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة .
أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات الثلاثة فنقول : إن من عرف الله وعرف
أنه لا إله إلا الله تباعد عنه الشيطان والهوى ؛ لأن الهوى إله سوى الله يعبد ، بدليل قوله تعالى
( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال تعالى لموسى : يا موسى ، خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً
نازعني في ملكي إلا الهوى، ومن عرف أنه رحمن لا يغضب ، لأن منشأ الغضب طلب
الولاية ، والولاية للرحمن لقوله تعالى ( الملك يومئذ الحق للرحمن ) ومن عرف أنه رحيم وجب
أنه يتشبه به في كونه رحيماً وإذا صار رحيماً لم يظلم نفسه ، ولم يلطخها بالأفعال البهيمية، ،
وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع ، وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة
نذكر دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس
السورة ، وذكر معها إسمين آخرين : وهما الرب ، والمالك ؛ فالرب قريب من الرحيم ،
لقوله ( سلام قولاً من رب رحيم ) والمالك قريب من الرحمن ، لقوله تعالى ( الملك يومئذ الحق
للرحمن) فحصلت هذه الأسماء الثلاثة : الرب والملك، والإله ، فلهذا السبب ختم الله آخر
سورة القرآن عليها ، والتقدير كأنه قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل ( أعوذ برب
الناس ) وإن أتاك من قبل الغضب فقل ( ملك الناس ) وإن أتاك من قبل الهوى فقل ( إله
الناس ) .
ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد لله فقد شكر الله ، واكتفى
بالحاصل ، فزالت شهوته ، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد ، وبخله فيما وجد
فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ، ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن

٢٧١
تفسير سورة الفاتحة
الرحيم زال غضبه ، ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني ،
فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها ، فإذا قال إهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى ،
وإذا قال صراط الذي أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته ، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا
الضالين اندفعت عنه بدعته ، فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة
السبعة .
الفصل الثالث
فى تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد
اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إثبات الصانع المختار ، وتقريره : أن المعتمد في إثبات
الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام
قال : ربي الذي يحي ويميت ، وقال في موضع آخر : الذي خلقني فهو يهدین ، وقال موسى
عليه السلام : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وقال في موضع آخر : ربكم ورب
آبائكم الأولين ، وقال تعالى في أول سورة البقرة ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم
والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام ( اقرأ باسم ربك
الذي خلق خلق الإنسان من علق ) فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق
الإنسان على وجود الصانع تعالى ، وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه
كثيراً جداً .
واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل . فكذلك هو نفسه إنعام عظيم ، فهذه
الحالة من حيث إنها تعرف العبد وجود الإله دليل ، ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى
العبد إنعام ، فلا جرم هو دليل من وجه ، وإنعام من وجه ، والإِنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى
إيقاعه إنعاماً كان يستحق هو الحمد ، وحدوث بدن الإنسان أيضاً كذلك ، وذلك لأن تولد
الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والأشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد
الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع ، فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل
على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقدورات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق
هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ، ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقاً
للحمد والثناء ، فقوله ( الحمد لله ) يدل على وجود الصانع ، وعلى علمه ، وقدرته ، ورحمته ،

٢٧٢
تفسير سورة الفاتحة
وكمال حكمته وعلى كونه مستحقاً للحمد والثناء والتعظيم ، فكان قوله الحمد لله دالاً على جملة
هذه المعاني ، وأما قوله ( رب العالمين) فهو يدل على أن ذلك الإله واحد ، وأن كل العالمين
