Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
اللطائف المستنبطة من الاستعاذة
لم يكن حضوره مانعاً منه ، أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت الحكمة المانعة من
القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل ؛ فاذا قال العبد ( أعوذ بالله ) فكأنه قال أعوذ بالقادر
العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام.
النكتة الثانية عشرة: لما قال العبد ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) دل ذلك على أنه لا
يرضى بأن يجاور الشيطان ، وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص ، وعصيانه لا يضر هذا
المسلم في الحقيقة ، فاذا كان العبد لا يرضى بجوار العاصي فبأن لا يرضى بجوار عين المعصية
أولى.
النكتة الثالثة عشرة : الشيطان اسم ، والرجيم صفة ، ثم إنه تعالى لم يقتصر على
الاسم بل ذكر الصفة فكأنه تعالى يقول إن هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين فهل
سمعت أنه ضرنا أو فعل ما يسوءنا ؟ ثم إنا مع ذلك رجمناه حتى طردناه ، وأما أنت فلو جلس
هذا الشيطان معك لحظة واحدة لألقاك في النار الخالدة فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه فقل
( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) .
النكتة الرابعة عشرة: لقائل أن يقول: لم لم يقل ((أعوذ بالملائكة)) مع أن أدون ملك
من الملائكة يكفي في دفع الشيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر الله
تعالى ؟ وجوابه كأنه تعالى يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه ، بدليل قوله تعالى ( انه يراكم
هو وقبیله من حیث لا ترونهم ) وإنما نفذ كيده فيكم لأنه يراكم وأنتم لا ترونه ، فتمسكوا بمن
يرى الشيطان ولا يراه الشيطان ، وهو الله سبحانه وتعالى فقولوا ( أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم ) .
النكتة الخامسة عشرة ) أدخل الألف واللام في الشيطان ليكون تعريفاً للجنس ؛ لأن
الشياطين كثيرة مرئية وغير مرئية ، بل المرئي ربما كان أشد ، حكى عن بعض المذكرين أنه قال
في مجلسه : أن الرجل إذا أراد أن يتصدق فانه يأتيه سبعون شيطاناً فيتعلقون بيديه ورجليه
وقلبه ويمنعونه من الصدقة ، فلما سمع بعض القوم ذلك فقال : إني أقاتل هؤلاء السبعين ،
وخرج من المسجد وأتى المنزل وملأ ذيله من الحنطة وأراد أن يخرج ويتصدق به فوثبت زوجته
وجعلت تنازعه وتحاربه حتى أخرجت ذلك من ذيله ، فرجع الرجل خائباً إلى المسجد فقال
المذكر : ماذا عملت ؟ فقال: هزمت السبعين فجاءت أمهم فهزمتني ، وأما إن جعلنا الألف
واللام للعهد فهو أيضاً جائز لأن جميع المعاصي برضى هذا الشيطان ، والراضي يجري مجرى
الفاعل له ، وإذا استبعدت ذلك فاعرفه بالمسئلة الشرعية ، فان عند أبي حنيفة قراءة الامام

١٠٢
المسائل الملتحقة بالاستعاذة
قراءة للمقتدی من حیث رضي بها وسكت خلفه .
النكتة السادسة عشرة: الشيطان مأخوذ من ((شطن)) إذا بعد فحكم عليه بكونه بعيداً ،
وأما المطيع فقريب قال الله تعالى ( واسجد واقترب ) والله قريب منك قال الله تعالى ( وإذا
سألك عبادي عني فاني قريب ) وأما الرجيم فهو المرجوم بمعنى كونه مرمياً بسهم اللعن
والشقاوة وأما أنت فموصول بحبل السعادة قال الله تعالى ( وألزمهم كلمة التقوى ) فدل هذا
على أنه جعل الشيطان بعيداً مرجوماً! وجعلك قريباً موصولاً ، ثم أنه تعالى أخبر أنه لا يجعل
الشيطان الذي هو بعيد قريباً لأنه تعالى قال ( ولن تجد لسنة الله تحويلاً) فاعرف أنه لما جعلك
قريباً فانه لا يطردك ولا یبعدك عن فضله ورحمته.
النكتة السابعة عشرة : قال جعفر الصادق : إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ ، وأما سائر
الطاعات فانه لا يتعود فيها ، والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة
فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهراً فيقرأ بلسان طاهر كلاماً أنزل من رب طيب
طاهر.
النكتة الثامنة عشرة : كأنه تعالى يقول : انه شيطان رجيم ، وأنا رحمن رحيم ، فابعد
عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم.
النكتة التاسعة عشرة : الشيطان عدوك ، وأنت عنه غافل غائب ، قال تعالى ( أنه
يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) فعلى هذا لك عدو غائب ولك حبيب غالب ، لقوله
تعالى ( والله غالب على أمره ) فاذا قصدك العدو الغائب فافزع الى الحبيب الغالب ، والله
سبحانه وتعالى أعلم بمراده.
٠
الباب السابع
في المسائل الملتحقة بقوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )
المسئلة الأولى: فرق بين أن يقال ((أعوذ بالله)) وبين أن يقال (بالله أعوذ) فإن الأول
لا يفيد الحصر، والثاني يفيده ، فلم ورد الأمر بالأول دون الثاني مع أنا بينا أن الثاني أكمل
وأيضاً جاء قوله ((الحمد لله)) وجاء قوله ((الله الحمد)) وأما هنا فقد جاء ((أعوذ بالله وما جاء
قوله ((بالله أعوذ)) فما الفرق ؟
:

١٠٣
ا المسائل الملتحقة بالاستعاذة
المسئلة الثانية : قوله ( أعوذ بالله ) لفظه الخبر ومعناه الدعاء ، والتقدير : اللهم
أعذني ، ألا ترى أنه قال ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) كقوله ((أستغفر
اللّه)) أي اللهم إغفر لي، والدليل عليه أن قوله (أعوذ بالله ) إخبار عن فعله ، وهذا القدر لا
فائدة فيه إنما الفائدة في أن يعيذه الله، فما السبب في أنه قال ((أعوذ بالله )) ولم يقل أعذني ؟
والجواب أن بين الرب وبين العبد عهداً كما قال تعالى ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) وقال
( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) فكان العبد يقول أنا مع لؤم الإنسانية ونقص البشرية وفيت
بعهد عبوديتي حيث قلت ((أعوذ بالله)) فأنت مع نهاية الكرم وغاية الفضل والرحمة أولى بأن
تفي بعهد الربوبية فتقول : إني أعيذك من الشيطان الرجيم .
المسئلة ج : أعوذ فعل مضارع ، وهو يصلح للحال والاستقبال ، فهل هو حقيقة
فيهما ؟ والحق أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال ، وإنما يختص به بحرف السين وسوف .
(د) لم وقع الاشتراك بين الحاضر والمستقبل ، ولم يقع بين الحاضر والماضي ؟
(هـ) كيف المشابهة بين المضارع وبين الإسم .
(و) كيف العامل فيه ، ولا شك أنه معمول فما هو .
(ز) قوله ( أعوذ) يدل على أن العبد مستعيذ في الحال وفي كل المستقبل ، وهو الكمال ،
فهل يدل على أن هذه الاستعاذة باقية في الجنة .
(ح) قوله (أعوذ) حكاية عن النفس ، ولا بد من الأربعة المذكورة في قوله ( أتين ).
أما المباحث العقلية المتعلقة بالباء في قوله أعوذ بالله فهي كثيرة (أ) الباء في قوله ((بالله))
باء الإلصاق وفيه مسائل : -
المسئلة الأولى : البصريون يسمونه باء الإلصاق ، والكوفيون يسمونه باء الآلة ،
ويسميه قوم باء التضمين ، واعلم أن حاصل الكلام أن هذه الباء متعلقة بفعل لا محالة :
والفائدة فيه أنه لا يمكن إلصاق ذلك الفعل بنفسه إلا بواسطة الشيء الذي دخل عليه ، هذا
الباء فهو باء الإلصاق لكونه سبباً للإلصاق ، وباء الآلة لكونه داخلاً على الشيء الذي هو آلة .
المسئلة الثانية: اتفقوا على أنه لا بد فيه من إضمار فعل، فإنك إذا قلت ((بالقلم)) لم
يكن ذلك كلاماً مفيداً، بل لا بد وأن تقول ((كتبت بالقلم)) وذلك يدل على أن هذا الحرف
متعلق بمضمر، ونظيره قوله ((بالله لأفعلن )) ومعناه أحلف بالله لأفعلن ، فحذف أحلف لدلالة
الكلام عليه ، فكذا ههنا ، ويقول الرجل لمن يستأذنه في سفره : على اسم الله أي سرعلى اسم
الله .

