Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة التكاثر، الآيات: ١ - ٨
وأي نعيم نحن فيه. وإنما نأكل في أنصاف بطوننا الشبع ؟ فأوحى الله سبحانه إلى نبيّه: قل
لهم: ((أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم)) [٢٤٨](١).
وأخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا أبو الحسن الأشناني القاضي
قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد الخراز قال: حدّثني أبي قال: حدّثني محمد بن مروان
عن أبان بن تغلب عن أنس بن مالك قال: لما نزلت ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ جاء رجل
محتاج فقال: يا رسول اللّه هل عليّ من النعمة شيء؟ قال: ((نعم، النعلان، والظل، والماء
البارد)) [٢٤٩] (٢).
وأخبرنا محمد بن محمد بن هانئ قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن محمد الرواساني
قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا ابن نمير عن ابن جريج عن مجاهد ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذْ عَنْ
الَّعِيمِ﴾ قال: عن كل لذّة من لذات الدنيا.
وأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: حدّثنا علي بن الحسن بن
أبي عيسى قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: حدّثنا أبو عامر بن أُساف اليمامي عن يحيى وهو
عبد لابن أبي كثير قال: قرأ رسول اللّه وَلّهِ: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ على أصحابه فلمّا بلغ ﴿لَتُسْأَلُنَّ
يَوْمَئِذْ عَنْ النَّعِيمِ﴾ قال: ((هل تدرون ما ذاك النعيم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((بيت
يقلّك، وخرقة تواري عورتك، وكسرة تشدُ بها صلبك ما سوى ذلك نعيم)) [٢٥٠](٣).
وأخبرنا عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى المكّي قال: حدّثني
أبو بكر محمد بن جعفر المقري بشمشاط قال: حدّثنا أحمد بن سفيان بن علقمة بن عبد الله
المقدمي قال: حدّثنا عمرو بن خالد قال: حدّثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس قال:
قرأ رسول اللّه وَلَى: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ قال: ((تكاثر الأموال: جمعها من غير حقّها، ومنعها عن
حقّها، وشدّها في الأوعية، ﴿حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾ حتى دخلتم قبوركم ﴿كَلَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لو
قد دخلتم قبوركم ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم ﴿كَلََّّ لَوْ
تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ لو قد تطايرت الصُحف فشقيٍّ وسعيد ﴿لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ
الْيَقِينِ﴾ - قال : - وذلك حين يؤتى بالصراط فينصب بين حفرتي جهنم(٤) ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذْ عَنْ
النَّعِيمِ﴾ قال عن خمس: عن شبع البطون، وبارد الشراب، ولذّة النوم، وظلال المساكن،
واعتدال الخلق)) [٢٥١].
(١) تفسير ابن كثير: ٤ / ٥٨٤ والدر المنثور: ٦ / ٣٨٨.
(٢) ذكر أخبار إصبهان: ٢ / ٢٧٧ وفيه: الظلل بدل الظل.
(٣) تفسير الطبري: ٢٠ / ١٧٦ بتفاوت.
(٤) تفسير نور الثقلين: ٥ / ٦٦٢.

٢٨٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله
قال: حدّثنا الحسن بن زياد قال: حدّثنا أبو خلد الأحمر عن مفضل عن مغيرة عن إبراهيم قال:
من أكل فسمّى اللّه وفرغ فحمد اللّه لم يسئل عن نعيم ذلك الطعام.
وقال ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، قال: يسأل الله العباد فيما
استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْؤُولا﴾(١)، أبو جعفر: العافية.
وأنبأني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا ابن جرير قال: أخبرنا بن حميد قال:
حدّثنا مهران عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن الحرث التميمي عن ثابت البناني عن
النبي ◌َّ قال: ((النعيم المسؤول عنه يوم القيامة: كسرة تقوّيه، وماء يرويه، وثوب يواريه)»
[٢٥٢](٢) .
وبه عن مهران عن سفيان عن بكر بن [عتيق] العامري قال: أُتي سعيد بن جبير بشربة عسل
فقال: أما إنّ هذا من النعيم الذي يُسئل عنه(٣) .
وقال محمد بن كعب: يعني عمّا أنعم عليكم بمحمد (عليه السلام)، ودليل هذا التأويل
قوله سبحانه ﴿يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها﴾، عكرمة: عن الصحة والفراغ.
سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال، ودليله ما روى ابن عباس عن النبي (عليه
السلام) أنّه قال: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) [٢٥٣](٤).
وقال عروة بن محمد: كنّا مع وهب بن منبه فرأينا رجلا أصمّ أعمى مقعداً مجذوماً مصاباً
فقلنا: هل بقي على هذا شيءٌ من النعيم؟ قال: نعم، أعظمه بشبعه ما يأكل ويشرب ويسهل عليه
إذا خرج لذلك.
قال بكر عن عبد اللّه المزني: يالها من نعمة يأكل لذّة ويخرج سرجاً !. أبو العالية: عن
الإسلام والستر. الحسين بن الفضل: تخفيف الشرايع وتيسير القرآن. أبو بكر الورّاق: عن
الآلاء والنعماء.
(١) سورة الإسراء: ٣٦.
(٢) تفسير الطبري: ٣٠ / ٣٦٩ مورد الآية ح ٢٩٣٣٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) مسند أحمد: ١ / ٣٤٤.

