Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الاسماء الدالة على الصفات الإضافية بإصلاح حال كل ما سواه ، وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة ، والحي هو الدراك الفعال، فقوله ((الحي)) يعني كونه دراكاً فعالاً، وقوله ((القيوم)) يعني كونه دراكاً لجميع الممكنات فعالاً لجميع المحدثات والممكنات ، فحصل المدح من هذا الوجه . الباب الخامس في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية ( أعلم ) أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة عقلية ، وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون ، وقال آخرون إنه غيره ، واحتج النفاة بوجوه : - الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب ، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار . الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها ، إلى تكوين آخر ولزم التسلسل . الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض . واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ، ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده ، وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً ، ثم نقول : كونه موجداً إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمراً زائداً ، والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجداً له ، ألا ترى أنه إذا قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده ، فلو كان كون الموجد موجداً له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل ١٤٢ الاسماء الدالة على الصفات الإضافية ء وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللاً بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أمضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجداً أمراً مغايراً لكون الفاعل قادراً لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا: معنى كونه تعالى خالقاً رازقاً محيياً مميتاً ضاراً نافعاً عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء . وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية . أعلم أن الصفات الإضافية على أقسام ( أحدها) كونه معلوماً مذكوراً مسبحاً بمجداً ، فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان ، يا أيها الممدوح عند كل إنسان ، يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ، ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية ( وثانيها ) كونه تعالى فاعلاً للأفعال صفة إضافية محضة بناء على تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة ، إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد كونه موجداً ، أو المخبر عنه كونه موجداً للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية ، أما القسم الأول - وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجداً - فههنا ألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة مثل : الموجد ، والمحدث ، والمكون، والمنشىء، والمبدع ، والمخترع ، والصانع ، والخالق ، والفاطر ، والبارى ، فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ، ومع ذلك فالفرق حاصل : أما الإِسم الأول - وهو الموجد - فمعناه المؤثر في الوجود ، وأما المحدث فمعناه الذي جعله موجوداً بعد أن كان معدوماً ، وهذا أخص من مطلق الإيجاد ، وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفاً للموجد ، وأما المنشئ فاشتقاقه من النشوء والنماء ، وهو الذي يكون قليلاً قليلاً على التدريج ، وأما المبدع فهو الذي يكون دفعة واحدة ، وهما كنوعين تحت جنس الموجد . والمخترع قريب من المبدع ، وأما الصانع فيقرب أن يكون إسماً لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف ، وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير ، وهو في حق الله تعالى يرجع إلى العلم ، وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ، ويشبه أن يكون معناه هو الإحداث دفعة ، وأما البارئ فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة ، يقال : برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين ، فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على كونه موجداً على سبيل العموم ، أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد أن تكون غير متناهية ، ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة فالمثال الأول : أنه إذا ١٤٣ الاسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية. خلق النافع سمي نافعاً ، وإذا خلق المؤلم سمي ضاراً ، والمثال الثاني : إذا خلق الحياة سمي محبباً، وإذا خلق الموت سمي مميتاً ، والمثال الثالث : إذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً ، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً ، والمثال الرابع : إذا قلل العطاء سمي قابضاً ، وإذا كثره سمي باسطاً ، والمثال الخامس : إن جاري ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقماً وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفواً غفوراً رحيماً رحماناً ، المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضاً باسطاً ، وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً . إذا عرفت هذا فنقول : إن أقسام مقدورات الله تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية ، فلا جرم يمكن أن يحصل لله تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار . وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا دقائق لا بد منها : ( فالدقيقة الأولى ) أن مقابل الشيء تارة يكون ضده وتارة يكون عدمه، فقولنا ((المعز المذل)) وقولنا ((المحيي المميت)) يتقابلان تقابل الضدين، وأما قولنا ((القابض الباسط، الخافض الرافع)) فيقرب من أن يكون تقابلهما تقابل العدم والوجود ، لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير ، والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير ، أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان ؛ لأنه فرق بين أن يعزه وبين أن يذله ( والدقيقة الثانية ) أنه قد تكون الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف ، وله أمثلة : المثال الأول : الرؤف الرحيم ، يقرب من هذا الباب إلا أن الرؤف أميل إلى جانب إيصال النفع، والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر، والمثال