١٠٤
المسائل الملتحقة بالاستعاذة
المسئلة الثالثة : لما ثبت أنه لا بد من الإضمار فنقول: الحذف في هذا المقام أفصح ،
والسبب فيه أنه لو وقع التصريح بذلك المضمر لاختص قوله ((أعوذ بالله)) بذلك الحكم المعين
أما عند الحذف فإنه يذهب الوهم كل مذهب ، ويقع في الخاطر أن جميع المهمات لا تتم إلا
بواسطة الاستعاذة بالله، وإلا عند الابتداء باسم الله، ونظيره أنه قال ((الله أكبر)) ولم يقل أنه
أكبر من الشيء الفلاني لأجل ما ذكرناه من إفادة العموم فكذا هنا .
المسئلة الرابعة : قال سيبوية لم يكن لهذه الباء عمل إلا الكسر فكسرت لهذا السبب ،
فإن قيل : كاف التشبيه ليس لها عمل إلا الكسرثم إنها ليست مكسورة بل مفتوحة ، قلنا :
كاف التشبيه قائم مقام الإسم ، وهو في العمل ضعيف، أما الحرف فلا وجود له إلا بحسب
هذا الأثر ، فکان فيه كلاماً قوياً
المسئلة الخامسة : الباء قد تكون أصلية كقوله تعالى ( قل ما كنت بدعاً من الرسل ) وقد
تكون زائدة وهي على أربعة أوجه : أحدها : للإلصاق وهي كقوله ( أعوذ بالله ) وقوله ( بسم
الله) وثانيهما للتبعيض عند الشافعي رضي الله عنه ، وثالثها لتأکید النفي کقوله تعالى ( وما
ربك بظلام للعبيد) ورابعها للتعدية كقوله تعالى ( ذهب الله بنورهم ) أي أذهب نورهم ،
وخامسها الباء بمعنى في قال :
حل بأعدائك ما حل بي
أي: حل في أعدائك، وأما باء القسم، وهو قوله ((بالله )) فهو من جنس باء
الإلصاق .
المسئلة السادسة : قال بعضهم : الياء في قوله ( وامُسحوا برؤسكم ) زائدة والتقدير :
وامسحوا رؤسكم ، وقال الشافعي رضي الله عنه إنها تفيد التبعيض ، حجة الشافعي رضي الله
عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون لغواً أو مفيداً، والأول باطل ؛ لأن الحكم بأن كلام
رب العالمين وأحكم الحاكمين لغو في غاية البعد ، وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة
فحمله على اللغو على خلاف الأصل ، فثبت أنه يفيد فائدة زائدة ، وکل من قال بذلك قال إن
تلك الفائدة هي التبعيض ، الثاني: أن الفرق بين قوله (( مسحت بيدي المنديل)) وبين قوله
((مسحت يدي بالمنديل )) يكفي في صحة صدقة ما إذا مسح يده بجزء من أجزاء المنديل .
الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض ، وأنكره بعضهم ، لكن رواية
الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ، ومقدار ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد
:

١٠٥
المسائل الملتحقة بالاستعاذة
أي مقدار يسمى بعضاً، فوجب الاكتفاء بمسح أقل جزء من الرأس ، وهذا هو قول
الشافعي ، والإِشكال عليه أنه تعالى قال ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) فوجب أن يكون
مسح أقل جزء من أجزاء الوجه واليد كافياً في التيمم ، وعند الشافعي لا بد فيه من الاتمام ، وله
أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء إلا أن عند
الشافعي الزيادة على النص ليست نسخاً فأوجبنا الإتمام لسائر الدلائل ، وفي مسح الرأس لم
يوجد دليل يدل على وجوب الإِتمام فاكتفينا بالقدر المذكور في هذا النص .
المسئلة السابعة : فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها قال محمد
في الزيادات: إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله تعالى لا يقع الطلاق ، وهو
كقوله : أنت طالق إن شاء الله ، ولو قال: لمشيئة الله يقع ، لأنه أخرجه مخرج التعليل ،
وكذلك أنت طالق بإرادة الله لا يقع الطلاق ، ولو قال لإرادة الله يقع ، أما إذا قال : أنت
طالق بعلم الله أو لعلم الله فإنه يقع الطلاق في الوجهين ، ولا بد من الفرق ، وثانيها قال في
كتاب الإيمان لو قال لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق ، فإنها تحتاج في
كل مرة إلى إذنه ، ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ، ولا بدمن الفرق ،
وثالثها لو قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثاً بألف ، فطلقت نفسها واحدة وقعت بثلث الألف ،
وذلك أن الباء ههنا تدل على البدلية فيوزع البدل على المبدل ، فصار بإزاء كل طلقة ثلث
الألف ، ولو قال : طلقي نفسك ثلاثاً على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي
حنيفة لأن لفظه ((على)) كلمة شرط ولم يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف .
قلت : وههنا مسائل كثيرة متعلقة بالباء .
(أ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول حرف الباء عليه ، فإذا قال :
بعت كذا بكذا ، فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط ، وعلى هذا الفرق بنى مسئلة البيع
الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسداً ، وإذا
قال بعت هذا الخمر بهذا الكرباس لم يصح ، والفرق أن في الصورة الأولى الخمر ثمن ، وفي
الصورة الثانية الخمر مثمن ، وجعل الخمر ثمناً جائز أما جعله مثمناً فإنه لا يجوز .
(ب) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم ،
وعند أبي حنيفة لا يتعين .
(ج) قال الله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لم الجنة ) فجعل
الجنة ثمناً للنفس والمال .

