Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
العلوم المستنبطة من الاستعاذة
واحد منها مسئلة على حدة ، وإذا وقفت على هذه الدقيقة فنقول : انا لو اعتبرنا المباحث
المتعلقة بالاسم والفعل ، ثم ننزل منها الى المباحث المتعلقة بتقسيم الأفعال بالمعلوم والمذكور ،
والمباحث المتعلقة بالموجود والمعدوم ، والمباحث المتعلقة بالواجب والممكن ، والمباحث المتعلقة
بالجوهر والعرض ، والمباحث المتعلقة بمقولة الكيف وكيفية انقسامه الى الكيفية المحسوسة وغير
المحسوسة ، والمباحث المتعلقة بالصوت وكيفية حدوثه وكيفية العضلات المحدثة للأصوات
والحروف- عظم الخطب ، واتسع الباب ، ولكنا نبدأ في هذا الكتاب بالمباحث المتعلقة بالكلمة
والكلام والقول واللفظ والعبارة ، ثم ننزل منها الى المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف،
ثم ننزل منها الى المباحث المتعلقة بتقسيمات الأسماء والأفعال والحروف حتى ننتهي الى الأنواع
الثلاثة الموجودة في قوله ﴿ أعوذ بالله﴾ ونرجو من فضل الله العميم أن يوفقنا للوصول الى هذا
المطلوب الكريم .
الكتاب الأول
في العلوم المستنبطة من قوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )
اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان : أحدهما المباحث المتعلقة باللغة
والاعراب والثاني : المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع .
القسم الأول من هذا الكتاب في المباحث الأدبية المتعلقة بهذه الكلمة ، وفيه أبواب .
الباب الأول
فى المباحث المتعلقة بالكلمة، وما يجري مجراها ، وفيه مسائل
المسئلة الأولى : أعلم أن أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ هو طريقة الاشتقاق
ثم أن الإشتقاق على نوعين : الاشتقاق الأصغر ، والاشتقاق الأكبر ، أما الإِشتقاق الأصغر
فمثل اشتقاق صيغة الماضي والمستقبل من المصدر ، ومثل اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول
وغيرهما منه ، وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة اذا كانت مركبة من الحروف كانت قابلة
للانقلابات لا محالة ، فنقول : أول مراتب هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين

٢٢
تقليب الكلام
ومثل هذه الكلمة لا تقبل إلا نوعين من التقليب، كقولنا ((من)) وقلبه ((نم)) وبعد هذه المرتبة
أن تكون الكلمة مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا ((حمد)) وهذه الكلمة تقبل ستة أنواع من
التقليبات ، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الثلاثة ابتداء لتلك الكلمة ،
وعلى كل واحد من التقديرات الثلاث فانه يمكن وقوع الحرفين الباقیین علی وجھینلکن ضرب
الثلاثة في اثنين بستة فهذه التقليبات الواقعة في الكلمات الثلاثيات يمكن وقوعها على ستة
أوجه، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة رباعية كقولنا ((عقرب، وثعلب)) وهي تقبل
أربعة وعشرين وجهاً من التقليبات ، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الأربعة
ابتداء لتلك الكلمة ، وعلى كل واحد من تلك التقديرات الأربعة فانه يمكن وقوع الحروف
الثلاثة الباقية على ستة أنواع من التقليبات ، وضرب أربعة في ستة يفيد أربعة وعشرين
وجهاً، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة خماسية كقولنا ((سفرجل)) وهي تقبل مائة وعشرين
نوعاً من التقليبات، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الخمسة ابتداء لتلك
الكلمة وعلى كل واحد من هذه التقديرات فانه يمكن وقوع الحروف الأربعة الباقية على أربعة
وعشرين وجهاً على ما سبق تقريره ، وضرب خمسة في أربعة وعشرين بمائة وعشرين والضابط في
الباب أنك إذا عرفت التقاليب الممكنة في العدد الأقل ثم أردت أن تعرف عدد التقاليب الممكنة
في العدد الذي فوقه فاضرب العدد الفوقاني في العدد الحاصل من التقاليب الممكنة في العدد
الفوقاني ، والله أعلم.
المسئلة الثانية : اعلم أن اعتبار حال الاشتقاق الأصغر سهل معتاد مألوف، أما
الإشتقاق الأكبر فرعايته صعبة ، وكأنه لا يمكن رعايته إلا في الكلمات الثلاثية لأن تقاليبها لا
تزيد على الستة ، أما الرباعيات والخماسيات فانها كثيرة جداً، وأكثر تلك التركيبات تكون
مهملة فلا يمكن رعاية هذا النوع من الاشتقاق فيها إلا على سبيل الندرة .
وأيضاً الكلمات الثلاثية قلما يوجد فيها ما يكون جميع تقاليبها الممكنة معتبرة ، بل يكون
فى الأكثر بعضها مستعملاً وبعضها مهملاً، ومع ذلك فان القدر الممكن منه هو الغاية القصوى
في تحقيق الكلام في المباحث اللغوية .
المسئلة الثالثة في تفسير الكلمة : اعلم أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها
الممكنة الستة تفيد القوة والشدة ، خمسة منها معتبرة، وواحد ضائع، فالأول .: (( ل.م))
فمنه الكلام ، لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه ، وأيضاً يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، ومنه
الكلم للجرح ، وفيه شدة، والكلام ما غلظ من الأرض، وذلك لشدته، الثاني ((ك م ل))
لأن الكامل أقوى من الناقص، والثالث ((ل ك م)) ومعنى الشدة في اللكم ظاهر، والرابع ((م

٢٣
تقليب حروف لفظ ((قول)»
ك ل)) ومنه ((بئر مکول)» إذا قل ماؤها ، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروهاً فیحصل نوع
شدة عند ورودها ، الخامس ((م ل ك)) يقال ((ملكت العجين)) إذا أمعنت عجنه فاشتد
وقوى، ومنه ((ملك الانسان)) لأنه نوع قدرة، و((أملكت الجارية)) لأن بعلها يقدر عليها.
المسئلة الرابعة : لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي
قد ارتبط بعضه ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها ((كلمة))، ومنها يقال ((كلمة الشهادة))،
ويقال: ((الكلمة الطيبة صدقة))، ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ
الكلمة على المركب مجاز ، وذلك لوجهين ، الأول : أن المركب إنما يتركب من المفردات ،
فاطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون اطلاقاً لاسم الجزء على الكل ، والثاني : أن
الكلام الكثير اذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيهاً بالمفرد في تلك الوجوه ،
والمشابهة سبب من أسباب حسن المجار ، فاطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا
السبب .
م
المسئلة الخامسة: لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين . أحدهما . يقال لعيسى
كلمة الله، إما لأنه حدث بقوله (( كن )) أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك ،
والثاني. أنه تعالى سمى أفعاله كلمات، كما قال تعالى في الآية الكريمة ((قل لو كان البحر
مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي)) والسبب فيه الوجهان المذكوران فيما
تقدم والله أعلم .
المسئلة السادسة في القول : هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة
والخفة، فالأول ((ق ول)) فمنه القول؛ لأن ذلك أمر سهل على اللسان، الثاني (( ق ل و ))
ومنه القلو وهو حمار الوحش، وذلك لخفته في الحركة، ومنه ((قلوت البر والسويق)) فهما
مقلوان ، لأن الشيء إذا قلى جف وخف فكان أسرع الى الحركة ، ومنه القلولي ، وهو الخفيف
الطائش، والثالث ((وق ل)) الوقل الوعل، وذلك لحركته، ويقال ((توقل في الجبل)) إذا
صعد فيه، والرابع ((ول ق)) يقال: ولق يلق إذا أسرع، وقرىء ((إذا تلقونه بألسنتكم))
أي: تخفون وتسرعون، والخامس ((ل وق)) كما جاء في الحديث (( لا آكل الطعام إلا ما لوق
لي )) أي : أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح ، ومنه اللوقة وهي الزبدة قل لها ذلك
لخفتها واسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل، والسادس (( ل ق و)) ومنه اللقوة
وهي العقاب ، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها ، ومنه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب
شكله فكأنه خفة فيه وطيش ، واللقوة الناقة السريعة اللقاح .

