Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة الزمر، الآيات: ٥٣ - ٦٤
﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ الآية.
اختلف المفسرون في المعنّين بهذه الآية .
فقال بعضهم: عنى بها قوماً من المشركين.
قال ابن عبّاس: نزلت في أهل مكة قالوا يزعم محمّد انه من عبد الأوثان وقتل النفس التي
حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله الهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم
الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أنبأني عبد الله بن حامد بن محمّد الأصفهاني أخبرني إبراهيم بن محمّد بن عبد الله
البغدادي حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان الجبلي حدثنا أبو إسماعيل حدثنا إسحاق بن سعيد
أبو سلمة الدمشقي حدثنا أنس بن سفيان عن غالب بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح عن ابن
عبّاس قال: بعث رسول الله وَل إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمّد كيف
تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو شرك أو زنى يلق أثاماً ويضاعف له العذاب يوم
القيامة ويخلد فيه مهاناً، وأنا قد فعلت ذلك كله، فهل تجد لي رخصة؟ فأنزل الله تعالى ﴿إلاّ
من تاب وآمن وعمل صالحاً﴾(١) الآية.
قال وحشي: هذا شرط شديد فلعلي لا أقدر على هذا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾(٢).
فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله
تعالى ﴿قل يا عباد الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾.
فقال وحشي: نعم هذه، فجاء فأسلم.
فقال المسلمون: هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟
قال: ((بل للمسلمين عامة))(٣).
وقال قتادة: ذكر لنا أن ناساً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا
أن لن يتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية.
وقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من
المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله تعالى من هؤلاء صرفاً
ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به، فنزلت على هؤلاء الآيات فكان
(١) سورة مريم: ٦٠.
(٢) سورة النساء: ٤٨.
(٣) المعجم الكبير: ١١ / ١٥٨، مجمع الزوائد: ١٠ / ٢١٥.

٢٤٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى
أولئك النفر فأسلموا وهاجروا .
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا أبو بكر بن خرجة حدثنا محمّد بن عبد الله بن سلمان
الحضرمي حدثنا محمّد بن العلاء حدثنا يونس بن بكير حدثنا ابن إسحاق حدثنا نافع عن ابن
عمر عن عمر لُله أنه قال: لما اجتمعنا إلى الهجرة ابعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن
العاص بن وائل وقلنا: الميعاد بيننا المناصف ميقات بني غفار، فمن حبس منكم لم يأبها فقد
حبس فليمض صاحبه، فأصبحت عندها أنا وعياش وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فقدمنا المدينة
فكنا نقول: هل يقبل الله من هؤلاء توبة قوم عرفوا الله ورسوله ثم رجعوا عن ذلك لما أصابهم
من الدُّنيا؟ فأنزل الله تعالى ﴿قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾
إلى قوله ﴿أليس في جهنم مثوىً للمتکبرین﴾.
قال عمر: فكتبتها بيدي كتاباً ثم بعثت بها إلى هشام.
قال هشام: فلما قدمت عليَّ خرجت بها إلى ذي طوى فقلت اللهم فهمنيها، فعرفت أنها
أُنزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله وَل. فقتل هشام شهيداً بأجنادين
في ولاية أبي بكر څته.
وقال بعضهم: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله تعالى أنه
يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء.
وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله نرى أو
نقول: أنه ليس شيء من حسناتنا إلاّ وهي مقبولة حتّى نزلت هذه الآية ﴿أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقيل لنا:
الكبائر والفواحش.
قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، فنزلت هذه الآية، فلما نزلت
كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها
شيئاً رجونا له. وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر، والآية عامة للناس أجمعين ﴿لا تقنطوا﴾.
قرأ أبو عمرو والأعمش ويحيى بن وثاب وعيسى والكسائي ويعقوب (لا تقنطوا) بكسر
النون.
وقرأ أشهب العقيلي: بضمه.
وقرأ الآخرون: بفتحه.
روى الأعمش عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود قال: دخل عبد الله بن مسعود
المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، فجاء حتّى قام على رأسه وقال: يا مذكّر لِمَ

٢٤٣
سورة الزمر، الآيات: ٥٣ - ٦٤
تقنط الناس ثم قرأ ﴿قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية.
أخبرنا ابن فنجويه حدثنا أبو حبش المقريء حدثنا ابن فنجويه حدثنا سلمة حدثنا عبد
الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أن رجلاً كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة فيشدد
على نفسه ويقنّط الناس من رحمة الله ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟
قال: النار.
قال: أي رب وأين عبادتي واجتهادي؟ .
فيقول: إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدُّنيا، فأنا اليوم أقنطك من رحمتي.
﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ .
أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا حامد بن محمّد بن عبد الله حدثنا محمّد بن صالح الأشج
حدثنا داود بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت بن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد
قالت: سمعت رسول الله 8* يقول: ((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي)) [١٣٥].
وفي مصحف عبد الله: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء).
﴿إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
أخبرنا ابن فنجويه حدثنا محمّد بن المظفر حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا
أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ما علمت أحداً من أهل العلم ولا من أصحاب
محمّد ◌َليل يقول لذنب: إن الله لا يغفر هذا.
أخبرنا عقيل بن محمّد بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا
زكريا بن يحيى وهداد بن أبي زائدة حدثنا حجاج حدثنا ابن لهيعة عن أبي قنبل قال: سمعت أبا
عبد الرحمن المزني يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الجيلاني أنه سمع ثوبان مولى رسول الله بَليلة.
يقول: سمعت رسول الله (عليه السلام): ((يقول ما أحب أن لي الدُّنيا وما فيها بهذه الآية ﴿قل
يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو
الغفور الرحيم﴾» [١٣٦].
فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟
فسكت النبي (عليه السلام) ثم قال: ((ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك))
[١٣٧](١) .
(١) مسند أحمد: ٥ / ٢٧٥.