٢٨٣
سورة العصر، الآيات: ١ - ٣
سورة العصر
مكّيّة، وهي ثمانية وستون حرفاً، وأربع عشرة كلمة، وثلاث آيات
أخبرنا كامل بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال:
حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن
مسلم، عن أُمّه، عن أبي أمامة، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه وَ لقوله: ((من قرأ سورة
﴿وَالْعَصْرِ﴾ ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب الحق يوم القيامة)) [٢٥٤](١).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّ اُلْإِنسَنَّ لَفِى خُسِْ ﴿ إِلَّ الَّذِينَ ء ◌َامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَنَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْا
باْلِصَّيْرِ
﴿وَالْعَصْرِ﴾ قال ابن عباس: والدهر. ابن كيسان: الليل والنهار ويقال لهما: العصران
وللغداة والعشي أيضاً: عصران. قال حميد بن ثور:
إذا طلبا أن يُدركا ما تيمما (٢)
ولن يلبث العصران يوم وليلة
الحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها. قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار. مقاتل:
صلاة العصر وهي الوسطى.
﴿إِنَّ الأنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فانّهم ليسوا في خُسر.
﴿وَتَوَاصَوْا﴾ وتحاثّوا وأوصى بعضهم بعضاً. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن عن الحسن وقتادة.
مقاتل: بالإيمان والتوحيد. وقيل: على العمل بالحق.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على أداء الفرائض وإقامة أمر الله، وروى ابن عون عن إبراهيم قال:
أراد أن الإنسان إذا عمّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلّ المؤمنين فإنّهم يكتب لهم
أجورهم والمحاسن التي كانوا يعملونها في حال شبابهم وقوّتهم وصحّتهم، وهي مثل قوله
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٣٤.
(٢) لسان العرب: ٤ / ٥٧٦.

٢٨٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الأنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾(١)
الآية قال: [كان علي ◌ُّه يقرأ ذلك]: إِنَّ الأنسَانَ لَفِي خُسْر وإنه فيه إلى آخر الدهر، وكذلك
هي في قراءة ابن مسعود، وكان علي يقرأها: والعصر، ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر،
وإنّه فيه إلى آخر الدهر(٢).
والقراءة الصحيحة ما عليه العامّة والمصاحف.
٠
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن حمدان الخطيب قراءة عليه في رجب سنة
ست وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن دُلان قال: أخبرنا القاضي
منصور بن محمد قال: حدّثنا محمد بن أحمد البزاز قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن
داود بن سليمان الدينوري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسن بن علقمة قال:
حدّثنا سباط بن محمد عن القاسم بن رفيعة عن أبي أمامة عن أُبيّ بن كعب قال: قرأت على
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعصر فقلت: بأبي وأُمّي يا رسول اللّه وما تفسيرها ؟
فقال: ((﴿وَالْعَصْرِ﴾ قسمٌ من اللّه أقسم لكم بآخر النهار)) ﴿إِنَّ الأنسَانَ لَفِي خُسْرِ﴾ قال:
((أبو جهل بن هشام)) ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ((أبو بكر الصديق)) ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ((عمر بن
الخطّاب)) ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ ((عثمان بن عفّان)) ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ((علي بن أبي طالب))
[٢٥٥](٣).
وأخبرنا عبد الخالق (بن علي] قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف بن حاتم بن نضر
قال: حدّثنا الحسن بن عثمان قال: حدّثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة قال: حدّثنا عمّي
علي بن رفاعة عن أبيه رفاعة قال: حججت فوافيت علي بن عبد الله بن عباس يخطب على منبر
رسول اللّه ◌َله فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر﴾ أبو جهل
ابن هشام ﴿إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أبو بكر الصديقِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عمر بن الخطّاب
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ عثمان بن عفّان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّيْرِ﴾ علي بن أبي طالب [٢٥٦](٤).
(١) سورة التين: ٤ - ٦.
(٢) تفسير الطبري: ٣٠ / ٣٧١ مورد الآية.
(٣) تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٨٠.
(٤) تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٨٠.

٢٨٥
سورة الهمزة، الآيات: ١ - ٩
سورة الهمزة
مكّيّة، وهي مائة وثلاثون حرفاً، وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع آيات
أخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا إسماعيل بن نحيل قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن
إبراهيم بن سعيد البوشنجي قال سعيد بن حفص قال: قرأت على معقل بن عبد الله عن عكرمة
ابن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم): ((من قرأ سورة ﴿ويل لكل همزة﴾ أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من
استهزأ بمحمد وأصحابه)) [٢٥٧].
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلٌّ لِكُلِّ هُمَزَّوْ لُعَزَّةٍ ﴿ الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَذَّدَهُ ﴿٣٠َ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ
لُبَدَنَّ فِ الخَطَمَةِ ﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا أَلْطَعَّةُ ﴿َ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَّدَةُ ﴿ أَتِى تَطَبِعُ عَلَى الْأَقْدَةِ
إِنَّهَ عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿ذَ فِ عَدٍ مُعَذََّةٍ
كـ
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَّةٍ﴾ قال ابن عباس: هم المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة،
الباغون، البراء: العنت. سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم،
واللمزة: الطعّان عليهم. مجاهد: الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الطعّان في أنساب
الناس(١).
وقال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغيب ويطعن في وجه الرجل
إذا أقبل، واللمزة الذي يغتابه من خلفه إذا أدبر وغاب. ضده مقاتل. مرّة: يعني كل طعّان عيّاب
مغتاب للمرء إذا غاب، دليله قول زياد بن الأعجم:
إذا لقيتكَ عن شحط تكاشرني
وإن تغيّبتُ كنتَ الهامز اللمزة (٢)
ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويغيبهم.
(١) تفسير الطبري: ٣٠ / ٣٧٥.
(٢) لسان العرب: ٥ / ٤٢٦، وتفسير القرطبي: ٢٠ / ١٨٢ مورد الآية.

