Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ انواع المفاعيل المسئلة الحادية والثلاثون : المرفوعات سبعة : الفاعل ، والمبتدأ ، وخبره ، وإسم كان ، وإسم ما ولا المشبهتين بليس ، وخبر أن ، وخبر لا النافية للجنس ، ثم قال الخليل الأصل في الرفع الفاعل ، والبواقي مشبهة به ، وقال سيبوية : الأصل هو المبتدأ ، والبواقي مشبهة به ، وقال الأخفش : كل واحد منهما أصل بنفسه ، واحتج الخليل بأن جعل الرفع إعراباً للفاعل أولى من جعله إعراباً للمبتدأ ، والأولوية تقتضى الأولية : بيان الأول : أنك إذا قلت ((ضرب زيد بكر)) بإسكان المهملتين لم يعرف أن الضارب من هو والمضروب من هو أما إذا قلت ((زيد قائم)) بإسكانهما عرفت من نفس اللفظتين أن المبتدأ أيهما والخبر أيهما ، فثبت أن افتقار الفاعل إلى الإعراب أشد ، فوجب أن يكون الأصل هو. وبيان الثاني أن الرفعية حالة مشتركة بين المبتدأ والخبر ، فلا يكون فيها دلالة على خصوص كونه مبتدأ ولا على خصوص كونه خبراً ، أما لا شك أنه في الفاعل يدل على خصوص كونه فاعلاً ، فثبت أن الرفع حق الفاعل ، إلا أن المبتدأ لما أشبه الفاعل في كونه مسنداً إليه جعل مرفوعاً رعاية لحق هذه المشابهة ، وحجة سيبوية : أنا بينا أن الجملة الإسمية مقدمة على الجمل الفعلية ، فإعراب الجملة الإسمية يجب أن يكون مقدماً على إعراب الجملة الفعلية ، والجواب : أن الفعل أصل في الإسناد إلى الغير فكانت الجملة الفعلية مقدمة . وحينئذ يصير هذا الكلام دليلاً للخليل . المسئلة الثانية والثلاثون : المفاعيل خمسة ، لأن الفاعل لا بد له من فعل وهو المصدر ، ولا بد لذلك الفعل من زمان ، ولذلك الفاعل من عرض ، ثم قد يقع ذلك الفعل في شيء آخر وهو المفعول به ، وفي مكان، ومع شيء آخر، فهذا ضبط القول في هذه المفاعيل . وفيه مباحث عقلية: ( أخذها) أن المصدر قد يكون هو نفس المفعول به كقولنا (( خلق الله العالم)) "فإن خلق العالم لو كان مغايراً للعالم لكان ذلك المغاير له أن كان قديماً لزم من قدمه قدم العالم وذلك ينافي كونه مخلوقاً وإن كان حادثاً افتقر خلقه إلى خلق آخر ولزم التسلسل ( وثانيها ) : أن فعل الله يستغني عن الزمان ، لأنه لو افتقر إلى زمان وجب أن يفتقر حدوث ذلك الزمان إلى زمان آخر ولزم التسلسل ( وثالثها ) : أن فعل الله يستغني عن العرض ؛ لأن ذلك العرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان حادثاً لزم التسلسل ، وهو محال . المسئلة الثالثة والثلاثون : اختلفوا في العامل في نصب المفعول على أربعة أقوال : الأول : وهو قول البصريين - أن الفعل وحده يقتضي رفع الفاعل ونصب المفعول . والثاني : وهو قول الكوفيين - أن مجموع الفعل والفاعل يقتضى نصب المفعول، والثالث: وهو قول هشام بن معاوية من الكوفيين - أن العامل هو الفاعل فقط، والرابع: وهو قول خلف الأحمر ٦٢ اعراب الفعل من الكوفيين - أن العامل في الفاعل معنى الفاعلية ، وفي المفعول معنى المفعولية . حجة البصريين أن العامل لا بد وأن يكون له تعلق بالمعمول ، وأحد الإسمين لا تعلق له بالآخر ، فلا يكون له فيه عمل البتة ، وإذا سقط لم يبق العمل إلا للفعل . حجة المخالف أن العامل الواحد لا يصدر عنه أثران لما ثبت أن الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد . قلنا : ذاك في الموجبات ، أما في المعرفات فممنوع . واحتج خلف بأن الفاعلية صفة قائمة بالفاعل ، والمفعولية صفة قائمة بالمفعول ، ولفظ الفعل مباين لهما ، وتعليل الحكم بما يكون حاصلاً في محل الحكم أولى من تعليله بما يكون مبايناً له ، وأجيب عنه بأنه معارض بوجه آخر : وهو أن الفعل أمر ظاهر ، وصفة الفاعلية والمفعولية أمر خفي ، وتعليل الحكم الظاهر بالمعنى الظاهر أولى من تعليله بالصفة الخفية والله أعلم . الباب السابع في إعراب الفعل أعلم أن قوله : ( أعوذ) يقتضي إسناد الفعل إلى الفاعل ، فوجب علينا أن نبحث عن هذه المسائل . المسئلة الأولى : إذا قلنا في النحو فعل وفاعل ، فلا نريد به ما يذكره علماء الأصول لأنا نقول: ((مات زيد)) وهو لم يفعل ، ونقول من طريق النحو : مات فعل ، وزيد فاعله ، بل المراد أن الفعل لفظة مفردة دالة على حصول المصدر لشيء غير معين في زمان غير معين ، فإذا صرحنا بذلك الشيء الذي حصل المصدر له فذاك هو الفاعل ، ومعلوم أن قولنا حصل المصدر له أعم من قولنا حصل بإيجاده واختياره كقولنا قام ، أولاً باختياره كقولنا مات ، فإن قالوا : الفعل كما يحصل في الفاعل فقد يحصل في المفعول ، قلنا : إن صيغة الفعل من حيث هي تقتضي حصول ذلك المصدر لشيء ما هو الفاعل ، ولا تقتضي حصوله للمفعول ، بدليل أن الأفعال اللازمة غنية عن المفعول . المسئلة الثانية : الفعل يجب تقديمه على الفاعل ، لأن الفعل - إثباتاً كان أو نفياً يقتضي : ٦٣ اعراب الفعل أمراً ما يكون هو مسنداً إليه ، فحصول ماهية الفعل في الذهن يستلزم حصول شي يسند الذهن ذلك الفعل إليه ، والمنقل إليه متأخر بالرتبة عن المنتقل عنه ، فلما وجب كون الفعل مقدماً على الفاعل في الذهن وجب تقدمه عليه في الذكر . فإن قالوا : لا نجد في العقل فرقاً بين قولنا ((ضرب زيد)) وبين قولنا ((زيد ضرب)) قلنا: الفرق ظاهر، لأنا إذا قلنا زيد لم يلزم من وقوف الذهن على معنى هذا اللفظ أن يحكم بإسناد معنى آخر إليه . أما إذا فهمنا معنى لفظ ضرب لزم منه حكم الذهن بإسناد هذا المفهوم إلى شيء ما ، إذا عرفت هذا فتقول : إذا قلنا : « ضرب زید )) فقد حکم الذهن بإسناد مفهوم ضرب إلى شئ ، ثم يحكم الذهن بأن ذلك الشئ هو زيد الذي تقدم ذكره ، فحينئذ قد أخبرٍ زيد بأنه هو ذلك الشيء الذي أسند الذهن مفهومٍ ضرب إليه ، وحينئذ يصير قولنا : زيد مخبراً عنه وقولنا ضرب جملة من فعل وفاعل وقعت خبراً عن ذلك المبتدأ . المسئلة الثالثة : قالوا : الفاعل كالجزء من الفعل ، والمفعول ليس كذلك ، وفي تقريره وجوه : الأول : أنهم قالوا ضربت فاسكنوا لام الفعل لئلا يجتمع أربع متحركات ، وهم يحترزون عن تواليها في كلمة واحدة ، وأما بقرة فإنما احتملوا ذلك فيها لأن التاء زائدة ، واحتملوا ذلك في المفعول كقولهم ضربك ، وذلك يدل على أنهم اعتقدوا أن الفاعل جزء من الفعل ، وإن المفعول منفصل عنه ، الثاني : أنك تقول : الزيدان قاما أظهرت الضمير للفاعل ، وكذلك إذا قلت زيد ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إلى الضمير المستكن طرداً للباب ، والثالث : وهو الوجه العقلي - أن مفهوم قولك ضرب هو أنه حصل الضرب لشيء ما في زمان مضى ، فذلك الشيء الذي حصل له الضرب جزء من مفهوم قولك ضرب ، فثبت أن الفاعل جزء من الفعل . المسئلة الرابعة : الإضمار قبل الذكر على وجوه : أحدها : أن يحصل صورة ومعنى ، كقولك ضرب غلامه زيداً والمشهور أنه لا يجوز لأنك رفعت غلامه بضرب فكان واقعاً موقعه والشيء إذا وقع موقعه لم تجز إزالته عنه ، وإذا كان كذلك كانت الهاء في قولك غلامه ضميراً قبل الذكر ، وأما قول النابغة : - جزی ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فجوابه : أن الهاء عائدة إلى مذكور متقدم ، وقال ابن جنى : وأنا أجيز أن تكون الهاء في قوله ربه عائده على عدي خلافاً للجماعة ، ثم ذكر كلاماً طويلاً غير ملخص ، وأقول : الأولى في تقريره أن يقال : الفعل من حيث أنه فعل كان غنياً عن المفعول لكن الفعل المتعدي ٦٤ التنازع في العمل لا يستغني عن المفعول ، وذلك لأن الفاعل هو المؤثر ، والمفعول هو القابل ، والفعل مفتقر إليهما ولا تقدم لأحدهما على الآخر . أقصى ما في الباب أن يقال أن الفاعل . مؤثر ، والمؤثر من أشرف من القابل ، فالفاعل متقدم على المفعول من هذا الوجه ، لأنّا بينا أن الفعل المتعدي مفتقر إلى المؤثر وإلى القابل معاً، وإذا ثبت هذا فكما جاز تقديم الفاعل على المفعول وجب أيضاً جواز تقديم المفعول على الفاعل . القسم الثاني : وهو أن يتقدم المفعول على الفاعل في الصورة لا في المعنى ؛ وهو كقولك ضرب غلامه زيد : فغلامه مفعول ، وزيد فاعل ، ومرتبة ، المفعول بعد مرتبة الفاعل ، إلا أنه وأن تقدم في اللفظ لكنه متأخر في المعنى. والقسم الثالث : وهو أن يقع في المعنى لا في الصورة ، كقوله تعالى ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) فههنا الاضمار قبل الذكر غير حاصل في الصورة ، لكنه حاصل في المعنى ، لأن الفاعل مقدم في المعنى ، ومتى صرح بتقديمه لزم الاضمار قبل الذكر. المسئلة الخامسة : الفاعل قد يكون مظهراً كقولك ضرب زيد ، وقد يكون مضمراً بارزاً كقولك ضربت وضربنا ، ومضمراً مستكناً كقولك زيد ضرب ، فتنوي في ضرب فاعلاً وتجعل الجملة خبراً عن زيد ، ومن اضمار الفاعل قولك إذا كان غداً فأتني ، أي : إذا كان ما نحن عليه غداً. المسئلة السادسة : الفعل قد يكون مضمراً ، يقال : من فعل ؟ فتقول : زيد ، والتقدير فعل زيد ، ومنه قوله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) والتقدير وان استجارك أحد من المشركين. المسئلة السابعة : إذا جاء فعلان معطوفاً أحدهما على الآخر وجاء بعدهما اسم صالح لأن يكون معمولاً لهما فهذا على قسمين ، لأن الفعلين : أما أن يقتضيا عملين متشابهين ، أو مختلفين وعلى التقديرين فاما أن يكون الاسم المذكور بعدهما واحداً، أو أكثر فهذه أقسام أربعة . القسم الأول:أن يذكر فعلان يقتضيان عملاً وابدأ ، ويكون المذكور بعدهما اسماً واحداً ، كقولك : قام وقعد زيد ، فزعم الفراء أن الفعلين جميعاً عاملان في زيد ، والمشهور أنه لا يجوز ؛ لأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين ، والأقرب راجح بسبب القرب ، فوجبت إحالة الحكم عليه ، وأجاب الفراء بأن تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات ، أما في ٦٥ التنازع في العمل المعرفات فجائز ، وأجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة ، فيعود الأمر الى اجتماع المؤثرين في الأثر الواحد. القسم الثاني : إذا كان الاسم غير مفرد ، وهو كقولك : قام وقعد أخواك ، فههنا إما أن ترفعه بالفعل الأول ، أو بالفعل الثاني ، فان رفعته بالأول قلت : قام وقعد أخواك ، لأن التقدير قام أخواك وقعدا ، أما إذا أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل ، لأن الفعل لا يخلوا من فاعل مضمر أو مظهر ، تقول : قاما وقعد أخواك ، وعند البصريين أعمال الثاني أولى ، وعند الكوفيين أعمال الأول أولى ، حجة البصريين أن أعمالهما معاً ممتنع. فلا بد من أعمال أحدهما ، والقرب مرجح ، فاعمال الأقرب أولى ، وحجة الكوفيين أنا إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير ، ويلزم حصول الاضمار قبل الذكر ، وذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه . القسم الثالث : ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين ، وكان الاسم المذكور بعدهما مفرداً ، فيقول البصريون إن أعمال الأقرب أولى ، خلافاً للكوفيين ، حجة البصريين وجوه ؛ الأول: قوله تعالى (( آتوني أفرغ عليه قطراً)) فحصل ههنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولا : فاما أن يكون الناصب لقوله قطرا هو قوله آتوني أو أفرغ ، والأول باطل ، وإلا صار التقدير آتوني قطرا ، وحينئذ كان يجب أن يقال أفرغه عليه ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقوله قطرا هو قوله أفرغ؛ الثاني: قوله تعالى ((هاؤم اقرؤا كتابيه)) فلو كان العامل هو الأبعد لقيل هاؤم اقرؤه ، وأجاب الكوفيون عن هذين الدليليين بأنهما يدلان على جواز أعمال الأقرب ، وذلك لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في أنا نجوز أعمال الأبعد ، وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على المنع . الحجة الثالثة للبصريين أنه يقال : ما جاءني من أحد ، فالفعل رافع ، والحرف جار ، ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب . الحجة الرابعة : أن اهمالهما وإعمالهما لا يجوز ، ولا بد من الترجيح ، والقرب مرجح ، فاعمال الأقرب أولى. واحتج الكوفيون بوجوه : الأول أنا بينا أن الإِسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعاً فاعمال الثاني يوجب في الأول الاضمار قبل الذكر وانه لا يجوز ، فوجب القول بأعمال الأول هناك ، فإذا كان الاسم مفرداً وجب أن يكون الأمر كذلك طردا للباب . الثاني : أن الفعل الأول وجد معمولا خالياً عن العائق ، لأن الفعل لا بد له من مفعول ، والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه ، وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن أعمال الخالي عن العائق أولى من اعمال العامل المقرون بالعائق. الفخر الرازي ج ١ م ٥ ٦٦ المسائل المستنبعة من الاستعاذة القسم الرابع : إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعا فإِن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون ، وإن أعملت الأول قلت ضربت وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين . المسئلة الثامنة : قول امرىء القيس : - كفاني ولم أطلب قليل من المال فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ولكنما أسعى لمجد مؤثل فقوله كفاني ولم أطلب ليسا متوجهين إلى شيء واحد ، لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من المال ، وقوله ولم أطلب غير موجه إلى قليل من المال ، وإلا لصار التقدير فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلاً من المال ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيلزم حينئذ أنه ما سعى لأدنى معيشة ومع ذلك فقد طلب قليلاً من المال ، وهذا متناقض ، فثبت أن المعنى ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك ، وعلى هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شيء واحد ، ولنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير . القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على تفسير ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) في المباحث النقلية والعقلية ، وفيه ابواب : - الباب الأول في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) المسئلة الأولى : اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة ، وعن النخعي أنه بعدها ، وهو قول داود الأصفهاني ، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين ، وهؤلاء قالوا : الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال ( آمين ) فبعد ذلك يقول : أعوذ بالله والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي ﴿وَ﴾ حين افتتح الصلاة قال: الله أكبر كبيراً ثلاث مرات ، والحمد لله كثيراً ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ، ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه . ٦٧ المسائل المستنبطة من الاستعاذة ·واحتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط ، وذكر الاستعاذة جزاء ، والجزاء متأخر عن الشرط ، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن قراءة القرآن ، ثم قالوا : وهذا موافق لما في العقل ، لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم ، فلو دخله العجب في أداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((ثلاث مهلكات)) وذكر منها اعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان ، لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : إن المراد من قوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ ، كما في قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) والمعنى إذا أردتم القيام الى الصلاة ، لأنه يقال : ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل . أما جمهور الفقهاء فقالوا : لا شك أن قوله ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت ، وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقاً بين هذه الآية وبين الخبر الذي رويناه ، ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية ، أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة ، قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب . وأقول : ههنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر ، وبعدها بمقتضى القرآن ، جمعاً بين الدليلين بقدر الإمكان . المسئلة الثانية : قال عطاء : الإستعاذة واجبة لكل قراءة ، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها ، وقال ابن سيرين : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب وقال الباقون : إنها غير واجبة : حجة الجمهور أن النبي ﴿3﴾﴾ لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول : إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة ، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها . واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه : الأول : أنه عليه السلام واظب عليه ، ٦٨ المسائل المستنبطة من الاستعاذة فيكون واجباً لقوله تعالى ( واتبعوه ) . الثاني : أن قوله تعالى ( فاستعذ ) أمر ، وهو للوجوب ، ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات ، لأنه تعالى قال ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل ، والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة . الثالث : أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشرمن الشيطان الرجيم ، لأن قوله ( فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) مشعر بذلك ، ودفع شرالشيطان واجب وما يتم الواجب إلا به فهو، واجب ، فوجب أن تكون الأستعاذة واجبة . الرابع : أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة ، فهذا ما لخصناه في هذه المسئلة المسئلة الثالثة : التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين ، وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام شهر رمضان ، لنا الآية التي تلوناها ، والخبر الذي رويناه ، وكلاهما يفيد الوجوب ، فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب . المسئلة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : روى أن عبد الله بن عمر لما قرأ أسر بالتعوذ ؛ وعن أبي هريرة أنه جهر به ، ثم قال : فإن جهر به جاز ، وإن أسر به أيضاً جاز وقال في الإملاء : ويجهر بالتعوذ ، فإن أسرلم يضر، بين أن الجهر عنده أولى ، وأقول : الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح وقبل الفاتحة ، فإن ألحقناها بما قبلها لزم الأسرار ، وإن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر ، إلا أن المشابهة بينها وبين الافتتاح أتم ، لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء ، ولأن الجهر كيفية وجودية والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية ، والأصل هو العدم . المسئلة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : قيل أنه يتعوذ في كل ركعة ، ثم قال : والذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى ، وأقول : له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم ، وما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو قوله : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) وكلمة إذا لا تفيد العموم ، ولقائل أن يقول : قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلية ، فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة ، والله أعلم . المسئلة السادسة : أنه تعالى قال في سورة النحل ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) وقال في سورة أخرى ( إنه هو السميع العليم ) وفي سورة ثالثة ( إنه سميع عليم ) فلهذا السبب اختلف العلماء فقال الشافعي : واجب أن يقول ، أعوذ بالله من الشيطان : ٩ ترتيل القرآن ٦٩ الرجيم وهو قول أبي حنيفة ، قالوا : لأن هذا النظم موافق لقوله تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، وموافق أيضاً لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم ، وقال أحمد : الأولى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعاً بين الآيتين ، وقال بعض أصحابنا الأولى أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، لأن هذا أيضاً جمع بين الآيتين ، وروى البيهقي في كتاب السنن بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله ﴿وَ﴾﴾ إذا قام من الليل كبر ثلاثاً وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وقال الثوري والأوزاعي : الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أن الله هو السميع العليم ، وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام قال : قل يا محمد : أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان . الرجيم ، ثم قال : قل ( بسم الله الرحمن الرحيم إقرأ باسم ربك الذي خلق ) . وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعاً من الاستغراق في الله ، والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله ، والله الهادي . المسئلة السابعة : التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة ؟ عند أبي حنيفة ومحمد أنه لأجل القراءة ، وعند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة ، ويتفرع على هذا الأصل فرعان : الفرع الأول : أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا ؟ عندهما لا يتعوذ ، لأنه لا يقرأ ، وعنده يتعوذ ، وجه قولهما قوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) علق الاستعاذة على القراءة ، ولا قراءة على المقتدى ، فلا يتعوذ ، ووجه قول أبي یوسف أن التعوذ لو كان للقراءة لکان یتکرر بتکرر القراءة ، ولما لم یکن کذلك بل کرر بتکرر الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة ، الفرع الثاني : إذا افتتح صلاة العيد فقال : سبحانك اللهم وبحمدك هل يقول : أعوذ بالله ثم يكبر أم لا ؟ عندهما أنه يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة وعند أبي يوسف يقدم التعوذ على التكبيرات . وبقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها ههنا : - المسئلة الثامنة : السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل ، لقوله تعالى ( ورتل القرآن ترتيلاً ) والترتيل هو أن يذكر الحروف والكلمات مبينة ظاهرة ، والفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ ، وأفهم غيره تلك المعاني ، وإذا قرأها بالسرعة لم يفهم ولم يفهم ، فكان الترتيل أولى ، فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﴿حَ﴾﴾ ((يقال لصاحب القرآن إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)). قال أبو ٧٠ حكم القراءة بالشواذ سليمان الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة ، يقال للقارئ: إقرأ وأرق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن ، فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة . المسئلة التاسعة : إذا قرأ القرآن جهراً فالسنة أن يجيد في القراءة ، روى أبو داود عن البراء ابن عازب قال: قال رسول الله ﴿وَل﴾ ((زينوا القرآن بأصواتكم)). المسئلة العاشرة : المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ، ويدل على أن المشابهة حاصلة بينهما جداً والتمييز عسر، فوجب أن يسقط التكليف بالفرق ، بيان المشابهة من وجوه : الأول : أنهما من الحروف المجهورة ، والثاني : أنهما من الحروف الرخوة ، والثالث : أنهما من الحروف المطبقة ، والرابع : أن الظاء وإن كان مخرجه من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ومخرج الضاد من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد إنبساط لأجل رخاوتها وبهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء ، والخامس : أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا أفصح من نطق بالضاد )) فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد والظاء شديدة وأن التمييز عسر، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان هذا الفرق معتبراً لوقع السؤال عنه في زمان رسول الله ﴿1﴾ وفي أزمنة الصحابة ، لا سيما عند دخول العجم في الإسلام ، فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسئلة البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف . المسئلة الحادية عشرة : اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا ؟ وبتقدير أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفيظ باللام المغلظة ثقيل على اللسان ، فوجب نفيه عن هذه اللغة . المسئلة الثانية عشرة : اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل قولهم الحمد لله بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من الله ، لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقاً ، لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حد التواتر ، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن ، إلا أنا عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع . المسئلة الثالثة عشرة : اتفق الأكثرون على أن القرآت المشهورة منقوله بالنقل المتواتر وفيه إشكال : وذلك لأنا نقول : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا ٧١ مباحث الاستعاذة العقلية تكون ، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز ، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعاً على خلاف الحكم الثابت بالتواتر ، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها ، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه ، وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيداً للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالإجماع ، ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، وتجويز القراءة بكل واحد منها ، وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعياً ، والله أعلم . الباب الثاني في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) أعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة ، والمستعيذ ، والمستعاذ به ، والمستعاذ منه ، والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . الركن الأول : في الاستعاذة ، وفيه مسائل : المسئلة الأولى : في تفسير قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بحسب اللغة فنقول : قوله ((أعوذ)) مشتق من العوذ ، وله معنيان: أحدهما : الالتجاء والاستجارة ، والثاني : الالتصاق يقال ((أطيب اللحم عوذه)) وهو ما التصق منه بالعظم ، فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي : ألتجئ إلى رحمة الله تعالى وعصمته ، وعلى الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل الله وبرحمته . وأما الشيطان ففيه قولان : الأول أنه مشتق من الشطن ، وهو البعد، يقال : شطن دارك أي بعد ، فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطاناً لبعده من الرشاد . والسداد ، قال الله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) فجعل من الإِنس شياطين ، وركب عمر برذوناً فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً فنزل ٧٢ ماهية الاستعاذة عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول الثاني أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ، ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلاً لوجوه مصالح نفسه سمي شيطاناً . وأما الرجيم فمعناه المرجوم ، فهو فعيل بمعنى مفعول . كقولهم : كف خضيب أي مخضوب ورجل لعين ، أي ملعون ، ثم في كونه مرجوماً وجهان : الأول : أن كونه مرجوماً كونه ملعوناً من قبل الله تعالى ، قال الله تعالى ( أخرج منها فإنك رجيم) واللعن يسمى رجماً ، وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام أنه قال له ( لئن لم تنته لأرجمنك ) قيل عنى به الرجم بالقول ، وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) وفي سورة يس ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) والوجه الثاني أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوماً لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طرداً لهم من السموات ، ثم وصف بذلك كل شرير متمرد . وأما قوله : (إن الله هو السميع العليم ) ففيه وجهان : الأول: أن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في قلب الإنسان ، ولا يطلع عليها أحد ، فكأن العبد يقول : يا من هو على هذه الصفة التي يسمع بها كل مسموع ، ويعلم كل سرخفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها ، وأنت القادر على دفعها عني ، فادفعها عني بفضلك ، فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار ، الثاني : أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع إقتداء بلفظ القرآن ، وهو قوله تعالى: ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) وقال في حم السجدة ( إنه هو السميع العليم ) . المسئلة الثانية : في البحث العقلي عن ماهية الاستعاذة : أعلم أن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل ، أما العلم فهو كون العبد عالماً بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية ، وإن الله تعالى قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه . فإذا حصل هذا العلم في القلب تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب ، وهي إنكسار وتواضع ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له ، ثم إن حصول تلك الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب وصفة في اللسان ، أما الصفة الحاصلة في القلب فهي أن يصير العبد مريداً لأن يصونه الله تعالى عن الآفات ويخصه بإفاضة الخيرات ٧٣ الاستعاذة والحسنات وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد طالباً لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى ، وذلك الطلب هو الاستعاذة ، وهو قوله ( أعوذ بالله ) إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الأعظم في الاستعاذة هو علمه بالله ، وعلمه بنفسه ، أما علمه بالله فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالمً بجميع المعلومات ، فإنه لولم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله عالماً به ولا بأحواله ، فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثاً ، ولا بد وأن يعلم كونه قادراً على جميع الممكنات وإلا فربما كان عاجزاً عن تحصيل مراد العبد ، ولا بد أن يعلم أيضاً كونه جواداً مطلقاً ، إذلو كان البخل عليه جائزاً لما كان في الاستعاذة فائدة ، ولا بد أيضاً وأن يعلم أن لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده ، إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله ، وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد ، وأن يعلم أيضاً أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه ، إذ لو كان مستقلاً بأفعال نفسه لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة ، فثبت بما ذكرنا أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية لا يصح منه أن يقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ومن الناس من يقول : لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات ، بل الإنسان إذا جوزكون الأمر كذلك حسن منه أن يقول : أعوذ بالله على سبيل الإجمال ، وهذا ضعيف جداً لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله : ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً) فبتقدير أن لا يكون الإله عالماً بكل المعلومات قادراً على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالاً لمن لا يسمع ولا يبصر، وكان داخلاً تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيباً على أبيه ، وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وأن يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام ، وأن يعلم أيضاً أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند وجودها ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد وصار مشاهداً لها متيقناً فيها وجب أن يحصل في قلبه تلك الحالة المسماة بالإنكسار والخضوع ، وحينئذ يحصل في قلبه الطلب ، وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب ، وذلك هو قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) والذي يدل على كون الإنسان عاجزاً عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة إن الصادر عن الإِنسان إما العمل وإما العلم ، وهو في كلا البابين في الحقيقة في غاية العجز ، أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة بالله ، وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى : أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم ، ولم يعرفوا الجواب عنها ، بل أصروا عليها وظنوها علماً يقينياً وبرهاناً جلياً ، ثم بعد انقضاء ٧٤ الاستعاذة أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها ، وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ، ولولا هذا السبب لما وقع بين أهل العلم اختلاف في الأدیان والمذاهب ، وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة الله وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ودياجى الظلمات ؟ . الحجة الثانية : أن كل أحد إنما يقصد أن يحصل له الدين الحق والاعتقاد الصحيح !، وإن أحداً لا يرضى لنفسه بالجهل والكفر ، فلو كان الأمر بحسب سعية وإرادته لوجب كون الكل محقين صادقين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك بل نجد المحقين في جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود علمنا أنه لا خلاص من ظلمات الضلالات إلا بإعانة إله الأرض والسموات . الحجة الثالثة : أن القضية التي توقف الإنسان في صحتها وفسادها فإنه لا سبيل له إلى الجزم بها إلا إذا دخل فيما بينهما الحد الأوسط فنقول : ذلك الحد الأوسط إن كان حاضراً في عقله. كان القياس منعقداً والنتيجة لازمة . فحينئذ لا يكون العقل متوقفاً في تلك القضية بل يكون جازماً بها ، وقد فرضناه متوقفاً فيها ، هذا خلف، وأما إن قلنا إن ذلك الحد الأوسط غير حاضر في عقله فهل يمكنه طلبه ؟ أو لا يمكنه طلبه ، والأول باطل ، لأنه إن كان لا يعرفه بعينه فكيف يطلبه ؟ لأن طلب الشيء بعينه إنما يمكن بعد الشعور به ، وإن كان يعرفه بعينه فالعلم به حاضر في ذهنه فكيف يطلب تحصيل الحاصل ؟ وأما إن كان لا يمكنه طلبه فحينئذ يكون عاجزاً عن تحصيل الطريق الذي يتخلص به من ذلك التوقف ويخرج من ظلمة تلك الحيرة ، وهذا يدل على كون العبد في غاية الحيرة والدهشة . ٦ الحجة الرابعة : أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة ، فهذا بيان كمال عجز العبد عن تحصيل العقائد والعلوم ، وأما عجز العبد عن الأعمال الظاهرة التي يجر بها النفع إلى نفسه ويدفع بها الضرر عن نفسه فهذا أيضاً كذلك ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن هذا البدن يشبه الجحيم وانكشف لهم أنه جلس على باب هذا الجحيم تسعة عشر نوعاً من الزبانية ، وهي الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة ، والشهوة ، والغضب ، والقوى الطبيعية السبع ، وكل واحد من هذه التسعة عشر فهو واحد بحسب الجنس ، إلا أنه يدخل تحت كل واحد منها أعداد لا نهاية لها بحسب الشخص والعدد ، واعتبر ذلك بالقوة الباصرة ، فإن الأشياء التي تقوى القوة الباصرة على إدراكها أمور غير ٠ ٧٥ كيف تصح الاستعاذة عند الجبرية متناهية ، ويحصل من أبصار كل واحد منها أثر خاص في القلب ، وذلك الأثر يجر القلب من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض عالم الجسمانيات ، وإذا عرفت هذا ظهر مع كثرة هذه العوائق والعلائق أنه لا خلاص للقلب من هذه الظلمات إلا بإعانة الله تعالى وإغاثته ، ولما ثبت أنه لا نهاية لجهات نقصانات العبد ولا نهاية لكمال رحمة الله وقدرته وحكمته ثبت أن الاستعاذة بالله واجبة في كل الأوقات فلهذا السبب يجب علينا في أول كل قول وعمل ومبدأ كل لفظة ولحظة أن نقول ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . الحجة الخامسة : أن اللذات الحاصلة في هذه الحياة العاجلة قسمان : أحدهما : اللذات الحسية والثاني : اللذات الخيالية . وهي لذة الرياسة ، وفي كل واحد من هذين القسمين الإنسان إذا لم يكن يمارس تحصيل تلك اللذات ولم يزاولها لم يكن له شعور بها ، وإذا كان عديم الشعور بها كان قليل الرغبة فيها ، ثم إذا مارسها ووقف عليها التذ بها ، وإذا حصل الإلتذاذ بها قويت رغبته فيها ، وكلما اجتهد الإِنسان حتى وصل إلى مقام آخر في تحصيل اللذات والطيبات وصل في شدة الرغبة وقوة الحرص إلى مقام آخر أعلى مما كان قبل ذلك ، فالحاصل أن الإنسان كلما كان أكثر فوزاً بالمطالب كان أعظم حرصاً وأشد رغبة في تحصيل الزائد عليها ، وإذا كان لا نهاية لمراتب الكمالات فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص ، وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذلك لا يمكن إزالة ألم الشوق والحرص عن القلب ، فثبت أن هذا مرض لا قدرة للعبد على علاجه ، ووجب الرجوع فيه إلى الرحيم الكريم الناصر لعباده فيقال : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . الحجة السادسة : في تقرير ما ذكرناه قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) وقول موسى لقومه ( استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ) وفي بعض الكتب الإلهية إن الله تعالى يقول: ((وعزتي وجلالى ، لأقطعن أمل كل مؤمل غيري باليأس ، ولألبسه ثوب المذلة عند الناس ، ولأخيينه من قربي ، ولأبعدنه من وصلي ، ولأجعلنه متفكراً حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ، وأنا الحي القيوم ، ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني)). المسئلة الثالثة : في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية قالت المعتزلة : قوله ( أعوذ بالله ) يبطل القول بالجبر من وجوه : - الأول : أن قوله: ( أعوذ بالله) اعتراف بكون العبد فاعلاً لتلك الاستعاذة ، ولو كان ٧٦ كيف تصح الاستعاذة عند الجبرية خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلاً لأن تحصيل الحاصل محال ، وأيضاً فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه ، وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع تحصيله . فثبت أن قوله : ( أعوذ بالله) اعتراف بكون العبد موجداً لأفعال نفسه . والثاني : أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى خالقاً للأمور التي منها يستعاذ . أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من الله في عين ما يفعله الله . والثالث : أن الاستعاذة بالله من المعاصي ، تدل على أن العبد غير راض بها ، ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه وحكمه وجب على العبد كونه راضياً بها ؛ لما ثبت بالإجماع أن الرضا بقضاء الله واجب . والرابع : أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلاً للشيطان ، أما إذا كانت فعلاً لله ولم يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان ، بل الواجب أن يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى ، لأنه لا شر إلا من قبله . الخامس : أن الشيطان يقول إذا كنت ما فعلت شيئاً أصلاً وأنت يا إله الخَلق علمت صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها علي ولا قدرة لي على مخالفة حكمك ثم قلت ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وقلت ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقلت ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني وتلعنني ؟ . السادس : جعلتني مرجوماً ملعوناً بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني ؟ فإن كان الأول فقد بطل الجبر ، وإن كان الثاني فهذا محض الظلم ، وأنت قلت ( وما الله يريد ظلماً للعباد) فكيف يليق هذا بك ؟ . فإن قال قائل : هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر ، وأنا لا أقول بالجبر ، ولا بالقدر ، بل أقول : الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر، وهو الكسب . فنقول : هذا ضعيف، لأنه أما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون ، فإن كان الأول فهو تمام القول بالاعتزال ، وإن كان الثاني فهو الجبر المحض ، والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول ، فكيف يعقل حصول الواسطة . ٧٧ قول أهل السنة فى الاستعاذة قال أهل السنة والجماعة أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين : - الأول : أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين ، أو كانت صالحة للطرفين معاً ، فإن كان الأول فالجبر لازم ، وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح ، أو لا يتوقف . فإن كان الأول ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع ، وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع ، وحينئذ يلزمكم كل ما ذكرتموه ، وأما الثاني : وهو أن يقال : إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح فهذا باطل لوجهين : الأول : أنه لوجاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح ، والثاني : أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعاً على سبيل الاتفاق ، ولا يكون صادراً عن العبد ، وإذا كان الأمر كذلك فقد عاد الجبر المحض ، فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا فهو وارد عليكم . الوجه الثاني في السؤال : أنكم سلمتم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، ووقوع الشيء على خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلاً ، وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان كل ما أوردتهوه علينا في القضاء والقدر لازماً عليكم في العلم لزوماً لا جواب عنه . ثم قال أهل السنة والجماعة قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) يبطل القول بالقدر من وجوه : - الأول : أن المطلوب من قولك ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) إما أن يكون هو أن يمنع الله الشيطان من عمل الوسوسة منعاً بالنهي والتحذير ، أو على سبيل القهر والجبر ، أما الأول فقد فعله ، ولما فعله كان طلبه من الله محالاً ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وأما الثاني فهو غير جائز لأن الإِلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين ، وقد ثبت كونهم مكلفين ، أجابت المعتزلة عنه فقالوا : المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح ، لا يقال : فتلك الألطاف فعل الله بأسرها فما الفائدة في الطلب ، لأنا نقول : إن من الألطاف ما لا يحسن فعله إلا عند هذا الدعاء ، فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله . أجاب أهل السنة عن هذا السؤال بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، أولا أثر فيه ، فإن كان الأول فعند حصول الترجيح يصير الفعل واجب الوقوع ، والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل العدم فحينئذ ٧٨ أركان الاستعاذة يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم ، وهو جمع بين النقيضين ، وهو محال ، فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب ، وذلك يبطل القول بالاعتزال ، وأما إن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم يكن لفعلها البتة أثر ، فيكون فعلها عبئاً محضاً . وذلك في حق الله تعالى محال . الوجه الثاني : أن يقال: إن الله تعالى إما أن يكون مريداً لصلاح حال العبد ، أو لا يكون ، فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد ، أو لا يتوقع ، فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد ؟ وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه؟ وأما إذا قيل: إن الله تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من شر الشيطان . الوجه الثالث : أن الشيطان إما أن يكون مجبراً على فعل الشر، أو يكون قادراً على فعل الشر والخير معاً ، فإن كان الأول فقد أجبره الله على الشر، وذلك يقدح في قولهم : إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير، وان كان الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - فهنا يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى ، وإذا كان كذلك فأي فائدة في الاستعاذة . الوجه الرابع : هب أن البشر إنما وقعوا في المعاصي بسبب وسوسة الشيطان ، فالشيطان كيف وقع في المعاصي ؟ فإن قلنا إنه وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل ، وإن قلنا وقع الشيطان في المعاصي لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر؟ وعلى هذا التقدير فلا فائدة في الاستعاذة من الشيطان ، وإن قلنا إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطاناً آخر فهذا حيف على البشر، وتخصيص له بمزيد الثقل والاضرار وذلك ينافى كون الإله رحيماً ناصراً لعباده . الوجه الخامس : أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . وإن كان غير معلوم الوقوع كان متنع الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله ( أعوذ بالله ) إلا أن ينكشف للعبد : ((أعوذ برضاك من أن الكل من الله وبالله، وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول ﴿وصل﴾﴾ ٠٫٠ ٧٩ اركان الاستعاذة سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) . الركن الثاني المستعاذ به : وأعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين : أحدهما أن يقال ( أعوذ بالله) والثاني أن يقال ( أعوذ بكلمات الله) أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله ( أعوذ بكلمات الله التامات ) فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) والمراد من قوله (( كن)) نفاذ قدرته في الممكنات ، وسريان مشيئته في الكائنات ، بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ، ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفاً بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ، وأيضاً فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة ، والخروج من القوة الى الفعل يسيراً يسيراً، وأما الروحانيات فانما يحصل تكونها وخروجها إلى الفعل دفعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان حدوثها شبيهاً بحدوث الحرف الذي لا يوجد إلا في الآن الذي لا ينقسم ، فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة ، وأيضاً ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم الأجسام ، وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى ( فالمدبرات أمراً) فقوله ( أعوذ بكلمات الله التامات) استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة ، فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة. ثم ههنا دقیقة ، وهي أن قوله ( أعوذ بكلمات الله التامات ) إنما يحسن ذکره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير الله ، وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد ، وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحداً إلا الله تعالى ؛ لم يستعذ إلا بالله ، ولم يلتجىء إلا إلى الله، ولم يعول إلا على الله، فلا جرم يقول ( أعوذ بالله) و(أعوذ من الله بالله ) كما قال عليه السلام ((وأعوذ بك منك)) واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلاً أيضاً بغير الله لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب ، وذلك اشتغال بغير الله تعالى ، فإِذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضاً عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقاً في نور قوله ( بسم الله) ألا ترى أنه عليه السلام لما قال ((وأعوذ بك منك)) ترقى عن هذا المقام فقال ((أنت كما أثنيت على نفسك)). الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله ( أعوذ بالله ) أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك ، وهذا غير مختص بشخص معين ، فهو أمر على سبيل العموم ؛ لأنه ٨٠ اركان الاستعاذة تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء ، وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيداً بالله ، فالأول : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) فعند هذا أعطاه الله خلعتين ، والسلام والبركات ، وهو قوله تعالى ( قیل یا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ) والثاني : حكى عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال ( معاذ الله انه ربي أحسن مثواي ) فاعطاه الله تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال (لنصرف عنه السوء والفحشاء) والثالث : قيل له ( خذ أحدنا مكانه ) فقال ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) فأكرمه الله تعالى بقوله ( ورفع أبويه على العرش وخرواله سجدا ) ، الرابع : حكي الله عن موسى عليه السلام أنه لما أمر قومه بذبح البقرة قال قومه ( أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) فأعطاه الله خلعتين إزالة التهمة وإحياء القتيل فقال ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته)، الخامس: أن القوم لما خوفوه بالقتل قال ( وإني عذت بر بي وربكم أن ترجمون ) وقال في آية اخرى ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) فأعطاه الله تعالى مراده فافنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم ، والسادس : أن أم مريم قالت ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً) والسابع : أن مريم عليها السلام لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة ( قالت اني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) فوجدت نعمتين ولداً من غير أب وتنزيه الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله ( اني عبد الله) الثامن : أن الله تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ) وقال ( قل أعوذ برب الفلق ) و(قل أعوذ برب الناس ) والتاسع : قال في سورة الاعراف ( خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم) وقال في حم السجدة (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) إلى أن قال ( وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) فهذه الآيات دالة على أن الانبياء عليهم السلام كانوا أبداً في الاستعاذة من شرشياطين الانس والجن. وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل قال : استب رجلان عند النبي ـََّ﴾ وأغرقا فيه: فقال عليه السلام ((إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك، وهي قوله ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه : الأول : أن الانسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جداً ، وأنه إنما يمكنه أن يعرف