٢٤٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
وبإسناده عن محمّد بن جرير حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا يونس عن ابن سيرين
قال: قال علي ظله: مافي القرآن آية أوسع من ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) الآية.
وبه عن ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن منصور عن الشعبي عن شتير بن شكل
قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن ﴿يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الآية(١).
أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا علي بن
محمّد بن ماهان حدثنا سلمة بن شبيب قال: قريء على عبد الرزاق وأنا أسمع عن معمر عن
الزهري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبيّ ◌َّ#وهو يبكي فقال له رسول الله وله: ((ما
یبکیك یاعمر؟)).
قال: يارسول الله إن بالباب شاباً قد أخرق فؤادي وهو يبكي.
فقال له رسول الله: ((أدخله عليّ)).
فدخل وهو یبکي فقال له رسول الله چل#: ((ما شأنك ياشاب؟)).
قال: يارسول الله أبكاني ذنوب كثيرة وخفت من جبار غضبان عليَّ.
قال: «أشرکت بالله يا شاب؟)).
قال: لا.
قال: ((أقتلت نفساً بغير حقها؟)).
قال: لا .
قال: ((فإن الله يغفر لك ذنبك ولو مثل السماوات السبع والأرضين السبع والجبال
الرواسي».
قال: يا رسول الله ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع ومن الأرضين السبع.
قال: ((ذنبك أعظم أم العرش؟)) قال: ذنبي.
قال: ((ذنبك أعظم أم الكرسي؟)).
قال: ذنبي.
قال: ((ذنبك أعظم أم إلهك؟)).
قال: بل الله أجلّ وأعظم.
(١) تفسير الطبري: ٢٤ / ٢٠.
۔

٢٤٥
سورة الزمر، الآيات: ٥٣ - ٦٤
فقال: ((إن ربّنا لعظيم ولا يغفر الذنب العظيم إلاّ الإله العظيم)).
قال: «أخبرني عن ذنبك)).
قال: إني مستحيي من وجهك يارسول الله.
قال: ((أخبرني ما ذنبك؟)).
قال: إني كنت رجلاً نباشاً أنبش القبور منذ سبع سنين، حتّى ماتت جارية من بنات
الأنصار فنبشت قبرها فأخرجتها من كفنها، ومضيت غير بعيد إذ غلبني الشيطان على نفسي،
فرجعت فجامعتها ومضيت غير بعيد إذ قامت الجارية فقالت: الويل لك يا شاب من ديّان يوم
الدين يوم يضع كرسيّه للقضاء، يأخذ للمظلوم من الظالم تركتني عريانة في عسكر الموتى
ووقفتني جنباً بين يدي الله تعالى.
فقام رسول الله ﴾ وهو يضرب في قفاه ويقول: (يا فاسق أخرج ما أقربك من النار)).
قال: فخرج الشاب تائباً إلى الله تعالى حتى أتى عليه ما شاء الله ثم قال: يا إله محمّد
وآدم وحواء إن كنت غفرت لي فاعلم محمداً وأصحابه وإلّ فأرسل ناراً من السماء فأحرقني بها
ونجني من عذاب الآخرة.
قال: فجاء جبرئيل وله جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب قال: السلام يقرؤك
السلام. قال: ((هو السلام وإليه يعود السلام)).
قال: يقول: أنت خلقت خلقي؟ .
قال: ((لا، بل هو الذي خلقني)).
قال: يقول: أنت ترزقهم؟
قال: ((لا، بل هو يرزقني)).
قال: أنت تتوب عليهم؟
قال: ((لا، بل هو الذي يتوب عليَّ)).
قال: فتب على عبدي.
قال: فدعا النبيّ رَ﴾ الشاب فتاب عليه وقال: ((إن الله هو التواب الرحيم)) (١).
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي واقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ واخضعوا له ﴿مِنْ
قَبْلٍ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
(١) لم تجدها فيما بين أيدينا من مصادر العامة، فانظر: أمالي الشيخ الصدوق: ٩٨.