٢٤
معنى ((اللغة)) واشتقاقها وأصل لامها
المسئلة السابعة : قال ابن جنى رحمه الله تعالى : اللغة فعلة من لغوت أي : تكلمت ،
وأصلها لغوة ككرة وقلة فان لاماتها كلها واوات ، بدليل قولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ،
وقيل فيه لغى يلغى إذا هذا، ومنه قوله تعالى ((وإذا مروا باللغو مروراً كراماً)) قلت : ان ابن
جنى قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة والقول ولم يعتبره ههنا ، وهو حاصل فيه ، فالأول
((ل غ و)) ومنه اللغة ومنه أيضاً الكلام اللغو، والعمل اللغو، والثاني (( ل و غ)) ويبحث
عنه، والثالث ((غ ل و)) ومنه يقال: لفلان غلو في كذا، ومنه الغلوة، والرابع ((غ ول))
ومنه قوله تعالى ((لا فيها غول)) والخامس ((وغ ل)) ومنه يقال : فلان أوغل في كذا والسادس
((ول غ)) ومنه يقال: ولغ الكلب في الاناء ، ويشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو
الامعان في الشيء والخوض التام فيه .
المسئلة الثامنة في اللفظ: وأقول : أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات والحروف
على سبيل المجاز ، وذلك لأنها إنما تحدث عند إخراج النفس من داخل الصدر الى الخارج
فالانسان عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة ، ثم يزيل
ذلك الحبس ، فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس وأول زمان إطلاقه ، والحاصل
أن اللفظ هو: الرمي ، وهذا المعنى حاصل في هذه الأصوات والحروف من وجهين : الأول أن
الانسان يرمي ذلك النفس من داخل الصدر إلى خارجه ويلفظه ، وذلك هو الإخراج ، واللفظ
سبب لحدوث هذه الكلمات ، فاطلق اسم اللفظ على هذه الكلمات لهذا السببه، والثاني :
أن تولد الحروف لما كان بسبب لفظ ذلك الهواء من الداخل إلى الخارج صار ذلك شبيهاً بما أن
الانسان يلفظ تلك الحروف ويرميها من الداخل إلى الخارج ، والمشابهة إحدى أسباب المجاز .
المسئلة التاسعة، العبارة: وتركيبها من ((ع ب ر)) وهي في تقاليبها الستة تفيد العبور
والانتقال ، فالأول ((ع ب ر)) ومنه العبارة لأن الانسان لا يمكنه أن يتكلم بها إلا إذا انتقل من
حرف إلى حرف آخر ؛ وأيضاً كأنه بسبب تلك العبارة ينتقل المعنى من ذهن نفسه إلى ذهن
السامع ، ومنه العبرة لأن تلك الدمعة تنتقل من داخل العين الى الخارج ، ومنه العبر لأن
الانسان ينتقل فيها من الشاهد الى الغائب . ومنه المعبر لأن الانسان ينتقل بواسطته من أحد
طرفي البحر الى الثاني ، ومنه التعبير لأنه ينتقل مما يراه في النوم الى المعاني الغائبة ، والثاني (( ع
رب)) ومنه تسمية العرب بالعرب لكثرة انتقالاتهم بسبب رحلة الشتاء والصيف ومنه ((فلان
أعرب في كلامه)) لأن اللفظ قبل الإعراب يكون مجهولاً فاذا دخله الإعراب انتقل الى المعرفة
والبيان ، والثالث (( ب رع )) ومنه (( فلان برع في کذا )) إذا تكامل وتزايد ، الرابع ((ب ع ر))
ومنه البعر لكونه منتقلاً من الداخل إلى الخارج، الخامس ((رع ب)) ومنه يقال للخوف رعب

٢٥
الفرق بين الكلام والكلمة
/
لأن الإنسان ينتقل عند حدوثه من حال إلى حال أخرى، والسادس ((ربع)) ومنه الربع لأن
الناس ينتقلون منها وإليها .
المسئلة العاشرة : قال أكثر النحوين : الكلمة غير الكلام، فالكلمة هي اللفظ المفرده ،
والكلام هو الجملة المفيدة ، وقال أكثر الأصوليين إنه لا فرق بينهما ، فكل واحد منهما يتناول
المفرد والمركب ، وابن جنى وافق النحويين واستبعد قول المتكلمين ، وما رأيت في كلامه حجة
قوية في الفرق سوى أنه نقل عن سيبويه كلاماً مشعراً بأن لفظ الكلام مختص بالجملة المفيدة ،
وذكر كلمات أخرى إلا أنها في غاية الضعف، أما الأصوليون فقد احتجوا على صحة قولهم
بوجوه ، الأول : أن العقلاء قد اتفقوا على أن الكلام ما يضاد الخرس والسكوت ، والتكلم
بالكلمة الواحدة يضاد الخرس والسكوت ، فكان كلاماً ، الثاني : أن اشتقاق الكلمة من
الكلم ، وهو الجرح والتأثير ، ومعلوم أن من سمع كلمة واحدة فانه يفهم معناها ، فههنا قد
حصل معنى التأثير، فوجب أن يكون كلاماً ، والثالث : يصح أن يقال : إن فلاناً تكلم بهذه
الكلمة الواحدة ، ويصح أن يقال أيضاً : أنه ما تكلم إلا بهذه الكلمة الواحدة ، وكل ذلك
يدل على أن الكلمة الواحدة كلام ، وإلا لم يصح أن يقال تكلم بالكلمة الواحدة ، الرابع :
أنه يصح أن يقال تكلم فلان بكلام غير تام ، وذلك يدل على أن حصول الإفادة التامة غير معتبر
في اسم الكلام.
المسئلة الحادية عشرة : تفرع على الإختلاف المذكور مسئلة فقهية ، وهي أولى مسائل
أيمان الجامع الكبير لمحمد بن الحسن رحمه الله تعالى ، وهي أن الرجل إذا قال لامرأته التي لم
يدخل بها : أن كلمتك فأنت طالق ثلاث مرات ، قالوا إن ذكر هذا الكلام في المرة الثانية طلقت
طلقة واحدة ، وهل تنعقد هذه الثانية طلقة؟ قال أبو حنيفة وصاحباه : تنعقد ، وقال زفر : لا
تنعقد ، وحجة زفر أنه لما قال في المرة الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل
الشرط ، لأن اسم الكلام اسم لكل ما أفاد شيئاً ، سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك وإذا
حصل الشرط حصل الجزاء ، وطلقت عند قوله إن كلمتك ، فوقع تمام قوله ((أنت طالق))
خارج تمام ملك النكاح ، وغير مضاف اليه ، فوجب أن لا تنعقد ، وحجة أبي حنيفة أن الشرط
- وهو قوله إن كلمتك - غير تام ، والكلام اسم للجملة التامة ، فلم يقع الطلاق إلا عند تمام
قوله ان كلمتك فأنت طالق ، وحاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام يتناول الكلمة الواحدة
كان القول قول زفر ، وإن قلنا إنه لا يتناول إلا الجملة فالقول قول أبي حنيفة ومما يقوي قول
زفر أنه لوقال في المرة الثانية ((إن كلمتك)) وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله ((فأنت طالق))
طلقت ، ولولا أن هذا القدر كلام وآلا لما طلقت ، ومما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال ((كلما