٢٨٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه. ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء
اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه، ويُشير برأسه، ويومض بعينه، ويرمز بحاجبه،
وهما لغتان للفاعل نحو سَخَرة وضَحَكة للذي يسخر ويضحك من الناس.
وروي عن أبي جعفر والأعرج بسكون الميم فيهما، فإن صحّت القراءة فهي في معنى
المفعول، وهو الذي يتعرّض للناس حين يهمزوه ويضحكون منه، ويحملهم على الاغتياب.
وقرأ عبد الله والأعمش ويلٌ للهمزة اللمزة، وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء
بالعنف، ومنه همز الحرف، ويُحكى أنّ أعرابيّاً قيل له: أتهمز الفارة ؟ فقال: الهرّة تهمزها،
وقال الحجاج:
ومن همزنا رأسه تهشما (١)
واختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال قوم: نزلت في جميل بن عامر الجمحي،
وإليه ذهب ابن أبي الجمح، وقال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق ووهب بن عمرو الثقفي
وكان يقع في الناس ويغتابهم مقبلین ومدبرين.
وقال محمد بن إسحاق بن مسار: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أُميّة بن خلف
الجمحي .
وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي ◌َّ- ويطعن في وجهه.
وقال مجاهد وغيره: ليست بخاصّة لأحد، بل كل من كانت هذه صفته (٢).
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالا﴾ قرأ شيبة ونافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو وأيّوب بتخفيف الميم،
واختاره أبو حاتم، غيرهم بالتشديد واختاره أبو عبيد، واختلف فيه عن يعقوب.
﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أحصاه وقال مقاتل: أستعدّه وذخره وجعله عتاداً له، وقرأ الحسن وعدده
بالتخفيف وهو بعيد، وقد جاء مثل ذلك في الشعر لمّا أبرزوا التضعيف خفّفوه، قال الشاعر:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي إني أجود الأقوام وإن ضننوا(٣)
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ في الدنيا ﴿كلاّ﴾ ردٌ عليه.
أخبرني بن فتحوية قال: حدّثنا خُنيس قال: حدّثنا أبو الهيثم بن الفضل قال: حدّثنا أبو
زرعة قال: حدّثنا ابن السرح قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدّثني حرملة بن عمر أنه سمع عمر
(١) لسان العرب: ٥ / ٤٢٥.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٨٣.
(٣) الصحاح: ٦ / ٢١٥٦.

٢٨٧
سورة الهمزة، الآيات: ١ - ٩
ابن عبد اللّه مولى غفرة يقول: إذا سمعت اللّه سبحانه يقول: ﴿كَلاَّ﴾ فإنما يقول: كذبت.
﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ليقذفنّ ويطرحنّ، وقرأ الحسن لينبذان بالألف على التثنية يريد هو وماله ﴿فِي
الْخُطَمَةِ﴾ وهي النار سُمّيت بذلك؛ لأنّها تحطم أي تكسر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْخُطَمَةُ ** نَارُ اللهِ
الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ يعني يبلغ ألمها ووجعها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد
يكونان بمعنى، وحكي عن بعض العرب سماعاً: متى طلعت أرضنا بمعنى بلغت، ومعنى الآية
أنها تأكل شيئاً منه حتى تنتهي إلى فؤاده.
قال القرظي والكلبي: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة ﴿في عَمَد﴾، قرأ أهل الكوفة
يضمّتين، غيرهم بالنصب، واختاره أبو حاتم لقوله: ﴿رَفَعَ السَّمُوَاتِ بِغَيْرٍ عَمَد تَرَوْنَهَا﴾(١) وهما
جمعان للعمود مثل أديم وأدم، وأفيق وأفق، وقضيم وقضم، قال الفرّاء: وقال أبو عبيد: هو
جمع عماد مثل أهاب وأُهُب وأَهَب.
﴿مُمَدَّدَة﴾ قراءة العامّة بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم الجحدري ممدّدةٌ بالرفع
جعلها نعتاً للموصدة.
واختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم بعماد وفي
أعناقهم السلاسل، فسدّت عليهم بها الأبواب.
وقال قتادة: بلغنا أنّها عمد يعذّبون بها في النار، وقيل: هي عمد موتّدة على أبوابها
[ليتأكد أياسهم] منها، وقيل: معناه أنّها عليهم مؤصدة بعمد، وكذلك هي في قراءة عبد الله:
بعمد، بالباء(٢).
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه وَله: ((المؤمن كيس فطن حذر وقاف ثبت، لا
يعجل، عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة، [لا يقف عند شبهة ولا عند محرم](٣) كحاطب
الليل لا يبالي من أين كسب ولا فيما أنفق)) [٢٥٨](٤).
(١) سورة الرعد: ٢.
(٢) راجع لتفصيل ذلك تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٨٦.
(٣) في المصدر: لا يقف عند شبهة ولا عند محرم.
(٤) كنز العمال: ١ / ١٦٢.

٢٨٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
سورة الفيل
مكّيّة، وهي ستة وتسعون حرفاً، وعشرون كلمة، وخمس آيات
أخبرنا ناقل بن راقم قال: حدّثنا محمد بن شادة قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا
محمد بن يحيى قال حدّثنا سالم بن قتيبة عن شعبة عن عاصم عن زر عن أَبيّ قال: قال رسول
اللّه ◌َلّ: ((من قرأ سورة الفيل عافاه الله عزّ وجلّ أيام حياته في الدنيا من القذف والمسخ))
[٢٥٩](١).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا
أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْغِيلِ ﴿٣َ أَلَّمْ يَجْعَلَ كَيْدَهُ فِ تَضْلِلِ
أَبَابِيلَ جَ نَزْمِهِم بِحِجَارَةٍ مِّن مِيلٍ ج ◌َعَلَّهُمْ كَعَصْفٍ تَأْكُولِ ()
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْقِيلِ﴾
القصة وبالله التوفيق.
قال محمد بن إسحاق: كان من قصة أصحاب الفيل فيما ذكر بعض أهل العلم عن سعيد ابن
جُبير وعكرمة عن ابن عباس، وعمّن لقي من علماء أهل اليمن وغيرهم أن ملكاً من ملوك حمير
يقال له زرعة ذو نواس كان قد تهوّد واستجمعت معه حمير على ذلك، إلاّ ما كان من أهل نجران،
فإنّهم كانوا على النصرانيّة على أصل حكم الإنجيل، ولهم رأس يقال له عبد الله بن التامر،
فدعاهم إلى اليهوديّة فأبوا فخيّرهم فاختاروا القتل فخدّ له أخدوداً وصنّف لهم أصناف القتل.
فمنهم من قتل صبراً، ومنهم من خدّ لهم فألقاه في النار إلاّ رجلا من أهل سبأ يقال له
دوس بن ثعلبان، فذهب على فرس له فركض حتى أعجزهم في الرمل، فأتى قيصر فذكر له ما
بلغ منهم واستنصره فقال: بعدت بلادك عنّا ولكنّي سأكتب لك إلى مَلِك الحبشة، فإنّه على ديننا
فينصرك، فكتب إلى النجاشي يأمره بنصره.
فلمّا قدم على النجاشي بعث معه رجلا من أهل الحبشة يقال له: ارياط، فلمّا بعثه قال:
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٤١.