٢٤٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الحافظ حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السنّي حدثنا أبو
يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا كثير بن زيد عن الحرث بن أبي
يزيد قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَالر: ((إن من السعادة أن يطول عمر
العبد ويرزقه الله تعالى الإنابة)) [١٣٨](١).
﴿وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والقرآن كله حسن وانما معنى الآية ما قال
الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن الذي أُنزل على ثلاثة أوجه: ذكر القبيح لنجتنبه،
وذكر الأدون لئلا نرغب فيه، وذكر الحسن لنؤثره.
وكذلك قال السدي: الأحسن ما أمر الله به في الكتاب.
وقال ابن زيد: (واتبعوا أحسن ما أُنزل اليكم من ربّكم) يعني المحكمات وكلوا علم
المتشابهات إلى عالمها .
﴿مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ يعني لأن لا تقول
كقوله: ﴿أن تميد بكم﴾ (٢) ﴿وأن تصوموا﴾(٣) ونحوهما.
﴿يَا حَسْرَتَا﴾ ياندامتا وحزني، والتحسر الإغتمام على ما فات، سُمّي بذلك لانحساره عن
صاحبه بما يمنع عليه استدراكه وتلا في الأمر فيه، والألف في قوله: (ياحسرتا) هي بالكناية
للمتكلم وإنما أُريد ياحسرتي على الاضافة، ولكن العرب تحوّل الياء التي هي كناية اسم المتكلم
في الاستغاثة ألفاً فتقول: ياويلتا وياندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربّما لحقوا بها
الهاء .
أنشد الفراء :
يا مرحباه بحمارناجية
إذا أتى قريته للسانية (٤)
وربّما الحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة.
وكذلك قرأ أبو جعفر: يا حسرتاي.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قصّرت ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾ قال الحسن: في طاعة الله. سعيد بن جبير:
في حق الله في أمر الله. قاله مجاهد.
قال أهل المعاني: هذا كما يقال هذا صغير في جنب ذلك الماضي، أي في أمره.
(١) مسند أحمد: ٣ / ٣٣٢.
(٢) سورة النحل: ١٥.
(٣) سورة البقرة: ١٨٤.
(٤) شرح الرضي على الكافية: ١ / ٤٢٠.

٢٤٧
سورة الزمر، الآيات: ٥٣ - ٦٤
وقيل: في سبيل الله ودينه. والعرب تسمّي السبب والطريق الى الشيء جنباً تقول:
تجرعت في جنبك غُصصاً وبلاءاً، أي بسببك ولأجلك.
قال الشاعر:
أفي جنب بكر قطعتني ملامة لعمري لقد كانت ملامتها ثنى (١)
وقال في الجانب الذي يؤدي إلى رضى الله تعالى وثوابه، والعرب تسمّي الجانب جنباً .
قال الشاعر :
الناس جنب والأمير جنب(٢)
يعني الناس من جانب والأمير من جانب.
﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ المستهزئين بدين الله تعالى وكتابه ورسوله والمؤمنين.
قال قتادة: في هذه الآية لم يكفه ان ضيع طاعة الله تعالى، حتّى جعل يسخر بأهل طاعة
الله .
أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا هارون بن محمّد حدثنا محمّد بن عبد العزيز
حدثنا سلمة حدثنا أبو الورد الوزان عن إسماعيل عن أبي صالح: (يا حسرتي على ما فرطت في
جنب الله) قال: كان رجل عالم في بني إسرائيل ترك علمه وأخذ في الفسق، أتاه ابليس فقال
له: لك عمر طويل فتمتع من الدُّنيا ثم تب.
فأخذ في الفسق، وكان عنده مال فأنفق ماله في الفجور، فأتاه مالك الموت في ألذّ ما
كان.
فقال: من أنت؟
فقال: أنا ملك الموت جئت لأقبض روحك.
فقال: ياحسرتي على مافرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان وأسخطت
· ربّي .
فندم حين لم تنفعه الندامة، قال: فأنزل الله سبحانه وتعالى خبره في القرآن.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ * أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي
كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدُّنيا ﴿فَأْكُونَ مِنَ المُحسِنِينَ﴾ وفي نصب قوله: (فأكون) وجهان:
(١) الصحاح للجوهري: ٦ / ٢٢٩٤.
(٢) تفسير القرطبي: ٥ / ١٩٢، لسان العرب: ١ / ٢٧٨، وهو للأخفش.

٢٤٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
أحدهما: على جواب لو.
والثاني: على الرد على موضع الكرّة، وتوجيه الكرّة في المعنى لو أنّ لي أنْ أكر.
كقول الشاعر: أنشده الفراء:
فمالك منها غير ذكرى وحسرة
وتسأل عن ركبانها أين يمموا (١)
فنصب تسأل عطفاً على موضع الذكرى، لأن معنى الكلام: فمالك منها إلاّ أن يذكر، ومنه
قول الله تعالى: ﴿أو يرسل رسولاً﴾(٢) عطف يرسل على موضع الوحي في قوله تعالى: ﴿إلاّ
وحياً﴾
.
﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾.
قرأ العامة: بفتح الكاف والتاء.
وقرأت عائشة: بكسرها أجمع، ردتها إلى النفس.
وروى ذلك عن رسول الله وَ له .
حدثنا ابن فنجويه حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل أخبرنا سعيد بن نصير
قال: سمعت إسحاق بن سلمة الرازي قال: سمعت أبا جعفر الرازي يذكر عن الربيع بن أنس
أنبأني عبد الله بن حامد أخبرتنا سعيدة بنت حفص بن المهتدي ببخارى قالت: حدثنا صالح بن
محمّد البغدادي حدثنا عبد الله بن يونس بن بكر حدثنا أبي حدثنا عيسى بن عبد الله بن ماهان
أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أم سلمة زوج النبي وقالر قالت: سمعت رسول الله (عليه
السلام) يقول: ((بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين)) [١٣٩](٣) على
مخاطبة النفس .
قال المروزي: وهي رواية السريحي عن الكسائي.
﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ فزعم أن له ولداً وشريكاً ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.
قال الأخفش: ترى غير عاملة في قوله: (وجوههم مسودة) إنما ابتداء وخبر.
﴿أَلَّيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوِىٌّ لِلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُتَجِّ اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
قرأ أهل الكوفة: بالألف على الجمع.
(١) جامع البيان للطبري: ٢٤ / ٢٧، تفسير القرطبي: ١٥ / ٢٧٢، وهو للفراء.
(٢) سورة الشورى: ٥١ .
(٣) معاني القرآن: ٦ / ١٨٧، الدر المنثور: ٥ /٣٣٣.