٢٦
هل يطلق الكلام على المهمل
كلمتك فأنت طالق)) ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة ((كلما)) توجب التكرار فلو كان
التكلم بالكلمة الواحدة كلاماً لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في المرة الثانية
((كلما كلمتك)) وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله ((فأنت طالق )) لأن هذا المجموع مشتمل
على ذكر الكلمات الكثيرة ، وكل واحد منها يوجب وقوع الطلاق وأقول : لعل زفر يلتزم
ذلك .
المسئلة الثانية عشرة : محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وزفر ينبغي أن يكون :
مخصوصاً بما إذا قال ((إن كلمتك فأنت طالق)) أما لو قال ((إن تكلمت بكلمة فأنت طالق)) أو
قال ((ان نطقت)) أو قال ((ان تلفظت بلفظة)) أو قال ((إن قلت قولا فأنت طالق )) وجب أن
يكون الحق في جميع هذه المسائل قول زفر قولاً واحداً، والله أعلم.، ....
المسئلة الثالثة عشرة : لفظ الكلمة والكلام هل يتناول المهمل أم لا ؟ منهم من قال
يتناوله لأنه يصح أن يقال الكلام منه مهمل ومنه مستعمل ، ولأنه يصح أن يقال تكلم بكلام
غير مفهوم ، ولأن المهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير والكلام حاصلا فيه ، ومنهم من
قال الكلمة والكلام مختصان بالمفيد ، إذ لولم يعتبر هذا القيد لزم تجويز تسمية أصوات الطيور
بالكلمة والكلام .
المسئلة الرابعة عشرة : إذا حصلت أصوات متركبة تركيباً يدل على المعاني إلا أن ذلك
٠٦
التركيب كان تركيباً طبيعياً لا وضعياً فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة وكلاماً ؟ مثل أن
الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ ، وعند السعال قد يقول أح أح ، فهذه أصوات
مركبة ، وحروف مؤلفة ، وهي دالة على معان مخصوصة ، لكن دلالتها على مدلولاتها بالطبع لا
بالوضع ، فهل تسمى أمثالها كلمات ؟ وكذلك صوت القطا يشبه كأنه يقول قطا ، وصوت
اللقلق يشبه كأنه يقول لق لق ، فأمثال هذه الأصوات هل تسمى كلمات ؟ اختلفوا فيه ، وما
رأيت في الجانبين حجة معتبرة.، وفائدة هذا البحث تظهر فيما إذا قال : إن سمعت كلمة فعبدي
حر، فهل يترتب الحنث والبر على سماع هذه الألفاظ أم لا؟ .
المسئلة الخامسة عشرة : قال ابن جنى : لفظ القول يقع على الكلام التام ، وعلى الكلمة
الواحدة ، على سبيل الحقيقة ، أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة ، ولفظ الكلمة مختص.
بالمفرد وحاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل على الخفة والسهولة .
وجب أن يتناول الكلمة الواحدة ، أما تركيب الكلام فيفيد التأثير، وذلك لا يحصل إلا من
الجملة التامة ؛ إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة ، ومما يقوي ذلك قول الشاعر : -

٢٧
يستعمل القول في غير النطق
قلت لها قفي فقالت قاف
سمي نطقها بمجرد القاف قولا .
١
المسئلة السادسة عشرة : قال أيضاً إن لفظ القول يصح جعله مجازاً عن الإعتقادات
والآراء ، كقولك : فلان يقول بقول أبي حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، أي : يعتقد ما
كانا يريانه ويقولان به ، ألا ترى أنك لوسألت رجلاً عن صحة رؤية الله تعالى فقال : لا تجوز
رؤيته ، فتقول : هذا قول المعتزلة ، ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف ، وذكر
أن السبب في حسن هذا المجاز أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، فلما حصلت المشابهة من هذا
الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازاً عنه .
المسئلة السابعة عشرة : لفظ قال قد يستعمل في غير النطق ، قال أبو النجم : -
إنك لا ترجع إلا حامداً
قالت له الطير تقدم راشداً
وقال آخر : -
وحدرتا كالدر لما يثقب
وقالت له العينان سمعاً وطاعة
وقال : -
امتلأ الحوض وقال : قطنى
مهلا رويداً قد ملأت بطني
ويقال في المثل : قال الجدار للوتد لم تشقني ، قال : سل من يدقني ، فان الذي ورايي
ما خلاني ورابي، ومنه قوله تعالى ((إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)) وقوله
تعالى ((فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين )).
المسئلة الثامنة عشرة : الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم
لهذه الألفاظ والكلمات ، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى
بالكلام وبالقول، واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر: أما القرآن فقوله تعالى: (( والله
يشهد أن المنافقين لكاذبون)) وظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمداً
رسول الله وکانوا صادقین فیه ، فوجب أن یقال انهم كانوا کاذبین فی کلام آخر سوى اللفظ وما
هو إلا كرم النفس ، ولقائل أن يقول : لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني، قوله
((أخبروا أن محمداً رسول الله)) قلنا: لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمداً
رسول الله، لأنهم كانوا قالوا ((نشهد أنك لرسول الله)) والشهادة لا تحصل إلا مع العلم ،