٢٨٩
سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥
إنْ دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها، واضرب ثلث بلادها وابعث إليّ بثلث سباياها، فلمّا دخلها
ناوش شيئاً من قتال فتفرّقوا عن ذي نواس وخرج به فرسه، فاستعرض به البحر فضربه فهلكا
جميعاً فكان آخر العهد، ودخلها أرياط فعمل بما أمر به النجاشي، فقال ذو حدر الحميري فيما
أصاب أهل اليمن وترابهم:
نجاك اللّه قد أنزفت ريقي
وعيني لا أباً لك لم تُطيقي
وإذ نسقى من الخمر الرحيق
لدى عزف القيان إذ انتشينا
إذا لم يشكني فيها رفيقي
وشرب الخمر ليس عليّ [عاراً]
بنوه ممسكاً في رأس نيق
وغمدان الذي حدثت عنه
إذا يمسي كتوماضِ البروقٍ
مصابيح السليط تلوح فيه
وغيّر حسنه لهب الحريق
وحذّر قومه ضنك المضيق(١)
فأصبح بعد جدّتهِ رماداً
واسلم ذو نواس مستميتاً
قال: فأقام أرياط باليمن، وكتب إليه النجاشي: أن اثبت بجندك ومن معك، فأقام حيناً ثم
إنّ إبرهة بن الصباح ساخطه في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين فكانت معه طائفة ومع إبرهة
طائفة، ثم تراجفا، فلمّا دنا بعضهم من بعض أرسل إبرهة إلى أرياط: لا تصنع بأن تلقى الحبشة
بعضها بعضاً شيئاً حتى تلقاني، ولكن اخرج إليّ فأيّنا قتل صاحبه انضمّ إليه الجند، فأرسل إليه:
إنّك قد أنصفت.
وكان أرياط جسيماً عظيماً وسيماً، في يده حربته، وكان إبرهة رجلا قصيراً حاذراً لحيماً،
وكان ذا دين في النصرانيّة وخلّف إبرهة [فيها غلام] يقال له: عتودة، فلمّا دنوا رفع أرياط الحربة
فضرب بها رأس إبرهة فوقعت على جبينه فشرمت عينه وجبينه وأنفه وشفته فبذلك سُمّ الأشرم.
وحمل عتودة على أرياط فقتله، فاجتمعت الحبشة لإبرهة وقال عتودة: أنا عتودة من خلفه
ارده لا أب ولا أُم بحده، وقال إبرهة: ما كان لك قبله يا عتودة ولا ديته قال: فبلغ النجاشي ما
صنع إبرهة فغضب وحلف لا يدع إبرهة حتى يجرُّ ناصيته ويطأ بلاده، وكتب إلى إبرهة: إنّك
عدوت على أميري فقتلته بغير أمري.
وكان إبرهة رجلا مارداً، فلمّا بلغه ما كان من قول النجاشي حلق رأسه وملأ جراباً من
تراب أرضه وكتب إلى النجاشي: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك
وكنت أعلم بالحبشة وأسوس لها، وقد كنت أردته أن يعتزل وأكون أنا أسوسه فأبى فقتلته، وقد
بلغني الذي حلف عليه الملك، وقد حلقت رأسي فبعثت به إليه، وبعثت إليه بجراب من تراب
(١) الأبيات بتمامها في تفسير الطبري: ١ / ٥٤٧.

٢٩٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
أرضه؛ ليضعه تحت قدمه [ومن يهينه]، فلمّا انتهى إليه ذلك رضي عنه فأقرّه على عمله، وكتب
إليه أن يثبت بمن معه من الجند.
ثم إن إبرهة بنى كنيسة بصنعاء يقال لها: الفليس، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك
بصنعاء كنيسة لم يُبنَ لملك مثلها قط، ولستُ منتهياً حتى أصرف إليها حجيج العرب. فسمع
بذلك رجل من بني مالك بن كنانة فخرج إلى القليس فدخلها ليلا وقعد فيها، فبلغ إبرهة ذلك،
ويقال: إنه أتاها ناظراً إليها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة، فقال: من اجترأ عليّ؟ فقيل صنع
ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت فصنع هذا، فحلف إبرهة عند ذلك
ليسيرنّ إلى الكعبة حتى يهدمها.
فخرج سائراً في الحبشة وخرج معه بالفيل، فسمعت بذلك العرب فأعظموه [وفظعوا به]
ورأوا جهاده حقّاً عليهم، فخرج ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه،
فقابله فهزمه وأخذ ذو نفر فأتى به، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإنّ استبقائي خير لك من قتلي،
فاستبقاه وأوثقه .
وكان إبرهة رجلا حليماً، ثم خرج سائراً حتى دنا من بلاد خثعم فخرج نفيل بن حبيب
الخثعمي في قبيلتي خثعم شهدان وأهش ومن اجتمع إليه من قبايل اليمن فقاتلوه فهزمهم وأخذ
النفيل، فقال نفيل: أيّها الملك إني دليل بأرض العرب فلا تقتلني وهاتان يداي على قومي
بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يدلّه حتى [إذا] مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث
في رجال من ثقيف فقال: أيّها الملك إنّما نحن عبيدك ليس لك عندنا من خلاف، وليس بيتنا
هذا البيت الذي تريد - يعنون اللّت - إنما تريد البيت الذي بمكّة، نحن نبعث من يدلّك عليه،
فبعثوا أبا رغال مولى لهم فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره.
وبعث إبرهة من المغمس رجلا من الحبس يقال له: الأسود بن مقصود على مقدّمة خيله
فجمع إليه أموال الحرم وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، فقال عبد الله بن عمر بن مخزوم:
الآخذ الهجمة فيها التقليد
اللهم اخز الأسود بن مقصود
يحبسها وهي أُولات التطريد
بين حراء وبثير فالبيد
قد أجمعوا أو يكون معبود
فضمها إلى طماطم سود
والمروتين والمشاعر السود
ويهدموا البيت الحرام المعمود
أضفره يا رب وأنت محمود (١).
(١) الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، والتقليد: وضع علامة للهدي، والبيد: جمع البيداء هي الفلاة. وحراء
وبثير: جبلان بمكة، وتطريد الإبل: تتابعها، والطماطم: العلوج.