٢٤٩
سورة الزمر، الآيات: ٥٣ - ٦٤
وقرأ الباقون: بغير ألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم والأخفش، لأن المفازة
هاهنا الفوز، ومعنى الآية: بنجاتهم من العذاب بأعمالهم الحسنة.
﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ لا يصيبهم المكروه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمُوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أيّ مفاتيح خزائن السماوات والأرض، واحدها
مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح، ومقليد مثل منديل ومناديل وفيه لغة أُخرى أقاليد.
واحدها أقليد، وقيل: هي فارسية معربة اكليل.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري بقرائتي عليه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه
حدثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي حدثنا عمر بن أحمد بن شنبه حدثنا إسماعيل بن سعيد
الخدري حدثنا أغلب بن تميم عن مخلد أبي الهذيل عن عبد الرحمن أخيه قال ابن عيينة: عن
عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان رضيالله انه سأل رسول الله وَله عن تفسير هذه الآية (مقاليد
السماوات والأرض).
فقال: ((يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلاّ الله والله اكبر وسبحان
الله وبحمده واستغفر الله لا قوة إلاّ بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي
ويميت وهو على كل شيء قدير، ياعثمان من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله
تعالى ست خصال: أما أولها: فيحرس من إبليس وجنده، والثانية: يحضره إثنا عشر ملكاً،
والثالثة: يعطى قنطاران من الجنّة، والرابعة: يرفع له درجة، والخامسة: يزوجه الله تعالى زوجة
من الحور العين، والسادسة: يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل، وله أيضاً
من الأجر كمن حج أو اعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته مات شهيداً)) [١٤٠](١).
أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن العدل بقرائتي عليه حدثنا أحمد بن
محمّد بن يحيى أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن زكريا الجرجاني الفقيه حدثنا أحمد بن
جعفر بن نصر الرازي حدثنا محمّد بن يزيد النوفلي حدثنا حماد بن محمّد المرزوي حدثنا أبو
عصمة نوح بن أبي مريم عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي رضيه قال: سألت النبيّ وَّل عن
تفسير المقالید.
فقال: ((يا عليّ سألت عظيماً، المقاليد هو أن تقول عشراً إذا اصبحت وعشراً إذا أمسيت:
لا إله إلاّ الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، هو
الأول والآخر والظاهر والباطن، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل
شيء قدير، من قالها عشراً إذا أصبح وعشراً إذا امسى أعطاه الله تعالى خصالاً ستاً؛ أولهن:
(١) مجمع الزوائد: ١٠ / ١١٥.

٢٥٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
يحرسه من إبليس وجنده فلا يكون لهم عليهم سلطان، والثانية: يعطى قنطاراً في الجنّة أثقل في
ميزانه من جبل أُحد، والثالثة: يرفع الله له درجة لا ينالها إلاّ الأبرار، والرابعة: يزوجه الله من
الحور العين، والخامسة: يشهده إثنا عشر ألف ملك یکتبونها في رقّ منشور یشهدون له بها يوم
القيامة، والسادسة: كمن قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكان كمن حج واعتمر فقبل
الله حجة وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء، فهذا تفسير المقاليد)»
[١٤١](١).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أيُّهَا
الجَاهِلُونَ﴾ وذلك حين دعا إلى دين آبائه. واختلف القرّاء في قوله: ﴿تأمروني﴾ فقرأ أهل
المدينة: بنون واحدة مخففة على الحذف والتحقيق.
وقرأ أهل الشام: بنونين على الأصل.
وقرأ الآخرون: بنون واحدة مشددة على الإدغام.
بَلِ
٦٥
وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَمِينَ
اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ (١٦) وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَّدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا فَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ
وَالسَّمَوَنُ مَطْوِيَتُ بِيَعِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٧) وَتُفِحَ يُشْرِكُونَ الْغُورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ
السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَّنَ شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ فِيَامٌ بِنَظُرُونَ () وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ
بُورِ زَيْهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَمَأْقَهَ بِالنَّبْتِنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (39) وَوُفِيَتْ كُلُّ
نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنََّ زُمَرًاً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
فُّحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَّيَنْهَا أَلَّمَّ يَأْيَّكُمْ رُسُلٌ فِتْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيْكُمْ وَيُذِرُونَّكُمْ لِقَآءُ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَىِ اَلْكَفِرِينَ (٣) فِيلَ أَدْخُلُواْ أَنْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيهَا فِئْسَ مَنْوَى الْمُنَّكَِّينَ (٣) وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَى حَتَّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَنَّوْبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَرَبَتُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ (١٣) وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا
وَعْدَمُ وَأَوْزَنَاَ اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْحَنَِّ حَيْثُ نَشَاءُ فَعْمَ أَبْرُ الْعَمِلِينَ ﴿١٨) وَتَرَى الْمَلَبِكَةُ حَافِينَ مِنْ
حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِمٌ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِاَلِّْ وَفِلَ الْحَمَّدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ
(٧٥)
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملته قبل
الشرك .
وقال أهل الإشارة: معناه لئن طالعت غيري في السر ليحبطن عملك.
(١) تفسير القرطبي: ١٥ / ٢٧٥.