١٠٦
المسائل الملتحقة بالاستعاذة
ومن أصول الفقة مسائل (أ) الباء تدل على السببية قال الله تعالى ( ذلك بأنهم شاقوا
الله) ههنا الباء دلت على السببية ، وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ الباء على
السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب .
(ب) إذا قلنا الباء تفيد السببية فما الفرق بين باء السببية وبين لام السببية ، لا بد من
بيانه .
(ج) الباء في قوله (( سبحانك اللهم وبحمدك)) لا بد من البحث عنه فإنه لا يدري أن
هذه الباء بماذا تتعلق ، وكذلك البحث عن قوله ( ونحن نسبح بحمدك ) فإنه يجب البحث عن
هذه الباء .
(د) قيل : كل العلوم مندرج في الكتب الأربعة ، وعلومها في القرآن ، وعلوم القرآن في
الفاتحة ، وعلوم الفاتحة في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وعلومها في الباء من بسم الله ( قلت ).
لأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب ، وهذه الباء باء الإلصاق فهو يلصق العبد
بالرب ، فهو كمال المقصود .
النوع الثالث من مباحث هذا الباب ، مباحث حروف الجر .
فإن هذه الكلمة اشتملت على نوعين منها أحدهما الباء ؛ وثانيهما لفظ ((من)) فنقول:
في لفظ ((من )) مباحث : -
(أ) أنك تقول ((أخذت المال من ابنك)) فتكسر النون ثم تقول ((أخذت المال من
الرجل)) فتفتح النون ، فههنا اختلف آخر هذه الكلمة ، وإذا اختلفت الأحوال دلت على
اختصاص كل حالة بهذه الحركة ، فههنا اختلف آخر هذه الكلمة باختلاف العوامل ، فإنه لا
معنى للعامل إلا الأمر الدال على إستحقاق هذه الحركات ، فوجب كون هذه الكلمة معربة .
(ب) كلمة ((من)) وردت على وجوه أربعة : إبتداء الغاية ، والتبعيض ، والتبيين .
والزيادة
(ج) قال المبرد : الأصل هو إبتداء الغاية ، والبواقي مفرعة عليه ، وقال آخرون :
الأصل هو التبعيض ، والبواقي مفرعة عليه .
(د) أنكر بعضهم كونها زائدة ، وأما قوله تعالى ( يغفر لكم من ذنوبكم ) فقد بينوا أنه
يفيد فائدة زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ، ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله .
:

١٠٧
المسائل الملتحقة بالاستعاذة
(هـ) الفرق بين من وبين عن لا بد من ذكره قال الشيطان ( ثم لآتينهم من بين أيديهم
ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ) وفيه سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من
والثالث والرابع بلفظ عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الإستعاذة
بلفظ من فقال ( أعوذ بالله من الشيطان ) ولم يقل عن الشيطان .
النوع الرابع من مباحث هذا الباب : -
(أ) الشيطان مبالغة في الشيطنة ، كما أن الرحمن مبالغة في الرحمة ، والرجيم في حق
الشيطان فعيل بمعنى مفعول ، كما أن الرحيم في حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل ، إذا عرفت
هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم ، وهذا يقتضى المساواة
بينهما ، وهذا ينشأ عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان ، إلا أن الله هو الأخ
الكريم الرحيم الفاضل ، وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي ، فالعاقل يفر من هذا
الشرير إلى ذلك الخير .
(ب) الإله هل هو رحيم كريم ؟ فإن كان رحيماً كريماً فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه
على العباد ، وإن لم يكن رحيماً كريماً فأي فائدة في الرجوع إليه والإستعاذة به من شر الشيطان .
(ج) الملائكة في السموات هل يقولون ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإن ذكر وه فإنما
يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان .
(د) أهل الجنة في الجنة هل يقولون أعوذ بالله .
(هـ) الأنبياء والصديقون لم يقولون ( أعوذ بالله ) مع أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له
بهم في قوله ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) .
(و) الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم إلا في مجرد الدعوة حیث قال ( وما کان لی علیکم
من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) وأما الإنسان فهو الذي
ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شرنفسه أهم وألزم من إستعاذته من شر
الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك الجانب الأهم ؟

١٠٨
,مباحث البسملة
الكتاب الثاني
فی مباحث بسم الله الرحمن الرحيم وفيه أبواب
الباب الأول في مسائل جارية مجرة المقدمات وفيه مسائل
المسئلة الأولى ، قد بينا أن الباء من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) متعلقة بمضمر ،
فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون إسماً ، وأن يكون فعلاً، وعلى التقديرين فيجوز أن
يكون متقدماً، وأن يكون متأخراً، فهذه أقسام أربعة ، أما إذا كان متقدماً وكان فعلاً
فكقولك : أبدأ باسم الله ، وأما إذا كان متقدماً وكان إسماً فكقولك : ابتداء الكلام باسم
الله ، وأما إذا كان متأخراً وكان فعلاً فكقولك: بأسم الله أبدأ، وأما إذا كان متأخراً وكان إسماً
فكقولك : باسم الله ابتدائي ويجب البحث ههنا عن شيئين : الأول : أن التقديم أولى أم
التأخير؟ فنقول كلاهما وارد في القرآن ، أما التقديم فكقوله ( باسم الله مجراها ومرساها ) وأما
التأخير فكقوله ( إقرأ باسم ربك) وأقول : التقديم عندي أولى ، ويدل عليه وجوه :
الأول : أنه تعالى قديم واجب الوجود لذاته ، ليكون وجوده سابقاً على وجود غيره ، والسابق
بالذات يستحق السبق ، في الذكر ، الثاني: قال تعالى (هو الأول والآخر ) وقال ( لله الأمر
من قبل ومن بعد ) ، الثالث : أن التقديم في الذكر أدخل في التعظيم ، الرابع : أنه قال :
( إياك نعبد) فههنا الفعل متأخر عن الإسم ، فوجب أن يكون في قوله ( بسم الله ) كذلك ،
فيكون التقدير باسم الله ابتدى ، الخامس : سمعت الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رضى الله
عنه يقول : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير
الميهني مع الاستاذ أبي القاسم القشيري فقال الاستاذ القشيري : المحققون قالوا ما رأينا شيئاً
لا ورأينا الله بعده ، فقال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير : ذاك مقام المريدين أما المحققون
إنهم ما رأوا شيئاً إلا وكانوا قد رأوا الله قبله ، قلت : وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق
لى الخالق إشارة إلى برهان الآن ، والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان اللم ، ومعلوم أن
رهان اللم أشرف ، وإذا ثبت هذا فمن أضمر الفعل أو لا فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية
جوب الاستعانة باسم الله ومن قال ( باسم الله ) ثم أضمر الفعل ثانياً فكأنه رأى وجوب
لاستعانة بالله ثم نزل منه إلى أحوال نفسه .
المسئلة الثانية : إضمار الفعل أولى أم إضمار الإسم ، قال الشيخ أبو بكر الرازي :