٢٨
اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه
قيامه
وهم ما كانوا عالمين به ، فثبت أنهم كانوا كاذبين ، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني ، وأيما الأثر
فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة : كنت قد زورت في نفسي كلاماً فسبقني اليه أبو بكر ، وأما
الشعر فقول الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
وأما اللذين أنکروا کون المعنی القائم بالنفس یسمی بالكلام فقد احتجوا علیه بأن من
لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم ، وأيضاً الحنث والبر يتعلق بهذه الألفاظ ، ومن
أصحابنا من قال : اسم القول والكلام مشترك بين المعنى النفساني وبين اللفظ اللساني .
المسئلة التاسعة عشرة : هذه الكلمات والعبارات قد تسمى أحاديث . قال الله تعالى
((فليأتوا بحديث مثله )) والسبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من الحروف
المتعاقبة المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه ، فلهذا السبب سميت
بالحديث ويمكن أيضاً أن يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب والعلوم
والمعاني ، والله أعلم .
المسئلة العشرون : ههنا ألفاظ كثيرة ، فأحدها الكلمة ، وثانيها الكلام ، وثالثها
القول ، ورابعها اللفظ، وخامسها العبارة ، وسادسها الحديث ، وقد شرحناها بأسرها ،
وسابعها النطق ويجب البحث عن كيفية اشتقاقه ، وأنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ
المذكورة أومباين لها ، وبتقدير حصول المباينة فما الفرق.
المسئلة الحادية والعشرون : في حد الكلمة ، قال الزمخشري في أول المفصل : الكلمة
هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع ، وهذا التعريف ليس بجيد ، لأن صيغة الماضي
كلمة مع أنها لا تدل على معنى مفرد بالوضع ، فهذا التعريف غلط، لأنها دالة على أمرين :
حدث وزمان وكذا القول في أسماء الأفعال ، كقولنا : مه ، صه ، وسبب الغلط أنه كان يجب
عليه جعل المفرد صفة للفظ، فغلط وجعله صفة للمعنى .
المسئلة الثانية والعشرون : اللفظ إما أن يكون مهملاً ، وهو معلوم ، أو مستعملا وهو
على ثلاثة أقسام : أحدها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء من المعاني البتة ، وهذا هو
اللفظ المفرد كقولنا فرس وجمل ، وثانيها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء أصلاً حين هو
جزؤه أما باعتبار آخر فانه يحصل لأجزائه دلالة على المعاني، كقولنا ((عبد الله)) فانا إذا اعتبرنا
هذا المجموع اسم علم لم يحصل لشيء من أجزائه دلالة على شيء أصلاً ، أما إذا جعلناه

٢٩
المسموع المفيد وأقسامه
مضافاً ومضافاً إليه فانه يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على شيء آخر ، وهذا القسم نسميه
بالمركب ، وثالثها : أن يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على مدلول آخر على جميع
الاعتبارات، وهو كقولنا: ((العالم حادث، والسماء كرة ، وزيد منطلق)) وهذا نسميه
بالمؤلف.
المسئلة الثالثة والعشرون : المسموع المفيد ينقسم إلى أربعة أقسام : لأنه إما أن يكون
اللفظ مؤلفاً والمعنى مؤلفاً كقولنا ((الإنسان حيوان، وغلام زيد)) وإما أن يكون المسموع مفرداً
والمعنى مفرداً، وهو كقولنا ((الوحدة)) و((النقطة)) بل قولنا ((الله)) سبحانه وتعالى، وإما أن
يكون اللفظ مفرداً والمعنى مؤلفاً وهو كقولك ((إنسان )) فان للفظ مفرد والمعنى ماهية مركبة من.
أمور كثيرة ، وإما أن يكون اللفظ مركباً والمعنى مفرداً، وهو محال.
المسئلة الرابعة والعشرون : الكلمة هي اللفظة المفردة الدالة بالإصطلاح على معنى ،
وهذا التعريف مركب من قيود أربعة : فالقيد الأول كونه لفظاً ، والثاني كونه مفرداً ، وقد
عرفتهما ، والثالث كونه دالا وهو احتراز عن المهملات ، والرابع كونه دالاً بالاصطلاح وسنقيم
الدلالة على أن دلالات الألفاظ وضعيه لا ذاتية .
المسئلة الخامسة والعشرون : قيل : الكلمة صوت مفرد دال على معنى بالوضع: قال أبو
علي بن سينا في كتاب الأوسط : وهذا غير جائز لأن الصوت مادة واللفظ جنس ، وذكر الجنس
أولى من ذكر المادة ، وله كلمات دقيقة في الفرق بين المادة والجنس ، ومع دقتها فهي ضعيفة قد
بينا وجه ضعفها في العقليات ، وأقول : السبب عندي في أنه لا يجوز ذكر الصوت أن الصوت
ينقسم الى صوت الحيوان والى غيره ، وصوت الإنسان ينقسم إلى ما يحدث من حلقه وإلى
غيره ، والصوت الحادث من الحلق ينقسم إلى ما يكون حدوثه مخصوصاً بأحوال مخصوصة مثل
هذه الحروف ، وإلى ما لا يكون كذلك مثل الأصوات الحادثة عند الأوجاع والراحات والسعال
وغيرها ، فالصوت جنس بعيد ، واللفظ جنس قريب ، وإيراد الجنس القريب أولى من
الجنس البعيد.
المسئلة السادسة والعشرون : قالت المعتزلة : الشرط في كون الكلمة مفيدة أن تكون
مركبة من حرفين فصاعداً، فنقضوه بقولهم (( ق)) و((ع )) وأجيب عنه بأنه مركب في التقدير فان
الأصل أن يقال قي)) و((عي)) بدليل أن عند التثنية يقال ((قيا)) و((عيا)) وأجيب عن هذا
الجواب بأن ذلك مقدر ، أما الواقع فحرف واحد ، وأيضاً نقضوه بلام التعريف وبنون التنوين

٣٠
دلالة اللفظ على معناه غير ذاتية
وبالاضافة فانها بأسرها حروف مفيدة ، والحرف نوع داخل تحت جنس الكلمة ، ومتى صدق
النوع فقد صدق الجنس ، فهذه الحروف كلمات مع أنها غير مركبة .
المسئلة السابعة والعشرون : الأولى أن يقال : كل منطوق به أفاد شيئاً بالوضع فهو
كلمة وعلى هذا التقدير يدخل فيه المفرد والمركب ، وبقولنا : منطوق به ، يقع الإحتراز عن
الخط والإشارة .
المسئلة الثامنة والعشرون : دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية ، خلافاً
لعباد لندأنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة ، والذاتیات لا تكون كذلك ، حجة عباد أنه لو
لم تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة والمعاني المعينة وإلا لزم أن يكون تخصيص كل
واحد منها بمسماه ترجيحاً للمكن من غير مرجح ، وهو محال ، وجوابنا أنه ينتقض باختصاص
حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده ، وإلا لم يرجح ، ويشكل أيضاً باختصاص
كل إنسان باسم علمه المعين .
المسئلة التاسعة والعشرون : وقد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسباً لمعناه مثل تسميتهم
القطا بهذا الاسم ، لأن هذا اللفظ يشبه صوته ، وكذا القول في اللقلق ، وأيضاً وضعوا لفظ
((الخضم)) لأكل الرطب نحو البطيخ والقثاء، ولفظ ((القضم)) لأكل اليابس نحو قضمت
الدابة شعيرها ، لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشيء الرطب وحرف القاف يشبه صوت
أكل الشيء اليابس ، ولهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جنى في الخصائص .
المسئلة الثلاثون : لا يمكننا القطع بأن دلالة الألفاظ توقيفية ، ومنهم من قطع به ،
واحتج فيه بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا
يمكن إلا بالقول ، فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقاً
بوضع آخر لا إلى نهاية ، وهو محال ، فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف الله تعالى ، وأما
النقل فقوله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها )) وأجيب عن الأول بأنه لم لا يجوز أن يكون وضع
الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة ، وعن الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الالهام ؟
وأيضاً لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام ، ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه
السلام .
المسئلةن الحادية والثلاثون : لا يمكن القطع بأنها حصلت بالاصطلاح ، خلافاً
للمعتزلة ، واحتجوا بأن العلم بالصفة إذا كان ضرورياً كان العلم بالموصوف أيضاً ضرورياً ،