الثاني : الفاتح ، والفتاح ، والنافع والنفاع ، والواهب والوهاب ، فالفاتح يشعر بإحداث سبب الخير ، والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه ، والنافع يشعر بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به ، وإذا وقفت على هذا القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء . الباب السادس فى الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية ( وأعلم ) أن القرآن مملوء منه ، وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن يكون عائداً إلى الذات ، أو إلى الصفات ، أو إلى الأفعال ، أما السلوب العائدة إلى الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا ، كقولنا : إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا في المكان ولا في ١٤٤ الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية الحيز ولا حالاً ولا محلاً، واعلم أنا قد دللنا على أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة ، لكن أنواع الذوات والصفات المغايرة لذاته غير متناهية ، فلا جرم يحصل ههنا سلوب غير متناهية ، ومن جملتها قوله تعالى ( والله الغني وأنتم الفقراء ) وقوله ( وربك الغني ذو الرحمة ) لأن كونه غنياً أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء غيره ، ومنه أيضاً قوله ( لم يلد ولم يولد ) وأما السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه الله تعالى عنها ، فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب أضداد القدرة ، ومنها ما يكون من باب أضداد الإستغناء ، ومنها ما يكون من باب أضداد الوحدة : ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام ، أحدها : نفي النوم ، قال تعالى ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) وثانيها نفي النسيان ، قال تعالى ( وما كان ربك نسياً) وثالثها نفي الجهل قال تعالى ( لا يعزف عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ) ورابعها أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام : أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب قال تعالى ( وما مسنا من لغوب ) وثانيها أنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة ، قال تعالى ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) وثالثها أنه لا تفاوت في قدرته بين فعل الكثير والقليل ، قال تعالى ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) ورابعها نفي إنتهاء القدرة وحصول الفقر ، قال تعالى ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) وأما السلوب العائدة إلى صفة الإستغناء فكقوله ( وهو يطعم ولا يطعم ) ( وهو يجير ولا يجار عليه ) وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدة - وهو مثل نفي الشركاء والأضداد والأنداد - فالقرآن مملوء منه ، وأما السلوب العائدة إلى الأفعال - وهو أنه لا يفعل كذا وكذا - فالقرآن مملوء منه ، أحدها أنه لا يخلق الباطل ، قال تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا) وقال تعالى حكاية عن المؤمنين ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً) وثانيها أنه لا يخلق اللعب ، قال تعالى ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ، وما خلقناهما إلا بالحق ) وثالثها لا يخلق العبث ؛ قال تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الملك الحق ) ورابعها أنه لا يرضى بالكفر ، قال تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر ) وخامسها أنه لا يريد الظلم، قال تعالى (وما الله يريد ظلماً للعباد) وسادسها أنه لا يحب الفساد ، قال تعالى ( والله لا يحب الفساد ) وسابعها أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم ، قال تعالى ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم) وثامنها أنه لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين ، قال تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) وتاسعها أنه ليس لأحد عليه ١٤٥ / الاسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية. إعتراض في أفعاله وأحكامه ، قال تعالى ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) وقال تعالى ( فعال لما يريد) وعاشرها أنه لا يخلف وعده ووعيده، قال تعالى ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : أقسام السلوب بحسب الذات وبحسب الصفات وبحسب الأفعال غير متناهية ، فيحصل من هذا الجنس أيضاً أقسام غير متناهية من الأسماء ، إذا عرفت هذا الأصل فلنذكر بعض الأسماء المناسبة لهذا الباب : فمنها القدوس ، والسلام ، ويشبه أن يكون القدوس عبارة عن كون حقيقة ذاته مخالفة للماهيات التي هي نقائص في أنفسها ، والسلام عبارة عن كون تلك الذات غير موصوفة بشيء من صفات النقص ، فالقدوس سلب عائد إلى الذات ، والسلام سلب عائد إلى الصفات ، وثانيها العزيز ، وهو الذي لا يوجد له نظير ، وثالثها الغفار ، وهو الذي يسقط العقاب عن المذنبين ، ورابعها الحليم ، وهو الذي لا يعاجل بالعقوبة ، ومع ذلك فإنه لا يمتنع من إيصال الرحمة ، وخامسها الواحد ، ومعناه أنه لا يشاركه أحد في حقيقته المخصوصة ، ولا يشاركه أحد في صفة الإلهية ، ولا يشاركه أحد في خلق الأرواح والأجسام ، ولا يشاركه أحد في نظم العالم وتدبير أحوال العرش وسادسها الغني : ومعناه كونه منزهاً عن الحاجات والضرورات ، وسابعها الصبور ، والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور هو الذي لا يعاقب المسي مع القدرة عليه ، والحليم هو الذي يكون كذلك مع أنه لا يمنعه من إيصال نعمته إليه ، وقس عليه البواقي والله الهادي . الباب السابع فى الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية ، وفيه فصول الفصل الأول في الأسماء الحاصلة بسبب القدرة والأسماء الدالة على صفة القدرة كثيرة : الأول القادر ، قال تعالى ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) وقال في أول سورة القيامة ( أيحسب الإِنسان ألن نجمع عظامه ، بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) وقال في آخر السورة ( أليس الفخر الرازي ج ١ م ١٠ ١٤٦ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية ٤ ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) الثاني : القدير ، قال تعالى ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ) وهذا اللفظ يفيد المبالغة في وصفه بكونه قادراً، الثالث : المقتدر ، قال تعالى ( وكان الله على كل شيء مقتدراً) وقال ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) الرابع : عبر عن ذاته بصيغة الجمع في هذه الصفة قال تعالى ( فقدرنا فنعم القادرون ) ، واعلم أن لفظ ((الملك)) يفيد القدرة أيضاً بشرط خاص ، ثم إن هذا اللفظ جاء في القرآن على وجوه مختلفة ، فالأول المالك ، قال الله تعالى : ( مالك يوم الدين ) الثاني : الملك ، قال تعالى ( فتعالى الله الملك الحق ) وقال ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ) وقال ( ملك الناس ) واعلم أن ورود لفظ الملك في القرآن أكثر من ورود لفظ المالك ، والسبب فيه أن الملك أعلى شأناً من المالك، الثالث: مالك الملك، قال تعالى ( قل اللهم مالك الملك) الرابع ((المليك)) قال تعالى ( عند مليك مقتدر ) الخامس: لفظ الملك ، قال تعالى (الملك يومئذ الحق للرحمن ) وقال تعالى ( له ملك السموات والأرض ) واعلم أن لفظ القوة يقرب من لفظ القدرة ، وقد جاء هذا اللفظ في القرآن على وجوه مختلفة : الأول القوي ، قال تعالى ( إن الله لقوي عزيز ) الثاني : ذو القوة ، قال تعالى (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ). الفصل الثاني في الأسماء الحاصلة بسبب العلم ، وفيه ألفاظ : الأول : العلم وما يشتق منه ، وفيه وجوه الأول: إثبات العلم لله تعالى ، قال تعالى ( ولا يحيطون بشيء من علمه) وقال تعالى ( ولا تضع إلا بعلمه) وقال تعالى (قد أحاط بكل شيء علماً) وقال تعالى (إن الله عنده علم الساعة ) الإسم الثاني : العالم ، قال تعالى ( عالم الغيب والشهادة ) الثالث : العليم ، وهو كثير في القرآن ، الرابع العلام ، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام ( إنك أنت علام الغيوب ) ، الخامس : الأعلم ، قال تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) السادس : صيغة الماضي ، قال تعالى ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) السابع : صيغة المستقبل ، قال تعالى ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) وقال (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) الثامن : لفظ علم من باب التفعيل ، قال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها ) وقال في حق الملائكة ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) وقال ( وعلمك ما لم تكن تعلم) وقال ( الرحمن علم القرآن ). واعلم أنه لا يجوز أن يقال أن الله معلم مع كثرة هذه الألفاظ لأن لفظ المعلم مشعر بنوع نقيصة ، التاسع ؛ لا يجوز إطلاق لفظ العلامة على الله تعالى ؛ لأنها وإن أفادت المبالغة لكنها : ١٤٧ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية والإضافية تفيد أن هذه المبالغة إنما حصلت بالكد والعناء ، وذلك في حق الله تعالى محال . ( اللفظ الثاني ) من ألفاظ هذا الباب لفظ الخبر والخبرة، وهو كالمرادف للعلم ، حتى قال بعضهم في حد العلم: إنه الخبر، إذا عرفت هذا فنقول: ورد لفظ ((الخبير)) في حق الله تعالى في حد العلم: إنه الخبر، إذا عرفت هذا فنقول: ورد لفظ ((الخبير)) في حق الله تعالى كثيراً في القرآن ، وذلك أيضاً يدل ، على العلم . النوع الثالث من الألفاظ: الشهود والمشاهدة، ومنه ((الشهيد)) في حق الله تعالى ، إذا فسرناه بكونه مشاهداً لها عالماً بها ، أما إذا فسرناه بالشهادة كان من صفة الكلام . النوع الرابع : الحكمة ، وهذه اللفظة قد يراد بها العلم ، وقد يراد بها أيضاً ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي . النوع الخامس : اللطيف ، وقد يراد به العلم بالدقائق ، وقد يراد به إيصال المنافع إلى العباد بطريق خفية عجيبة . الفصل الثالث في الأسماء الحاصلة بسبب صفة الكلام ، وما يجري مجراه : - ( اللفظ الأول ) الكلام ، وفيه وجوه : الأول : لفظ الكلام ، قال تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتىٍ يسمع كلام الله ) الثاني : صيغة الماضى من هذا اللفظ ، قال تعالى (وكلم الله موسى تكلياً) وقال ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) الثالث : صيغة المستقبل ، قال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) . ( اللفظ الثاني ) القول ، وفيه وجوه : الأول : صيغة الماضي ، قال تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة ) ونظائره كثيرة في القرآن ، الثاني : صيغة المستقبل ، قال تعالى ( إنه يقول أنها بقرة ) الثالث : القيل والقول ، قال تعالى (ومن أصدق من الله قيلاً) وقال تعالى ( ما يبدل القول لدي ) . ( اللفظ الثالث ) الأمر، قال تعالى ( لله الأمر من قبل ومن بعد) وقال ( ألا له الخلق والأمر ) وقال حكاية عن موسى عليه السلام ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) . ( اللفظ الرابع ) الوعد ، قال تعالى (وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ) وقال ١٤٨ الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية والإضافية تعالى ( وعد الله حقاً إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) . ( اللفظ الخامس ) الوحي ، قال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) وقال ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) . ( اللفظ السادس ) كونه تعالى شاكراً لعباده ، قال تعالى ( فأولئك كان سعيهم مشكوراً) ( وكان الله شاكراً علياً ) . الفصل الرابع في الإرادة وما يقرب منها : - ( فاللفظ الأول ) الإرادة ، قال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) . ( اللفظ الثاني ) الرضا ، قال تعالى ( وإن تشكروا يرضه لكم ) وقال ( ولا يرضى لعباده الكفر ) وقال ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة ) وقال في صفة السابقين الأولين ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقال حكاية عن موسى ( وعجلت إليك رب لترضى ) ( اللفظ الثالث ) المحبة ، قال ( يحبهم ويحبونه ) وقال ( ويحب المتطهيرين ). ( اللفظ الرابع ) الكراهة ، قال تعالى ( كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً) وقال ( ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) قالت الأشعرية : الكراهة عبارة عن أن يريد أن لا يفعل وقالت المعتزلة : بل هي صفة أخرى سوى الإرادة ، والله أعلم . الفصل الخامس في السمع والبصر: قال تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وقال تعالى ( لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير ) وقال تعالى ( إنني معكما أسمع وأرى ) وقال ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر) وقال تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) . فهذا جملة الكلام في الصفات الحقيقية مع الإضافية . : ١٤٩ الأسماء الدالة على الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية الفصل السادس فى الصفات الإضافية مع السلبية اعلم أن ((الأول)) هو الذي يكون سابقاً على غيره ، ولا يسبقه غيره ، فكونه سابقاً على غيره إضافة، وقولنا أنه لا يسبقه غيره فهو سلب، فلفظ ((الأول)) يفيد حالة متركبة من إضافة وسلب ، ((والآخر)) هو الذي يبقى بعد غيره ، ولا يبقى بعده غيره ، والحال فيه كما تقدم ، أما لفظ ((الظاهر)) فهو إضافة محضة، لأن معناه كونه ظاهراً بحسب الدلائل ، وأما لفظ (( الباطن)) فهو سلب محض ، لأن معناه كونه خفياً بحسب الماهية . ومن الأسماء الدالة على مجموع إضافة وسلب ((القيوم)) لأن هذا اللفظ يدل على المبالغة في هذا المعنى ، وهذه المبالغة تحصل عند اجتماع أمرين: أحدهما أن لا يكون محتاجاً إلى شيء سواه البتة ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان واجب الوجود في ذاته وفي جملة صفاته ، والثاني : أن يكون كل ما سواه محتاجاً إليه في ذواتها وفي جملة صفاتها ، وذلك بأن يكون مبدأ لكل ما سواه ، فالأول سلب ، والثاني إضافة ومجموعهما هو القيوم . الفصل السابع فى الأسماء الدالة على الذات والصفات الحقيقية والاضافية والسلبية فمنها قولنا ((الإِله)) وهذا الاسم يفيد الكل ؛ لأنه يدل على كونه موجوداً، وعلى كيفيات ذلك الوجود ، أعني كونه أزلياً أبدياً واجب الوجود لذاته ، وعلى الصفات السلبية الدالة على التنزيه ، وعلى الصفات الإضافية الدالة على الإيجاد والتكوين ، واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يطلق على غير الله تعالى ؟ أما كفار قريش فكانوا يطلقونه في حق الأصنام ، وهل يجوز ذلك في دين الإسلام ؟ المشهور أنه لا يجوز ، وقال بعضهم : أنه يجوز لأنه ورد في بعض الأذكار: يا إله الآلهة، وهو بعيد، وأما قولنا ((الله)) فسيأتي بيان أنه اسم علم الله تعالى ، فهل يدل هذا الاسم على هذه الصفات ؟ فنقول : لا شك أن أسماء الأعلام قائمة مقام الاشارات ، والمعنى أنه تعالى لو كان بحيث يصح أن يشار إليه لكان هذا الاسم قائماً مقام ١٥٠ الأسماء التي اختلف العقلاء في مرجعها تلك الاشارة، ثم اختلفوا في أن الإشارة إلى الذات المخصوصة هل تتناول الصفات القائمة . بتلك الذات؟ فان قلنا إنها تتناول الصفات كان قولنا ((الله)) دليلاً على جملة الصفات ، فان قالوا : الإشارة لا تتناول الصفات السلبية فوجب أن لا يدل عليها لفظ الله قلنا : الإشارة في حق الله إشارة عقلية منزهة عن العلائق الحسية ، والإِشارة العقلية قد تتناول السلوب. الفصل الثامن في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها انها هل هي من أسماء الذات أو من أسماء الصفات هذا البحث إنما ظهر من المنازعة القائمة بين أهل التشبيه وأهل التنزيه ، وذلك لأن أهل التشبيه يقولون : الموجود إما أن يكون متحيزاً، وإما أن يكون حالا في المتحيز أما الذي لا يكون متحيزاً ولا حالا في المتحيز - فكان خارجاً عن القسمين - فذاك محض العدم ، وأما أهل التوحيد والتقديس فيقولون : أما المتحيز فهو منقسم ، وكل منقسم فهو محتاج ، فكل متحيز هو محتاج ، فما لا يكون محتاجاً امتنع أن يكون متحيزاً ، وأما الحال في المتحيز فهو أولى بالاحتياج ، فواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز. إذا عرفت هذا الأصل فنقول : ههنا ألفاظ ظواهرها مشعرة بالجسمية والحصول في الحيز والمكان: فمنها ((العظيم)) وذلك لأن أهل التشبيه قالوا : معناه ان ذاته أعظم في الحجمية والمقدار من العرش ومن كل ما تحت العرش، ومنها ((الكبير)) وما يشتق منه، وهو لفظ ((الأكبر)) ولفظ ((الكبرياء)) ولفظ ((المتكبر)). واعلم أني ما رأيت أحداً من المحققين بين الفرق بينهما ، إلا أن الفرق حاصل في التحقيق من وجوه : الأول : أنه جاء في الأخبار الإلهية أنه تعالى يقول : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فجعل الكبرياء قائماً مقام الرداء ، والعظمة قائمة مقام الازار . ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الازار ، فوجب أن يكون صفة الكبرياء أرفع حالاً من صفة العظمة . والثاني : أن الشريعة فرقت بين الحالين ، فإن المعتاد في دين الإسلام أن يقال في تحريمه الصلاة ((الله أكبر)) ولم يقل أحد ((الله أعظم)) ولولا التفاوت لما حصلت هذه التفرقة. الثالث : أن الألفاظ المشتقة من الكبير مذكورة في حق الله تعالى كالأكبر والمتكبر بخلاف العظيم فان لفظ المتعظم غير مذكور في حق الله . ١٥١ الأسماء التي اختلف العقلاء في مرجعها واعلم أن الله تعالى أقام كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى ، فقال ( ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) وقال في آية أخرى ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) إذا عرفت هذا فالمباحث السابقة مشعرة بالفرق بين العظيم وبين الكبير ، وهاتان الآيتان مشعرتان بأنه لا فرق بينهما ، فهذه العقدة يجب البحث عنها فنقول ومن الله الارشاد والتعليم : يشبه أن يكون الكبير في ذاته كبيراً سواء استكبره غيره أم لا ، وسواء عرف هذه الصفة أحد أولا ، وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره ، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضى ، فهذا هو الممكن في هذام المقام والعلم عند الله. ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة الألفاظ المشتقة من ((العلو)) فمنها قوله تعالى ( العلى ) ومنها قوله ( سبح اسم ربك الأعلى ) ومنها المتعالى ومنها اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الاطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم ((تعالى)) لقوله تعالى في أول سورة النحل ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) إذا عرفت هذا فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه كونه موجوداً في جهة فوق ، ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد متناه ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش . ببعد غير متناه ، وكيف كان فان المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار وحملوا لفظ العلى على العلو في المكان والجهة ، وأما أهل التنزيه والتقديس فانهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار: فأحدها أنه عظيم بحسب مدة الوجود ، وذلك لأنه