ملكه وملكه ، وليس في العالم إله سواه ، ولا معبود غيره ، وأما قوله ( الرحمن الرحيم ) فيدل
على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل
الموت وعند الموت وبعد الموت ، وأما قوله ( مالك يوم الدين ) فيدل على أن من لوازم حكمته
ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء، ويظهر فيه
الانتصاف للمظلومين من الظالمين ، ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحماناً
رحيماً ، إذا عرفت هذا ظهر أن قوله ( الحمد لله ) يدل على وجود الصانع المختار ، وقوله ( رب
العالمين) يدل على وحدانيته، وقوله ( الرحمن الرحيم ) يدل على رحمته في الدنيا والآخرة ،
وقوله ( مالك يوم الدين ) يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة . وإلى ههنا
تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية . أما قوله ( إلى آخر السورة ) فهو إشارة إلى الأمور التي لا
بد من معرفتها في تقرير العبودية ، وهي محصورة في نوعين : الأعمال التي يأتي بها العبد ،
والآثار المتفرعة على تلك الأعمال : أما الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان : أحدهما :
إتيانه بالعبادة وإليه الإِشارة بقوله ( إياك نعبد) . . والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا
بإعانة الله وإليه الإشارة بقوله ( وإياك نستعين ) وههنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر ،
وأما الآثار المتفرعة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي ، وإليه الإشارة
بقوله ( إهدنا الصراط المستقيم ) ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: الكاملون
المحقون المخلصون ، وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ، ومعرفة الخير لأجل العمل به ،
وإليهم الإِشارة بقوله ( أنعمت عليهم ) . والطائفة الثانية : الذين أخلوا بالأعمال الصالحة ،
وهم الفسقة وإليهم الإِشارة بقوله ( غير المغضوب عليهم ) . والطائفة الثالثة : الذين أخلوا
بالاعتقادات الصحيحة ، وهم أهل البدع والكفر، وإليهم الإِشارة بقوله ( ولا الضالين ) .
إذا عرفت هذا فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين :
( أحدهما ) أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال ، والثاني : أن تصل إليه محصولات
المتقدمين فتستكمل نفسه ، وقوله ( أهدنا الصراط المستقيم ) إشارة إلى القسم الأول ، وقوله
( صراط الذين أنعمت عليهم) إشارة إلى القسم الثاني ، ثم في هذا القسم طلب أن يكون
اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة ،
وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة ، وهم المغضوب عليهم ،
أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة ، وهم الضالون ، وهذا آخر السورة ، وعند

٢٧٢
تفسير سورة الفاتحة
الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية
ومعرفة العبودية .
الفصل الرابع
قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا
قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي ، وإذا قال الحمد لله رب
العالمين يقول الله حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي ، وإذا قال
مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي ، وفي رواية أخرى فوض إلي عبدي ، وإذا قال إياك
نعبد يقول الله عبدني عبدي، وإذا قال وإياك نستعين يقول الله تعالى توكل علي عبدي ، وفي
رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياكن نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي ، وإذا
قال إهدنا الصراط المستقيم يقول الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .
فوائد هذا الحديث : -
الفائدة الأولى: قوله تعالى ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) يدل على أن
مدار الشرائع على رعاية مصالح الخلق ، كما قال تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن
أسأتم فلها ) وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ، ثم بمعرفة
العبودية ؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ، كما قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )
وقال ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) وقال ( يا بني إسرائيل
أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) ولما كان الأمر كذلك لا جرم
أنزل الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة الربوبية،
والنصف الثاني منها في معرفة العبودية ، حتى تكون هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه في
الوفاء بذلك العهد .
الفائدة الثانية : الله تعالى سمى الفاتحة باسم الصلاة ، وهذا يدل على أحكام : الحكم
الأول : أن عند عدم قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة ، وذلك يدل على أن قراءة
الفاتحة ركن من أركان الصلاة ، كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى :
أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى
( فاتبعوه) ولقوله عليه الصلاة والسلام ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وثانيها: أن الخلفاء
الفخر الرازي ج ١ م ١٨

٢٧٤
تفسير سورة الفاتحة
الراشدين واظبوا على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام ((عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) وثالثها : أن جميع المسلمين شرقاً وغرباً لا يصلون
إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم واجبة في ذلك لقوله تعالى ( ويتبع غير سبيل المؤمنين
نوله ما تولى ونصله جهنم) ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))
خامسها : قوله تعالى ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) وقوله ( فاقرؤا ) أمر ، وظاهره الوجوب ،
فكانت قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة
الفاتحة واجبة عملاً بظاهر الأمر ، وسادسها أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير إليها ، لقوله
عليه السلام ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وسابعها: أن الرسول عليه السلام واظب على
قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرماً لقوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره)
وثامنها : أنه لا نزاع بين المسلمين أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها ،
إذا ثبت هذا فنقول أُلتكليف كان متوجهاً على العبد فإقامة الصلاة ، والأصل في الثابت البقاء
حكمنا بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة ، وقد دللنا على أن
-هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل
الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص ، فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة
وجب البقاء في العهدة ، وتاسعها : أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب ، لقوله تعالى
( وأقم الصلاة لذكري ) وهذه السورة مع كونها مختصرة ، جامعة لمقامات الربوبية والعبودية
والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة
لكل القرآن في قوله ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) فوجب أن لا يقوم غيرها
مقامها البتة . وعاشرها : أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل
الصلاة .
الفائدة الثالثة: أنه قال: ((إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى
(( ذكرني عبدي)) وفيه أحكام : أنه تعالى قال ( فاذكروني أذكركم ) فههنا لما أقدم العبد على
ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملائه . وثانيها : أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام
عال شريف في العبودية ، لأنه وقع الابتداء به ، ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال
( أذكروني أذكركم ) ثم قال ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً) ثم قال ( الذين
يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) ثم قال ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان
تذكروا فإذا هم مبصرون) فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير
مقام الذكر. وثالثها: أن قوله ((ذكرني عبدي)) يدل على أن قولنا ((الله )) اسم علم لذاته

٢٧٥
تفسير سورة الفاتحة
المخصوصة ، إذ لو كان إسماً مشتقاً لكان مفهومه مفهوماً كلياً ، ولو كان كذلك لما صارت ذاته
المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ ، فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان ، فثبت
أن قوله ((ذكرني عبدي)) يدل على أن قولنا الله اسم علم، أما قوله ((وإذا قال الحمد لله يقول
الله تعالى حمدني عبدي)) فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول
كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد ، بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم ( ونحن نسبح
بحمدك ونقدس لك) وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضاً ، بدليل قوله تعالى في
صفة أهل الجنة ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) والعقل أيضاً يدل عليه ؛ لأن الفكر
في ذات الله غير ممكن ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق))
ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره، وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن ، فالفكر فيه غير
ممكن فعلى هذا ، الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ، ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب
بالذات ، والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله
وإحسانه أكثر، فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر، فلهذا قال : الحمد لله رب
العالمين ، وعند هذا يقول حمَّدني عبدي ، فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على
وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وعلى أن لسانه صار موافقاً
لعقله ومطابقاً له ، وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه ، فما
أجل هذه الحالة .
وأما قوله (( وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي)) فلقائل أن يقول : أنه لما
قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي ، وههنا
لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على اقرار
العبد بكماله في ذاته ، وبكونه مكملا لغيره ، ثم قال بعده : رب العالمين ، وهذا يدل على أن
الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك ، فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك
على أن الإِلِه الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند في غاية
الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور
معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : عظمني عبدي.
وأما قوله (( وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي )» أي : نزهني وقدسني عما
لا ينبغي - فتقريره أنا نرى في دار الدنياكون الظالمين متسلطين على المظلومين ، وكون الأقوياء
مستولين على الضعفاء ، ونرى العالم الزاهد الكامل في أضيق العيش ، ونرى الكافر الفاسق
في أعظم أنواع الراحة والغبطة ، وهذا العمل لا يليق برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ،

٢٧٦
تفسير سورة الفاتحة
فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشرحتى ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل الى
أهل الطاعة الثواب ، وإلى أهل الكفر العقاب ، لكان هذه الاهمال والامهال ظلما من الله على
العباد ، أما لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم ، فلهذا السبب قال الله تعالى
( ليجزي الذين اساؤًا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) وهذا هو المراد من قوله
تعالى: مجدني عبدي ، الذي نزهني عن الظلم وعن شيمه .