١٠٩
مباحث البسملة
نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل ، وهو الأمر ، لأنه تعالى قال : ( إياك نعبد
وإياك نستعين ) والتقدير قولوا إياك نعبد وإياك نستعين ، فكذلك قوله : ( بسم الله الرحمن
الرحيم ) التقدير قولوا بسم الله ، وأقول لقائل أن يقول: بل إضمار الإسم أولى ، لأنا إذا
قلنا تقدير الكلام بسم الله ابتداء كل شيء كان هذا إخباراً عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث
وخالفاً لجميع الكائنات ، سواء قاله قائل أو لم يقله ، وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ، ولا
شك أن هذا الاحتمال أولى ، وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن الأولى أن يقال قولوا الحمد لله أو
الأولی أن یقال الحمد لله ؛ لأنه إخبار عن کونه في نفسه مستحقاً للحمد سواء قاله قائل أو لم
يقله .
المسئلة الثالثة: الجر يحصل بشيئين: أحدهما بالحرف كما في قوله: (( باسم)) والثاني
بالإضافة كما في ((الله)) من قوله: ((باسم الله)) وأما الجر الحاصل في لفظ ((الرحمن الرحيم))
فإنما حصل لكون الوصف تابعاً للموصوف في الإعراب ، فههنا أبحاث : أحدها أن حروف
الجرلم اقتضت الجر؟ وثانيها أن الإضافة لم اقتضت الجر ؟ وثالثها : أن اقتضاء الحرف أقوى
أو اقتضاء الإضافة، ورابعها أن الإضافة على كم قسم تقع ، قالوا إضافة الشيء إلى نفسه
محال ، فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل ، أو بين الشيء والخارج عن ذات الشيء
المنفصل عنه، أما القسم الأول فنحو ((باب حديد، وخاتم ذهب )) لأن ذلك الباب بعض
الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب، وأما القسم الثاني فكقولك ((غلام زيد)) فإن المضاف إليه
مغاير للمضاف بالكلية ، وأما أقسام النسب والإضافات فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد ؛
فإن أنواع النسب غير متناهية .
المسئلة الرابعة : كون الإسم إسماً للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الإسم
وبين الذات المخصوصة التي هي المسمى ، وتلك النسبة معناها أن الناس اصطلحوا على جعل
تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص ، فكأنهم قالوا متى سمعتم هذه
اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني ، فلما حصلت هذه النسبة بين الإِسم وبين
المسمى لا جرم صحت إضافة الإسم إلى المسمى ، فهذا هو المراد من إضافة الإسم إلى الله
تعالى .
المسئلة الخامسة: قال أبو عبيد: ذكر الإسم في قوله: (( بسم الله)) صلة زائدة ،
والتقدير بالله قال ، وإنما ذكر لفظة الإسم: إما للتبرك ، وإما ليكون فرقاً بينه وبين القسم ،
وأقول والمراد من قوله (( بسم الله)) قوله إبدؤوا بسم الله ، وكلام أبي عبيد ضعيف؛ لأنا لما
أمرنا بالابتداء فهذا الأمر إنما يتناول فعلاً من أفعالنا ، وذلك الفعل هو لفظنا وقولنا ، فوجب

١١٠
ماما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة
أن يكون المراد إبدأ بذكر الله، والمراد إبدأ ببسم الله، وأيضاً فالفائدة فيه أنه كما أن ذات الله
تعالى أشرف الذوات فكذلك ذكره أشرف الأذكار ، واسمه أشرف الأسماء ، فكما أنه في الوجود
سابق على كل ما سواه وجب أن يكون ذكره سابقاً على كل الأذكار ، وأن يكون اسمه سابقاً
على كل الأسماء ، وعلى هذا التقدير فقد حصل في لفظ الإسم هذه الفوائد الجليلة .
الباب الثاني
فيما يتعلق بهذه الكلمة من القراءة والكتابة
أما المباحث المتعلقة بالقراءة فكثيرة : -
المسئلة الأولى: أجمعوا على أن الوقف على قوله ((بسم)) ناقص قبيح ، وعلى قوله ((بسم
الله)) أو على قوله (( بسم الله الرحمن)) كاف صحيح، وعلى قوله (( بسم الله الرحمن الرحيم )) تام
واعلم أن الوقف لا بد وأن يقع على أحد هذه الأوجه الثلاثة ، وهو أن يكون ناقصاً ، أو كافياً
أو كاملاً ، فالوقف على كل كلام لا يفهم بنفسه ناقص ، والوقف على كل كلام مفهوم المعاني إلا
أن ما بعده يكون متعلقاً بما قبله يكون كافياً ، والوقف على كل كلام تام ويكون ما بعده منقطعاً
عنه يكون وقفاً تاماً .
ثم لقائل أن يقول: قوله ((الحمد لله رب العالمين)) كلام تام، إلا أن قوله ((الرحمن
الرحيم ملك)) متعلق بما قبله ، لأنها صفات ، والصفات تابعة للموصوفات ، فإن جاز قطع
الصفة عن الموضوف وجعلها وحدها آيةَ فَلِمَ يقولوا بسم الله الرحمن آية ؟ ثم يقولوا الرحيم آية
ثانية ، وإنْ لم يجز ذلك فكيف جعلوا الرحمن الرحيم آية مستقلة ، فهذا الإشكال لا بد من
جوابه .
المسئلة الثانية: أطبق القراء على ترك تغليظ اللام في قوله ((بسم الله)) وفي قوله ((الحمد
الله)) والسبب فيه أو الانتقال من الكسرة إلى اللام المفخمة ثقيل؛ لأن الكسرة توجب التسفل ،
واللام المفخمة حرف مستعمل ، والانتقال من التسفل إلى التصعد ثقيل ، وإنما استحسنوا
تفخيم اللام وتغليظها من هذه الكلمة في حال كونها مرفوعة أو منصوبة كقوله ( الله لطيف
بعباده قل هو الله أحد) وقوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) .
المسئلة الثالثة : قالوا المقصود من هذا التفخيم أمران : الأول : الفرق بينه وبين لفظ
:

١١١
ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة
اللاة في الذكر . الثاني أن التفخيم مشعر بالتعظيم ، وهذا اللفظ يستحق المبالغة في التعظيم ،
الثالث أن اللام الرقيقة إنما تذكر بطرق اللسان ، وأما هذه اللام المغلظة فإنما تذكر بكل
اللسان فكان العمل فيه أكثر فوجب أن يكون أدخل في الثواب ؛ وأيضاً جاء في التوراة يا
موسى أجب ربك بكل قلبك ، فههنا كان الإنسان يذكر ربه بكل لسانه ، وهو يدل على أنه
يذكره بكل قلبه ، فلا جرم كان هذا أدخل في التعظيم .
المسئلة الرابعة : لقائل أن يقول : نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى
الطاء ، وكنسبة السين إلى الصاد ، فإن الدال تذكر بطرف اللسان والطاء تذكر بكل اللسان
وكذلك السين تذكر بطرف اللسان والصاد تذكر بكل اللسان ، فثبت أن نسبة اللام الرقيقة إلى
اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء وكنسبة السين إلى الصاد ، ثم إنا رأينا أن القوم قالوا الدال
حرف والطاء حرف آخر ، وكذلك السين حرف والصاد حرف آخر فكان الواجب أيضاً أن
يقولوا : اللام الرقيقة حرف واللام الغليظة حرف آخر ، وإنهم ما فعلوا ذلك ولا بد من
الفرق .
المسئلة الخامسة: تشديد اللام من قولك ((الله)) للإدغام فإنه حصل هناك لامان الأولى
لام التعريف وهي ساكنة والثانية لام الأصل وهي متحركة ، وإذا التقى حرفان مثلان من
الحروف كلها وكان أول الحرفين ساكناً والثاني متحركاً أدغم الساكن في المتحرك ضرورة سواء
كانا في كلمتين أو كلمة واحدة ، أما في الكلمتين فكما في قوله ( فما ربحت تجارتهم ، وما بكم
من نعمة ، ما لهم من الله) وأما في الكلمة الواحدة فكما في هذه الكلمة .
واعلم أن الألف واللام والواو والياء إن كانت ساكنة امتنع اجتماع مثلين ، فامتنع الإدغام
لهذا السبب ، وإن كانت متحركة واجتمع فيها مثلان كان الإدغام جائزاً .
المسئلة السادسة : لأرباب الإشارات والمجاهدات ههنا دقيقة ، وهي أن لام التعريف
ولام الأصل من لفظة ((الله)) اجتمعا فأدغم أحدهما في الثاني، فسقط لام المعرفة وبقي لام لفظة
الله، وهذا كالتنبيه على أن المعرفة إذا حصلت إلى حضرة المعروف سقطت المعرفة وفنيت
وبطلت ، وبقي المعروف الأزلي كما كان من غير زيادة ولا نقصان .
المسئلة السابعة : لا يجوز حذف الألف من قولنا : الله في اللفظ ، وجاز ذلك في ضرورة
الشعر عند الوقف عليه ، قال بعضهم : -
أقبل سيل جاء من عند الله
يجود جود الجنة المغلة

١١٢
ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة
انتهى ، ويتفرع على هذا البحث مسائل في الشريعة : إحداها : أنه عند الحلف لو قال
بله فهل ينعقد يمينه أم لا قال بعضهم : لا ؛ لأن قوله بله إسم للرطوبة فلا ينعقد اليمين ،
وقال آخرون ينعقد اليمين به لأنه بحسب أصل اللغة جائز ، وقد نوى به الحلف فوجب أن
تنعقد وثانيها : لو ذكره على هذه الصفة عند الذبيحة هل يصح ذلك أم لا، وثالثها : لو ذكر
قوله ((الله)) في قوله ((والله أكبر)) هل تنعقد الصلاة به أم لا ؟
المسئلة الثامنة : لم يقرأ أحد الله بالأمانة إلا قتيبة في بعض الروايات انتهى .
المسئلة التاسعة: تشديد الراء من قوله ((الرحمن الرحيم)) لأجل إدغام لام التعريف في
الراء ، ولا خلاف بين القراء في لزوم إدغام لام التعريف في اللام ، وفي ثلاثة عشر حرفاً سواه
وهي : الصاد ، والضاد ، والسين ، والشين ، والدال، والذال، والراء ، والزاي ،
والطاء ، والظاء ، والتاء ، والثاء ، والنون ، انتهى . كقوله تعالى ( الثائبون العابدون
الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) والعلة
الموجبة لجواز الإدغام قرب المخرج ، فإن اللام وكل هذه الحروف المذكورة مخرجها من طرف
اللسان وما يقرب منه ، فحسن الإدغام ، ولا خلاف بين القراء في امتناع إدغام لام التعريف فيما
عدا هذه الثلاثة عشر كقوله : ( العابدون الحامدون الآمرون بالمعروف) كلها بالإظهار ، وإنما
لم يجز الإدغام فيها لبعد المخرج ، فإنه إذا بعد مخرج الحرف الأول عن مخرج الحرف الثاني ثقل
النطق بهما دفعة فوجب تمييز كل واحد منهما عن الآخر ، بخلاف الحرفين اللذين يقرب
مخرجاهما ، لأن التمييز بينهما مشكل صعب .
المسئلة العاشرة : أجمعوا على أنه لا يمال لفظ ((الرحمن)) وفي جواز إمالته قولان للنحويين
أحدهما : أنه يجوز ، ولعله قول سيبوية ، وعلة جوازه إنكسار النون بعد الألف، والقول
الثاني : وهو الأظهر عند النحويين ، أنه لا يجوز .
المسئلة الحادية عشرة: أجمعوا على أن إعراب ((الرحمن الرحيم)) هو الجر لكونهما صفتين
للمجرور الأول إلا أن الرفع والنصب جائزان فيهما بحسب النحو ، أما الرفع فعلى تقدير بسم
الله هو الرحمن الرحيم ، وأما النصب فعلى تقدير بسم الله أعني الرحمن الرحيم .
النوع الثاني من مباحث هذا الباب ما يتعلق بالخط ، وفيه مسائل : -
المسئلة الأولى: طولوا الباء من (( بسم الله)) وما طولوها في سائر المواضع ، وذكروا في
الفرق وجهين : الأول : أنه لما حذفت ألف الوصل بعد الباء طولوا هذه الباء ليدل طولها على
:

١١٣
ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة
الألف المحذوفة التي بعدها ، ألا ترى أنهم لما كتبوا ( إقرأ باسم ربك ) بالألف ردوا الباء إلى
صفتها الأصلية ، الثاني : قال القتيبي ، إنما طولوا الباء لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله
إلا بحرف معظم ، وكان عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه : طولوا الباء ، وأظهروا السين .
ودوروا الميم تعظيماً لكتاب الله .
المسئلة الثانية : قال أهل الإشارة والباء حرف منخفض في الصورة فلما اتصل بكتبة لفظ
الله ارتفعت واستعلت ، فنرجو أن القلب لما اتصل بخدمة الله عز وجل أن يرتفع حاله ويعلو
شأنه .
المسئلة الثالثة: حذفوا ألف ((اسم)) من قوله (( بسم الله)) وأثبتوه في قوله ( إقرأ باسم
ربك) والفرق من وجهين: الأول: أن كلمة ((باسم الله)) مذكورة في أكثر الأوقات عند أكثر
الأفعال ، فلأجل التخفيف حذفوا الألف، بخلاف سائر المواضع فإن ذكرها قليل . الثاني :
قال الخليل: إنما حذفت الألف في قوله (( بسم الله)) لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين
الساكنة غير ممكن ، فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط ، وإنما لم
تسقط في قوله ( إقرأ باسم ربك ) لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في ( بسم
الله) لأنه يمكن حذف الباء من ( إقرأ باسم ربك ) مع بقاء المعنى صحيحاً ، فإنك لو قلت إقرأ
اسم ربك صح المعنى، أما لو حذفت الباء من (( بسم الله)) لم يصح المعنى فظهر الفرق .
المسئلة الرابعة : كتبوا لفظة الله بلامين ، وكتبوا لفظة الذي بلام واحدة ، مع استوائهما
في اللفظ وفي كثرة الدوران على الألسنة ، وفي لزوم التعريف ، والفرق من وجوه : الأول أن
قولنا ((الله)) إسم معرب متصرف تصرف الأسماء ، فأبقوا كتابته على الأصل ، أما قولنا
((الذي )) فهو مبنى لأجل أنه ناقص ؛ لأنه لا يفيد إلا مع صلته فهو كبعض الكلمة ، ومعلوم
أن بعض الكلمة يكون مبنياً ، فأدخلوا فيه النقصان لهذا السبب ، ألا ترى أنهم كتبوا قولهم
((اللذان)) بلامين ، لأن التثنية أخرجته عن مشابهة الحروف، فإن الحرف لا يثنى.
الثاني: أن قولنا ((الله)) لو كتب بلام واحدة لالتبس بقوله إله ، وهذا الالتباس غير
حاصل في قولنا الذي .
الثالث : أن تفخيم ذكر الله في اللفظ واجب ، فكذا في الخط ، والحذف ينافي التفخيم
وأما قولنا ((الذي)) فلا تفخيم له في المعنى فتركوا أيضاً تفخيمه في الخط .
المسئلة الخامسة: إنما حذفوا الألف قبل الهاء من قولنا ((الله)) في الخط لكراهتهم اجتماع
الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة ، وهو مثل كراهتهم اجتماع الحروف المتماثلة فى اللفظ عند
الفخر الرازي ج ١ م ٨