أزلي أبدي ، وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام ، وثانيها أنه عظيم في العلم والعمل ، وثالثها أنه عظيم في الرحمة والحكمة ، ورابعها أنه عظيم في كمال القدرة ، وأما العلو فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزهاً عن صفات النقائص والحاجات. إذا عرفت هذا فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات ، وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات ، وأما لفظ العلى فعند الكل من أسماء الصفات ، إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى ، وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزهاً عن كل ما لا يليق بالإلهية ، فهذا تمام البحث في هذا الباب. ١٥٢ الاسماء الحاصلة في الاسماء المضمرة وفوائدها الفصل التاسع في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو، وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا ((أنا) لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه ، وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه، وأوسط هذه الأقسام قولنا ((أنت)) لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضراً ، فلأجل كونه خطاباً للغير يكون دون قوله أنا ، ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضراً يكون أعلى من قوله ((هو)) فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله ((أنا)) وأوسطها ((أنت)) وأدناها ((هو)) وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ، أما لفظ ((أنا)) فقال في أول سورة النحل .( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا) وفي سورة طه ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا) وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ) وأما لفظ هو فقد جاء كثيراً في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وآخرها في سورة المزمل وهو قوله ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) وأما ورود هذه الكلمة مقروناً باسم آخر سوى هذه الأربعة فهو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال ( آمنت أنه لا إله إلا الذی آمنت به بنو إسرائيل) ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه . إذا عرفت هذا فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله ( لا إله إلا أنا ) فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل الحكاية عن الله ، لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل ، وذلك لا يليق إلا بالله سبحانه ، واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله ((أنا)) وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى ؛ لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به ، لا سيما في حق الحق تعالى، فثبت أن قوله ((لا إله إلا أنا)) لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا للحق تعالى، وأما الدرجة الثانية وهي قوله ((لا إله إلا أنت)) فهذا يصح ذكره من العبد لكن بشرط أن يكون حاضراً لا غائباً ، لكن هذه الحالة إنما اتفق حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن جميع حظوظ النفس ، وهذا تنبيه على أن الإنسان ما لم يصر غائباً عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة، وأما الدرجة الثالثة وهي قوله ((لا إله إلا هو)) فهذا يصح من الغائبين . ١٥٣ الأسماء الحاصلة من الاسماء المضمرة وفوائدها واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد ، وكمال التجلي ونقصانه ، وكل درجة ناقصة من درجات الحضور فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة ، ولما كانت درجات الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية ، فكانت درجات الحضور والغيبة غير متناهية ، فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر يصدق عليه أنه غائب ، وبالعكس وعن هذا قال الشاعر : - سلام على الغائب الحاضر أبا غائباً حاضراً في الفؤاد ويحكى أن الشبلي لما قربت وفاته قال بعض الحاضرين : قل لا إله إلا الله ، فقال : - غير محتاج إلى السرج كل بيت أنت حاضره يوم تأتي الناس بالحجج وجهك المأمول حجتنا واعلم أن لفظ ((هو)) فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية ، فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه ، وبعضها لا يمكن ، قال مصنف الكتاب : وأنا بتوفيق الله كتبت أسراراً لطيفة ، إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة ((هو)) أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيراً، فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيراً عجيباً في القلب لا يصل البيان إليه ، ولا ينتهي الشرح إليه ، فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول: فيه أسرار: الأول: أن الرجل إذا قال ((يا هو)) فكأنه يقول: من أنا حتى أعرفك ، ومن أنا حتى أكون مخاطباً لك ، وما للتراب ورب الأرباب ، وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم ؟ فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول والخيالات ، فلهذا السبب خاطبة العبد بخطاب الغائبين فقال : يا هو . والفائدة الثانية : أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة والعدم ففيه أيضاً دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى فهو محض العدم، لأن القائل إذا قال (( یا هو)) فلو حصل في الوجود شيئان لكان قولنا ((هو)) صالحاً لهما جميعاً ، فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله (( هو )) فلما قال ( يا هو ) فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونقي صرف ، كما قال تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وهذان المقامان في الفناء عن كل ما سوى الله مقامان في غاية الجلال ، ولا يحصلان إلا عند مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله : يا هو. والفائدة الثالثة : أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقاً في معرفة الله تعالى؛ لأنه إذا ((قال يا رحمن)) فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها فيكون طالباً ١٥٤ الاسماء الحاصلة من الاسماء المضمرة وفوائدها للحصة ، وكذلك إذا قال ( یا کریم ، یا محسن ، يا غفار ، یا وهاب ، يا فتاح ) وإذا قال ( یا ملك) فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه اليه فيطلب شيئاً منها ، وقس عليه سائر الأسماء ، أما إذا قال ( يا هو ) فانه يعرف أنه هو، وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة ، فحينئذ يحصل في قلبه نور ذكره ، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله ، وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل. والفائدة الرابعة : أن جميع الصفات المعلومة عند الخلق : إما صفات الجلال ، وإما صفات الاكرام ، أما صفات الجلال فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل ، وهذا فيه دقيقة ؛ لأن من خاطب السلطان فقال أنت لست أعمى ولست أصم ولست كذا ولا كذا ويعد أنواع المعايب والنقصانات فانه يستوجب الزجر والحجر والتأديب ، ويقال : إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب ، وأما صفات الاكرام فهي كونه خالقاً للمخلوقات مرتباً لها على النظم الاكمل ، وهذا أيضاً فيه دقيقة من وجهين : الأول لا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال المخلوق بمراتب لا نهاية لها ، فاذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه خالقاً لهذه المخلوقات فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال جلال الخالق ، وذلك يقتضي تعريف الكامل. المتعالى بطريق في غاية الخسة والدناءة ، وذلك سوء أدب ، والثاني : أن الرجل إذا أخذ يمدح السلطان القاهر بانه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز أو قطرة ماء فانه يستوجب الزجر والحجر ، ومعلوم أن نسبة جميع عالم المخلوقات من العرش إلى آخر الخلاء الذي لا نهاية له إلى ما في خزائن قدرة الله أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا ، فاذا كان ذلك سوء أدب فهذا أولى أن يكون سوء أدب ، فثبت أن مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الإعتراضات ، إلا أن ههنا سبباً يرخص في ذكر هذه المدائح ، وهو أن النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال فالانسان إذا أراد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتاج إلى أن ينبهها على كمال الحضرة المقدسة ، ولا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين ، أعني ذكر صفات الجلال وصفات الاكرام فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فاذا حصلت هذه الحالة فعند ذلك يتنبه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ذلك يترك تلك الأذكار ويقول ( يا هو ) كأن العبد يقول : أجل حضرتك أن أمدحك وأثنى عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو باسناد كمالات المخلوقات اليك ، فان كمالك أعلى وجلالك أعظم ، بل لا أمدحك ولا أثنى عليك إلا بهويتك من حيث هي ، ولا أخاطبك أيضاً بلفظة ( أنت ) لأن تلك اللفظة تفيد التيه والكبر ١٥٥ الاسماء الحاصلة من الاسماء المضمرة وفوائدها حیث تقول الروح اني قد بلغت مبلغاً صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ، ولكني لا أزيد. على قولی ( هو ) ليكون اقراراً بأنه هو الممدوح لذاته بذاته ، ويكون إقراراً بأن حضرته أعلى وأجل من أن يناسبه حضور المخلوقات ، فهذه الكلمة الواحدة تنبه على هذه الأسرار في مقامات التجلي والمكاشفات ، فلا جرم كان هذا الذكر أشرف الأذكار لكن بشرط التنبيه لهذه الأسرار. الفائدة الخامسة في هذا الذكر : أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله ، والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة ، إنما قلنا أن المواظبة على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله وذلك لأن كلمة ( هو ) ضمير الغائب فالعبد إذا ذكر هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق ثم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان والجهة ، وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والامكان ، ومعيوب بعيب الكون في إحاطة المكان والزمان ، فاذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات فعند هذا يعلم أن كل المحدثات والابداعيات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى ، وعرف أن هذه الغيبة إنما حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء ، فعند هذا يعتقد أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحادثات ، واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر ، فصارت تلك الكمالات مشعوراً بها من وجه دون وجه ، والشعور بها من بعض الوجوه يشوق إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها ، وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق ، وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما كان ، أسهل كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل، فثبت أن لفظ ((هو)) يفيد الشوق إلى الله تعالى، وإنما قلنا إن الشوق إلى الله أعظم المقامات ، وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة ، لأن بقدر ما يصل يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم ، والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب مزيد الالتذاذ والابتهاج والسرور ، وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم المقامات ، فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة ((هو)) تورث الشوق إلى الله تعالى وثبت أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة فيلزم أن يقال : المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسنى الدرجات . الفائدة السادسة في شرح جلالة هذا الذكر : واعلم أن المقصود لا يتم إلا بذكر مقدمتين : المقدمة الأولى : أن العلم على قسمين : تصور ، وتصديق ، أما التصور فهو أن تحصل في النفس صورة من غير أن تحكم النفس عليها بحكم البتة لا بحكم وجودي ولا بحكم ١٥٦ الاسماء الحاصلة من الاسماء المضمرة وفوائدها عدمي ! أما التصديق فهو أن يحصل في النفس صورة مخصوصة ، ثم أن النفس تحكم عليها إما بوجود شيء أو عدمه إذا عرفت هذا فنقول : التصور مقام التوحيد ، وأما التصديق فإنه مقام التكثير . المقدمة الثانية : أن التصور على قسمين : تصور يتمكن العقل من التصرف فيه ، وتصور لا يمكنه التصرف فيه : أما القسم الأول فهو تصور الماهيات المركبة ، فإنه لا يمكنه تصور الماهيات المركبة إلا بواسطة إستحضار ماهيات أجزاء ذلك المركب ، وهذا التصرف عمل وفكر ، وتصرف من بعض الوجوه ، وأما القسم الثاني فهو تصور الماهيات البسيطة المنزهة عن جميع جهات التركيبات فإن الإنسان لا يمكنه أن يعمل عملاً يتوسل به إلى إستحضار تلك الماهية ، فثبت بما ذكرنا أن التصديق يجري مجرى التكثير بالنسبة إلى التصور ، وأن التصور توحيد بالنسبة إلى التصديق وثبت أيضاً أن تصور الماهية البسيطة هو النهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة ، وإذا عرفت هذا فنقول: قولنا في الحق سبحانه وتعالى (( يا هو)) هذا تصور محض خال عن التصديق ، ثم إن هذا التصور تصور لحقيقة منزهة عن جميع جهات التركيب والكثرة، فكان قولنا ((يا هو)) نهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة ، وهو أعظم المقامات. الفائدة السابعة : أن تعريف الشيء إما أن يكون بنفسه ، أو بالأجزاء الداخلة فيه ، أو بالأمور الخارجة عنه ، أما القسم الأول - وهو تعريفه بنفسه - فهو محال ؛ لأن المعرف سابق على المعرف ، فتعريف الشيء بنفسه يقتضي تقدم العلم به على العلم به ، وذلك محال ، وأما القسم الثاني - وهو تعريفه بالأمور الداخلة فيه - فهذا في حق الحق محال ؛ لأن هذا إنما يجري في الماهية المركبة ، وذلك في حق الحق محال ، وأما القسم الثالث - وهو تعريفه بالأمور الخارجة عنه بـ فهذا أيضاً باطل محال ؛ لأن أحوال الخلق لا يناسب شيء منها شيئاً من أحوال القديم الواجب لذاته ؛ لأنه تعالى مخالف بذاته المخصوصة وبهويته المعينة لكل ما سواه ولما كان كذلك إمتنع أن تكون أحوال الخلق كاشفة عن ماهية الله تعالى وحقيقته المخصوصة فاذا كان كذلك فقد إنسدت أبواب التعريفات بالنسبة إلى هويته المخصوصة وماهيته المعينة ، فلم يبق طريق إليه إلا من جهة واحدة ، وهو أن يوجه الإِنسان حدقة عقله وروحه إلى مطلع نور تلك الهوية على رجاء أنه ربما أشرق ذلك النور حال ما كانت حدقة عقله متوجهة إليها فيستسعد بمطالعة ذلك النور ، فقول الذاكر ((يا هو)) توجيه لحدقة العقل والروح إلى الحضرة القدسية على رجاء أنه ربما حصلت له تلك السعادة. الفائدة الثامنة : أن الرجل إذا دخل على الملك المهيب والسلطان القاهر ووقف بعقله على كمال تلك المهابة وعلى جلال تلك السلطنة فقد يصير بحيث تستولى عليه تلك المهابة وتلك السلطنة فیصیر غافلاً عن کل ما سواه ، حتى أنه ربما كان جائعاً فينسى جوعه ، وربما كان به : ١٥٧ الاسماء الحاصلة من الاسماء المضمرة وفوائدها ألم شديد فينسى ذلك الألم في تلك الحالة ، وربما رأى أباه أو إبنه في تلك الحالة ولا يعرفهما ، وكل ذلك لأن إستيلاء تلك المهابة عليه أذهله عن الشعور بغيره ، فكذلك العبد إذا قال (( يا هو)) وتجلى لعقله وروحه ذرة من نور جلال تلك الهوية وجب أن يستولي على قلبه الدهشة وعلى روحه الحيرة ، وعلى فكره الغفلة ، فيصير غائباً عن كل ما سوى تلك الهوية ، معزولاً عن الإلتفات إلى شيء سواها ، وحينئذ لا يبقى معه في تلك الحالة إلا أن يقول بعقله ((هو)) وبلسانه ((هو)) فإذا قال العبد ((هو)) وواظب على هذا الذكر فهذا منه تشبه بتلك الحالة على رجاء أنه ربما وصل إلى تلك الحالة ، فنسأل الله تعالى الكريم أن يسعدنا بها. الفائدة التاسعة : من فوائد هذا الذکر العالي روى عن النبي ﴿ێ﴾ انه قال : و ( ومن جعل همومه هماً واحداً كفاه الله هموم الدنيا والآخرة )) فكأن العبد يقول : همومي في الدنيا والآخرة غير متناهية ، والحاجات التي هي غير متناهية لا يقدر عليها إلا الموصوف بقدرة غير متناهية ، ورحمة غير متناهية ، وحكمة غير متناهية ، فعلى هذا أنا لا أقدر على دفع حاجاتي ولا على تحصيل مهماتي ، بل ليس القادر على دفع تلك الحاجات وعلى تحصيل تلك المهمات إلا الله سبحانه وتعالى ، فأنا أجعل همي مشغولاً بذكره فقط، ولساني مشغولاً بذكره فقط فاذا فعلت ذلك فهو برحمته يكفيني مهمات الدنيا والآخرة. الفائدة العاشرة : أن العقل لا يمكنه الاشتغال بشيء حالة الاستغراق في العلم بشىء آخر ، فاذا وجه فكره إلى شىء يبقى معزولا عن غيره ، فكأن العبد يقول : كلما استحضرت في ذهني العلم بشيء فاتني في ذلك الوقت العلم بغيره ، فإذا كان هذا لازماً فالأولى أن أجعل قلبي وفكري مشغولاً بمعرفة أشرف المعلومات ، وأجعل لساني مشغولاً بذكر أشرف المذكورات ؛ فلهذا السبب أواظب على قوله (( یا هو )). الفائدة الحادية عشرة : أن الذكر أشرف المقامات ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإذا ثبت هذا فنقول : أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي عن السؤال ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : من شغله ذكرى عن مسئلتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : العبد فقير محتاج ، والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولا على السؤال ، فإِذا قال الفقير للغني (( يا كريم )) كان معناه أكرم وإذ قال له (( يا نفاع)) كان معناه طلب النفع، وإذا قال (( يا رحمن )) كان معناه ارحم ، فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال ، وقد بينا أن الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خالياً عن السؤال والطلب ، أما إذا قال (( يا هو)) كان معناه خالياً عن الاشعار بالسؤال ١٥٨ بقية المباحث عن أسمائه تعالى والطلب، فوجب أن يكون قولنا ((هو)) أعظم الأذكار. ولنختم هذا الفصل بذکر شریف رأيه في بعض الكتب : یا هو ، یا من لا هو إلا هو ،! یا من لا إله إلا هو ، يا أزل ، يا أبد ، يا دهر ، يا ديهار ، يا ديهور، يا من هو الحي الذي لا يموت. ومن لطائف هذا الفصل أن الشيخ الغزالي رحمة الله عليه كان يقول: ((لا إله إلا الله)) توحيد العوام، ((ولا إله إلا هو)) توحيد الخواص، ولقد استحسنت هذا الكلام وقررنه بالقرآن والبرهان : أما القرآن فانه تعالى قال ( ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو ) ثم قال بعده ( کل شيء هالك إلا وجهه ) معناه إلا هو ، فذکر قوله إلا هو بعد قوله لا إله فدل ذلك على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة ، وأما البرهان فهو أن من الناس من قال : أن تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية وتكوينها ، بل لا تأثير له إلا في اعطاء صفة الوجود لها ، فقلت : فالوجود أيضاً ماهية ، فوجب أن لا يكون الوجود واقعاً بتأثيره ، فان التزموا ذلك وقالوا الواقع بتأثير الفاعل موصوفية الماهية بالوجود فنقول : تلك الموصوفية ان لم تكن مفهوماً مغايراً للماهية والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل ، وان كانت مفهوماً مغايراً فذلك المفهوم المغاير لا بد وأن يكون له ماهية ؛ وحينئذ يعود الكلام ، فثبت أن القول بأن المؤثر لا تأثير له في الماهيات ينفي التأثير والمؤثر ، وينفي الصنع والصانع بالكلية ، وذلك باطل فثبت أن المؤثر يؤثر فى الماهيات ، فكل ما بالغير فانه يرتفع بارتفاع الغير ، فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ماهية ولا حقيقة ، فبقدرته صارت الماهيات ماهيات ، وصارت الحقائق حقائق وقبل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت، وعند هذا يظهر صدق قولنا ((لا هو إلا هو)) و أي : لا تقرر لشيء من الماهيات ولا تخصص لشيء من الحقائق إلا بتقريره وتخصيصه ، فثبت أنه ((لا هو إلا هو)) والله أعلم. الباب الثامن في بقية المباحث عن أسماء الله تعالى ، وفيه مسائل المسئلة الأولى : اختلف العلماء في أن أسماء الله تعالى توقيفية أم اصطلاحية ، قال بعضهم لا يجوز اطلاق شيء من الأسماء والصفات على الله تعالى إلا إذا كان وارداً في القرآن ١٥٩ بقية المباحث عن أسمائه تعالى والأحاديث الصحيحة ، وقال آخرون : كل لفظ دل على معنى يليق بجلال الله وصفاته فهو جائز ، وإلا فلا ، وقال الشيخ الغزالي رحمة الله عليه : الاسم غير، والصفة غير، فاسمى محمد ، واسمك أبو بكر ، فهذا من باب الأسماء ، وأما الصفات فمثل وصف هذا الإنسان بكونه طويلاً فقيهاً كذا وكذا ، إذا عرفت هذا الفرق فيقال : أما إطلاق الاسم على الله فلا يجوز إلا عند وروده في القرآن والخبر ، وأما الصفات فانه لا يتوقف على التوقيف. واحتج الأولون بأن قالوا : ان العالم له أسماء كثيرة ، ثم انا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً ولا فقيهاً ، ولا نصفه بكونه متيقناً ولا بكونه متبيناً ، وذلك يدل على أنه لا بد من التوقيف ، وأجيب عنه فقيل : أما الطبيب فقد ورد ؛ نقل أن أبا بكر لما مرض قيل له : نحضر الطبيب؟ قال : الطبيب أمرضني ، وأما الفقيه فهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه بعد دخول الشبهة فيه ، وهذا القيد ممتنع الثبوت في حق الله تعالى ، وأما المتيقن فهو مشتق من يقن الماء في الحوض إذا اجتمع فيه ، فاليقين هو العلم الذي حصل بسبب تعاقب الأمارات الكثيرة وترادفها حتى بلغ المجموع إلى إفادة الجزم ، وذلك في حق الله تعالى محال وأما التبيين فهو عبارة عن الظهور بعد الخفاء ، وذلك لأن التبيين مشتق من البينونة والابانة وهي عبارة عن التفريق بين أمرين متصلين ، فاذا حصل في القلب اشتباه صورة بصورة ثم انفصلت إحداهما عن الأخرى فقد حصلت البينونة ؛ فلهذا السبب سمي ذلك بياناً وتبييناً ، ومعلوم أن ذلك فى حق الله تعالى محال . واحتج القائلون بانه لا حاجة إلى التوقيف بوجوه : الأول : أن أسماء الله وصفاته مذكورة بالفارسية وبالتركية وبالهندية ، وان شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار ، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها . الثاني : أن الله تعالى قال (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) والاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات المدح ونعوت الجلال ، فكل اسم دل على هذه المعاني كان اسماً حسناً ، فوجب جواز إطلاقه في حق الله تعالى تمسكاً بهذه الآية . الثالث : أنه لا فائدة في الألفاظ إلا رعاية المعاني ، فاذا كانت المعاني صحيحة كان المنع من إطلاق اللفظة المعينة عبثاً ، وأما الذي قاله الشيخ الغزالي رحمة الله تعالى عليه فحجته أن وضع الاسم في حق الواحد منا يعد سوء أدب ، ففي حق الله أولى ، أما ذكر الصفات بالألفاظ المختلفة فهو جائز في حقنامن غير منع ، فكذلك في حق البارىء تعالى. المسئلة الثانية : اعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على صفات لا يمكن إثباتها في حق الله تعالى، ونحن نعد منها صوراً ، فاحدها الاستهزاء ، قال تعالى ( الله يستهزىء بهم ) ثم ١٦٠ بقية المباحث عن أسمائه تعالى أن الاستهزاء جهل ، والدليل عليه أن القوم لما قالوا لموسى عليه السلام ( أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) وثانيها المكر، قال تعالى ( ومكروا ومكر الله ) وثالثها الغضب قال تعالى ( وغضب الله عليهم) ورابعها : التعجب ، قال تعالى ( ومكروا ومكر الله) وثالثها الغضب قال تعالى ( وغضب الله عليهم ) ورابعها : التعجب ، قال تعالى ( بل عجبت ويسخرون ) فمن قرأ عجبت بضم التاء كان التعجب منسوباً إلى الله ، والتعجب عبارة عن حالة تعرض في القلب عند الجهل بسبب الشيء ، وخامسها التكبر ، قال تعالى ( العزيز الجبار المتكبر ) وهو صفة ذم ، وسادسها الحياء ، قال تعالى ( ان الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما) والحياء عبارة عن تغير يحصل في الوجه والقلب عند فعل شيء قبيح. واعلم أن القانون الصحيح في هذه الألفاظ أن نقول : لكل واحد من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية ، وآثار تصدر عنها في النهاية ، مثاله أن الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دم القلب وسخونة المزاج ، والأثر الحاصل منها في النهاية ايصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فإذا سمعت الغضب في الحق الله تعالى فاحمله على نهايات الاعراض لا على بدايات الأعراض ، وقس الباقي عليه . المسئلة الثالثة : رأيت في بعض كتب التذكير أن لله تعالى أربعة آلاف اسم : ألف منها في القرآن والأخبار الصحيحة وألف منها في التوراة ، وألف في الإنجيل ، وألف في الزبور ويقال : ألف آخر في اللوح المحفوظ، ولم يصل ذلك الألف إلى عالم البشر، وأقول : هذا غير مستبعد ، فانا بينا أن أقسام صفات الله بحسب السلوب والاضافات غير متناهية ، ونبهنا على تقرير هذا الموضع وشرحناه شرحاً بليغاً ، بل نقول : كل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم الأعلى وتدبير العالم الأسفل أكثر ، كان اطلاعه على أسماء الله تعالى أكثر، ووقوفه على الصفات الموجبة للمدح والتعظيم أكثر ، فمن طالع تشريح بدن الانسان ووقف فيه على ما يقرب من عشرة آلاف نوع من أنواع الرحمة والحكمة في تخليق بدن الإنسان فقد حصل في عقله عشرة آلاف نوع من أسماء الله تعالى الدالة على المدح والتعظيم ، ثم ان من وقف على العدد الذي ذكرناه من أقسام الرحمة والحكمة في بدن الإنسان صار ذلك منبهاً للعقل على أن الذي لم يعرفه من أقسام الحكمة والرحمة في تخليق هذا البدن أكثر مما عرفه ، وذلك لما عرف أن الأرواح الدماغية من العصب سبعة ، عرف لكل واحد منها فائدة وحكمة ، ثم لما عرف أن كل واحد من هذا الأرواح ينقسم إلى ثلاثة أقسام أو أربعة عرف بالجبلة الشديدة وجه الحكمة في كل واحد من تلك الأقسام . ثم إن العقل يعلم أن كل واحد من تلك الأقسام ينقسم إلى شظايا دقيقة ، وكل واحدة من تلك الشظايا تنقسم إلى أقسام أخر 10: خطة/ ماذ ته خط :