وأما قوله (( وإذا قال العبد اياك نعبد واياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي )) فهو
اشارة الى سرمسئلة الجبر والقدر ، فان قوله اياك نعبد معناه اخبار العبد عن اقدامه على عمل
الطاعة والعبادة ، ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو أنه مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير
مستقل به، والحق أنه غير مستقل به، وذلك لأن قدرة العبد أما أن تكون صالحة للفعل
والترك ، وأما أن لا تكون كذلك : فان كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدراً
للفعل دون الترك الا مرجح ، وذلك المرجح إن کان من العبد عاد البحث فيه ، وإن لم یکن
من العبد فهو من الله تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الاعانة ، وهو المراد
من قوله واياك نستعين ، وهو المراد من قولنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، أي : لا تخلق في
قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة ، وهب لنا من لدنك رحمة ، وهذه
الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى الأعمال الصالحة والعقائد الحقة ، فهذا هو المراد من الاعانة
والاستعانة ، وكل من لم يقل بهذا القول لم يفهم البتة معنى قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين )
وإذا ثبت هذا ظهر صحة قوله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ، أما الذي منه فهو خلق الداعية
الجازمة ، وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة والداعية يصدر الأثر عنه ،
وهذا كلام دقیق لا بد من التأمل فيه.
وأما قوله ((وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))
وتقريره أنا نرى أهل العالم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الالهية ، وفي جميع
مسائل النبوات ، وفي جميع مسائل المعاد ، والشبهات غالبة ، والظلمات مستولية ، ولم يصل
الى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير، وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في
العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد ؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين
الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال ( ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه
في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان ) وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق ، فقوله
(أهدنا الصراط المستقيم) اشارة إلى هذه الحالة ، ويدل عليه أيضاً أن المبطل لا يرضى
بالباطل ، وإنما طلب الاعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح ، فلو كان الأمر بالختياره

٢٧٧
تفسير سورة الفاتحة
لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات علمنا أن الوصول
إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ، ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك ،
أما الملائكة فقالوا ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) وقال آدم عليه
السلام ( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وقال ابراهيم عليه السلام ( لئن لم
يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) وقال يوسف عليه السلام ( توفني مسلماً وألحقني
بالصالحين ) وقال موسى عليه السلام ( رب اشرح لي صدري - الآية ) وقال محمد عليه السلام
( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ) فهذا هو الكلام
في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه .
الفائدة الرابعة : من موائد هذا الخبر أن آيات الفاتحة سبع ، والأعمال المحسوسة أيضاً
في الصلاة سبعة ، وهي : القيام ، والركوع ، والانتصاب ، والسجود الأول ، والانتصاب
فيه ، والسجود الثاني والقعدة ، فصار عدد آيات الفاتحة مساوياً لعدد هذه الأعمال ، فصارت
هذه الأعمال كالشخص ، والفاتحة لها كالروح ، والكمال إنما يحصل عند إتصال الروح
بالجسد ، فقوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) بإزاء القيام ، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل
باسم الله بقي قائماً مرتفعاً، وأيضاً فالتسمية لبداية الأمور، قال عليه الصلاة والسلام ((كل أمر
ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)) وقال تعالى ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )
وأيضاً القيام لبداية الأعمال ، فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه ، وقوله
تعالى ( الحمد لله رب العالمين ) بإزاء الركوع ، وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق
والى الخلق ؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بسبب الانعام الصادر منه ، والعبد في هذا المقام
ناظر إلى المنعم والى النعمة ، فهو حالة متوسطة بين الأعراض وبين الاستغراق ، والركوع حالة
متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضاً ، الحمد يدل على النعم الكثيرة ، والنعم الكثيرة مما تثقل
ظهره ، فينحني ظهره للركوع وقوله ( الرحمن الرحيم ) مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع
الى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ، ولذلك قال عليه السلام ( إذا قال العبد
سمع الله لمن حمده نظر الله اليه بالرحمة ) وقوله ( مالك يوم الدين ) مناسب للسجدة الأولى ؛
لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء ، وذلك يوجب الخوف
الشديد ، فيليق به الاتيان بغاية الخضوع والخشوع ، وهو السجدة : وقوله ( إياك نعبد وإياك
نستعين ) مناسب للقعدة بين السجدتين ، لأن قوله إياك نعبد اخبار عن السجدة التي
تقدمت ، وقوله واياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية . وأما قوله ( اهدنا
الصراط المستقيم ) فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع.