٢٥١
سورة الزمر، الآيات: ٦٥ - ٧٥
﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ ثم دَلّه على التوحيد فقال عز من قائل: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ
الشَّاكِرِينَ﴾ لله تعالى على نعمة الإيمان ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حين أشركوا به غيره، ثم
خبر عن عظمته فقال ﴿وَالأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ أيّ ملكه ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ بلا مانع ولا منازع ولا
مدّع، وهي اليوم أيضاً ملكه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ملك يوم الدين﴾(١) و﴿ولمن الملك
اليوم﴾(٢).
قال الأخفش: هذا كما يقال خراسان في قبض فلان، ليس أنها في كفّه وإنما معناه ملكه.
﴿وَالسَّمْوَاتُ مَظْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ للطي معان منها: الإدراج كطي القرطاس والثوب بيانه يوم
نطوي السماء كلي السجل للكتب، ومنه الإخفاء كما تقول: طويت فلاناً عن الأعين، وأطو هذا
الحديث عني أي استره.
ومنه: الإعراض يقال: طويت عن فلان أو أعرضت عنه.
ومنه: الافناء، تقول العرب: طويت فلاناً بسيفي، أي أفنيته.
وقراءة العامة: مطويات بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر: بالكسر ومحلها النصب على الحال
والقطع، وإنما يذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار.
وقيل: هو معنى القوة، كقول الشاعر:
تلقاها عرابة باليمين (٣)
وقيل: اليمين بمعنى القسم، لأنه حلف أنه يطويها ويفنيها. وهو اختيار علي بن مهدي
الطبري قال: معناه مضنيات بقسمه.
حكى لي أُستاذنا أبو القاسم بن حبيب عنه ثم نزه نفسه، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم أتى ذاكر بعض ما ورد من الآثار في تفسير هذه الآية.
أخبرنا عبد الله بن حامد بقرائتي عليه حدثنا محمّد بن جعفر المطري حدثنا علي بن حرب
الموصلي حدثنا ابن فضيل حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: جاء رجل
إلى النبي ◌َّل﴾ فقال: يا أبا القاسم ان الله يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع،
والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول هكذا بيده.
فضحك النبي ◌َّر حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((وما قدروا الله حق قدره))(٤).
(١) سورة الفاتحة: ٤ .
(٢) سورة غافر: ١٦.
(٣) الصحاح: ١ / ١٨٠، لسان العرب: ١ / ٥٩٣، وهي للشماخ.
(٤) مسند أحمد: ١ / ٤٢٩، وسنن الترمذي: ٥ / ٤٩ ح٣٢٩١، بتفاوت يسير.

٢٥٢
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
وأنبأني عبد الله بن حامد أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا العبّاس بن الفضل
الاسقاطي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن
عبيد الله قال: جاء حبر إلى رسول الله وَل﴾. فقال: يا محمّد أو يا أبا القاسم ان الله يمسك
السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على
إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، يهززهن فيقول: أنا الملك أنا الملك.
فضحك النبي والت# تعجباً ممّا قال الحبر تصديقاً له، ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره
والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾(١).
أخبرنا أحمد بن محمّد بن يوسف القصري بها أخبرنا إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل
ببغداد حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا محمّد بن صالح الواسطي عن سليمان بن محمّد عن عمر بن
نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر رأيت رسول الله - لتر قائماً على هذا المنبر - يعني منبر
رسول الله (عليه السلام). وهو يحكي عن ربّه تبارك وتعالى فقال: ((إن الله تعالى إذا كان يوم
القيامة جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته - ثم قال هكذا وشد قبضته ثم بسطها - ثم
يقول: أنا الله، أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا
العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدُّنيا ولم يك شيئاً، أنا الذي اعدتها، أين
الملوك أين الجبابرة)) [١٤٢].
أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل حدثنا هدية
ابن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن
ابن عمر: أن رسول الله وعليه قرأ على المنبر (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم
القيامة والسماوات مطويات بيمينه) فبسط رسول الله وَ ل# يديه ثم قال: ((فيمجّد الله نفسه، أنا
الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون)).
قال: فرجف المنبر حتّى قلنا ليتحركنَّ به، وقيل: ليخرنَّ به (٢).
أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عمر عن عبد الله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو
أسامة عن عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله حدثني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وعليه:
((يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟
أين المتكبرون» (٣).
(١) صحيح مسلم: ٨ / ١٢٥.
(٢) كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٢٤١ ح٥٤٥.
(٣) جامع البيان للطبري: ٢٤ / ٣٦.