٢٩١
سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥
ثم إن أبرهة بعث حائلة الحميري إلى أهل مكّة فقال: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك
به إليه، أخبره أني لم آتِ لقتال وإنّما لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكّة فلقي عبد
المطلب بن هاشم فقال: إنّ الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأتِ لقتال إلّ أن تقاتلوه، وإنّما
جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم.
فقال عبد المطّلب: ماله عندنا ومالنا به نزال، سنخلّي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت
الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم (عليه السلام)، فإن يمسّه فهو بيته وحرمه وإن يخلّ بينه وبين
ذلك فوالله ما لنا به قوّة، قال: فانطلقْ معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة
له كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر.
وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟
فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يُقتل بكرة وعشية، ولكنّي سأبعث لك إلى أنيس سائس
الفيل فإنّه لي صديق فاسأله أن يصنع لك مثل الملك ما استطاع من خير، ويعظّم خطرك ومنزلتك
عنده .
قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة، يُطعم الناس
في السهل والوحوش وفي رؤوس الجبل، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه
عنده فانفعه، فإنه صديق لي أحبّ ما يوصل إليه من الخير، فدخل أنيس على إبرهة فقال: أيّها
الملك هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس
الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلّمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالفٌ
علیك فأُذن له.
وكان عبد المطلب جسيماً وسيماً عظيماً، فلمّا رآه إبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس
معه على سريره وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال
لترجمانه قل له: حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك.
فقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ علي مائتي بعير أصابها لي، فقال إبرهة
لترجمانه: أعْجَبْتَنِي حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لِمَ؟ قال: جئتُ إلى بيت هو دينك
ودين آبائك وعصمتكم لأهدمه لم تكلّمني فيه، وتكلّمني في مائني بعير أصبتها؟ قال عبد
المطّلب: أنا ربّ هذه الإبل ولهذا البيت ربّ سَيمنَعَهُ.
قال: ما كان ليمنعه منّي، قال: فأنت وذاك. فأمرَ بإبله فُرُدّت عليه.
قال ابن إسحاق: وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب إلى إبرهة بعمر بن ناثة (١) بن
(١) هكذا في المخطوط، ولعله: ليث.

٢٩٢
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
عدي بن الويل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن وائلة الهذلي
وهو يومئذ سيد بني هُذيل، فعرضوا على إبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم ولا
يهدم البيت، فأبى عليه، فلمّا رُدت الإبل على عبد المطّلب خرج فأخبر قريش الخبر، وأخبرهم
أن يتفرّقوا في الشعاب، وتحرزوا في رؤوس الجبال تخوّفاً عليهم من معرّة الجيش إذا دخل،
ففعلوا وأتى عبد المطّلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:
ياربّ فامنع منهم حكاكا
يارب لا أرجو لهم سواكا
ومحالهم غدواً محالك
لا يغلبنّ صليبهم
والفيل كي يسبوا عيالك
جروا جموع بلادهم
جهلا وما رقبوا جلالك
عمدوا حماك بكيدهم
منا فـأمر ما بدالك(١)
إن كنت تاركهم وكعبــ
ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجّه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح إبرهة
بالمغمس قد تهيّأ للدخول وعبّأ جيشه وهيّا فيله وكان اسم الفيل محمود، وكان فيل النجاشي بعثه
إلى إبرهة، وكان فيلا لم يُر مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوّةً.
ويقال: كانت معه اثنا عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك
محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه
بالمعول على رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى، فوجّهوه
راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل
مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم، وخرج الفيل يشتد حتى أُصعد في الجبل.
وأرسل اللّه طيراً من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طاير منها ثلاثة أحجار: حجران في
رجليه وحجر في منقاره أمثال الحمّص والعدس، فلمّا أغشين أرسلها عليهم، فلم تصب تلك
الحجارة أحداً إلّ هلك.
وليس كلّ القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن
نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من
نقمته :
أين المفر والإله الطالب
والأشرم (٢) المغلوب غير الغالب؟(٣)
(١) زاد المسير: ٨ / ٣١٠، وتاريخ الطبري: ١ / ٥٥٤.
(٢) الأشرم: هو أبرهة سمي بذلك لأنه جاءه حجر فشرم أنفه.
(٣) تاريخ الطبري: ١ / ٥٥٥ .