٢٧٨
تفسير سورة الفاتحة
وأما قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم - إلى آخره ) فهو مناسب للقعدة ، وذلك لأن العبد لما
أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالاكرام ، وهو أن أمره بالقعود بين يديه ، وذلك انعام
عظيم من الله على العبد ، فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم ، وأيضاً أن محمداً عليه
السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه الى قاب قوسين قال عند ذلك : التحيات المباركات الصلوات
الطيبات لله، والصلاة معراج المؤمن ، فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الاكرام - وهي أن
جلس بين يدي الله - وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام ، فهو أيضاً يقرأ
التحيات ، ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج
محمد عليه السلام وقطرة من بحره هو تحقيق قوله ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
- الآية ) .
واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة ، وهذه الأعمال
السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الانسان ، وهي قوله ( ولقد خلقنا
الانسان من سلالة من طين ) إلى قوله ( قتبارك الله أحسن الخالقين ) وعند هذا ينكشف أن
مراتب الأجسام كثيرة ، ومراتب الأرواح كثيرة ، وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى ،
كما قال سبحانه وتعالى ( وأن إلى ربك المنتهى ) .
الفصل الخامس
في أن الصلاة معراج العارفين
اعلم أنه كان لرسول الله ﴿3﴾ معراجان: أحدهما من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى، والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى، فهذا ما يتعلق بالظاهر، وأما ما
يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. والثاني:
من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب، وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد
عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى ( فكان قاب قوسين أو أدنى) وقوله ( أو أدنى) إشارة إلى
فنائه في نفسه ، أما الانتقال من عالم الشهادة الى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم
والجسمانيات فهو من عالم الشهادة ، لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك ، فانتقال الروح من
عالم الاجساد الى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة الى عالم الغيب ، وأما عالم

٢٧٩
تفسير سورة الفاتحة
الأرواح فعالم لا نهاية له ، وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ، ثم تترقى في
معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل الى الأرواح المتعلقة بسماء الدنياثم تصير أعلى
وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي ،
وهي أيضاً متفاوتة في الاستعلاء ، ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار اليهم بقوله تعالى ( وترى
الملائكة حافين من حول العرش ) ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار اليهم بقوله تعالى ( ويحمل
عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى
الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام ، وهم الذين طعامهم ذكر الله ، وشرابهم محبة الله ،
وأنسهم بالثناء على الله ، ولذتهم في خدمة الله ، واليهم الاشارة بقوله ( ومن عنده لا
. يستكبرون عن عبادته ) وبقوله ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ثم لهم أيضاً درجات
متفاوتة ، ومراتب متباعدة ، والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها ، والوقوف على شرح
صفاتها ، ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى (وفوق كل ذي علم عليم ) إلى
: أن ينتهي الأمر الى نور الأنوار ، ومسبب الأسباب ، ومبدأ الكل ، وينبوع الرحمة ، ومبدأ
الخير، وهو الله تعالى ، فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب ، وحضرة جلال الربوبية هي
غيب الغيب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((ان الله سبعين حجاباً من النور لو كشفها
لاحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك البصر)) وتقدير عدد تلك الحجب بالسبعين مما لا يعرف إلا
بنور النبوة.
فقد ظهر بما ذكرنا أن المعراج على قسمين : أولهما : المعراج من عالم الشهادة إلى عالم
الغيب ، والثاني : المعراج من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب ، وهذه كلمات برهانية يقينية
حقيقية .