٣١
اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي
فلو خلق الله تعالى العلم في قلب العاقل بأنه وضع هذا اللفظ لهذا المعنى لزم أن يكون العلم
بالله ضرورياً وذلك يقدح في صحة التكليف ، وأجيب عنه بأنه لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى
يخلق علماً ضرورياً في القلب بأن واضعاً وضع هذا اللفظ لهذا المعنى من غير أن يخلق العلم بأن
ذلك الواضع هو الله تعالى؟ وعلى هذا التقدير فيزول الأشكال.
المسئلة الثانية والثلاثون : لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية
وأن تكون كلها اصطلاحية ، وأن يكون بعضها توقيفياً وبعضها إصطلاحياً .
المسئلة الثالثة والثلاثون : اللفظ المفرد لا يفيد البتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك
اللفظة موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئاً ، لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم بنسبة
مخصوصة بين ذلك اللفظ وذلك المعنى ، والعلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين مسبوق بكل
واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفاداً من ذلك اللفظ لزم الدور . وهو محال ، وأجيب
عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين اللفظ المعين والمعنى المعين فعند حصول
الشعور باللفظ ينتقل الخيال الى المعنى ، وحينئذ يندفع الدور .
المسئلة الرابعة والثلاثون : والأشكال المذكور في المفرد غير حاصل في المركب ؛ لأن
إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها إفادة وضعية ، أما التركيبات فعقلية ، فلا جرم عند سماع تلك
المفردات يعتبر العقل تركيباتها ثم يتوصل بتلك التركيبات العقلية إلى العلم بتلك المركبات ،
فظهر الفرق .
المسئلة الخامسة والثلاثون : للألفاظ دلالات على ما في الأذهان لا على ما في الأعيان
ولهذا السبب يقال : الألفاظ تدل على المعاني ، لأن المعاني هي التي عناها العاني ، وهي أمور
ذهنية ، والدليل على ما ذكرناه من وجهين : الأول : أنا إذا رأينا جسما من البعد وظنناه صخرة
قلنا إنه صخرة، فاذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظنناه طيراً قلنا أنه طير ، فاذا ازداد القرب
علمنا أنه انسان فقلنا إنه انسان ، فاختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على
أن مدلول الألفاظ هو الصور الذهنية لا الأعيان الخارجة ، الثاني : أن اللفظ لو دل على الموجود
الخارجي لكان إذا قال انسان العالم قديم وقال آخر العالم حادث لزم كون العالم قديماً حادثاً
معاً ، وهو محال ، أما إذا قلنا انها دالة على المعاني الذهنية كان هذان القولان دالين على حصول
هذين الحكمين من هذين الانسانين ، وذلك لا يتناقض.
المسئلة السادسة والثلاثون : لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ ، لأن
الماهيات غير متناهية ، وما لا نهاية له لا يكون مشعوراً به على التفصيل ، وما لا يكون مشعوراً

٣٢
المعنى اسم للصورة الذهنـ
به امتنع وضع الاسم بازائه .
المسئلة السابعة والثلاثون : كل معنى كانت الحاجة الى التعبير عنه أهم ، كان وضع
اللفظ بإزائه أولى ، مثل صيغ الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والدليل عليه أن
الحاجة الى التعبير عنها ماسة فيكون الداعي إلى ذلك الوضع كاملا ، والمانع زائلاً، وإذا كان
الداعي قوياً والمانع زائلاً، كان الفعل به واجب الحصول .
المسئلة الثامنة والثلاثون : المعنى الذي يكون خفياً عند الجمهور يمتنع كونه مسمى
باللفظ المشهور ، مثاله لفظة الحركة لفظة مشهورة وكون الجسم منتقلاً من جانب الى جانب أمر
معلوم لكل أحد ، أما الذي يقول به بعض المتكلمين - وهو المعنى الذي يوجب ذلك الانتقال -
فهو أمر خفي لا يتصوره إلا الخواص من الناس ، وإذا كان كذلك وجب أن يقال : الحركة
اسم لنفس هذا الإنتقال لا للمعنى الذي يوجب الإنتقال وكذلك يجب أن يكون العلم اسماً
لنفس العالمية ، والقدرة اسماً للقادرية ، لا للمعنى الموجب للعالمية والقادرية .
· المسئلة التاسعة والثلاثون في المعنى : المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات
الخارجية لأن المعنى عبارة عن الشيء الذي عناه العاني وقصده القاصد ، وذاك بالذات هو
الأمور الذهنية ، وبالعرض الأشياء الخارجية ، فاذا قيل : أن القائل أراد بهذا اللفظ هذا
المعنى ، فالمراد أنه قصد بذكر ذلك اللفظ تعريف ذلك الأمر المتصور.
المسئلة الأربعون : قد يقال في بعض المعاني : إنه لا يمكن تعريفها بالألفاظ ، مثل أنا
ندرك بالضرورة تفرقة بين الحلاوة المدركة من النبات والحلاوة المدركة من الطبرزذ ، فيقال : إنه
لا سبيل إلى تعريف هذه التفرقة بحسب اللفظ ، وأيضاً ربما اتفق حصول أحوال في نفس بعض
الناس ولا يمكنه تعريف تلك الحالة بحسب التعريفات اللفظية ، إذا عرفت هذا فنقول : أما
القسم الأول فالسبب فيه أن ما به يمتاز حلاوة النبات من حلاوة الطبرزذ ما وضعوا له في اللغة
لفظة معينة ، بل لا يمكن ذكرها إلا على سبيل الإضافة ، مثل أن يقال حلاوة النبات وحلاوة
الطبرزذ ، فلما لم توضع لتلك التفرقة لفظة مخصوصة لا جرم لا يمكن تعريفها باللفظ ، ولو
أنهم وضعوا لها لفظة لقد كان يمكن تعريفها باللفظ على ذلك التقدير ، وأما القسم الثاني :
وهو أن الانسان إذا أدرك من نفسه حالة مخصوصة وسائر الناس ما أدركوا تلك الحالة
المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع لفظ لتعريفه ، لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولا لم
يمكنه أن يفهم كون هذا اللفظ موضوعاً له ، فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين
امتنع منهم أن يتصورواكون هذه الألفاظ موضوعة لها ، فلا جرم امتنع تعريفها ، أما لو فرضنا

