Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ حلّقك فيحلقك. فقام فخرج، فلم يكلِّم أحداً منهم كلمة حتى نحر بدنته، ودعا حالقه، فحلقه، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فأما يوم الحديبية فحلق رجال وقصّر آخرون، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((يرحم الله المحلّقين)). قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: ((يرحم الله المحلّقين))، قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قالوا: فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين؟. قال: ((لأنّهم لم يشكّوا)). قال ابن عمر: وذلك أنّه تربض القوم، قالوا: لعلّنا نطوف بالبيت. قال ابن عبّاس: وأهدى رسول الله وَل عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برة من فضّة، ليغيظ المشركين بذلك، ثمّ جاءه وَّل نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكم المُؤْمِنات مُهاجرات﴾(١) ... الآية، قال: فطلّق عمر امرأتين كانتا له في الشرك. قال: فنهاهم أن يردونهنّ وأمرهم أن ترد الصدُقات، حينئذ، قال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأُخرى صفوان بن أمية، ثمّ رجع النبيّ وَّ إلى المدينة فجاءه أبو نصير عتبة بن أسيد بن حارثة وهو مسلم، وكان ممّن جلس بمكّة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله وَليه وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله ﴾ بكتابهما، وقالا: العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله وح لول: (يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنّ الله تعالى جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرَجاً، ومخرجاً)) [٥٠](٢). ثمّ دفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو نصير لأحد الرجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا جيّداً، فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله إنّه لجيد. قال: أرني أنظر إليه. فأخذه وعلا به أخا بني عامر حتّى قتله، وفرّ المولى وخرج سريعاً حتّى أتى رسول الله (عليه السلام)، وهو جالس في المسجد، فلمّا رآه رسول اللهِ وَلّ طالعاً قال: ((إنّ هذا الرجل قد رأى فزعاً)). فلمّا انتهى إلى رسول الله وَل﴾ قال: ((ويلك مالكَ؟)) قال: قَتل صاحبكم صاحبي. فوالله ما برح حتى طلع أبو نصير متوشّحاً بالسيف، حتّى وقف على رسول الله، فقال: يا رسول الله وفت . ذمّتك أسلمتني ورددتني - وقيل: وذريتني إليهم - ثمّ نجّاني الله منهم، فقال النبيّ وَّرِ «ويلُ أُمّه مستعر حرب لو کان معه رجال)). فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج أبو نصير حتّى أتى سيف البحر، ونزل بالغيّض من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر بطريق قريش، الذي كانوا يأخذون إلى الشام، (١) سورة الممتحنة: ١٠. (٢) تاريخ الطبري: ٢٨٣/٢ - ٢٨٤. ٦٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكّة قول رسول الله (عليه السلام) لأبي نصير: ((ويل أُمّه مستعر حرب لو كان معه رجال)). فخرج عصابة منهم إليه، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي نصير حتّى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً منهم، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلّ اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، حتّى ضيّقوا على قريش، فأرسلت قريش إلى النبيّ ◌َّ (عليه السلام) يناشدونه الله، والرحم، لمّا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله صل﴿ فقدموا عليه المدينة [٥١](١). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَنُّوهُمْ﴾ بأن يقتلوهم ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ قال ابن زيد: إثم، وقال ابن إسحاق: غرم الدّية. وقيل: الكفّارة؛ لأنّ الله تعالى إنّما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم قاتله إيمانه الكفّارة دون الدّية، فقال جلّ ثناؤه: ﴿فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مُؤمِن، فَتَحْرِير رَقَبة﴾(٢) . ولم يوجب على قاتل خطأ دية، وقيل: هو أنّ المشركين يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. (والمعرّة) المشقّة، وأصلها من العرّ وهو الحرب لإذن ذلك في دخولها، ولكنّه حال بينكم، وبين ذلك ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ دينه الإسلام ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل مكّة قبل أن تدخلوها، هكذا نظم الآية وحكمها، فحذف جواب (لولا) استغناء بدلالة الكلام عليه، وقال بعض العلماء: قوله: (لعذّبنا) جواب لكلامين: أحدهما ﴿لولا رجالٌ مؤمنين﴾، والثاني: ﴿لو تزيلوا﴾ أي تميّزوا. ثمّ قال: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾ يعني المؤمنين، والمؤمنات ﴿في رحمته﴾ لكن جنّته. قال قتادة: في هذه الآية إنّ الله يدفع بالمؤمنين عن الكفّار، كما يدفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة . أخبرنا أبو عبدالله بن منجويه الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا أبو الطيّب أحمد بن عبدالله بن بجلي الدارمي بإنطاكية، حدّثني أحمد بن يعقوب الدينوري، حدّثنا محمّد بن عبدالله بن محمّد الأنصاري، حدّثني محمّد بن الحسن الجعفري، قال: سمعت جعفر ابن محمّد يحدِّث، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قول الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قال: ((هم المشركون من أجداد النبيّ وَّر ممّن كان بعده في عصره، كان في أصلابهم المؤمنون، فلو تزيّل المؤمنون عن أصلاب الكفّار يعذب الله عذاباً أليماً)) [٥٢]. إذ من صلة قوله تعالى: (١) تاريخ الطبري: ٢٨٥/٢ (٢) سورة النساء: ٩٢. ٦٣ سورة الفتح، الآيات: ٢٢ - ٢٧ ﴿لعذّبنا﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حين صدّوا رسول الله وَّ وأصحابه عن البيت، ولم يقرّوا ببسم الله الرّحمن الرَّحيم، ولا برسالة رسول الله، (والحميّة) فعيلة من قول القائل: حمي فلان أنفه، يحمي حميّة، وتحمية. قال المتلمس: كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشّما(١) ألا إنّني منهم وعرضي عرضهم أي يمنع. ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ يعني الإخلاص، نظيرها قوله تعالى: ﴿ولكن يناله التقوى منكم﴾(٢) وقوله: ﴿إنّما يتقبَّل الله من المتَّقين﴾(٣) . أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن شاذان الرازي بقراءتي عليه، حدّثنا أبو عبدالله الحسين ابن علي بن أبي الربيع القطان، حدّثنا عبدالله بن أحمد بن محمّد بن حنبل، وهيثم - أو وهضيم - ابن همام الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، قالوا: حدّثنا الحسن بن فزعة، حدّثنا سفيان بن حبيب، حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي ناجية، عن الطفيل بن أُبي، عن أبيه، عن أبي بن كعب أنّه سمع رسول الله وَّر يقول: في قول الله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ قال: ((لا إله إلاّ الله)) [٥٣](٤). وهو قول ابن عبّاس، وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وسلمة بن كهيل، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وطلحة بن مصرف، والربيع، والسّدي، وابن زيد، وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر بن حبيب، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عيسى المزني، حدّثنا أبو نعيم، وأبو حذيفة، قالا: حدّثنا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن عباية بن ربعي، عن عليّ رَُّه ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ قال: لا إله إلاّ الله والله أكبر. وهو قول ابن عمر، وقال عطاء بن رباح: هي لا إله إلّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير. أخبرنا أبو سعيد محمّد بن عبدالله بن حمدون، أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، حدّثنا أحمد بن منصور المروزي بنيشابور، حدّثنا سلمة بن سليم السلمي، حدّثنا عبدالله ابن المبارك عن معمر عن ابن شهاب الزهري ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ قال: بسم الله الرَّحمن الرَّحیم. (١) تفسير الطبري: ١٣٥/٢٦ وفيه: يكشما. (٢) سورة الحج: ٣٧ . (٣) سورة المائدة: ٢٧ . (٤) مسند أحمد: ١٣٨/٥؛ وسنن الترمذي: ٦٣/٥. ٦٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ﴾ محمّداً عليه السلام. ﴿الرُّؤْيَا﴾ التي أراها إيّاه في مخرجه إلى الحديبية، أنّه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. ﴿بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُ وسَكُمْ﴾ كلّها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض رؤوسكم ﴿لاَ تَخَافُونَ﴾ وقوله: ﴿لتدخلنّ﴾ يعني وقال: ﴿لتدخلنّ﴾ لأنّ عبارة (الرؤيا) قول، وقال ابن كيسان: قوله: ﴿لتدخلنّ﴾ من قول رسول الله وَ لّ لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله تعالى، عن رسوله أنّه قال ذلك، ولهذا استثنى تأدّباً بأدب الله تعالى حيث قال له: ﴿ولا تقولنّ لشيء إنّ فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إلاَّ أنْ يَشاءَ الله﴾(١)، وقال أبو عبيدة: ﴿إن﴾ بمعنى إذ مجازه إذا شاء الله كقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ﴿إن أردن تحصّناً﴾(٢). وقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأنّ بين (الرؤيا) وتصديقها سنة، ومات منهم في السنة أناس، فمجاز الآية لتدخلن المسجد الحرام كلّكم إن شاء الله آمنين. ويجوز أن يكون الاستثناء واقعاً على الخوف، والأمن لا على الدخول، لأنّ الدخول لم يكن فيه شك، لقوله وَّر عند دخول المقبرة: ((وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون)) [٥٤](٣) فالاستثناء واقع على اللحوق دون الموت. ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أنّ الصلاح كان في الصلح، وهو قوله: ﴿ولولا رجال مؤمنون﴾ .. الآية. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي من دون دخولهما المسجد الحرام، وتحقيق رؤيا رسول الله ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو صلح الحديبية عن أكثر المفسِّرين، قال الزهري: ما فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، لأنّه إنّما كان القتال حيث التقى النّاس، فلمّا كانت الهدنة وضعت الحرب، وأمِنَ النّاس بعضهم بعضاً، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث، والمناظرة، فلم يكلّم أحد بالإسلام بعقل شيئاً إلاّ دخل فيه في تينك السنتين في الإسلام، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، وقال ابن زيد: هو فتح خيبر فتحها الله تعالى عليهم حين رجعوا من الحديبية، فقسّمها رسول الله سير على أهل الحديبية كلّهم إلاّ رجلاً واحداً من الأنصار، وهو أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية، وغاب عن خيبر. هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَمُ بِالْهُدَىْ وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلٍِّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) تُحَمَّدُ زَّسُولُ أَنَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُجَاءُ بَيْنَهُمَّ تَهُمْ رُّكَّعَا سُجَّدًا يَتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الَهِ وَرِضْوَنَّاً سِبِمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمِ مِنْ أَثْرِ الْشُّهُوَِّ ذَلِكَ مَثَلُّهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَهُ فَازَرَهُ. (١) سورة الكهف: ٢٣ . (٢) سورة النور: ٣٣. (٣) سنن ابن ماجة: ٤٩٣/١ ح ١٥٤٧ ٦٥ سورة الفتح، الآيتان: ٢٨ - ٢٩ فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّزَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَارُ وَعَدُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ مِنْهُمِ ٣٩ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أنّك نبي صادق فيما تخبر، ونصب ﴿شهيداً﴾ على التفسير وقيل: على الحال، والقطع، ثمّ قال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ تمّ الكلام هاهنا، ثمّ قال مبتدئاً: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الواو) فيه (واو) الاستئناف ﴿والَّذِينَ﴾ في محل الرفع على الابتداء ﴿أَشِدَّاءُ﴾ غلاظ ﴿عَلَى الْكُفَّارِ﴾ لا تأخذهم فيهم رأفة. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ متعاطفون متوادون بعضهم على بعض كقوله تعالى: ﴿أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين﴾(١). ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللهِ﴾ أن يدخلهم جنّته ﴿وَرِضْوَاناً﴾ أن يرضى عنهم. ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم ﴿فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة، أنّهم سجدوا في الدُّنيا، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس، وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا . وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر. قال آخرون: السمتُ الحسن، والخشوع، والتواضع، وهو رواية الوالبي عن ابن عبّاس، قال: أما إنّه ليس بالذي ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته، وسمته وخشوعه، وقال منصور: سألت مجاهداً عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿سِيْمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟ قال: لا ربّما يكون بين عينيّ الرجل، مثل ركبة العنز، وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار، والبهاء، وقال سمرة بن عطية: هو البهج، والصُفرة في الوجوه، وأثر السهرة. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى، وقال الضحّاك: أمّا إنّه ليس بالندب في الوجوه، ولكنّه الصُفرة. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على جباههم. قال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال سفيان الثوري: يصلّون بالليل، فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، بيانه قوله: صلّى الله عليه وسلّم: ((من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) [٥٥](٢). قال الزهري: يكون ذلك يوم القيامة، وقال بعضهم: هو ندب السجود، وعلته في الجبهة من كثرة السجود. (١) سورة المائدة: ٥٤ . (٢) الجامع الصغير: ٦٤٠/٢؛ كنز العمال: ٧٨٣/٧. ٦٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وبلغنا في بعض الأخبار إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي، وموضع السجود فلا تقربي، وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كلّ من حافظ على الصلوات الخمسة. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿مَثَلُهُمْ﴾ صفتهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ وهاهنا تمّ الكلامِ، ثمّ قال: ﴿وَمَثَلُّهُمْ﴾ صفتهم ﴿فِي الأَنْجِيلِ﴾ فهما مثلان ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قرأه العامّة بجزم (الطاء)، وقرأ بعض أهل مكّة، والشام بفتحه، وقرأ أنس، والحسن، ويحيى بن وثاب (شطاه) مثل عصاه. وقرأ الجحدري (شطه) بلا همزة، وكلّها لغات. قال أنس: (شطأه) نباته، وقال ابن عبّاس: سنبلة حين يلسع نباته عن جنانه. ابن زيد: أولاده. مجاهد، والضحّاك: ما يخرج بجنب الحقلة فينمو ويتمّ عطاء جوانبه. مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده، فهو (شطأه). السدّي: هو أن يخرج معه ألطافه الأخرى. الكسائي: طرفه. الفراء: شطأ الزرع أن ينبت سبعاً، أو ثمانياً، أو عشراً. قال الأخفش: فراخة يقال: أشطأ الزرع، فهو مشطي إذا أفرخ، وقال الشاعر : أخرج الشطأ على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر (١) وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد (عليه السلام) يعني أنّهم يكونون قليلاً، ثمّ يزدادون، ويكثرون، ويقوون، وقال قتادة: مثل أصحاب محمّد (عليه السلام) في الإنجيل مكتوب أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ﴿فَازَرَهُ﴾ قوّاه وأعانه وشد أزره ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فغلظ، وقوى ﴿فَاسْتَوَى﴾ نما وتلاحق نباته، وقام ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ أُصوله ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ﴾ يعني أنّ الله تعالى فعل ذلك بمحمّد ◌َهل وأصحابه ﴿ليغيظ بهم الكفّار﴾. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يوسف بن حاتم بن نصر، حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا أحمد بن منصور الحنظلي، المعروف بزاج المروزي، حدّثنا سلمة بن سليمان، حدّثنا عبدالله بن المبارك، حدّثنا مبارك بن فضلة، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿محمّدٌ رسول الله﴾ قال: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم ﴿والّذينَ معهُ﴾ أبو بكر الصدّيقِ رَظُّه ﴿أشدّاء على الكفّار﴾ عمر بن الخطّابِ رَّه ﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفّان ◌َلُه ﴿تراهم ركّعاً سجّداً﴾ علي بن أبي طالب رظُه ﴿يبتغون فضلاً من الله ورضواناً﴾ طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة الجرّاح ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ قال: المبشرون عشرة أوّلهم أبو بكر، وآخرهم أبو عبيدة الجراح ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ قال: نعتهم