٢٥٣
سورة الزمر، الآيات: ٦٥ - ٧٥
أخبرنا عبد الله بن حامد إجازة أخبرنا محمّد بن الحسين حدثنا محمّد بن جعونة أخبرنا أبو
اليمان الحكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني عن سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي
أيوب الأنصاري عن النبي وتلقى: أنه أتاه حبر من أحبار اليهود فقال: إني سائلك عن أشياء
فخبّرني بها .
فقال له النبي ◌َلّر: ((اسأل ذلك)).
فقال الحبر: أرأيت قول الله تعالى في كتابه: (يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات)
فأين الخلق عند ذلك؟
فقال النبي ◌َّير: ((هم أضياف الله تعالى فلن يعجزهم ما لديه)).
فقال الحبر: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات
مطويات بيمينه﴾ فأين الخلق عند ذلك؟
فقال النبي ◌َّل: ((هم فيها كالرقيم في الكتاب)) [١٤٣](١).
وقال ابن عبّاس: في هذه الآية كل ذلك يمينه، وليس في يده الأخرى شيء، وإنما يستعين
بشماله المشغولة يمينه، وما السماوات والأرضون السبع في يدي الله تعالى إلاّ كخردلة في يد
أحدكم(٢) .
أنبأني عقيل بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبره عن محمّد بن جرير حدثنا ابن حميد
حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن محمّد عن سعيد قال: اتى رهط من اليهود النبي ◌ُّر وقالوا :
يا محمّد هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟
فغضب النبي ◌َّ حتّى انتقع لونه ثم ساورهم غضباً لربّه فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فسكنه
وقال: اخفض عليك جناحك وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه، قال يقول الله: ﴿قل هو الله
أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾.
فلما تلاها عليهم النبي ◌ّ قالوا له: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه؟
فغضب النبي ◌ّير أشد من غضبه الأول ثم ساورهم فجاءه جبرئيل فقال: مثل مقالته، وأتاه
بجواب ما سألوه ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ الآية(٣).
وقال مجاهد: وكلتا يدي الرحمن يمين.
(١) جامع البيان للطبري: ١٣ / ٣٣٣.
(٢) تفسير الطبري: ٢٤ / ٣٢.
(٣) تفسير الدر المنثور: ٦ / ٤١٠.

٢٥٤
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق أخبرنا
بشير بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرنا عمرو بن أوس الثقفي :
أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى: ((المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة
على منابر من منابر النور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم
وما ولوا)) [١٤٤](١).
وقال الحسين بن الفضل والأخفش معنى الآية ﴿والأرض جميعاً ... والسماوات
مطويات﴾ أي مضبوطات مربوطات بيمينه، أي بقدرته وهي كلها في ملكه وقبضته، نحو قوله
تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾(٢) أي وما كانت لكم قدرة، وليس الملك لليمين دون سائر
الجسد والله أعلم.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ .
أخبرنا أبو محمّد الحسين بن أحمد المخلدي إملاء وقراءة أخبرنا عبد الله بن محمّد بن
مسلم حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي رجاء المصيصي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سليمان التيمي
عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال: سألت رسول الله وَ لّ عن
الصور.
فقال: ((قرن ينفخ فيه)) [١٤٥](٣) .
﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمْوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ﴾ أيّ ماتوا وهي النفخة الثانية ﴿إلاَّ مَنْ شَاءَ
اللهُ﴾ اختلفوا في الذين استثناهم الله تعالى.
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمّد بن محمّد الروذبادي حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن
محمّد ابن عبد الرحيم الشروطي حدثنا عبدان بن عبد الله بن أحمد حدثنا محمّد بن مصفي حدثنا
بقية عن محمّد عن عمرو بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله وَليل
سأل جبرئيل عن هذه الآية ﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله﴾: ((من
أولئك الذين لم یشاء الله أن يصعقهم؟».
فقال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش (٤).
أخبرنا الحسين بن فنجويه بقرائتي عليه حدثنا أبو علي بن حبش المقريء قال: قرأ عليّ
(١) مسند أحمد: ٢ / ١٦٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠ / ٨٧.
(٢) سورة النساء: ٣٦.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ١٦٢، وسنن الدارمي: ٢ / ٣٢٥.
(٤) المستدرك: ٢ / ٢٥٣.

٢٥٥
سورة الزمر، الآيات: ٦٥ - ٧٥
أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي وأنا أسمع حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان
الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّ ر أنه سأل جبرئيل (عليهما السلام) عن هذه الآية ﴿ونفخ في الصور فصعق من
في السماوات ومن في الأرض إلّ من شاء الله﴾: ((من الذين لم يشاء الله تعالى أن يصعقهم؟)).
قال: هم الشهداء متقلدون حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب
من ياقوت أزمتها الدرّ برحائل السندس والإستبرق نمارها ألين من الحرير، مدَّ خطاها مدَّ أبصار
الرجال يسيرون في الجنّة يقولون عند طول البرهة: انطلقوا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه،
فيضحك إليهم إلهي عزّ وجلّ، فإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه(١) .
أخبرنا ابن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الحسن بن يحيويه حدثنا عمرو بن ثور
وإبراهيم بن أبي سفيان قالاً :
حدثنا محمّد بن يوسف الفربابي حدثنا سليمان بن حيان عن محمّد بن إسحاق عن يزيد
الرقاشي عن أنس بن مالك قال: تلا رسول الله (عليه السلام) ﴿ونفخ في الصور فصعق من في
السماوات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله﴾ قالوا: يارسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله
تعالى؟
قال: ((هو جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت - قال: فيقول ياملك الموت خذ نفس
أسرافيل. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي وتعاليت ذا الجلال والإكرام
بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت. فيقول: ياملك الموت خذ نفس ميكائيل. فيأخذ نفس
ميكائيل فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي تباركت
وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وملك الموت.
فيقول: مُت ياملك الموت فيموت. فيقول: ياجبرئيل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت ذا
الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبرئيل الميت الفاني - قال: فيقول: يا جبرئيل لابدّ من
موتك، فيقع ساجداً يخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام)).
فقال رسول الله وَله: ((إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الضرب من
الضراب)) [١٤٦](٢).
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر حدثنا حاجب بن أحمد بن يرحم حدثنا محمّد بن
حماد حدثنا محمّد بن الفضيل عن سليمان التيمي عن أبي نصرة عن جابر في قوله تعالى: ﴿ونفخ
(١) الدر المنثور: ٥ /٣٣٦.
(٢) جامع البيان للطبري: ٢٤ / ٣٨، وتفسير القرطبي: ١٥ / ٢٨٠.