٣٣
معرفة الحق لذاته
أن جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظاً مخصوصة فعلى هذا التقدير كان يمكن
تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية - فهكذا يجب أن يتصور معنى ما يقال إن كثيراً من
المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ .
المسئلة الحادية والأربعون : في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني : وهي أن الانسان
خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج الى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه
التوسل به الى الاستعانة بالغير ، ولا بد لذلك التعريف من طريق ، والطرق كثيرة مثل الكتابة
والإِشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء ، إلا أن أسهلها وأحسنها هو تعريف ما في
القلوب والضمائر بهذه الألفاظ ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن النفس عند الإخراج سبب
لحدوث الصوت ، والأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة ، وهذه المعاني
تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف الكتابة والإشارة وغيرهما ، والثاني : أن هذه الأصوات كما
توجد تفنى عقيبه في الحال ، فعند الإحتياج اليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي ،
والثالث : أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف
الكثيرة ، وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير
متناهية ، فاذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحداً من تلك الكلمات توزعت الألفاظ . على
المعاني من غير التباس واشتباه ، ومثل هذا لا يوجد في الإِشارة والتصفيق ، فلهذه الأسباب
الثلاثة قضت العقول السليمة ، بأن أحسن التعريفات لما في القلوب هو الألفاظ .
المسئلة الثانية والأربعون : كمال الانسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل
به ، وجوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين ، ولا يمكنها اكتساب هذه
الكمالات إلا بواسطة هذا البدن ، فصار تخليق هذا البدن مطلوباً لهذه الحكمة ، ثم أن
مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعاً للحرارة الغريزية ، ولما كانت هذه
الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل ، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود
بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن الى نفسه ، ثم إذا بقي ذلك
الهواء في القلب لحظة تسخن واحتد وقويت حرارته ، فاحتاج القلب الى دفعه مرة أخرى ،
وذلك هو الإِنقباض فان القلب إذا انقبض انعصرما فيه من الهواء وخرج الى الخارج ، فهذا هو
الحكمة في جعل الحيوان متنفساً ، والمقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم
والعمل ، فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية ، ووقع تخليق القلب وجعله منبعاً
للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة ، ووقع إقدار القلب على الإنبساط الموجب لانجذاب الهواء
الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة الرابعة ، ووقع إقدار القلب على الإنقباض الموجب
الفخر الرازي ج ١ م ٣
٠

٣٤
الكلام اللساني والنفسي والذهني
لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة الخامسة ، ووقع صرف ذلك الهواء الخارج عند انقباض
القلب الى مادة الصوت في المرتبة السادسة ، ثم إن المقدر الحكيم والمدبر الرحيم جعل هذا الأمر
المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت ، وخلق مجابس ومقاطع
للصوت في الحلق واللسان والأسنان والشفتين . وحينئذ يحدث بذلك السبب هذه الحروف
المختلفة ، ويحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها ، ثم أودع في هذا النطق والكلام
حكماً عالية وأسراراً باهرة عجزت عقول الأولين والآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها
وشعلة من شمسها ، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة الباهرة والقدرة الغير متناهية .
المسئلة الثالثة والأربعون : ظهر بما قلناه أنه لا معنى للكلام اللساني إلا الاصطلاح من
الناس على جعل هذه الأصوات المقطعة والحروف المركبة معرفات لما في الضمائر ، ولو قدرنا
أنهم كانوا قد تواضعوا على جعل أشياء غيرها معرفات لما في الضمائر لكانت تلك الأشياء كلاماً
أيضاً ، وإذا كان كذلك لم يكن الكلام صفة حقيقية مثل العلم والقدرة والإرادة ، بل أمراً
وضعياً اصطلاحياً ، والتحقيق في هذا الباب : أن الكلام عبارة عن فعل مخصوص يفعله الحي
القادر لأجل أن يعرف غيره ما في ضميره من الإرادات والإعتقادات ، وعند هذا يظهر أن المراد
من كون الإنسان متكلماً بهذه الحروف مجرد كونه فاعلاً لها لهذا الغرض المخصوص ، وأما
الكلام الذي هو صفة قائمة بالنفس فهي صفة حقيقية كالعلوم والقدر والإرادات.
المسئلة الرابعة والأربعون : لما ثبت أن الألفاظ دلائل على ما في الضمائر والقلوب ،
والمدلول عليه بهذه الألفاظ هو الإرادات والإعتقادات أو نوع آخر ، قالت المعتزلة : صيغة
((افعل)) لفظة موضوعة لإِرادة الفعل ، وصيغة الخبر لفظة موضوعة لتعريف أن ذلك القائل
يعتقد أن الأمر الفلاني كذا وكذا ، وقال أصحابنا : الطلب النفساني مغاير للإرادة ، والحكم
الذهني أمر مغاير للإعتقاد ، أما بيان أن الطلب النفساني مغاير للإرادة فالدليل عليه أنه تعالى
أمر الكافر بالإيمان ، وهذا متفق عليه ، ولكن لم يرد منه الإيمان ، ولو أراده لوقع ، ويدل
عليه وجهان : الأول : أن قدرة الكافر إن كانت موجبة للكفر كان خالق تلك القدرة مريداً
للكفر ، لأن مريد العلة مريد للمعلول ، وإن كانت صالحة للكفر والإيمان امتنع رجحان
أحدهما على الآخر إلا بمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن
كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع القدرة مع الداعية موجباً للكفر ، ومريد العلة مريد
للمعلول ، فثبت أنه تعالى مريد الكفر من الكافر ، والثاني : أنه تعالى عالم بأن الكافر يكفر
وحصول هذا العلم ضد لحصول الإيمان ، والجمع بين الضدين محال ، والعالم بكون الشيء
ممتنع الوقوع لا يكون مريداً له ، فثبت أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان ، وثبت أنه لا يريد منه

٣٥
طرق معرفة اللغة
الإيمان فوجب أن يكون مدلول أمر الله تعالى فعل شيء آخر سوى الإرادة ، وذلك هو
المطلوب ، وأما بيان أن الحكم الذهني مغاير للإعتقاد والعلم فالدليل عليه أن القائل إذا قال :
العالم قديم فمدلول هذا اللفظ هو حكم هذا القائل بقدم العالم ، وقد يقول القائل بلسانه
هذا مع أنه يعتقد أن العالم ليس بقديم ، فعلمنا أن الحكم الذهني حاصل ، والإعتقاد غير
حاصل ، فالحكم الذهني مغاير للإعتقاد.
المسئلة الخامسة والأربعون : مدلولات الألفاظ قد تكون أشياء مغايرة للألفاظ : كلفظة
السماء والأرض ، وقد تكون مدلولاتها أيضاً ألفاظاً كقولنا : اسم ، وفعل ، وحرف ، وعام ،
وخاص ، ومجمل ، ومبين ، فان هذه الألفاظ أسماء ومسمياتها أيضاً ألفاظ .
المسئلة السادسة والأربعون : طريق معرفة اللغات إما العقل وحده وهو محال ، وإما
النقل المتواتر أو الآحاد وهو صحيح، وإما ما يتركب عنهما : كما إذا قيل : ثبت بالنقل جواز
إدخال الاستثناء على صيغة من ، وثبت بالنقل أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل فيه ،
فيلزم من مجموعهما بحكم العقل كون تلك الصيغة موضوعة للعموم ، وعلى هذا الطريق
تعويل الأكثرين في إثبات أكثر اللغات ، وهو ضعيف ، لأن هذا الاستدلال إنما يصح لو قلنا
أن واضع تينك المقدمتين وجب أن يكون معترفاً بهذه الملازمة ، وإلا لزم التناقض ، لكن
الواضع للغات لو ثبت أنه هو الله تعالى وجب تنزيهه عن المناقضة ، أما لو كان هو الناس لم
يجب ذلك ولما كان هذا الأصل مشكوكاً كان ذلك الدليل مثله .
المسئلة السابعة والأربعون : اللغات المنقولة إلينا بعضها منقول بالتواتر ، وبعضها
منقول بالآحاد ، وطعن بعضهم في كونها متواترة فقال : أشهر الألفاظ هو قولنا الله ، وقد
اختلفوا فيها فقيل : انها ليست عربية بل هي عبرية ، وقيل : انها اسم علم ، وقيل : انها من
الأسماء المشتقة ، وذكروا في اشتقاقها وجوها عشرة ، وبقي الأمر في هذه الإختلافات موقوفاً الى
الآن وأيضاً فلفظة الإيمان والكفر قد اختلفوا فيهما اختلافاً شديداً ، وكذا صيغ الأوامر
والنواهي ، والعموم والخصوص ، مع أنها أشد الألفاظ شهرة ، وإذا كان الحال كذلك في
الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها ؟ والحق أن ورود هذه الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم
بالتواتر ، فأما ماهياتها واعتباراتها فهي التي اختلفوا فيها ، وذلك لا يقدح في حصول التواتر في
الأصل .
المسئلة الثامنة والأربعون : منهم من سلم حصول التواتر في بعض هذه الألفاظ في هذا
الوقت ، إلا أنه زعم أن حال الأدوار الماضية غير معلوم ، فلعل النقل ينتهي في بعض الأدوار

٣٦
دلالة الألفاظ على معانيها ظنية
الماضية الى الآحاد ، وليس لقائل أن يقول : لو وقع ذلك لاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، لأن
هذه المقدمة إن صحت فإنما تصح في الوقائع العظيمة . وأما التصرفات في الألفاظ فهي وقائع
حقيرة ، والحق أن العلم الضروري حاصل بأن لفظ السماء والأرض والجدار والدار كان حالها
وحال أشباهها في الأزمنة الماضية كحالها في هذا الزمان .
المسئلة التاسعة والأربعون : لا شك أن أكثر اللغات منقول بالآحاد ، ورواية الواحد
إنما تفيد الظن عند اعتبار أحوال الرواة وتصفح أحوالهم بالجرح والتعديل ، ثم أن الناس
شرطوا هذه الشرائط في رواة الأحاديث ، ولم يعتبروها في رواة اللغات ، مع أن اللغات تجري
مجرى الأصول للأحاديث ، ومما يؤكد هذا السؤال أن الأدباء طعن بعضهم في بعض بالتجهيل
تارة وبالتفسيق أخرى ، والعداوة الحاصلة بين الكوفيين والبصريين مشهورة ، ونسبة أكثر
المحدثين أكثر الأدباء إلى ما لا ينبغي مشهورة ، وإذا كان كذلك صارت رواياتهم غير مقبولة
وبهذا الطريق تسقط أكثر اللغات عن درجات القبول ، والحق أن أكثر اللغات قريب من
التواتر ، وبهذا الطريق يسقط هذا الطعن .
المسئلة الخمسون : دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لانها موقوفة على نقل اللغات ، ونقل
الإعرابات والتصريفات ، مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ورواية الآحاد لا
تفيد إلا الظن ، وأيضاً فتلك الدلائل موقوفة على عدم الإشتراك ، وعدم المجاز، وعدم
النقل ، وعدم الإجمال ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي ، فإِن بتقدير حصوله يجب
صرف اللفظ إلى المجاز، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض ، والموقوف على الظن
أولى أن يكون ظناً ، والله أعلم.
الباب الثاني
في المباحث المستنبطة من الصوت والحروف وأحكامها ، وفيه مسائل
المسئلة الأولى : ذكر الرئيس أبو علي بن سينا في تعريف الصوت أنه کیفیة تحدث من
تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع ، وأقول : ان ماهية الصوت مدركة بحس السمع
وليس في الوجود شيء أظهر من المحسوس حتى يعرف المحسوس به ، بل هذا الذي ذكره إن
كان ولا بد فهو إشارة الى سبب حدوثه ، لا إلى تعريف ماهيته .

٣٧
کیفیة حدوث الصوت
المسئلة الثانية : يقال أن النظام المتكلم كان يزعم أن الصوت جسم ، وأبطلوه بوجوه :
منها أن الأجسام مشتركة في الجسمية وغير مشتركة في الصوت ، ومنها أن الأجسام مبصرة
وملموسة أولا وثانياً وليس الصوت كذلك ، ومنها أن الجسم باق والصوت ليس كذلك ،
وأقول : النظام كان من أذكياء الناس ويبعد أن يكون مذهبه أن الصوت نفس الجسم ، إلا
أنه لما ذهب إلى أن سبب حدوث الصوت تموج الهواء ظن الجهال به أنه يقول أنه عين ذلك
الهواء.
المسئلة الثالثة : قال بعضهم : الصوت اصطكاك الأجسام الصلبة ، وهو باطل ؛ لأن
الاصطكاك عبارة عن المماسة وهي مبصرة ، والصوت ليس كذلك ، وقيل : الصوت نفس
القرع أو القلع ، وقيل أنه تموج الحركة ، وكل ذلك باطل ؛ لأن هذه الأحوال مبصرة ،
والصوت غير مبصر، والله أعلم.
المسئلة الرابعة : قيل سببه القريب تموج الهواء ، ولا نعني بالتموج حركة انتقالية من
مبدأ واحد بعينه الى منتهى واحد بعينه ، بل حالة شبيهة بتموج الهواء فإنه أمر يحدث شيئاً فشيئاً
لصدم بعد صدم وسكون بعد سكون ، وأما سبب التموج فامساس عنيف ، وهو القرع ، أو
تفريق عنيف ، وهو القلع ، ويرجع في تحقيق هذا إلى كتبنا العقلية .
المسئلة الخامسة : قال الشيخ الرئيس في حد الحرف : أنه هيئة عارضة للصوت يتميز بها
عن صوت آخر مثله في الخفة والثقل تميزاً في المسموع.
المسئلة السادسة : الحروف إما مصوتة ، وهي التي تسمى في النحو حروف المد واللين ،
ولا يمكن الإبتداء بها أوصامتة وهي ما عداها ، أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات العارضة
للصوت ، وأما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء والتاء والدال والطاء ، وهي لا توجد
إلا في ((الآن)) الذي هو آخر زمان حبس النفس وأول زمان ارساله ، وهي بالنسبة الى الصوت
كالنقطة بالنسبة الى الخط والآن بالنسبة الى الزمان ، وهذه الحروف ليست بأصوات ولا عوارض
أصوات ، وإنما هي أمور تحدث في مبدأ حدوث الأصوات ، وتسميتها بالحروف حسنة لأن
الحرف هو الطرف ، وهذه الحروف أطراف الأصوات ومباديها ، ومن الصوامت ما يمكن تمديدها
بحسب الظاهر ، ثم هذه على قسمين : منها ما الظن الغالب أنها آنية الوجود في نفس الأمر ،
وإن كانت زمانية بحسب الحس ، مثل الحاء والخاء ، فإن الظن أن هذه جاءت آنية متوالية كل
واحد منها آني الوجود في نفس الأمر ، لكن الحس لا يشعر بامتياز بعضها عن بعض فيطنها
حرفاً واحداً زمانياً ، ومنها ما الظن الغالب كونها زمانية في الحقيقة كالسين والشين ، فإنها