٢٩٣
سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥
وقال نفيل أيضاً في ذلك:
نعمناكم مع الإصباح عينا
ألا حييت عنا يارتّينا
لدى جنب المحصّب ما رأينا
ردينة لو رأيت ولم تريه
ولم تأسي على مافات بينا
إذاً لغذرتني وحمدت رأيي
وخفت حجارةً تُلقى علينا
حمدت اللّه إذ عاينت طيراً
كأن عليَّ للحبشانِ دينا(١)
فكلّ القوم يسألُ عن نفيل
ونفيل ينظر إليهم من بعض الجبال وقد صرخ القوم وهاج بعضهم في بعض، وخرجوا
يتساقطون بكلّ طريق ويهلكون على كل منهل، وبعث على إبرهة داءً في جسده، فجعل تتساقط
أنامله، كلّما سقطت أُنملة اتبعتها مدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن
بقي من أصحابه، ومامات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وزعم مقاتل بن سليمان أنّ السبب الذي جرّ حديث أصحاب الفيل هو أنّ قبيلة من قريش
خرجوا تجّاراً إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر وفي حقف من أحقافها
بِيْعَة النصارى يسمّيها قريش: الهيكل، ويسمّى النجاشي وأهل أرضة: اطاسر حنان، فبرك القوم
في سدّها فجمعوا حطباً ثم أجّجوا ناراً فاشتووا، فلمّا ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم
عاصف، فعجّت الرياح فاضطرم الهيكل ناراً، فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأخبره فاسف عند
ذلك غضباً للبيعة، فبعث إبرهة لهدم الكعبة [وما لقيه].
وكان بمكّة يومئذ أبو مسعود الثقفي، وكان مكفوف البصر يصيّف بالطائف ويشتو بمكّة،
وكان رجلا نبيهاً نبيلا يستسقم الأمور برأيه، وهو أول راتق وأول فاتق، وكان خليلا لعبد
المطّلب، فقال عبد المطلب: يا أبا مسعود ماذا عندك ؟ هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك.
فقال أبو مسعود لعبد المطّلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرماً للّه، وقلّدها نعلا
ثم أثبتها في الحرم لعلّ بعض هذه السودان تعقُر منها فيغضب ربُّ هذا البيت فيأخذهم، ففعل
ذلك عبد المطلب، فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها فجعل عبد المطلب
يدعو .
فقال أبو مسعود: [قال عبد المطلب]: إنّ لهذا البيت لربّاً يمنعه، فقد نزل تبع ملك اليمن
بصخر هذا البيت وأراد هدمه، فمنعه اللّه وابتلاه وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلمّا رأى ذلك تبع كساه
القباطي البيض وعظّمه ونحر له جزراً، فانظر نحو البيت.
(١) المصدر السابق: ١ / ٥٥٥، وتفسير القرطبي: ٢٠ / ١٩٩، والبداية والنهاية: ٢ / ٢١٦.

٢٩٤
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
فنظر عبد المطّلب فقال: أرى طيراً بيضاً نشأت من شاطئ البحر قال: ارمقها ببصرك أين
قرارها؟ قال: أراها قد أزرّت على رؤوسنا. قال: هل تعرفها؟ قال: والله ما أعرفها ما هي
نجديّة ولا تهاميّة ولا عربية ولا شامية وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة.
قال: ما قدّها؟ قال: أشباه اليعاسيب في منقارها حصى كأنها حصى الحذق قد أقبلت
كاليلل تكسع بعضها بعضاً، أمام كل طير، يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق،
فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم ..
فلمّا توافت الرعال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كلّ حجر
اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت من حيث جاءت، فلمّا أصبحا انحظًا من ذروة الجبل، فمشيا
رتوة فلم يؤنسا أحداً ثم دنيا رتوة فلم يسمعًا حسّاً فقالا: بات القوم سامدين فاصبحوا نياماً،
فلمّا دنيا من عسكر القوم فإذا هم خامدون.
وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى تقع في دماغه وتخرق الفيل والدّابة
ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطلب فأخذ فأساً من فؤوسهم فحفر حتى
أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر والجوهر الجيّد، وحفر لصاحبه فملأه ثم قال لأبي
مسعود: هات خاتمك فاختر، إن شئت أخذت حفرتي وإن شئت أخذت حفرتك وإن شئت فهما
لك معاً .
فقال ابن مسعود: اخترتني على نفسك، فقال عبد المطّلب: إني لم آل أن أجعل أجود
المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل واحد منهم على حفرته ونادى عبد المطلب في الناس
فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعاً، وساد عبد المطلب بذلك قريش، وأعطته
المقادة فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهلهما في غنّى من ذلك المال، ودفع اللّه عن
كعبته وقبلته، فسلّط جنوداً لا قبَلَ لهم بها .
وقال الواقدي بأسانيده: وجّه إبرهة أرياط أبا ضخمة في أربعة آلاف إلى اليمن فغلب
عليها؛ فأكرم الملوك واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: إبرهة الأشرم أبو يكسوم
فدعا إلى طاعته فأجابوه، فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهّزون للحجّ فقال: أين
يذهب الناس؟ قال: يحجّون بيت اللّه بمكّة.
قال مما هو؟ قال: من حجارة. قال فما كسوته؟ قال مما يأتي من هنا وهناك.
قال: والمسيح لأبنينّ لكم خيراً منه فبنى لهم بيتاً عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر
والأسود، وحلاّه بالذهب والفضة، وحفّه بالجواهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل له
حُجّاباً، وكان يوقد بالمندلي ويلطخ جدره بالمسك فيسودها حتى تغيب الجواهر، وأمر الناس
بحجّه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون ونسكوا له.

٢٩٥
سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥
وكان نفيل الخثعمي يورّض له ما يكره فأمهل، فلمّا كان ليلة من الليالي لم يَر أحداً
يتحرّك، فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها جبهته، وجمع جيفاً وألقاها فيه، فأُخبر إبرهة بذلك فغضب
غضباً شديد وقال: إنما فعلت العرب غضباً لبيتهم، لأنقضتّه حجراً حجراً، وكتب إلى النجاشي
يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فيلا لم يُر مثله في الأرض عظماً وجسماً
وقوةً، فبعث به إليه .
فلمّا قدم عليه الفيل سار إبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلمّا دنا
من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نِعَم الناس، فأصابوا إبلا لعبد المطلب، وكان نفيل صديقاً
لعبد المطلب فكلّمه في إبله، فكلّم نفيل إبرهة فقال: أيّها الملك قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم
قدراً وأقدمهم شرفاً، يحمل على الجياد، ويعطي الأموال، ويُطعم الناس، فأدخله على إبرهة،
فقال: حاجتك؟ قال: تردُّ عليّ إبلي. فقال ما أرى ما بلغني عنك إلّ الغرور، وقد ظننت أن
تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفكم. فقال عبد المطّلب: اردد عليَّ إيلي ودونك البيت فإن له ربّاً
سیمنعه .
فأمر بردّ إبله عليه، فلمّا قبضها قلّدها النعال وأشعرها وجعلها هدياً وثبتها في الحرم لكي
يصاب منها شيء، فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطّلب على خيل ومعه عمرو بن عابد بن
عمران بن مخزوم بن مطعم بن عدي، وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطّلب: اللهم إن المرء
يمنع رحله وحلاله فامنع حلالك.
قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر
في منقاره، وقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئاً إلّ هشمته إلاّ فقط ذلك الموضع، فكان
ذلك أوّل ما رؤي من الجدري والحصبة والأشجار المرّة فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلا
عاتياً فذهب بهم إلى البحر فألقاهم فيه، وولّى إبرهة ومن بقي معه هرابا، فجعل إبرهة يسقط
عضواً عضواً.
وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأمّا الفيل الآخر فشجع
فحصب، ويقال: كانت اثني عشر فيلا.
قال ابن إسحاق: ولمّا ردّ اللّه الحبشة عن مكّة عظمت العرب قريشاً وقالوا: أهل اللّه،
قاتل عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم، وقال عبد الله بن عمر بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل:
أنت حبست الفيل بالمغمَّس
أنت الجليل ربنا لم تدنس
حبسته في هيئة المكركس
من بعد ماهم بشر مبلس
وما لهم من فرج ومنفس