٢٥٦
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله﴾ قال: موسى ممّن استثنى
الله تعالى، وذلك بأنه قد صعق مرة.
يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن أحمد: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن
جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمّد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي
هريرة قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فرفع رجل من
الأنصار يده فصك بها وجهه فقال: تقول هذا وفينا رسول الله.
فقال رسول الله وسلم: ((﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلاّ
من شاء الله﴾ فاكون أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري
أرفع رأسه قبلي أو كان ممّن استثنى الله تعالى)) [١٤٧](١) .
وقال كعب الأحبار: هم إثنا عشر، حملت العرش وجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك
الموت.
الضحاك: هم رضوان والحور ومالك والزبانية.
قتادة: الله أعلم بثنياه(٢).
الحسن: (إلاّ من شاء الله) يعني الله وحده. وقيل: عقارب النار وحياتها، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾
أي في الصور ﴿أُخْرَى﴾ مرة أُخرى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ من قبورهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يعني ينظرون إلى
البعث.
وقيل: ينتظرون أمر الله تعالى فيهم.
قالت العلماء: ووجه النفخ في الصور أنه علامة جعلها الله تعالى ليتصوّر بها العاقل وأخذ
الأمر، ثم تجدید الخلق.
﴿وَأَشْرَقَتِ﴾ وأضاءت ﴿الأرْضُ﴾.
وقرأ عبيد بن عمير: (وأشرقت) على لفظ ما لم يُسم فاعله كأنها جعلت مضيئة.
﴿ِنُورِ رَبِّهَا﴾ قال أكثر المفسرين: بضوء ربّها، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين
خلقه فما يتضارون في نوره إلاّ كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه(٣).
وقال الضحاك: بحكم ربّها .
(١) تفسير الطبري: ٢٤ / ٤٠.
(٢) تفسير القرطبي: ١٥ / ٢٨٠.
(٣) تفسير الطبري: ٢٤ / ٤٢.

٢٫٥٧
سورة الزمر، الآيات: ٦٥ - ٧٥
وقال السدي: بعدل ربّها. ويقال: إن الله تعالى خلق في القيامة نوراً يلبسه وجه الأرض
فتشرق الأرض به، ويقال: ان الله يتجلى للملائكة فتشرق الأرض بنوره، وأراد بالأرض
عرصات القيامة .
﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ .
قال ابن عبّاس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.
وقال السدي: الذين استشهدوا فى طاعة الله.
وقيل: هم الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾(١).
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
* وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سوقاً عنيفاً يسحبون على وجوههم ﴿إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ أفواجاً بعضها على
أثر بعض، كل أمة على حدة.
وقال أبو عبيد والأخفش: يعني جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة.
﴿حَتَّى إِذَا جَاؤوهَا وفُتِحَتْ أبْوَابُهَا﴾ السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة.
واختلف القراء في قوله: (فتحت) و(فتّحت) فخففها أهل الكوفة، وشددهما الآخرون على
التكثير .
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ توبيخاً وتقريعاً لهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتٍ رَبِّكُمْ
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ﴾ وجبت ﴿كَلِمَةُ العَذَابِ﴾ وهي قوله تعالى:
﴿لأملأن جهنّم من الجنّة والناس أجمعين﴾(٢) .
﴿عَلَى الكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ
الَّذِينَ﴾ وحشر الذين ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فأطاعوه ولم يشركوا به ﴿إِلَى الجَنَّةِ زُمَرَأَ﴾ ركباناً ﴿حَتَّى إِذَا
جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ الواو فيه واو الحال ومجازه وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو هاهنا لبيان أنها
كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ويقال:
زيدت الواو هاهنا، لأن أبواب الجنّة ثمانية وأبواب الجحيم سبعة، فزيدت الواو هاهنا فرقاً
بینھما .
حكى شيخنا عبد الله بن حامد عن أبي بكر بن عبدش أنها تُسمى واو ثمانية.
قال: وذلك أن من عادة قريش أنهم يعدون العدد من الواحد إلى الثمانية، فإذا بلغوا
(١) سورة ق: ٢١.
(٢) سورة هود: ١١٩.

٢٥٨
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
الثمانية زادوا فيها واواً فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، يدل عليه قول الله تعالى:
﴿سخرها علهيم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً﴾(١) وقال سبحانه: ﴿التائبون العابدون﴾(٢)، فلما
بلغ الثامن من الأوصاف قال ﴿والناهون عن المنكر﴾(٣)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ويقولون سبعة
وثامنهم كلبهم﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿ثيبات وأبكاراً﴾(٥) .
وقيل: زيادة الواو في صفة الجنّة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه وعقوبته.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ قال قتادة فإذا قطعوا النار حبسوا
على قنطرة بين الجنّة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتّى إذا هدؤا واطمئنوا قال لهم رضوان
وأصحابه: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين.
أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي حدثنا
أبو الأزهر أحمد بن الأزهر السليطي حدثنا روح بن عبادة القيسي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق
عن عاصم بن ضمرة عن علي ربه: أنه سُئل عن هذه الآية ﴿وسيق الّذين اتقوا ربّهم إلى الجنّة
زُمراً﴾ الآية.
فقال: سيقودهم إلى أبواب الجنّة حتّى إذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من
تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى احديهما فتطهروا فيها فجرت عليهم بنضرة النعيم، فلن تغير
أجسادهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى
الأُخرى فشربوا منها فأذهبت مافي بطونهم من أذىً أو قذىّ، وتلقتهم الملائكة على أبواب
الجنّة: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ويلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان
بالحميم إذا جاء من الغيبة يقولون: ابشر قد أعدّ الله لك كذا وكذا وأعد لك كذا وكذا، وينطلق
غلام من غلمانه يسعى إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان - باسمه في الدُّنيا - قد
قدم .
فيقلنّ: أنت رأيته؟
فيقول: نعم.
فيستخفهن الفرح حتّى يخرجن إلى أسكفة الباب ويجيء ويدخل، فإذا سرر موضونة،
وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد
(١) سورة الحاقة: ٧.
(٢) سورة التوبة: ١١٢.
(٣) سورة التوبة: ١١٢.
(٤) سورة الكهف: ٢٢.
(٥) سورة التحريم: ٥.

٢٥٩
سورة الزمر، الآيات: ٦٥ - ٧٥
أُسس على جندل اللؤلؤ بين أخضر وأحمر وأبيض وأصفر من كل لون، ثم يتكيء على أريكة من
أرائكه، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له لألمّ أن يذهب بصره، أنه مثل البرق
فيقول: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كانا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾(١) قال: ﴿فيناديهم
الملائكة أن تلكم الجنّة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾(٢).
واختلف أهل العربية في جواب قوله تعالى: ﴿حتّى إذا جاؤوها﴾.
فقال بعضهم: جوابه: (فتحت) والواو فيه [مثبتة] مجازها حتّى إذا جاؤها فتحت أبوابها
كقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء﴾(٣) أي ضياء.
وقيل: جوابه: قوله تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها﴾ والواو فيه ملغاة تقديره: حتّى إذا جاؤها
وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها .
كقول الشاعر:
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن
إلاّ توهم حالم بخيالٍ (٤)
أراد فإذا ذلك لم يكن.
وقال بعضهم: جوابه مضمر ومعنى الكلام: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم
خزنتها : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، فدخلوها .
﴿وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ﴾ قال أبو عبيدة: جوابه محذوف مكفوف عن خبره، والعرب تفعل هذا
لدلالة الكلام عليه .
قال الأخطل في آخر قصيدة له:
خلا أن حياً من قريش تفضلوا
على الناس أو ان الأكارم نهشلاً(٥)
وقال عبد مناف بن ربيع في آخر قصيدة:
شلاء كما تطرد الجمالة الشردا(٦)
حتّى إذا أسلكوهم في قتائده
(١) سورة الأعراف: ٤٣ .
(٢) سورة الأعراف: ٤٣.
سورة الأنبياء: ٤٨ .
(٣)
جامع البيان للطبري: ٢٤ / ٤٦، وفي اللسان: ٢ / ٥٥١، نسبه إلى ابن مقبل، وفيه:
(٤)
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن
إلا كلمة حالم بخيال
(٥) تفسير الطبري: ٢٤ / ٤٧، وشرح الرضي على الكافية: ٤ / ٣٧٧.
(٦) المصدر السابق، ولسان العرب: ٣ / ٢٣٧.

٢٦٠
الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وقالوا الحمد لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأوْرَثَنَا الأرْضَ﴾ يعني أرض الجنّة، وهو قوله
تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحين﴾(١).
﴿فَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العَامِلِينَ﴾ ثواب المطيعين ﴿وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِينَ﴾
محدقين محيطين ﴿مِنْ حَوْلِ العَرْشِ﴾ ودخول (من) للتوكيد ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ﴾ متلذذين
بذلك لامتعبدين به، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ﴾ أي بين أهل الجنّة
والنار بالحق ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي الفقيه أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أبو الأزهر
أحمد بن الأزهر حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية قال: فتح أول الخلق
بالحمد وقال ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾(٢) وختم بالحمد فقال: ﴿وقضى
بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك حدثنا أبو
طلحة أحمد بن محمّد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان
عن عبادة بن ميسرة عن محمّد بن المنكدر عن ابن عمر أن النبيّ وَلّ قرأ على المنبر آخر سورة
الزمر فتحرك المنبر مرتين .
(١) سورة الأنبياء: ١٠٥ .
(٢) سورة الأنعام: ١.