٣٨
الکلام حادث لا قدیم
هيئات عارضة للصوت مستمرة باستمراره .
المسئلة السابعة : الحرف لا بد وأن يكون أما ساكناً أو متحركاً ، ولا نريد به حلول
الحركة والسكون فيه ، لأنهما من صفات الأجسام ، بل المراد أنه يوجد عقيب الصامت بصوت
مخصوص .
المسئلة الثامنة : الحركات أبعاض المصوتات ، والدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة
للزيادة والنقصان ولا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات ، ولأن هذه الحركات إذا مدت
حدثت المصوتات وذلك يدل على قولنا.
المسئلة التاسعة : الصامت سابق على المصوت المقصور الذي يسمى بالحركة ، بدليل أن
التكلم بهذه الحركات موقوف على التكلم بالصامت ، فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه
الصوامت لزم الدور ، وهو محال .
المسئلة العاشرة : الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة
العقل كونه قديماً لوجهين : الأول : أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية
فالسابق المنقضي محدث ، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا
شك أنه حادث ، والثاني : أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم
تحصل الكلمة ، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معاً
لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها ، ولو حصلت على التعاقب
كانت حادثة ، واحتج القائلون بقدم الحروف بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن لكل واحد
من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها ، والماهيات لا تقبل الزوال ولا
العدم ، فكانت قديمة ، وأما النقل فهو أن كلام الله قديم ، وكلام الله ليس إلا هذه الحروف،
فوجب القول بقدم هذه الحروف ، أما ان كلام الله قدیم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه
صفة نقص ، فلو لم يكن كلام الله قديماً لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصاً ثم صار فيما لا
يزال كاملاً ، وذلك باجماع المسلمين باطل ، وإنما قلنا أن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف
لوجوه: أحدها قوله تعالى ((وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله))
ومعلوم أن المسموع ليس الا هذه الحروف، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام الله،
وثانيها : أن من حلف على سماع كلام الله تعالى فانه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف ،
وثالثها: أنه نقل بالتواتر الينا أن النبي ﴿1﴾ كان يقول ((أن هذا القرآن المسموع المتلوهو
كلام الله)) فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر.

٣٩
وصف كلام الله تعالى بالقدم
والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهية ، فيلزمكم قدم الكل ، وعن
الثاني أن ما ذكرتم من الإستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلا.
المسئلة الحادية عشرة : إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله
تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على
سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبنى الإيمان على العرف، وإذا قلنا : كلام
الله قديم ، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات وإذا
﴾، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي
قلنا: كلام الله معجزة لمحمد ﴿وَلا
حادثة ، فان القديم كان موجوداً قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ؟ وإذا
قلنا : كلام الله سور وآيات ، عنينا به هذه الحروف، وإذا قلنا : كلام الله فصيح ، عنينا به
هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضاً هذه الألفاظ .
المسئلة الثانية عشرة : زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان
عين كلام الله تعالى ، وهذا باطل ، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها
من هذا الإِنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعال لزمنا القول بأن
الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الانسان ، وهذا معلوم الفساد
بالضرورة ، وأيضاً فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ،
وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى ، وغير زائلة
عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان مع أنه غير
زائل عن ذات الله تعالى ، ولا فرق بين القولين ، إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق
عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق الى
المغرب .
المسئلة الثالثة عشرة : قالت الكرامية : الكلام اسم للقدرة على القول ، بدليل أن القادر
على النطق يقال إنه متكلم ، وإن لم يكن في الحال مشتغلاً بالقول ، وأيضاً فضد الكلام هو
الخرس ، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول ، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة
على القول ، وإذا ثبت هذا فهم يقولون : ان كلام الله تعالى قديم ، بمعنى أن قدرته على القول
قديمة ، أما القول فانه حادث ، هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه .
المسئلة الرابعة عشرة: قالت الحشوية للأشعرية: ان كان مرادكم من قولكم ((ان
القرآن قديم)) هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات

٤٠
خلاف الحشوية والاشعرية في صفة القرآن
وجب أن یکون کل کتاب صنف فى الدنيا قديماً ، لأن ذلك الكتاب له مدلول وفمهوم ، وكلام
الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبراً عن مدلولات ذلك الكتاب
فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب الفحش والهجو في كونه قديماً بهذا
التفسير، وان كان المراد من كونه قديماً وجهاً آخر سوى ذلك فلا بد من بيائه . والجواب أنا لا
نلتزم كون كلامه تعالى متعلقاً بجميع المخبرات ، وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال ...
واعلم أنا لا نقول : إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذباً ، والكذب في
كلام الله محال ، لأنه تعالى لما أخبر أن أقواماً أخبروا عن تلك الأكاذيب والفحشيات فهذا لا
يكون كذباً ، وإنما يمنع منه لأمر يرجع الى تنزيه الله تعالى عن النقائص ، والأخبار عن هذه
الفحشيات والسخفيات يجري مجرى النقص ، وهو على الله محال . واعلم أن مباحث الحرف
والصوت وتشريح العضلات الفاعلات للحروف وذكر الأشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور
صعبة دقيقة ، فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه ، والله أعلم بالصواب .
الباب الثالث
في المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف ، وفيه مسائل
:
٠,٠٠٠٠
المسئلة الأولى : أعلم أن تقسيم الكلمة إلى هذه الأنواع الثلاثة يمكن إيراده من وجهين
الأول : أن الكلمة أما أن يصح الأخبار عنها وبها ، وهي الاسم ، وأما أن لا يصح الاخبار
عنها ، لكن يصح الاخبار بها ، وهي الفعل ، واما أن لا يصح الاخبار عنها ولا بها ، وهو
الحرف واعلم أن هذا التقسيم مبني على أن الحرف والفعل لا يصح الاخبار عنهما ، وعلى أن
الاسم يصح الاخبار عنه ، فلنذكر البحثين في مسئلتين .
المسئلة الثانية : اتفق النحويون على أن الفعل والحرف لا يصح الاخبار عنهما ، قالوا :
لأنه لا يجوز أن يقال : ضرب قتل ، ولقائل أن يقول المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم
العام ، وأيضاً فانه لا يصح أن يقال: جدار سماء ، ولم يدل ذلك على أن الاسم لا يصح
الاخبار عنه وبه ، لأجل أن المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم العام ، فكذا ههنا ، ثم
قيل ، الذي يدل على صحة الأخبار عن الفعل والحرف وجوه : الأول : أنا إذا أخبرنا عن
((ضرب يضرب أضرب)) بأنها أفعال فالمخبر عنه في هذا الخبر إما أن يكون اسماً أو فعلاً أو