١١٤٠
مسمكة
مباحث الاسم العقلية والنقلية
القراءة .
المسئلة السادسة: قالوا: الأصل في قولنا ((الله)) الإله ، وهي ستة حروف، فلما
أبدلوه بقولهم ((الله)) بقيت أربعة أحرف في الخط : همزة ، ولامان، وهاء ؛ فالهمزة من
أقصى الحلق واللام من طرف اللسان ، والهاء من أقصى الحلق ، وهو إشارة إلى حالة
عجيبة ، فإن أقصى الحلق مبدأ التلفظ بالحروف، ثم لا يزال يترقى قليلاً قليلاً إلى أن يصل إلى
طرف اللسان ثم يعود إلى الهاء الذي هو في داخل الحلق، ومحل الروح ، فكذلك العبد يبتدى
من أول حالته التي هي حالة النكرة والجهالة ، ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية ، حتى
إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار أخذ يرجع قليلاً
قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد ، فهو إشارة إلى ما قيل : النهاية رجوع إلى
البداية .
المسئلة السابعة: إنما جاز حذف الألف قبل النون من ((الرحمن)) في الخط على سبيل
التخفيف ، ولو كتب بالألف حسن ، ولا يجوز حذف الياء من الرحيم ، لأن حذف الألف من
الرحمن لا يخل بالكلمة ولا يحصل فيها التباس ، بخلاف حذف الياء من الرحيم .
الباب الثالث
من هذا الكتاب في مباحث الاسم، وهي نوعان
أحدهما : ما يتعلق من المباحث النقلية بالاسم ، والثاني : ما يتعلق من المباحث
العقلية بالاسم.
النوع الأول: وفيه مسائل : -
المسئلة الأولى : في هذا اللفظ لغتان مشهورتان ، تقول العرب : هذا اسمه وسمه ،
قال : باسم الذي في كل سورة سمه .
وقيل : فيه لغتان غيرهما سم وسم ، قال الكسائي : إن العرب تقول تارة السم بكسر
الألف وأخرى بضمه ، فاذا طرحوا الألف قال الذين لغتهم كسر الألف سم ، وقال الذين لغتهم
ضم الألف سم ، وقال ثعلب : من جعل أصله من سما يسمى قال اسم وسم ، ومن جعل

١١٥
مباحث الاسم العقلية والنقلية
أصله من سما يسموقال اسم وسم ، وقال المبرد : سمعت العرب تقول أسمه وأُسمه وسمه
وسمه وسماه .
المسئلة الثانية : أجمعوا على أن تصغير الاسم سمى وجمعه أسماء وأسامي .
المسئلة الثالثة : في اشتقاقه قولان: قال البصريون : هو مشتق من سما يسمو إذا علا
وظهر ، فاسم الشيء ما علاه ، حتى ظهر ذلك الشيء به ، وأقول : اللفظ معرف للمعنى ،
ومعرف الشيء متقدم في المعلومية على المعرف، فلا جرم كان الاسم عالياً على المعنى ومتقدماً
عليه ، وقال الكوفيون : هو مشتق من وسم يسم سمة ، والسمة العلامة ، فالاسم كالعلامة
المعرفة للمسمى ، حجة البصريين لو كان اشتقاق الاسم من السمة لكان تصغيره وسيماً وجمعه
أوساماً.
المسئلة الرابعة : الذين قالوا اشتقاقه من السمة قالوا أصله من وسم يسم ، ثم حذف
منه الواو ، ثم زيد فيه ألف الوصل عوضاً عن المحذوف كالعدة والصفة والزنة ، أصله الوعد
والوصف والوزن ، أسقط منها الواو ، وزيد فيها الهاء ، وأما الذين قالوا اشتقاقه من السمو
وهو العلو، فلهم قولان : الأول: أن أصل الاسم من سما يسمو وسما يسمى ، والأمر فيه
اسم : كقولنا ادع من دعوت ، أو اسم مثل ارم من رميت ، ثم إنهم جعلوا هذه الصيغة اسماً
وأدخلو عليها وجوه الاعراب ، وأخرجوها عن حد الأفعال ، قالوا : وهذا كما سموا البعير
يعملا ، وقال الاخفش : هذا مثل الآن فان أصله آن يئين إذا حضر، ثم أدخلوا الألف واللام
على الماضي من فعله ، وتركوه مفتوحاً ، والقول الثاني : أصله سمو مثل حمو ، وإنما حذفت
الواو من آخره استثقالا لتعاقب الحركات عليها مع كثرة الدوران ، وإنما أعربوا الميم لانها
صارت بسبب حذف الواو آخر الكلمة فنقل حركة الواو اليها ، وإنما سكنوا السين لأنه لما
حذفت الواو بقي حرفان أحدهما ساكن والآخر متحرك ، فلما حرك الساكن وجب تسكين
المتحرك ليحصل الاعتدال، وإنما أدخلت الهمزة في أوله لأن الابتداء بالساكن محال ، فاحتاجوا
إلى ذكر ما يبتدأ به ، وإنما خصت الهمزة بذلك لأنها من حروف الزيادة.
النوع الثاني من مباحث هذا الباب ، المسائل العقلية : -
فنقول: أما حد الاسم وذكر أقسامه وأنواعه ، فقد تقدم ذكره في أول هذا الكتاب
وبقي ههنا مسائل : -
المسئلة الأولى : قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير
التسمية وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية ، والمختار عندنا أن الاسم