٢٩٦
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
والمكركس: المنكوس المطروح(١). وقال أبو الصلت بن أُميّة بن مسعود في ذلك أيضاً:
ما يُماري فيهنّ إلّ الكفورُ
إن آيات ربنا باقياتٌ
ظلّ يحبو كأنه معقور
حبس الفيل بالمغمس حتى
ملاويث في الحروب صقور
حوله من ملوك كندة [أبطال]
كلّهم عظم ساقه مكسور(٢)
غادروه ثم انذعروا سراعاً
وقال الكلبي ومقاتل: کان صاحب الجیش إبرهة، وکان أبو یکسوم من وزرائه وندمائه،
فلمّا أهلكهم اللّه سبحانه بالحجارة لم يفلت منهم إلاّ أبو يكسوم، فسار وطاير يطير فوقه ولم
يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلمّا استتمّ كلامه رماه الطائر فسقط
فمات، فأرى اللّه النجاشي كيف كان هلاك أصحابه(٣).
وقال الآخرون: أبو يكسوم هو إبرهة بن الصباح. وقال الواقدي: كان إبرهة جدّ النجاشي
الذي كان في زمن رسول اللّه وَله .
واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول الله (عليه
السلام) بأربعين سنة، وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي (عليه السلام) بثلاث
وعشرين سنة.
وروي أنّه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله (عليه السلام)، وعليه أكثر العلماء، يدل
عليه ما أخبرنا أبو بكر الخورقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي
خيثمة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجراحي قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت قال: حدّثنا
الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم
الكناني الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول اللّه؟ قال: رسول اللّه أكبر منّي، وأنا أسنّ منه،
ولد رسول اللّه وَ﴿ل عام الفيل، ووقفتْ بي أمّي على روث الفيل.
وقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة عميين مقعدين يستطعمان.
التفسير :
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد، وقال
الضّحاك: كانت ثمانية، وإنّما وجد على هذا التأويل لوفاق رؤوس الآي، أو يقال: نسبهم إلى
الفيل الأعظم واسمه محمود.
(١) تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٩٦.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤ / ٥٩١."
(٣) ذكرها الطبري في تفسيره بشكل مفصّل: ١ / ٥٥٠ - ٥٥٧ .

٢٩٧
سورة الفيل، الآيات: ١ - ٥
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل﴾ عما أرادوا من تخريب الكعبة: وقيل: في بطلان
وأباطيل، وقال مقاتل: في خسار.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ من البحر ﴿طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ كثيرة متفرقة، يتبع بعضها بعضاً.
قال عبد الرحمن بن ايزي: أقاطيع كالابل المقبلة. قال الأعشى:
عليه أبابيل من الطير تنعب (١)
طريق وجبار رواء أصوله
وقال امرؤ القيس :
أبابيل طير تحت دجن مسخن (٢)
تراهم إلى الداعي سراعاً كأنهم
وقال آخر:
كادت تُهدُّ من الأصوات راحلتي
أنْ سالت الأرض بالجرد الأبابيل(٣)
واختلفوا في واحدها، فقال الفرّاء: لا واحد لها مثل الشماطيط والعباديد والشعارير، كل
هذا لا يفرد له واجد، قال: وزعم أبو الرواسي وكان ثقة مأموناً أنه سمع واحدها إبالة ولقد
سمعتُ من العرب من يقول: ضغث على إبالة يُريدون خصب على خصب.
قال: ولو قال قائلٌ: واحدها إبالة كان صواباً مثل دينار ودنانير، ويقال: للفضلة التي
تكون على حمل الحمار أو علف البعير إبالة، وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون:
واحدها أبوَّل مثل عجوَّل وعجاجيل. وحكى محمد بن جرير عن بعض النحويين أن واحدها
أبيل، يُقال: جاءت الخيلُ أبابيل من ههنا وههنا .
قال ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكفٌ كأكفّ الكلاب.
عكرمة: لها رؤوس كرؤس السباع لم تُر قبل ذلك ولا بعده.
ربيع: لها أنياب كأنياب السباع، وقالت عائشة: أشبه شيء بالخطاطيف.
سعيد بن جبير: طيرٌ خضر لها مناقير صفر، قال أبو الجوزاء: أنشأها الله سبحانه في
الهواء في ذلك الوقت.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَة﴾ قراءة العامة بالتاء للطير، وقرأ طلحة وأشهب العقيلي يرميهم بالياء،
وهو اختيار أبي حنيفة، يعنون اللّه سبحانه، كقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾(٤) ويجوز أن يكون راجعاً
إلى الطير لخلوّها من علامات التأنيث.
(١) الصحاح: ٢ / ٦٠٨، والنعب: صوت الطائر، والجبار من النخل: ما طال.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٠ / ١٩٧.
(٤) سورة الأنفال: ١٧ .
(٣) فتح القدير: ٥ / ٤٩٦.

٢٩٨
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
﴿مِنْ سِجِّيل﴾ قال ابن مسعود: صاحب الطير وترميهم بالحجارة، وبعث اللّه سبحانه ريحاً
فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فما وقع منها حجر على رجل إلّ خرج من الجانب الآخر، وإنْ
وقع على رأسه خرج من دبره.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول﴾ كزرع أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرّقت أجزاؤه، شبّه تقطّع
أوصالهم يفرق أجزاء الروث.
قال مجاهد: العصف: ورق الحنطة. قتادة: هو التبن، قال الحسن: كنا ونحن غلمان
بالمدينة نأكل الشعير إذا قصّب وكان يُسمّى العصف. سعيد بن جبير: هو الشعير النابت الذي
یؤکل ورقه .
الفرّاء: أطراف الزرع قبل أن يُسنبل ويُبتك. عكرمة: كالجبل إذا أُكل فصار أجوف. ابن
عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة كهيئة الغلاف له.
المؤرّخ: هو ما يقصف من الزرع فسقطت أطرافه، وقال ابن السكّيت: هو العصف
والعصيفة والجل، وقيل: كزرع قد أكل حبّه وبقي تبنه، وقال الضحّاك: كطعام مطعوم.
٠٫٠

٢٩٩
سورة قريش، الآيات: ١ - ٤
سورة قريش
مكّيّة، وهي ثلاثة وسبعون حرفاً، وسبع عشرة كلمة، وأربع آيات
أخبرني نافل بن راقم بن أحمد بن عبد الجبار البابي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن
محمد البلخي قال: حدّثنا عمر بن محمد بن محمد الكرمي قال: حدّثنا أسباط بن اليسع قال:
حدّثنا يحيى بن عبيد الله السلمي قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن علي بن زيد عن زر بن حبيش
عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه وَلّ: ((من قرأ سورة ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْش﴾ أُعطي من الأجر
عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها)) [٢٦٠](١).
وأخبرني الحسين قال: حدّثنا حازم بن يحيى الحلواني قال: أخبرنا أبو مصعب عن
إبراهيم بن يحيى بن ثابت قال: أخبرني عبد الله بن أبي عتيق عن سعيد بن عمر بن جعدة عن
أبيه عن جدته أُمّ هانئ بنت أبي طالب قالت: إن رسول اللّه وَّه قال: ((فضَّل اللّه قريشاً بسبع
خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطاها أحداً بعدهم: فضلَّ اللّه قريشاً أني منهم، وأنّ النبوة
فيهم وأنّ الحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصرهم على الفيل، وعبدوا اللّه سبحانه عشرين سنة
لا يعبدهُ غيرهم، وأنزل اللّه سبحانه فيهم سورة لم يذكر فيها أحدٌ غيرهم [٢٦١](٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الَّذِىّ
لَايَلَفِ قُرَيْشِ ﴿ إَِفِهِمْ رِعْلَةَ الشِّنَاءِ وَالصَّيْفِ (٣) فَعْبُدُواْ رَتَّ هَذَا الْبَيْتِ
أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ
﴿لِإِلاَفِ قُرَيْش * إِلاَفِهِمْ﴾ .
اختلفت القرّاء فيها فقرأ عبد اللّه بن عامر (لألاف) مهموزاً مختلساً بلا ياء، وقرأ أبو جعفر
(ايلاف) بغير همز وإنما ذهب إلى طلب الخفّة (لايلاف) بالياء مهموزة مشبعة، وأما قولهم:
(إيلاف) فروى العمري عن أبي جعفر والبلخي عن ابن كثير (إلفهمْ) ساكنة اللام يغير ياء وتصديق
(١) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٤٩.
(٢) كنز العمال: ١٢ / ٢٧.

٣٠٠
الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي
هذه القراءة ما أخبرنا الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن خنيس قال: حدّثنا أبو خديجة أحمد
ابن داود قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان بن ليث عن شمر بن حوشب
عن أسماء قالت: سمعت النبي وَّر [يقرأ]: ((إلفهم رحلة الشتاء والصيف)) [٢٦٢](١).
وروى الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي جعفر، والوليد عن أهل الشام (إلافهم) مهموزة
مختلسة بلا ياء، وروى محمد بن حبيب الحموي عن أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن
عاصم (إلأفْهم) بهمزتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة الباقون (إيلافهم).
وأخبرني سعيد بن المعافى، أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا أبو كرنب قال:
حدّثنا وكيع عن أبي مكّي عن عكرمة أنه كان يقرأ (إليالف قريش الفهم).
وعدّ بعضهم السورتين واحدة منهم أُبيّ بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه.
وقال سفيان بن عيينة: كان لنا امام لا يفصل بينهما ويقرأهما معاً، وقال عمرو بن ميمون
الاودي صلّيت المغرب خلف عمر بن الخطاب ◌ُّه فقرأ في الأُولى والتين والزيتون، وفي
الثانية ألم تّر ولإيلاف قريش.
واختلفوا في العلّة الجالبة لهذه اللام فقال الفرّاء: هي متّصلة بالسورة الأُولى وذلك أنه
[تعالى] ذكّر أهل مكّة عظيم نعمته عليهم في ما صنع بالحبشة، ثم قال: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْش﴾ فعلنا
ذلك بأصحاب الفيل نعمةً منّا على قريش أي نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، فكأنّه
قال: نعمةٌ إلى نعمة فتكون اللام بمعنى (إلى).
وقال الرازي والأخفش: هي لام التعجب يقول: عجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء
والصيف، وتركهم عبادة ربّ هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته.
وهذا كما يقول في الكلام: لزيد وإكرامنا إيّاه، على وجه التعجب أي: أعجبُ لذلك،
والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليللا على التعجّب لإظهار الفعل فيه كقول الشاعر:
افياك أباه من عريف وشاعرٌ
أغرَّكَ أن قالوا لقرة شاعرٌ
أي أعجبوا لقرة شاعراً(٢) .
وقيل هي لام (كي) مجازها ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول﴾ ليؤلف قريشاً، فكان هلاك
أصحاب الفيل سبباً لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم واقوام ما لهم، وقال الزجّاج: هي مردودة
إلى ما بعدها، تقديرهُ: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف رحلة الشتاء والصيف.
(١) جامع البيان للطبري: ٣٠ / ٣٩٤.
(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠ / ٣٩٥.