في التوراة والإنجيل ﴿كمثل زرع﴾ قال: الزرع (١) فتح القدير: ٥٦/٥. ٦٧ سورة الفتح، الآيتان: ٢٨ - ٢٩ محمّد وَطِّ ﴿أخرج شطأه﴾ أبو بكر الصدّيق، ﴿فآزره﴾ عمر بن الخطّاب ﴿فاستغلظ﴾ عثمان بن عفّان، يعني استغلظ بعثمان الإسلام ﴿فاستوى على سوقه﴾ علي بن أبي طالب يعني استقام الإسلام بسيفه ﴿يعجب الزراع﴾ قال: المؤمنون ﴿ليغيظ بهم الكفّار﴾ قال: قول عمر لأهل مكّة: لا نعبد الله سرّاً بعد هذا اليوم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدثنا عبدالله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا محمّد بن مسلم بن واره، حدّثنا الحسين بن الربيع، قال: قال ابن إدريس ما آمن بأن يكونوا قد ضارعوا الكفّار، يعني الرافضة، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ليغيظ بهم الكفّار﴾. أخبرنا الحسين بن محمّد العدل، حدّثنا محمّد بن عمر بن عبدالله بن مهران، حدّثنا أبو مسلم الكجي، حدّثنا عبدالله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن الحجّاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللـه ◌َله: ((يكون في آخر الزمان قوم ينبزون أو يلمزون الرافضة يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون)) [٥٦](١) . أخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو العوام أحمد بن يزيد الديباجي، حدّثنا المدني، عن زيد، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ بَّهِ لعليّ: ((يا علي أنت في الجنّة وشيعتك في الجنّة، وسيجيء بعدي قوم يدّعون ولايتك، لهم لقب يقال له: الرافضة(٢)، فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون)). قال: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: ((يا علي إنّهم ليست لهم جمعة، ولا جماعة يسبّون أبا بكر، وعمر)) [٥٧](٣). ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي الطاعات، وقد مرّ تأويله، وقال أبو العالية في هذه الآية: ﴿وعملوا الصالحات﴾ يعني الذين أحبّوا أصحاب رسول الله المذكورين فيها فبلغ ذلك الحسن، فارتضاه، فاستصوبه منهم، قال ابن جرير: يعني من الشطأ الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة رد (الهاء) و(الميم) على معنى الشطأ لا على لفظه، لذلك قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: منه. ﴿مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ . (في فَضلِ المُفَضَل)، حدّثنا الشيخ أبو محمّد المخلدي، إملاء يوم الجمعة في شعبان سنة (١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٢. (٢) روي عن رسول الله ◌َ ﴾ ((أن سبب تسميتهم بذلك أنهم رفضوا دين النبي)) تذكرة الموضوعات للفتني: ٩٣، وهم غير الشيعة وغير الإمامية، التي لا تنطبق عليهم هذه الصفات. (٣) للعلامة الأميني كلام حول هذا الحديث وتأويله في الغدير ١٥٤/٣ . ٦٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، وعبدالله بن محمّد بن مسلم، قالا: حدّثنا هلال بن العلاء، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن أيّوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن شداد بن عبدالله، عن أبي أسماء الرجبي، عن ثوبان، أنّ رسول الله وَل قال: ((إنّ الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضّلني بالمُفَضَل)) [٥٨](١). وأخبرنا أبو الحسن الحباري، قال: حدّثنا أبو الشيخ الإصبهاني، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، قال: حدّثنا سعد ابن قيس، عن قتادة، عن أبي الملح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، أنّ النبيّ وَّه قال: «أُعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفُضلت بالمُفَضَل)» [٥٩](٢). (١) مسند أحمد: ١٠٧/٤؛ مجمع الزوائد: ١٥٨/٧ بتفاوت. (٢) كنز العمال: ٥٧٢/٢؛ مجمع الزوائد: ١٥٨/٧ بتفاوت. ٦٩ سورة الحجرات، الآيات: ١ - ٣ سُورَة الحجرات مدنية. وهي ألف وأربعمائة وخمسة وسبعون حرفاً، وثلاثمائة وثلاثة وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم العبدوي قرأه عليه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عمر ومحمّد بن جعفر بن محمّد العدل، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، قال: حدّثنا أحمد بن عبدالله بن يونس، قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ الحُجرات أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومَنْ عَصاه)) [٦٠](١) . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ◌َجِهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ بَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهُ سَمِعُ عَلِيمٌ ﴿ بَأْنِهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَّتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَعُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَنُضُونَ أَصْوَتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اَلَّهِ أُوْلَكَ الَّذِيْنَ أَمْتَحَنَ أَنَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىِّ لَهُمِ مَّغْفِرَةٌ وَأَخْرٌ عَظِيمُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسِّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة. عطية عنه: لا تتكلّموا بین یدي كلامه. وأخبرنا عبدالله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبدالله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبدالله ﴿لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ (١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢١٤. ٧٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وَرَسُولِهِ﴾ قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ وَّر، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي وزير فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبدالله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم. وروي عن مسروق أيضاً، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلاً، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللـهِ وَرَسُولِهِ﴾ وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبدالله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبدالله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم رَكب من بني تميم على النبيّ وَّ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبوبكر: ما أردت إلاّ خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ... الآية [٦١](١). وقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا (٢) على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه(٣). الضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني: نزلت في قصة بئر معونة، وقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السَّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله ◌َله وقد سبق الخبر إليه، فقال: ((بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي (٤))، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا . فقلنا: هما لذلك. وأتاه السَّلميون، فقال رسول الله وَ له: ((لا قود لهما لأنّهما إعتزما إلى (١) مسند أحمد: ٦/٤؛ وصحيح البخاري: ١١٦/٥ ط. دار الفكر. (٢) لا تفتاتوا: لا تبتدعوا الكلام وتفتوا برأيكم. (٣) تفسير الطبري: ١٥٠/٢٦. (٤) كذا في المخطوط. ٧١ سورة الحجرات، الآيات: ١ - ٣ عدوّنا)) [٦٢](١). ولكنّه أيدهما(٢)، فوادَّهما رسول الله و ليه وأنزل الله سبحانه في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حين قتلوا الرجلين، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس. وقال ابن زيد: لا تقطعوا أمراً دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبدالله بن يونس، قال: حدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ يَّر أمشي أمام أبي بكر، فقال: «تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ وَّرِين والمرسلين خيراً وأفضل من أبي بكر)) [٦٣](٣). وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله وَليره فإذا سُئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله وليه . وقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأُمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم، وأحوالكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنساناً جهر بصوته، فربّما كان يكلِّم رسول الله وَله فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ﴾ ﴿وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضاً، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولاً ليّناً، وخطاباً حسناً، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ (٤). ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ فلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما (١) بتفاوت في تفسير القرطبي: ٣٠١/١٦. (٢) كذا في المخطوط. (٣) تاريخ بغداد: ١٤/ ٣٧٩. (٤) سورة النور: ٦٣ . ٧٢ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيَّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله وَ ﴿ وغلب ثابتاً البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبدالله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: ((اذهب، فادعه لي)). فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصَبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله أهالي: «ما یبکیك یا ثابت؟)) فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ، فقال له رسول الله وَ له: ((أما ترضى أن تعيش سعيداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنّة)) [٦٤](١)، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ الآية(٢). قال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قُتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلاناً - رجلٌ من المسلمين - نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه(٣)، فأتٍ خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأتٍ أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليَّ ديناً حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق. فأخبر الرجل خالداً فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلاّ هذه. حدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ﴾ ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلاّ كأخي السِرار(٤). (١) فتح الباري: ٦/ ٤٥٧. (٢) تفسير الطبري: ١٥٣/٢٦. (٣) كذا في المخطوط، ولعلها: دمه. (٤) تفسير القرطبي: ١٦ / ٣٠٨، والسرار بالكسر: المسارة أي كصاحب السرار أو كمثل المسارة بخفض صوته (لسان العرب ٤ / ٣٦٢). ٧٣ سورة الحجرات، الآيات: ١ - ٣ وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ ◌َلـ بعد ذلك، فيسمع النبيّ وَّ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم: ﴿إنّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ إجلالاً له ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها . وأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمّد ابن عبدالله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبدالله بن محمّد بن عبد القريشي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: ﴿الّذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ قال: أذهب الشهوات منها ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ إلى قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾ نزلت في وفد تميم. وهو ما أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا مُعلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبدالله، قال: جاءت بنو تميم إلى النبيّ وَ ﴿، فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ وَّ صلّى الله عليه وسلّم، فخرج عليهم، وهو يقول: ((إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شین))(١). قالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله وَالى: ((ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا)) [٦٥](٢). فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالاً، وسلاحاً، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فِعالنا. فقال رسول الله - لل﴿ لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: «قم فأجبه)). (١) أسباب نزول الآيات: ٢٥٩. (٢) أسباب نزول الآيات للواحدي: ٢٥٩. ٧٤ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوهاً وأعظمهم أحلاماً. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّاً لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّ الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هيناً، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال: فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع نحن الكرام فلا حيٍّ يعادلنا(١) من السديف إذا لم يؤنس القزع ونطعم الناس عند القحط كلّهم إنا كذلك عند الفخر نرتفع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد قال: فأرسل رسول الله وَله إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله و لو ثابت بن قیس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله وَليل أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليُسمعني ما قال، فقال النبي وَله: (اسمعه ما قلت))، فأنشده ما قال، فقال حسّان: إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم قد شرّعوا سُنّة للنّاس تتّبع تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ثمّ قال حسّان: نصرنا رسول الله والدين عنوة بضرب كأبزاغ المخاض مشاشه وسل أحداً يوم استقلت شعابه ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ونضرب هام الدارعين وننتمي فلولا حياء الله قلنا تكرّماً فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى على رغم عات من معد وحاضر وطعن كأفواه اللقاح الصوادر بضرب لنا مثل الليوث الجواذر إذا طاب ورد الموت بين العساكر إلى حسب من جذم غسان قاهر على النّاس بالخيفين هل من منافر وأمواتنا من خير أهل المقابر (١) في أسباب النزول: يفاخرنا بدلاً من ((يعادلنا)). ٧٥ سورة الحجرات، الآيات: ٤ - ١٠ قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعراً، فاسمعه منّ، فقال: هات، فقال: إذا خالفونا عند ذكر المكارم أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم وإنّا رَؤُس الناس من كلّ معشر تكون بنجد أو بأرض التهائم وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة فقال رسول الله وَل: ((قم يا حسّان فأجبه)). فقام حسّان، فقال: يعود ويالاً عند ذكر المكارم بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم لنا خول من بين ظئر وخادم هبلتم علينا تفخرون وأنتمُ فقال رسول الله وَله: ((لقد كنت غنياً يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه)) . قال: فكان قول رسول الله وَ﴿ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال : ردافتنا من بعد ذكر الأكارم كأفضل ما نلتم من المجد والعلى وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فإن كنتمُ جئتمْ لحقن دمائكم ولا تفخروا عند النبيّ ◌َو بدارم فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا على هامكم بالمرهفات الصوارم وإلّ وربّ البيت مالت أكفّنا قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّداً المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولاً، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولاً . ثمّ دنا من النبيّ وَّه فقال: أشهد أن لا إله إلّ الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ ◌َّ: ((ما يضرّك ما كان قبل هذا)). ثمّ أعطاهم رسول الله ◌َّل وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول اللـه ◌َ﴾. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَجْر عَظيم﴾ يعني جزاء وافراً، وهو الجنّةُ (١). إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُحْرَّتِ أَكْتُهُمْ لَا يَعْفِلُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبِرُواْ حَى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ (١) بطوله في أسباب النزول: ٢٥٩؛ وتاريخ دمشق: ١٩١.١٨٨/٩ ط. دار الفكر، وزاد المسير لابن الجوزي: ٧ / ١٧٨. ٧٦ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي لَكَانَ خَ لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٤َ بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِبَلٍ فَتَُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ فَوَمَّا يَحَهَلَةٍ فَصْبِحُواْ عَ مَا فَعَلْتُمْ تَدِمِينَ ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَّوْ يُطِعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِ لَعَنْتُمْ وَلَكِنَّ الَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِمَنَ وََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَزَّةَ إِلَيْكُ اَلْكُفْرَ وَالْفُسُونَ وَلْمِصْيَانُّ أُوْلَكَ هُمْ الرَِّدُونَ ﴿ فَضَّلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِمٌ ﴿ وَإِن طَبِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ أَقْتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْتَهْمَأَ فَإِنَّ بَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ أَلَّتِى نَبْغِى حَّى يَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنِ فَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقِْطَوَّْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَبَّكُمْ وَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْمُونَ ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة. قال ابن عبّاس: بعث رسول الله وَل سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عُيينة، وقدم بهم على رسول اللـه ◌َّر، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلاً، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله وَّهبيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله وَّي وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا : يا محمّد فادنا عيالنا . فنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلاً، فقال لهم رسول الله قال: ((أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟)). فقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به . فقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي وَّر ((قد رضيت)). ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله وَل: ((من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم)) [٦٦](١). فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿إنّ الّذينَ يُنادُوُنكَ﴾ ... الآية، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ رَّ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّاً فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكاً نعشْ في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ◌َّ، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الّذينَ ينادونَك من وراء الحجرات﴾ وهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر: (١) المعجم الكبير ١٨٥/١٠ - في المصدر الحديث هكذا: ((من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحداً))؛ مجمع الزوائد: ٤٦/١٠. ٧٧ سورة الحجرات، الآيات: ٤ - ١٠ يلي ولأبيات بها الحجرات أما كان عباد كفياً لدارم يعني يلي ولبني هاشم. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ جهلاء ﴿لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ لأنّك كنت تعتقهم جميعاً، وتطلقهم بلا فداء. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أخبرنا ابن منجویه، قال: حدّثنا عبدالله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبدالله، أنّ النبيّ وَّ سُئل عن قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ قال: ((هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالاً للأعور الدجّال، لدعوت الله عزّ وجلّ أن يهلكهم)) [٦٧](١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا﴾ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ◌َ﴾ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقاً، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله وَّله، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله وَلّ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله وَل وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قِبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم(٢) رسول الله وَليل، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه(٣). وقال له: ((انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تَرَ ذلك، فاستعمل فيهم ما يُستعمل في الكفّارِ)). ففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّ الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ﴾ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمّاه الله فاسقاً، نظيره ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾(٤)، قال سهل بن عبدالله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه. (١) الدر المنثور: ٦/ ٨٧. في تفسير ابن كثير (٢٢٤/٤): وإن النبي استغشهم وهمَّ بهم فأنزل الله عذرهم. (٢) (٣) تفسير الطبري: ١٦١/٢٦. (٤) سورة السجدة: ١٨. * ٧٨ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي بنباً: بخبر ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا﴾ كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. ﴿قَوْماً﴾ براء ﴿بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأمْرِ﴾ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. ﴿لَعَنِثُمْ﴾ لأثمتم وهلكتم. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الأيمَانَ﴾ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ وحسّنه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ . ثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ نظيرها قوله سبحانه: ﴿وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾(١)، قال النابغة: يا دارميّة بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد (٢) ﴿فَضْلًا﴾ أي كان هذا فضلاً ﴿مِنْ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال أكثر المفسِّرين: وقف رسول الله وَّ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبدالله بن أُبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبدالله بن رواحة: والله لحمار رسول الله صل﴾ أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله رَ﴾له على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله وَله فاصطلحوا، وكفَّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملاً على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبدالله بن أبي: أعليَّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبدالله بن أبي يقول: متى ما يكن مولاك خصمك جاهداً تظلم(٣) ويصرعك الذين تصارع (٤) قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله وَل﴾، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضاً بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. وروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب (١) سورة الروم: ٣٩. (٢) البداية والنهاية: ٢٧٩/٢. (٣) في السيرة: تذل بدل من ((تظلم)). (٤) تفسير الطبري: ١٦٧/٢٦؛ وسيرة ابن هشام: ٤٢٥/٢ ط. مصر (صبيح وأولاده). ٧٩ سورة الحجرات، الآيات: ٤ - ١٠ سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطباً، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ وَّل، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أُمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى عُلية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: ﴿وإنّ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأَخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ ترجع ﴿إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلاً بين خلقه. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ رجعت إلى الحقّ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ واعدلوا. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين، والولاية ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين (اخوتكم) (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و(النون). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . قال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع المخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسُئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلاّ إنّه غيرك في الشخص. أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللـه بَّر ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلاّ أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها)). قال رسول الله وَله: ((احفظوا، ولا يحفظه منكم إلاّ قليل)) [٦٨](١). وفي هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله سبحانه وتعالى سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما روى الأعور أنّ علي بن أبي طالب رَبُّ سُئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلّ قليلاً. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا . (١) تفسير القرطبي: ٣٢٣/١٦. ٨٠ الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ وَ ◌ّر قال: ((يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأُمّة؟)). قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها)) [٦٩](١). وسُئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال: جعل النبيّ ◌َّر أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس، وقال بكر بن عبدالله: امش ميلاً، وعد مريضاً، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله. وَهَ الّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرَا فِتْهُمْ وَلَا فِسَآءٌ مِّن نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنّ ◌َْا مِنْهُنَّ وَلَا نَّلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَائِرُواْ بِالْأَلْقَبْ بِئْسَ الْأَسِّمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِمَنَّ وَمَنْ لَّمْ يَتُبُ فَأُوْنَكَ هُ الظَّالِمُونَ ﴿ بَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَُّواْ كَثِيرًا مِنَ النَِّّ إِنَ بَعْضَ اُلَّنِ إِنْ وَلَا نَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ نَّعْضُكُم بَعْضَّأْ أَيُحِتُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنَا فَكَرِهْتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ أَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّبٌ رَحْ (3) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمِ﴾ الآية، قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس، وذلك أنّه كان في إذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله وَله، وقد سبقوه بالمجلس، أوسعوا له حتّى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاته من صلاة الفجر ركعة مع رسول اللـه 8، فلمّا انصرف النبيّ وَل﴿ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم [منه، فربض] كلّ رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء، فلم يجد مجلساً، قام قائماً، كما هو، فلمّا فرغ ثابت من الصلاة، وقام منها، أقبل نحو رسول الله وَل﴿ فجعل يتخطّى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتّى انتهى إلى رسول الله وَل وبينه وبينه رجل. فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد أصبت مجلساً، فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضباً، فلمّا ابينت الظلمة، غمز ثابت الرجل، وقال: مَنْ هذا؟ قال: أنا فلان. فقال له ثابت: ابن فلانة. ذكر أُمّاً له كان يعيَّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيى، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال الضحّاك: نزلت في وفد تميم الذين ذكرناهم في صدر السورة، استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله ◌َ﴿ مثل عمّار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله سبحانه في الذين آمنوا منهم ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا (١) تفسير القرطبي: ٣٢٠/١٦.