١١٦
مباحث الاسم العقلية والنقلية
غير المسمى وغير التسمية.
وقبل الخوض في ذكر الدلائل لا بد من التنبيه على مقدمة؛ وهي أن قول القائل ((الاسم
هل هو نفس المسمى أم لا)) يجب أن يكون مسبوقاً ببيان أن الاسم ما هو ، وأن المسمى ما
هو، حتى ينظر بعد ذلك في أن الاسم هل هو نفس المسمى أم لا ، فنقول : إن كان المراد
بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة ، وبالمسمى تلك الذوات في
أنفسها ، وتلك الحقائق بأعيانها ، فالعلم الضروري حاصل بأن الاسم غير المسمى ، والخوض
في هذه المسئلة على هذا التقدير يكون عبثاً، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى ، وبالمسمى
أيضاً تلك الذات كان قولنا الاسم هو المسمى معناه أن ذات الشيء عين الشيء ، وهذا وإن
كان حقاً إلا أنه من باب إيضاح الواضحات وهو عبث ، فثبت أن الخوض في هذا البحث على
جميع التقديرات يجري مجرى العبث.
المسئلة الثانية : اعلم انا استخرجنا لقول من يقول الاسم نفس المسمى تأويلا لطيفاً
دقيقاً ، وبيانه أن الاسم اسم لكل لفظ دل على معنى من غير أن يدل على زمان معين ، ولفظ
الاسم كذلك ، فوجب أن يكون لفظ الاسم إسماً لنفسه ، فيكون لفظ الاسم مسمى بلفظ
الاسم ، ففي هذه الصورة الاسم نفس المسمى ، إلا أن فيه إشكالا ، وهو أن كون الاسم
إسما للمسمى من باب الاسم المضاف، وأحد المضافين لا بد وأن يكون مغايراً للآخر :
المسئلة الثالثة : في ذكر الدلائل الدالة على أن الاسم لا يجوز أن يكون هو المسمى ،
وفيه وجوه : -
الأول : أن الاسم قد يكون موجوداً مع كون المسمى معدوماً، فإن قولنا ((المعدوم
منفى )) معناه سلب لا ثبوت له ، والألفاظ موجودة مع أن المسمى بها عدم محض ونفي صرف،
وأيضاً قد يكون المسمى موجوداً والاسم معدوماً مثل الحقائق التي ما وضعوا لها أسماء معينة ،
وبالجملة فثبوت كل واحد منهما حال عدم الآخر معلوم مقرر وذلك يوجب المغايرة .
الثاني : أن الأسماء تكون كثيرة مع كون المسمى واحد كالأسماء المترادفة ، وقد يكون
الاسم واحداً والمسميات كثيرة كالأسماء المشتركة ، وذلك أيضاً يوجب المغايرة .
الثالث : أن كون الاسم إسماً للمسمى وكون المسمى مسمى بالاسم من باب الإضافة
كالمالكية والمملوكية ، وأحد المضافين مغاير للآخر ولقائل أن يقول : يشكل هذا بكون الشيء
عالماً بنفسه .
:

١١٧
مباحث الاسم العقلية والنقلية
الرابع : الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات ، وتلك الأصوات أعراض
غير باقية ، والمسمى قد يكون باقياً ، بل يكون واجب الوجود لذاته .
الخامس : أنا إذا تلفظنا بالنار والثلج فهذان اللفظان موجودان في ألسنتنا ، فلو كان
الاسم نفس المسمى لزم أن يحصل في ألسنتنا النار والثلج ، وذلك لا يقوله عاقل.
السادس: قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقوله ﴿وَله﴾ ((إن الله تعالى
تسعة وتسعين إسماً)) فههنا الأسماء كثيرة والمسمى واحد ، وهو الله عز وجل.
السابع : أن قوله تعالى ( بسم الله) وقوله ( تبارك اسم ربك ) ففي هذه الآيات يقتضي
إضافة الاسم إلى الله تعالى وإضافة الشيء إلى نفسه محال.
الثامن: أنا ندرك تفرقة ضرورية بين قولنا إسم الله ، وبين قولنا اسم الاسم ، وبين
قولنا الله الله ، وهذا يدل على أن الاسم غير المسمى.
التاسع ، أنا نصف الأسماء بكونها عربية وفارسية فنقول : الله اسم عربي ، وخداي
اسم فارسي ، وأما ذات الله تعالى فمنزه عن كونه كذلك.
العاشر: قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أمرنا بأن ندعو الله بأسمائه
فالاسم آلة الدعاء ، والمدعو هو الله تعالى ، والمغايرة بين ذات المدعو وبين اللفظ الذي يحصل
به الدعاء معلوم بالضرورة .
واحتج من قال الاسم هو المسمى بالنص ، والحكم ، أما النص فقوله تعالى ( تبارك
اسم ربك ) والمتبارك المتعالي هو الله تعالى لا الصوت ولا الحرف ، وأما الحكم فهو أن الرجل
إذا قال : زينب طالق ، وكان زينب إسماً لإمرأته وقع عليها الطلاق ، ولو كان الاسم غير
المسمى لكان قد أوقع الطلاق على غير تلك المرأة ، فكان يجب أن لا يقع الطلاق عليها.
والجواب عن الأول أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : كما أنه يجب علينا أن نعتقد كونه
تعالى منزها عن النقائص والآفات ، فكذلك يجب علينا تنزيه الألفاظ الموضوعة لتعريف ذات
الله تعالى وصفاته عن العبث والرفث وسوء الأدب .
وعن الثاني أن قولنا زينب طالق معناه أن الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق ،
فلهذا السبب وقع الطلاق عليها .

١١٨
مباحث الاسم العقلية والنقلية
المسئلة الرابعة التسمية عندنا غير الاسم ، والدليل عليه أن التسمية عبارة عن تعيين
اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة ، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته ، وأما الاسم
فهو عبارة عن تلك اللفظة المعينة . والفرق بينهما معلوم بالضرورة.
المسئلة الخامسة : قد عرفت أن الألفاظ الدالة على تلك المعاني تستتبع ذكر الألفاظ الدالة
على ارتباط بعضها بالبعض ، فلهذا السبب الظاهر وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع.
الحروف، فأما الأفعال والاسماء فأيهما أسبق ؟ الأظهر أن وضع الاسماء سابق على وضع
الأفعال ، ويدل عليه وجوه : -
الأول : أن الإسم لفظ دال على الماهية ، والفعل لفظ دال على حصول الماهية بشيء من
الأشياء في زمان معين ، فكان الإسم مفرداً والفعل مركباً ، والمفرد سابق على المركب بالذات
والرتبة ، فوجب أن يكون سابقاً عليه في الذكر واللفظ .
الثاني : أن الفعل يمتنع التلفظ به إلا عند الإسناد إلى الفاعل ، أما اللفظ الدال على
ذلك الفاعل فقد يجوز التلفظ به من غير أن يسند إليه الفعل ، فعلى هذا الفاعل غني عن
الفعل ، والفعل محتاج إلى الفاعل ، والغني سابق بالرتبة على المحتاج ، فوجب أن يكون سابقاً
عليه في الذكر .
الثالث : أن تركيب الإسم مع الإسم مفيد ، وهو الجملة المركبة من المبتدأ والخبر ، أما
تركيب الفعل مع الفعل فلا يفيد البتة ، بل ما لم يحصل في الجملة الإِسم لم يفد التة ، فعلمنا
أن الإسم متقدم بالرتبة ، على الفعل ، فكان الأظهر تقدمه عليه بحسب الوضع .
المسئلة السادسة : قد علمت أن الإسم قد يكون إسماً للماهية من حيث هي هي ، وقد
يكون إسماً مشتقاً وهو الإسم الدال على كون الشيء موصوفاً بالصفة الفلانية كالعالم والقادر ،
والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على المشتقات ، لأن الماهيات مفردات والمشتقات
مركبات والمفرد قبل المركب .
المسئلة السابعة : يشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات
القائمة بأنفسها ؛ لأنا لا نعرف الذوات إلا بواسطة الصفات القائمة بها ، والمعرف معلوم قبل
المعرف والسبق في المعرفة يناسب السبق في الذكر .
المسئلة الثامنة في أقسام الأسماء الواقعة على المسميات : أعلم أنها تسعة ، فأولها الإسم
الواقع على الذات ، وثانيها الإسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزاء ذاته كما إذا قلنا
.