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود فنقول : إن محمداً عليه السلام لما وصل إلى المعراج
وأراد أن يرجع قال : يا رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات
يتحف بها أصحابه وأحبابه ، فقيل له : إن تحفة أمتك الصلاة ، وذلك لأنها جامعة بين المعراج
الجسماني ، وبين المعراج الروحاني : أما الجسماني فبالأفعال ، وأما الروحاني فبالأذكار ،
فإذا أردت أيها العبد الشروع في هذا المعراج فتطهر أولاً ، لأن المقام مقام القدس ، فليكن
ثوبك طاهراً ، وبدنك طاهراً لأنك بالوادي المقدس طوى ، وأيضاً فعندك ملك وشيطان ،
فانظر أيهما تصاحب : ودين ودنيا ، فانظر أيهما تصاحب : وعقل وهوى ، فانظر أيهما
تصاحب : وخير وشر، وصدق وكذب ، وحق وباطل ، وحلم وطيش ، وقناعة وحرص ؛

٢٨٠
تفسير سورة الفاتحة
وكذا القول في كل الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية ، فانظر أنك تصاحب أي الطرفين
وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة ، ألا ترى أن الصديق اختار
صحبة محمد عليه السلام فلزمه في الدنيا ، وفي القبر ، وفي القيامة ، وفي الجنة وأن كلباً
صحب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا ، وفي الآخرة ، ولهذا السرقال تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ثم إذا تطهرت فارفع يديك ، وذلك الرفع إشارة إلى توديع
عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك عنهما بالكلية ، ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك
وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ، ثم قل : الله أكبر ، والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات ،
وأعلى وأعظم وأعز من كل المعلومات ، بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال أنه أكبر ،
ثم قل : سبحانك اللهم وبحمدك ، وفي هذا المقام تجلى لك نور سبحات الجلال ، ثم ترقيت
من التسبيح إلى التحميد ثم قل : تبارك إسمك ، وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل
والأبد ، لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإِفناء والإعدام ، وذلك يتعلق بمطالعة
حقيقة الأزل في العدم ، ومطالعة حقيقة الأبد في البقاء ، ثم قل : وتعالى جدك ، وهو إشارة
إلی أنه أعلم وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت کماله محصورة في القدر المذکور ، ثم
قل : ولا إله غيرك ، وهو إشارة إلى أن كل صفات الجلال وسمات الكمال له لا لغيره ، فهو
الكامل الذي لا كامل إلا هو ، والمقدس الذي لا مقدس إلا هو، وفي الحقيقة لا هو إلا هو ولا
إله إلا هو، والعقل ههنا ينقطع، واللسان يعتقل ، والفهم يتبلد ، والخيال يتحير، والعقل
يصير كالزمن ، ثم عد إلى نفسك وحالك وقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض، فقولك ((سبحانك اللهم وبحمدك)) معراج الملائكة المقربين ، وهو المذكور في قوله
( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وهو أيضاً معراج محمد عليه السلام ، لأن معراجه مفتتح
بقوله ((سبحانك اللهم وبحمدك)) وأما قولك ((وجهت وجهي )) فهو معراج إبراهيم الخليل
عليه السلام، وقولك ((إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله)) فهو معراج محمد الحبيب عليه
السلام، فإذا قرأت هذين الذكرين فقد جمعت بين معراج أكابر الملائكة المقربين وبين معراج
عظماء الأنبياء والمرسلين ، ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،
لتدفع ضرر العجب من نفسك ..
واعلم أن للجنة ثمانية أبواب ، ففي هذا المقام انفتح لك باب من أبواب الجنة ، وهو
باب المعرفة ، والباب الثاني هو باب الذكر وهوقولك بسم الله الرحمن الرحيم ، والباب الثالث
باب الشكر، وهو قولك الحمد لله رب العالمين والباب الرابع باب الرجاء ، وهو قولك الرحمن
الرحيم ، والباب الخامس باب الخوف، وهو قولك مالك يوم الدين ، والباب السادس باب.