١١٩
مباحث الاسم العقلية والنقلية:
للجدار إنه جسم وجوهر ، وثالثها الإسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته
كقولنا للشيء إنه أسود وأبيض وحار وبارد فإن السواد والبياض والحرارة والبرودة صفات
حقيقية قائمة بالذات لا تعلق لها بالأشياء الخارجية ، ورابعها الإسم الواقع على الشيء بحسب
صفة إضافية فقط كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومذكور ومالك ومملوك ، وخامسها الإسم
الواقع على الشيء بحسب حالة سلبية كقولنا إنه أعمى وفقير وقولنا إنه سليم عن الآفات خال
عن المخلفات ، وسادسها الإسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كقولنا
للشيء إنه عالم وقادر فإن العلم عند الجمهور صفة حقيقية ولها إضافة إلى المعلومات والقدرة
صفة حقيقية ولها إضافة إلى المقدورات ، وسابعها الإسم الواقع على الشيء بحسب صفة
حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً .
وثامنها الإِسم الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية مع صفة سلبية مثل لفظ الأول فإنه عبارة
عن مجموع أمرين أحدهما أن يكون سابقاً على غيره وهو صفة إضافية والثاني أن لا يسبقه غيره
وهو صفة سلبية ، ومثل القيوم فإن معناه كونه قائماً بنفسه مقوماً لغيره فقيامه بنفسه أنه لا يحتاج
إلى غيره وتقويمه لغيره احتياج غيره إليه ، والأول سلب ، والثاني إضافة، وتاسعها الإسم
الواقع على الشيء بحسب مجموع صفة حقيقية وإضافية وسلبية ، فهذا هو القول في تقسيم
الأسماء ، وسواء كان الإسم إسماً لله سبحانه وتعالى أو لغيره من أقسام المحادثات فإنه لا يوجد
قسم آخر من أقسام الأسماء غير ما ذكرناه .
المسئلة التاسعة في بيان أنه هل الله تعالى بحسب ذاته المخصوصة إسم أم لا ؟ أعلم أن
الخوض في هذه المسئلة مسبوق بمقدمات عالية من المباحث الآلهية .
المقدمة الأولى : أنه تعالى مخالف لخلقه ، لذاته المخصوصة لا لصفة ، والدليل عليه أن
ذاته من حيث هي هي مع قطع النظر عن سائر الصفات إن كانت مخالفة لخلقه فهو المطلوب ،
وإن كانت مساوية لسائر الذوات فحينئذ تكون مخالفة ذاته لسائر الذوات لا بد وأن يكون
لصفة زائدة ، فاختصاص ذاته بتلك الصفة التي لأجلها وقعت المخالفة إن لم يكن لأمر البتة
فحينئذ لزم رجحان الجائز لا لمرجح ، وإن كان لأمر آخر لزم إما التسلسل وإماٍ الدور وهما
محالان ، فإن قيل ؛ هي قولنا فهذا يقتضى أن تكون خصوصية تلك الصفة لصفة أخرى ويلزم
منه التسلسل وهو محال .
المقدمة الثانية : أنا نقول : إنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ، لأن سلب الجسمية
والجوهرية مفهوم سلبي، وذاته المخصوصة أمر ثابت ، والمغايرة بين السلب والثبوت معلوم

١٢٠
(مباحث الاسم العقلية والنقلية
بالضرورة ، وأيضاً فذاته المخصوصة ليست عبارة عن نفس القادرية والعالمية ، لأن المفهوم من
القادرية والعالمية مفهومات إضافية ، وذاته ذات قائمة بنفسها ، والفرق بين الموجود القائم
بالنفس وبين الاعتبارات النسبية والإإضافية معلوم بالضرورة .
المقدمة الثالثة : في بيان أنا في هذا الوقت لا نعرف ذاته المخصوصة ، ويدل عليه
وجوه : -
الأول : أنا إذا رجعنا إلى عقولنا وأفهامنا لم نجد عند عقولنا من معرفة الله تعالى إلى
أحد أمور أربعة : إما العلم بكونه موجوداً ، وإما العلم بدوام وجوده ، وإما العلم بصفات
الجلال وهي الاعتبارات السلبية ، وإما العلم بصفات الإكرام وهي الاعتبارات الإضافية ،
وقد ثبت بالدليل أن ذاته المخصومة مغايرة لكل واحد من هذه الأربعة ؛ فإنه ثبت بالدليل أن
حقيقته غير وجوده ، وإذا كان كذلك كانت حقيقته أيضاً مغايرة لدوام وجوده ، وثبت أن
حقيقته غير سلبية وغير إضافية ، وإذا كان لا معلوم عند الخلق إلا أحد هذه الأمور الأربعة
وثبت أنها مغايرة لحقيقته المخصوصة ، ثبت أن حقيقته المخصوصة غير معلومة للبشر.
الثاني : أن الاستقراء التام يدل على أنا لا يمكننا أن نتصور أمراً من الأمور إلا من طرق
أمور أربعة : أحدها الأشياء التي أدركناها بإحدى هذه الحواس الخمس ، وثانيها الأحوال
التي ندركها من أحوال أبداننا كالألم واللذة والجوع والعطش والفرح والغم ، وثالثها الأحوال
التي ندركها بحسب عقولنا مثل علمنا بحقيقة الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب
والإمكان ، ورابعها الأحوال التي يدركها العقل والخيال من تلك الثلاثة ، فهذه الأشياء هي
التي يمكننا أن نتصورها وأن ندركها من حيث هي هي ، فإذا ثبت هذا وثبت أن حقيقة الحق
سبحانه وتعالى مغايرة لهذه الأقسام ، ثبت أن حقيقته غير معقولة للخلق .
الثالث : أن حقيقته المخصوصة علة لجميع لوازمه من الصفات الحقيقية والإضافية
والسلبية والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، ولو كانت حقيقته المخصوصة معلومة لكانت
صفاته بأسرها معلومة بالضرورة ، وهذا معدوم فذاك معدوم ، فثبت أن حقيقة الحق غير معقولة
للبشر.
المقدمة الرابعة : في بيان أنها وإن لم تكن معقولة للبشر فهل يمكن أن تصير معقولة
لهم .
المقدمة الخامسة : في بيان أن البشر وإن امتنع في عقولهم إدراك تلك الحقيقة المخصوصة
: