Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الأحزاب، الآية: ٣٣ الحافظ البدخشاني: وآل العباء عبارة عن هؤلاء لأنّه صحّ عن عائشة وأُمّ سلمة وغيرهما بروايات كثيرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جلّل هؤلاء الأربعة بكساء كان عليه، ثمّ قال: ﴿إِنّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾. * وقال توفيق أبو علم: فالرأي عندي أنّ أهل البيت هم أهل الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين ومن خرج من سلالة الزهراء وأبي الحسنين رضي الله عنهم أجمعين (أهل البيت: ٩٢ ذيل الباب الأول، و: ٨ - المقدّمة). . وقال في موضع الردّ على عبد العزيز البخاري: أمّا قوله: إنّ آية التطهير المقصود منها الأزواج، فقد أوضحنا بما لا مزيد عليه أنّ المقصود من أهل البيت هم العترة الطاهرة لا الأزواج (أهل البيت: ٣٥ الباب الأول). * وقال: وأمّا ما يتمسك به الفريق الاعم والاكبر من المفسّرين فيتجلى فيما روي عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة)) (أهل البيت: ١٣ - الباب الأول). * وقال الشوكاني في إرشاد الفحول في الردّ على من قال أنّها مختصة بالنّساء: ويجاب عن هذا بأنّه قد ورد بالدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول: ٨٣ البحث الثامن من المقصد الثالث، وأهل البيت لتوفيق أبو علم: ٣٦ - الباب الأول). * وقال أحمد بن محمّد الشامي: وقد أجمعت أمّهات كتب السنّة وجميع كتب الشيعة على أنّ المراد بأهل البيت في آية التطهير النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ؛ لأنّهم الذين فسرّ بهم رسول اللهصلى الله عليه وسلمالمراد بأهل البيت في الآية، وكلّ قول يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد أو قريب مضروبٌ به عرض الحائط، وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلمأولى من تفسير غيره ؛ إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربّه (جناية الأكوع: ١٢٥ الفصل السادس). * وقال الشيخ الشبلنجي: هذا ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه صلى الله عليه وسلم حين أراد المباهلة، هو ووفد نجران كما ذكره المفسِّرون (نور الأبصار: ١٢٢ ط. الهند و٢٢٣ ط. قم، الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين). * وقال الشيخ السندي في كتابه (دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب): وهذا . التحقيق في تفسير (أهل البيت) يعيّن المراد منهم في آية التطهير ؛ مع نصوص كثيرة من الأحاديث الصحاح المنادية على أنّ المراد منهم الخمسة الطاهرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ؛ ولنا وريقات في تحقيق ذلك مجلّد في دفترنا يجب على طالب الحقّ الرجوع إليه (عنه ٤٢ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي عبقات الأنوار: ١ / ٣٥٠ ط. قم، و٩١١ ط. إصبهان. قسم حديث الثّقلين). * وقال الرفاعي: وقيل عليّ وفاطمة وابناهما، وهو المعتمد الذي عليه جمهور العلماء (المشرع الروي: ١ / ١٧). وقال الدكتور عبّاس العقاد: واختلف المفسرون فيمن هم أهل البيت : أمّا الفخر الرازي في تفسيره (٦ / ٧٨٣)، والزمخشري في كشافه، والقرطبي في تفسيره، وفتح القدير للشوكاني، والطبري في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور (٥ / ١٦٩)، وابن حجر العسقلاني في الاصابة (٤ / ٤٠٧)، والحاكم في المستدرك، والذّهبي في تلخيصه (٣ / ١٤٦)، والإمام أحمد في الجزء الثالث صفحة: ٢٥٩؛ فقد قالوا جميعاً: إنّ أهل البيت هم عليّ والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم. وأخذ بذكر الأدلة. (فاطمة الزهراء للعقاد: ٧٠ ط. مصر دار المعارف الطبعة الثالثة.). وقال آخرون: عنى به رسول الله صلّى الله عليه علياً وفاطمة والحسن والحسين ٠ وأخبرني عقيل بن محمّد الجرجاني عن المعافى بن زكريا البغدادي، عن محمّد بن جرير، حدّثني بن المثنى عن بكر بن يحيى بن ريان الغبري، عن مسدل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((نزلت هذه الآية فيَّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيراً﴾)) [١٢](١). وأخبرنا أبو عبدالله بن فنجويه قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن أبي عبدالله بن نمير، عن عبدالملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدّثني من سمع أُمّ سلمة تذكر أنّ النبيّ وَ ل* كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجكِ وابنَيْكِ، قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أُصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرَاً﴾ . قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير، إنَّكِ إلى خير. وأخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الثقفي، عن عمر بن الخطّاب، عن عبدالله بن الفضل، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، حدّثني ابن عمّ لي (١) مجمع الزوائد: ١٦٧/٩. ٤٣ سورة الأحزاب، الآية: ٣٣ من بني الحرث بن تيم الله يقال له: (مجمع)، قال: دخلت مع أُمّي على عائشة، فسألَتها أُمّي، فقالت: أرأيت خروجك يوم الجمل؟ قالت: إنّه كان قدراً من الله سبحانه، فسألتها عن علي، فقالت: تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله، لقد رأيت عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً جمع رسول الله صلّى الله عليه بثوب عليهم ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت: فقلت: يا رسول الله أنا مِن أهلك؟ قال: تنحّي فإنّكِ إلی خیر. وأخبرني الحسين بن محمّد عن أبي حبيش المقرئ قال: أخبرني أبو القاسم المقرئ قال: أخبرني أبو زرعة، حدّثني عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، أخبرني ابن أبي فديك حدّثني ابن أبي مليكة عن إسماعيل بن عبدالله بن جعفر الطيّار عن أبيه، قال: لمّا نظر رسول الله وَليه إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ مرّتين، فقالت زينب(١): أنا يارسول الله، فقال: أُدعي لي عليّاً وفاطمة والحسن والحسين. قال: فجعل حسناً عن يمناه وحسيناً عن يسراه وعليّاً وفاطمة وجاهه ثمّ غشاهم كساءً خيبريّاً. ثمّ قال: اللّهم لكلّ نبيّ أهل، وهؤلاء أهلي، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية. فقالت زينب: يا رسول الله ألا أدخل معكم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه: ((مكانكٍ فإنّكِ إلى خير إن شاء الله)) [١٣](٢). وأخبرني الحسين بن محمد عن عمر بن الخطّاب عن عبدالله بن الفضل قال: أخبرني أبو بكر بن أبي شيبة عن محمّد بن مصعب عن الأوزاعي، عن عبدالله بن أبي عمّار قال: دخلت على وائلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليّاً فشتموه فشتمته، فلمّا قاموا قال لي: أشتمت هذا الرجل؟ قلت: قد رأيت القوم قد شتموه فشتمته معهم. فقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه فجلست فجاء رسول الله وَل ومعه علي والحسن والحسين كلّ واحد منهما آخذ بيده حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفَّ عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرَاً﴾ ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ. (١) كما هو ملاحظ أن القائلة تارة أم سلمة وأُخرى زينب وفي بعض الروايات عائشة وقد فسّر ذلك العلماء - منهم ابن حجر والسمهوري - أن الآية نزلة عدة مرات في بيت فاطمة وأم سلمة وزينب وعائشة، وقد فصلت ذلك مع ما يتعلق بالآية في كتاب طهارة آل محمد واله. (٢) مسند أحمد: ٣٠٤/٦، سنن الترمذي: ٣٦١/٥. ٤٤ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي وقيل: هم بنو هاشم. أخبرني ابن فنجويه عن ابن حبيش المقرئ عن محمّد بن عمران قال: حدّثنا أبو كريب قال: أخبرني وكيع عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله وسلم: أُنشدكم الله في أهل بيتي مرّتين، قلنا لزيد بن أرقم ومَنْ أهل بيته؟ قال: الذين يحرمون الصدقة آل علي وآل عبّاس وآل عقيل وآل جعفر. وأخبرني أبو عبدالله، قال: أخبرني أبو سعيد أحمد بن علي بن عمر بن حبيش الرازي عن أحمد بن عبد الرحمن الشبلي أبو عبد الرحمن قال: أخبرني أبو كريب عن معاوية بن هشام عن يونس بن أبي إسحاق عن نفيع أبي داود عن أبي الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلّى الله عليه يجيء كلّ غداة فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول الصلاة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرَاً﴾ . وأخبرني أبو عبدالله، حدّثني عبدالله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمّد بن إبراهيم ابن زياد الرازي، عن الحرث بن عبدالله الخازن، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية ابن الربعي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَله: ((قسّم الله الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَصْحَابِ اليَمينِ مَا أَصْحَابُ اليَمين﴾(١) فأنا خير أصحاب الیمین)). ثمّ جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ* وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ* وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾(٢) فأنا من السابقين [وأنا من خير السابقين] ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبَاً وَقَبَائِلَ﴾(٣) الآية، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرَاً﴾ [١٤](٤). إِنَّ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَ فِى يُوتِكُنَّ مِنْ ءَبَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ أَطِفَا خَيْرًا الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَاَلْقَلِنَتِ وَالصَّدِفِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّنَّ وَالصَِّرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَنِ وَالْمُنَّصَدِّفِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ وَالضَّعِينَ وَالصَّنَِّمَاتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَاتِ وَالذَّكِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ (١) سورة الواقعة: ٢٧. (٢) مجمع الزوائد: ٢١٥/٨، كنز العمال: ٤٤/٢، الدر المنثور: ١٩٩/٥. (٣) سورة الواقعة: ٧ - ١٠. (٤) سورة الحجرات: ١٣ . ٤٥ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٤ - ٣٨ وَرَسُولُ: أَمْرَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيْرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَّلَّ ضَذَلًا مُّبِنَّا (﴿َ) وَإِذْ تَقُولُ اللَّهِىَّ أَنْعَمَّ أَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَتْكَ زَوْجَ عَلَيْكَ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُّبْدِيهِ وَغْنَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْتَنَّهُ فَلَمَّا فَضَى رَبٌِّ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ◌ِ أَزَّوَجِ أَدْعِيَّا بِهِمْ إِذَا فَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٦) مَّا كَنَّ عَلَى النَِّيِّ مِنْ حَرَجَ فِيمَا فَرَضَ اَللَّهُ لَهْ مُهُنَّةَ لَّهِ فِىِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَقْرُ الَّهِ فَدَرَّا مَّقْدُورًا ٣٨ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَالحِكْمَةِ﴾ السنّة، عن قتادة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية. وذلك أنّ أزواج النبي صلّى الله عليه قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنّا نخاف أن لا تقبل مِنّا طاعة، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال مقاتل: قالت أُمّ سلمة بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية للنبي صلّى الله عليه: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه؟ نخشى أنْ لا يكون فيهنّ خير ولا لله فيهنّ حاجة، فنزلت هذه الآية. روى عثمان بن حكم عن عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أُمّ سلمة زوج النبي (عليه السلام) تقول: قلت للنبي (عليه السلام): يا رسول الله ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؟ قلت: فلم يرعني ذات يوم ظهراً إلّ بدواة على المنبر وأنا أسرح رأسي فلفقت شعري ثمّ خرجت إلى حجرة من حجر بيتي فجعلت سمعي عند الجريدة، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيّها الناس إنَّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَأَجْرَاً عَظِيماً﴾ . وقال مقاتل بن حيان: بلغني أنّ أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء رسول الله صلّى الله عليه فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول الله صلّى الله عليه فقالت: يا رسول الله إنّ النساء لفي خيبة وخسار، قال رسول الله صلّى الله عليه: ومِمَّ ذلك؟ قالت: لأنّهنّ لا يُذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية. أخبرني ابن فنجويه عن ابن شبّه عن الفراتي(١) عن إبراهيم بن سعيد، عن عبيدالله عن شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأرقم، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة (١) هو أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي صاحب التفسير، الملقب بالبستاني. ٤٦ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه: مَن استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصلّيا جميعاً ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وأخبرنا عبدالله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان عن جيغويه بن محمد، عن صالح بن محمد عن سليمان بن عمرو، عن حنظلة التميمي، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس قال: جاء إسرافيل إلى النبيّ صلّى الله عليه فقال: قلْ يا محمّد: سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله عَدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم، من قالها كتبت له ستّ خصال، كتب من الذاكرين الله كثيراً، وكان أفضل ممّن ذكره الليل والنهار، وكان له غرس في الجنّة، وتحاتت عنه ذنوبه كما تتحات ورق الشجر اليابسة، ونظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه. وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً. قال عطاء بن أبي رباح: مَن فوّض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ومن أقرّ بأنّ الله ربّه، وأنَّ محمّداً رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ومن أطاع الله في الفرض والرسول في السنّة فهو داخل في قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ ومن صلّى فلم يعرف مَن عن يمينه ويساره فهو داخل في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعات﴾ ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزيّة فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ ومن تصدّق في كلّ اسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ ومن صام في كلّ شهر أيّام البيض، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ ومن حفظ فرجه عمّا لا يحلّ فهو داخل في قوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ ومن صلّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَذَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. نزلت في زينب بنت جحش بن رئاب ابن النعمان بن حبرة بن مرّة بن غنم بن دودان الأسدية، وأخيها عبدالله بن جحش، وكانت زينب بنت آمنة بنت عبد المطلب عمّة النبي وال*، فخطبها رسول الله وَّر على مولاه زيد بن حارثة، وكان رسول الله ◌َر اشترى زيداً في الجاهلية من عكاظ، وكان من سبي الجاهلية فأعتقه وتبنّاه، فكان زيد عربيّاً في الجاهلية مولى في الإسلام. فلمّا خطب رسول الله ◌َ ﴿ زينب رضيت، [ورأت] أنّه يخطبها على نفسه فلمّا علمت أنّه يخطبها على زيد أبت وأنكرت وقالت: أنا أتمّ نساء قريش وابنة عمّتك، فلم أكن لأفعل يا رسول الله ولا أرضاه لنفسي، وكذلك قال أخوها عبدالله، وكانت زينب بيضاء جميلة، وكانت فيها حدة فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة﴾ يعني عبدالله بن جحش وزينب أُخته ٤٧ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٤ - ٣٨ ﴿إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ﴾ قرأ أهل الكوفة وأيّوب بالياء واختاره أبو عبيد قال: للحائل بين التأنيث والفعل، وكذلك روى هشام عن أهل الشام وقرأ الباقون بالتاء(١). ﴿لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ أي الاختيار وقراءة العامّة (الخِيرَة) بكسر الخاء وفتح الياء، وقرأ ابن السميقع بسكون الياء وهما لغتان ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً﴾ فلمّا نزلت هذه الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد رسول الله وَليه، وكذلك أخوها فأنكحها رسول الله وَليل زيداً، فدخل بها، وساق إليها رسول الله وَ ل عشرة دنانير وستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وأزاراً وخمسين مُدّاً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في أُمّ كثلوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أوّل من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبيّ وَله، فقال: قد قبلتُ، فزوّجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنّما أردنا رسول الله صلّى الله عليه فزوّجنا عبده فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ الآية. وذلك أنَّ زينب مكثت عند زيد حيناً، ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه أتى زيداً ذات يوم الحاجة، فأبصرها قائمة في درع وخمار فأعجبته، وكأنّها وقعت في نفسه فقال: سبحان الله الله " باطل للأيه ومقتتك على وسـ هذا نفسي مقلِّب القلوب! وانصرف. فلمّا جاء زيدٌ، ذكرت ذلك له فقطن زيد، كرهت إليه في الوقت، فألقي في نفس زيد الصح للايه وهـ كراهتها، فأراد فراقها، فأتى رسول الله صلّى الله عليه فقال: إنّي أُريد أنْ أُفارق صاحبتي. قال: ما لكَ؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلاّ خيراً، ولكنّها تتعظّم عليَّ بشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي (عليه السلام) : أمسك عليك زوجك واتّقِ الله، ثمّ إنَّ زيداً طلّقها بعد ذلك، فلمّا انقضت عدّتُها، قال رسول الله صلّى الله عليه لزيد: ما انظر مفتسين ين كر تفسير باحل للأمع أجد أحداً أوثق في نفسي منك. أئت زينب فاخطبها عَليّ. قال زيد: فانطلقت، فإذا هى تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها، عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أنّ رسول الله وَّل ذكرها فولّيتها ظهري، وقلت: يا زينب أبشري فإنّ رسول الله يخطبك، ففرحت بذلك وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتّى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها وأُنزل القرآن ﴿زَوَّجْنَكهَا﴾ فتزوّجها رسول الله وَّ ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللّحم حتّى امتد النهار، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني زينب بنت جحش وكانت ابنة عمّة النبي صلّى الله عليه. (١) تفسير الطبري: ١٦/٢٢ مورد الآية. ـه ٢ ٤٨ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَاتَّقِ اللهَ﴾ فيها ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أنْ لو فارقها تزوّجتها . قال ابن عبّاس: حبّها. وقال قتادة: ودَّ أنّه لو طلّقها. ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ قال ابن عبّاس والحسن: تستحيهم، وقيل: وتخاف لائمة الناس أن يقولوا أمر رجلاً بطلاق امرأته ثمّ نكحها حين طلّقها. ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله صلّى الله عليه آية هي أشدّ عليه من هذه الآية. وأخبرني الحسين بن محمد الثقفي عن الفضل بن الفضل الكندي قال: أخبرني أبو العبّاس الفضل بن عقيل النيسابوري، عن محمد بن سليمان قال: أخبرني أبو معاوية عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لو كتم النبيّ وَّ شيئاً ممّا أُوحي إليه لكتم هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾. وقد روي عن زين العابدين في هذه الآية ما أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه عن طلحة بن محمد وعبدالله بن أحمد بن يعقوب قالا: قال أبو بكر بن مجاهد عن بن أبي مهران، حدّثني محمد بن يحيى أبي عمر العرني، عن سفيان بن عيينة قال: سمعناه من علي بن زيد بن جدعان يبديه ويعيده قال: سألني علي بن الحسين: ما يقول الحسن في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَاللَّهُ أَحَقُّ أنْ تَخْتُهُ﴾؟ فقلت يقول: لما جاء زيد إلى النبي و 18 فقال: يا نبي الله إنّي أُريد أن أُطلّق زينب، فأعجبه ذلك، قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾ قال علي بن الحسين: ليس كذلك، كان الله عزّ وجلّ قد أعلمه أنّها ستكون من أزواجه فإنّ زيداً سيطلّقها فلمّا جاء زيد قال: إنّي أُريد أن أطلقّ زينب، فقال: أمسك عليك زوجك واتّق الله. يقول: فلِمَ قلت: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوجَكَ، وقد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجكَ. وهذا التأويل مطابق للتلاوة وذلك أنّ الله عزّ وجلّ حكم واعلم ابداء ما أخفى، والله لا يخلف الميعاد، ثمّ لم نجده عزّ وجلّ أظهر من شأنه غير التزويج بقوله: ﴿زَوَّجْنَكَهَا﴾ . فلو كان أضمر رسول الله صلّى الله عليه محبّتها، أو أراد طلاقها، لكان لا يجوز على الله تعالى كتمانه مع وعده أنْ يظهره، فدلّ ذلك على أنّه (عليه السلام) إنّما عوتب على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه بأنّها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله سبحانه به حيث استحيى أن يقول لزيد: إنّ التي تحتك ستكون امرأتي والله أعلم. وهذا قولٌ حَسن مرضي قوي، وإن كان القول الآخر لا يقدح في حال النبيّ صلّى الله عليه، لإِنّ العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه لمأثم. قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته من نكاحها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكانت زينب تفخر على نساء النبي (عليه السلام) فتقول: أنا أكرمكنَّ وليّاً، وأكرمكنَّ سفيراً، زوجكن أقاربكن وزوّجني الله عزّ وجلّ. ٤٩ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ وأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العبّاس الدغولي قال: أخبرني أبو أحمد محمد ابن عبد الوهاب ومحمد بن عبيدالله بن قهراذ جميعاً، عن جعفر [بن محمّد] بن عون، عن المعلى بن عرفان عن محمّد بن عبدالله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، وقالت زينب: أنا التي نزل تزوّجي من السماء، فقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة، فقالت زينب: وما قلتِ حين ركبتها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل قالت: كلمة المؤمنين. وأنبأني عقيل بن محمد أنّ المعافى بن زكريا أخبره عن محمد بن جرير، عن ابن حَميد عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبيّ (عليه السلام): إنّي لأدلّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدلّ(١) بهن: جدّي وجدّك واحد، وإنّي أنكحنيك الله في السماء، وإنّ السفير لجبرائيل(٢). قوله: ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الذين تبنوه ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرأْ﴾ بالنكاح وطلقوهن أو ماتوا عنهن. قال الحسن: كانت العرب تظنّ أنّ حرمة المتبنى مشبكة كاشتباك الرحم، فميّز الله تعالى بين المتبنى وبين الرحم فأراهم أنّ حلائل الأدعياء غير محرّمة عليهم لذلك قال: ﴿وَحَلَائِل أَبْنَاتَكُم الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبَكُمْ﴾(٣) فقيَّد ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولا﴾ كائناً لا محالة، وقد قضى في زينب أنْ يتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه. قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فِيمَا فَرَضَ اللهُ﴾ أحل الله ﴿لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي كسنّةِ الله، نصب بنزع حرف الخافض، وقيل: فَعَلَ سُنَّةَ اللهِ، وقيل: على الإغراء، أي ابتغوا سنّة الله في الأنبياء الماضين، أي لا يؤاخذهم بما أحلّ لهم. وقال الكلبي ومقاتل: أراد داود (عليه السلام)، حين جمع الله بينه وبين المرأة التي هواها، فكذلك جمع بين محمد وزينب حين هواها، وقيل: الإشارة بالسنة إلى النكاح، وإنَّه من سنّة الأنبياء وقيل: إلى كثرة الأزواج مثل قصة داود وسليمان (عليهما السلام). ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ ماضياً كائناً. وقال ابن عبّاس: وكان من قدره أن تلد تلك المرأة التي ابتلى بها داود ابنا مثل سليمان وتهلك من بعده. الّذِينَ يَُلِّغُونَ رِسََتِ اللَّهِ وَيَخْتَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَعَى بَلَّهِ حَسِبًا (٢٠) مَّا كَانَ مُحُسَّدُ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّيْنُّ وَ كَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (٣٠) بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) دلّ يدل: تغنج وتلوي، جرأة مع تلطف. (٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٥٠٠ مورد الآية، وتفسير الطبري: ١٩/٢٢. (٣) سورة النساء: ٢٣. ٥٠ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي هُوَ الَّذِى يُصَلِ عَلَّكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ إِخْرِمَّكُ مِنَ أَذْكُرُواْ اللَّهُ أَذْكُرُواْ كَثِيرً (١٦) وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَهُ وَأَصِيلًا لَهُ اَلْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٦) تَُّهُمْ يَوْمَ يَلَقَوْنَهُ سَلَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِمَا () ◌َأَيُّهَا النَُّّ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٢٥) وَدَاعِيًّا إِلَى الَّهِ إِذْنِهِ، وَسِرَاجَاً مُّنِيرً (١٦) وَكَثِيرِ الْمُؤْمِنِينَّ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (١٦) وَلَا نُطِعِ الْكُفِرِينَ وَالْمَّفِفِينَ وَدَعْ أَذَنَهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٨َ بَتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَنَذُونَهَا فَمَنَّعُوهُنَّ وَمَرْهُوهُنَّ سَرَاحًا خَمِيلًا (٦٦) بَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنََّ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ أَلَِّىِّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِئُكَ مِنَّا يَمِنْكَ اللَّهُ عَلَيْذَكَ وَيَنَاتٍ عَيِّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبَاتٍ خَالِكَ وَاتِ خَلَ أَلَّتِى هَاجَرْنَ مَعَدَهَ، وَأْرَةٌ مُؤْمِنَةً إِنٍ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلشَّيِّ إِنْ أَرَادَ الشَّبِىُّ أَنَّ يَسْتَنْكِعَهَا خَلِصَةٌ لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ قَدْ عَلِّمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَُّهُمْ لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِمَا جَا ﴾ ◌ُبِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَثُوِىّ إِلَيْكَ مَنْ تَّشَاءُ وَمَنْ أَشَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَّ جُنَاحَ عَلَيَّْ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَغَرَّ أَعْيُمُهُنَّ وَلَا يَخْزَنَّ وَرْضَّيْنَ بِمَآ ءَانْتَهُنَّ كُلُهُنَّ وَالَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَحِكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِمًا ﴿بَ لَّا يَحِلُّ لَكَ اَلِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ ◌ِنَّ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلَّ مَا مَلَكَتْ يَعِينُكٌ وَكَانَ اللَّهُ عَ كُلْ شَىِّءٍ زَّقِبًا ﴿٨َ بَتَأَّا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَدْخُواْ بُيُوتَ النَّبيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَ لَّكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيُمْ فَأَدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَنِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى أَلْنَّبِىَّ فَيَسْتَغِ، مِنكُمٌّ وَّهُ لَا يَسْتَحِى، مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَعَا فَتْلُوهُنَّ مِن وَرَءِ حَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَّحِكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبْدًّا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِن تُبَّدُواْ شَيْئًا أَوْ تُمْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (®َجَ لَّا جُنَجَ عَيْهِنَّ فِىّ ءَايَامِنَّ وَلَ أَبْنَاءِهِنَّ وَلَ إِخْوَِنَّ وَاَ لَِّ إِخْوَبِنَّ وَلَا أَبَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَّ وَلَا مَا مَكَتْ أَيْعَنْهُنُّ وَنَّقِينَ الَهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ( قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ﴾ محلّ الذين خفض على النعت على الذين خلوا ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّ اللهَ﴾ لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحلّ الله لهم وفرض عليهم ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم عليها، ثمّ نزلت في قول الناس إنّ محمّداً تزوّج امرأة ابنه ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَائِكُمْ﴾ الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إيّاها، يعني زيداً، وإنّما كان أبا القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِّينَ﴾ أي آخرهم ختم الله به النبوّة فلا نبيّ بعده، ولو كان لمحمّد ابن لكان نبيّاً. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان، عن عبدالرحمن عن سفيان، عن ٥١ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، عن النبي ◌َّله قال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبيّ (١). واختلف القرّاء في قوله ﴿خَاتَمَ النَِّّينَ﴾ فقرأ الحسن وعاصم بفتح التاء على الاسم، أي آخر النَّبِين. كقوله: خاتمه مسك، أي آخره. وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، أي أنّه خاتم النبيّين بالنبوّة. ﴿وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللـهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ قال ابن عبّاس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلاّ جعل لها حدّاً معلوماً، ثمّ عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنّه لم يجعل له حدّاً يُنتهى إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلاّ مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلّها فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾(٢) وقال: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرَاً كَثِيراً﴾ بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والصحّة والسقم والسرّ والجهر وعلى كلّ حال. وقال مجاهد: الذكر الكثير أنْ لا تنساه أبداً . أخبرني ابن فنجويه عن ابن شبّه عن الفراتي(٣)، عن عمرو بن عثمان، عن أَبي، عن أبي لهيعة، عن دُراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وم سلم قال: أكثروا ذكر الله حتّى يقولوا مجنون ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ وصلّوا له ﴿بُكْرَةٌ﴾ يعني صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلًا﴾ يعني صلاة العصر عن قتادة. وقال ابن عبّاس: يعني صلاة العصر والعشاءين. وقال مجاهد: يعني قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فعبّر بالتسبيح عن أخواته، فهذه كلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث. قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بالرحمة. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلّي ربّنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه أنْ قُل لهم: إنّي أُصلّ، وإنّ صلاتي رحمتي، وقد وسعت رحمتي كلّ شيء. وقيل: (يصلّي) يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. وقال الأخفش: يبارك عليكم ﴿وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ بالاستغفار والدعاء ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ . (١) مسند الحميدي: ٢٥٤/١، السنن الكبرى للنسائي: ٤٨٩/٦ بتفاوت. (٢) سورة النساء: ١٠٣. (٣) صاحب التفسير أبو عمرو. ٥٢ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي قال أنس بن مالك: لمّا نزلت ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتِهِ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ الآية، قال أبو بكر: ما خصّك الله بشرف إلّ وقد أشركتنا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي يرون الله عزّ وجلّ ﴿سَلاَمٌ﴾ أي يسلّم عليهم ويسلّمهم من جميع الآفات والبليّات. أخبرني ابن فنجويه، عن ابن حيان، عن ابن مروان عن أبي، عن إبراهيم بن عيسى، عن علي بن علي، حدّثني أبو حمزة الثمالي في قوله عزّ وجلّ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلْمٌ﴾ قال: تسلّم عليهم الملائكة يوم القيامة وتبشِّرهم حين يخرجون من قبورهم. وقيل: هو عند الموت والكناية مردودة إلى مَلك الموت كناية عن غير مذكور. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين، عن عبدالله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن إسحاق بن محمد بن الفضل الزيّات، عن محمد بن سعيد بن غالب، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن عبدالله بن وافد أبو رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب في قوله عزّ وجلّ: ﴿َتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلْمٌ﴾ قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلاّ سلّمَ عليه. وأخبرني الحسين بن محمد عن ابن حبيش المقرئ، حدّثني عبد الملك بن أحمد بن إدريس القطان بالرقة، عن عمر بن مدرك القاص قال: أخبرني أبو الأخرص محمد بن حيان البغوي، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي الأخوص، عن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربّك يُقرئك السلام. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ وهو الجنّة. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ يستضيء به أهل الدين. قال جابر بن عبدالله: لمّا نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾(١) الآيات، قال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله هذه العارفة، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللهِ فَضْلا كَبِيراً * وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ اصبر عليهم ولا تكافئهم. نسختها آية القتال ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلا﴾. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا﴾ تحصونها عليهن بالأقراء والأشهر ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهن ما يستمتعن به. قال ابن عبّاس: هذا إذا لم يكن سمّى لها صداقاً، فإذا فرض لها صداقاً فلها نصفه، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَنِصِفِ ما فَرَضْتُم﴾(٢) وقيل: هو أمر ندب، (١) سورة الفتح: ١. (٢) سورة البقرة: ٢٣٧. ٥٣ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ فالمتعة مستحبّة ونصف المهر واجب ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ وخلّوا سبيلهن ﴿سَرَاحاً جَمِيلا﴾ بالمعروف، وفي الآية دليل على أنّ الطلاق قبل النكاح غير واقع خصَّ أو عمَّ خلافاً لأهل الكوفة. .أخبرني الحسين بن محمّد بن فنجويه، عن ابن شنبه، عن عبدالله بن أحمد بن منصور الكسائي، عن عبدالسلام بن عاصم الرازي، قال: أخبرني أبو زهير، عن الأحلج، عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت قاعداً عند علي بن الحسين، فجاءه رجل فقال: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانة بنت فلان فهي طالق. قال: اذهب فتزوّجها، فإِنّ الله عزّ وجلّ بدأ بالنكاح قبل الطلاق، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنْتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل إذا طلقتموهن ثمّ نكحتموهن ولم يرهُ شيئاً. والدليل عليه ما أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إبراهيم المنذر النيسابوري بمكّة، عن الربيع بن سليمان، عن أيّوب بن سويد، عن ابن أبي ذيب عن عطاء، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله ◌َ﴾: ((لا طلاق قبل نكاح)) [١٥](١). قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ مثل صفية وجويرية ومارية ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ من نساء عبد المطلب ﴿وَبَنَّاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَالاَتِكَ﴾ من نساء بني زهرة ﴿اللَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فمن لم تهاجر منهنّ فليس له نكاحها. وقرأ ابن مسعود: ﴿وَالَّلاتِي هَاجَرْنَ﴾، بواو. أنبأني عقيل بن محمد عن المعافى بن زكريا عن محمد بن جرير قال: أخبرني أبو كريب، عن عبدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أُمّ هاني قالت: خطبني رسول اللـه ◌َ﴿ل فاعتذرت إليه فعذرني ثمّ أنزل الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ... إلى قوله: ﴿الّتِي هَاجَرنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أحلّ له لأني لم أُهاجر، معه كنتُ من الطلقاء. ﴿وَامْرَأَةً مُؤمِنَةً﴾ أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ بغير مهر. وقرأ العامة إِن بكسر الألف على الجزاء والاستقبال، وقرأ الحسن بفتح الألف على المضي والوجوب، ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ فله ذلك ﴿خَالِصَةً﴾ خاصّةً لك، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فليس لامرأة أنْ تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا وليّ ولا مهر إلاّ النبيّ (عليه السلام)، وهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في النساء، وما روي أنّه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها ولو تزوّجها بلفظ الهبة لم ينعقد النكاح، هذا قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء ومالك والشافعي وربيعة وأبي عبيد وأكثر الفقهاء. وقال النخعي وأهل الكوفة: إذا وهبت نفسها منه وقبلها بشهود ومهر فإنَّ النكاح ينعقد (١) سنن ابن ماجه: ٦٦٠/١، مستدرك الحاكم: ٢٠٥/٢. ٥٤ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي والمهر يُلزَم به، فأجازوا النكاح بلفظ الهبة. وقالوا: كان اختصاص النبي (عليه السلام) في ترك المهر. والدليل على ما ذهب الشافعي إليه: إنّ الله تعالى سمّى النكاح باسمين التزويج والنكاح، فلا ينعقد بغيرهما . واختلف العلماء في التي وهبت نفسها لرسول الله، وهل كانت امرأة عند رسول الله صلّى الله عليه كذلك؟ فقال ابن عبّاس ومجاهد: لم يكن عند النبي صلّى الله عليه امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده (عليه السلام) امرأة إلاّ بعقد النكاح أو ملك اليمين، وإنّما قال الله تعالى ﴿إِنْ وَهَبَت﴾ على طريق الشرط والجزاء. وقال الآخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها. فقال قتادة: هي ميمونة بنت الحرث. قال الشعبي: زينب بنت خزيمة أُمّ المساكين امرأة من الأنصار. قال علي بن الحسين والضحّاك ومقاتل: أُمّ شريك بنت جابر من بني أسد. قال عروة بن الزبير: خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَصْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني أوجبنا على المؤمنين ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال مجاهد: يعني أربعاً لا يتجاوزونها . قتادة: هو أنْ لا نكاح إلاّ بوليّ وشاهدين ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني الولائد والإماء ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ في نكاحهن ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي تؤخّر ﴿وَتُؤْوِي﴾ وتضمّ ﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ واختلف المفسِّرون في معنى الآية، فقال أبو رزين وابن زيد: نزلت هذه الآية حين غارت بعض أُمّهات المؤمنين على النبيّ ◌َّ﴾ وطلب بعضهنّ زيادة النفقة، فهجرهنّ رسول الله صلّى الله عليه شهراً حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله عزّ وجلّ أنْ يخيّرهنّ بين الدنيا والآخرة، وأن يخلّي سبيلَ مَنْ اختارت الدُّنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أَنّهنّ أُمّهات المؤمنين ولا يُنكحن أبداً، وعلى أنّه يُؤوي إليه من يشاء ويرجي مِنهنّ من يشاء فيرضين به، قسم لهنّ أو لم يقسم، أو قسم لبعضهنّ ولم يقسم لبعضهنّ، أو فضّل بعضهنّ على بعض في النفقة والقسمة والعشرة أو ساوى بينهنّ، ويكون الأمر في ذلك كلّه إليه، يفعل ما يشاء، وهذا من خصائصه (عليه السلام). فرضين بذلك كلّه واخترنه على هذا الشرط، وكان رسول الله صلّى الله عليه مع ما جعل الله له من ذلك ساوى بينهنّ في القسم إلاّ امرأة منهنّ أراد طلاقها فرضيت بترك القسمة لها وجعل يومها لعائشة وهي سودة بنت زمعة. وروى منصور عن أبي رزين قال: لمّا نزلت آية التخيير أشفقن أنْ يطلّقن فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، فكان ممّن أُرجي منهن سودة وجويرية وصفيّة وميمونة وأُمّ حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممّن ٥٥ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ آوى إليه عائشة وحفصة وأُمّ سلمة وزينب رحمة الله عليهنّ، كان يقسم بينهن سواء لا يفضِّل بعضهنّ على بعض، فأرجأ خمساً وآوى أربعاً. وقال مجاهد: يعني تعزل مَنْ تشاء منهنّ بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهنّ بعد عزلك إيّاها بلا تجدید مهر وعقد. وقال ابن عبّاس: تطلّق من تشاء منهنّ وتمسك من تشاء. وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء امّتك. قال: وكان النبي (عليه السلام) إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوّجها رسول الله وَل أو يتركها. وقيل: وتقبل من تشاء من المؤمنات اللآّتي يهبن أنفسهن لك، فتؤويها إليك، وتترك من تشاء فلا تقبلها . روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها كانت تعيّر النساء اللآّتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلّى الله عليه وقالت: أما تستحي امرأة أن تهب أو تعرض نفسها على رجل بغير صداق، فنزلت هذه الآية، قالت عائشة: فقلت لرسول الله إنَّ ربَّك ليسارع لك في هواك. ﴿وَمَنْ ابْتَغَيْتَ﴾ أي طلبت وأردت إصابته ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فأصبتها وجامعتها بعد العزل ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فأباح الله تعالى له بذلك ترك القسم لهنّ حتّى إنَّه ليؤخّر من شاء منهنّ في وقت نوبتها، فلا يطأها ويطأ من شاء منهنّ في غير نوبتها، فله أن يردّ إلى فراشه من عزلها، فلا حرج عليه فيما فعل تفضيلاً له على سائر الرّجال وتخفيفاً عنه. وقال ابن عبّاس: يقول: إنَّ مَن فات من نسائك اللآتي عندك أجراً وخلّيت سبيلها، فقد أحللت لك، فلا يصلح لك أن تزداد على عدد نسائك اللآّتي عندك. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ﴾ أطيب لأنفسهنّ وأقلّ لحزنهنّ إذا علمن أنَّ ذلك من الله وبأمره، وأنَّ الرخصة جاءت من قِبَله ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ من التفضيل والايثار والتسوية ﴿كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً﴾ . قوله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ﴾ بالتاء أهل البصرة، وغيرهم بالياء ﴿النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد هؤلاء النساء التسع اللاّتي خيّرتهنّ فاخترنك لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، قصره عليهنّ، وهذا قول ابن عبّاس وقتادة. وقال عكرمة والضحاك: لا يحلّ لك من النساء إلاّ اللآّتي أحللناها لك وهو قوله: ﴿إِنّا أحللنا لك أزواجك ... ﴾(١) ثمّ قال: ﴿لا يحلّ لك النساء من بعد﴾ التي أحللنا لك بالصفة التي تقدّم ذكرها . (١) سورة الأحزاب: ٥٠. ٠٠ ٥٦ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي روى داود بن أبي هند عن محمّد بن أبي موسى عن زياد رجل من الأنصار قال: قلت. لأُبيّ بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صلّى الله عليه أكان يحلّ له أنْ يتزوّج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك وما يُحرّم ذلك عليه؟ قلت: قوله: ﴿لا يحلّ لك النساء من بعد﴾ فقال: إنّما أحلّ · الله له ضرباً من النساء فقال: ﴿يا أيّها النبي إنّا أحللنا لك أزواجك ... ﴾ ثمّ قال: ﴿لا يحلّ لك النساء من بعد﴾ . وقال أبو صالح: أُمر أنْ لا يتزوّج أعرابية ولا عربية ويتزوّج بعد من نساء قومه من بنات العمّ والعمّة والخال والخالة إنْ شاء ثلاثمائة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: معناه لا يحلّ لك النساء من غير المسلمات فأمّا اليهوديّات والنصرانيّات والمشركات فحرامٌ عليك، ولا ينبغي أنْ يكنَّ من أُمّهات المؤمنين. وقال أبو رزين: ﴿لا يحلّ لك النساء من بعد﴾ يعني الإماء بالنكاح. ﴿وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج﴾ قال مجاهد وأبو رزين: يعني ولا أنْ تبدّل بالمسلمات غيرهنّ من اليهود والنصارى والمشركين ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من السبايا والإماء الكوافر. وقال الضحّاك: يعني ولا تبدّل بأزواجك اللآّتي هنّ في حبالك أزواجاً غيرهنّ، بأن تطلّقهنّ وتنكح غيرهن، فحرّم على رسول الله وَِّ طلاق النساء اللّواتي كنّ عنده، إذ جعلهنّ أُمّهات المؤمنين، وحرّمهن على غيره حين اخترنه، فأمّا نكاح غيرهنّ فلم يُمنع منه، بل أُحلّ له ذلك إنْ شاء. يدلّ عليه ما أخبرناه عبدالله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى قال: أخبرني أبو عاصم عن جريح عن عطاء عن عائشة قالت: ما مات رسول الله وَل﴾ حتى أحلَّ له النساء. وقال ابن زيد: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأة ذاك فقال الله: ﴿وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجِ﴾ يعني تُبادل بأزواجك غيرك أزواجه، بأنْ تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلاّ ما ملكت يمينك لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت فأمّا الحرائر فلا . أخبرنا أبو محمد عبدالله بن حامد الاصفهاني، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة، عن الحماني، عن عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأُبادلك بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج ... ﴾ قال: فدخل عيينة بن حصين على النبي صلّى الله عليه وعنده عائشة فدخل بغير إذن، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه: ((يا عيينة فأين الاستئذان؟)) قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثمّ قال: مَنْ ٥٧ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله صل﴾: ((هذه عائشة أُمّ المؤمنين)). قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، قال رسول الله صلّى الله عليه: ((إنَّ الله عزّ وجلّ قد حرّم ذلك))، فلمّا خرج، قالت عائشة: مَنْ هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذا أحمق مطاع وإنّهُ على ما ترين لسيّد قومه)) [١٦]. قال ابن عبّاس في قوله: ﴿ولو أعجبك حسنهنّ﴾ يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، وفيه دليل على جواز النظر إلى من يريد أن يتزوّج بها، وقد جاءت الأخبار بإجازة ذلك. وأخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمد بن جعفر المطيري، عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان عن عاصم الأحول، عن بكير بن عبدالله المزني أنَّ المغيرة بن شعبة أراد أنْ يتزوّج بامرأة، فقال النبيّ (عليه السلام): ((فانظر إليها فإنّه أجدر أن يودم بينكما» [١٧](١). وأخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن علي بن حرب قال: أخبرني أبو معاوية، عن الحجّاج بن أرطأة، عن سهل بن محمد بن أبي خيثمة، عن عمّه سليمان بن أبي خيثمة قال: رأيت محمد بن سلمة يطارد نبيتة بنت الضحّاك على إجار من أياجير المدينة قلت: أتفعل هذا؟ قال: نعم، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: ((إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أنْ ينظر إليها)) [١٨]. وأخبرنا عبدالله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى، عن الحميدي عن سفيان، عن يزيد ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنّ رجلاً أراد أن يتزوّج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلّى الله عليه: ((أُنظر إليها فإنَّ في أعين نساء الأنصار شيئاً)) [١٩](٢). قال الحميدي: يعني الصّغَر. ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ حفيظاً. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... ﴾ قال أكثر المفسِّرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب. قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بآية الحجاب، ولقد سألني عنها أُبيّ بن كعب لمّا بنى رسول الله صلّى الله عليه بزينب بنت جحش أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أُمّي أُمّ سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني النبي وَّرِ أنْ أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم فجعل القوم يجيئون ويأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء القوم فيأكلون ويخرجون . (١) سنن الدارمي: ٢ / ١٣٤. (٢) سنن النسائي: ٧٧/٦، مسند أحمد: ١٢٨٦/٢. ٥٨ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي فقلت: يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، فقال: ارفعوا طعامكم فرفعوا وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث، فقام رسول الله وَّ وقمت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صلّى الله عليه منطلقاً نحو حجرة عائشة فقال: ((السلام عليكم أهل البيت)) [٢٠]، فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ ثمّ رجع فأتى حجر نسائه فسلّم عليهنّ، فدعون له ربّه، ورجع إلى بيت زينب، فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون في البيت، وكان النبيّ (عليه السلام) شديد الحياء، فرجع رسول الله وَلّل، فلمّا رأوا النبي وَله ولّى عن بيته خرجوا، فرجع رسول الله (عليه السلام) إلى بيته وضرب بيني وبينه ستراً، ونزلت هذه الآية. وقال قتادة ومقاتل: كان هذا في بيت أُمّ سلمة، دخلت عليه جماعة في بيتها فأكلوا، ثمّ أطالوا الحديث، فتأذى بهم رسول الله وسلم فاستحيى منهم أن يأمرهم بالخروج، والله لا يستحيي من الحقّ، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلاّ أنْ تُدعوا ﴿إِلَى طَعَام﴾ فيؤذن لكم فتأكلوه ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ منظرين ﴿إِنَّاهُ﴾ إدراكه ووقت نضجه، وفيه لغتان أنىَّ وإنىّ بكسر الألف وفتحها، مثل أَلّى وإِلى ومَعاً ومِعاً، والجمع إناء، مثل آلاء وامعاء، والفعل منه أنى يأنى إنىّ بكسر الألف مقصور، وآناء بفتح الألف ممدود. قال الحطيئة : أو الشعرى فطال بي الأنا (١) وأنيت العشا إلى سهيل وقال الشيباني : أَنى ولكل حاملة تمام(٢) تمخضت المنون له بيوم وفيه لغة أُخرى: آن يأين أيناً. قال ابن عبّاس: نزلت في ناس من المؤمنين كان يتحيّنون طعام رسول الله صلّى الله عليه، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله وسل﴿ يتأذّى بهم، فنزلت هذه الآية. و ﴿غير﴾ نصب على الحال ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ أكلتم الطعام ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ فتفرّقوا واخرجوا من منزله ﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث﴾ طالبين الأنس بحديث، ومحله خفض مردود على قوله: ﴿غير ناظرين﴾ ولا غير ﴿مستأنسين لحديث﴾ ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْىٍ مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْىٍ مِنْ الْحَقِّ﴾ أي لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقّ ولا يمنعه ذلك منه. حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب لفظاً قال: أخبرني أبو موسى عمران بن (١) كتاب العين: ٤٠٢/٨، والصحاح: ٢٢٧٣/٦. (٢) إصلاح المنطق: ١٣٣، الصحاح: ١١٠٥/٣. ٥٩ سورة الأحزاب، الآيات: ٣٩ - ٥٥ موسى بن الحصين قال: أخبرني أبو عوانة يعقوب بن إسحاق قال: أخبرني أبو عمرو عثمان بن خرزاد(١) الأنطاكي، عن عمرو بن مرزوق، عن جويرية بن أسماء قال: قرئ بين يدي إسماعيل ابن أبي حكيم هذه الآية فقال: هذا [أدب] أدّبَ الله به الثقلاء(٢) . وسمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت محمد بن عبدالله بن محمد يقول: سمعت الغلابي يقول: سمعت ابن عائشة يقول: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: ﴿فإذا طعمتم فانتشروا﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمّد بن يعقوب، عن محمد بن سنان الفزار، عن سهيل بن حاتم، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وكان يمرّ على نسائه، فأتى امرأة عرس بها حديثاً فإذا عندهم قوم، فانطلق النبي صلّى الله عليه أيضاً فاحتبس فقضى حاجته، ثمّ جاء وقد ذهبوا، فدخل وأرخى بينه وبيني ستراً قال: فحدّثت أبا طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلنّ شيء في هذا، فنزلت آية الحجاب. وأنبأني عبدالله بن حامد الوزان أنّ الحسين بن يعقوب حدّثه عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب عن حميد عن أنس قال: قال عمر: يا رسول الله، تدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أُمّهات المؤمنين بالحجاب. فنزلت آية الحجاب. وأخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد الشرقي، عن محمد بن يحيى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبي، عن صالح بن شهاب، عن عروة بن الزبير: أنّ عائشة قالت: كان عمر بن الخطّاب يقول لرسول الله صلّى الله عليه: احجب نساءك، فلم يفعل، وكان أزواج النبي ◌َّه يخرجن ليلاً إلى ليل قبل المناصع وهو صعيد أقبح، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال: قد عرفتكِ يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب. وأخبرنا عبدالله بن حامد إجازة، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن علي بن عفان قال: أخبرني أبو أسامة، عن مخالد بن سعيد، عن عامر قال: مرَّ عمر على نساء النبي صلّى الله عليه وهو مع النساء في المسجد فقال لهنّ: احتجبن، فإنَّ لكنَّ على النساء فضلاً، كما انّ لزوجكنَّ على الرجال الفضل، فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى أنزل الله آية الحجاب. وروى عطاء بن أبي السائب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: أمر عمر بن الخطاب نساء (١) هكذا في الأصل ولعلّه: الوزان. (٢) تفسير القرطبي: ٢٢٤/١٤. ٦٠ الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي النبي ◌ّ بالحجاب فقالت زينب: يابن الخطّاب إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ . وقيل في سبب نزول الحجاب ما أخبرنا أحمد بن محمد أنّ المعافى حدّثه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن هشام، عن ليث، عن مجاهد: أنّ رسول اللّهِ وَهل كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم، فكره النبي ذلك، فنزلت آية الحجاب . أخبرنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن علي المزكى قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرخسي، عن شيبان بن فروخ الابلي، عن جرير بن حازم، عن ثابت البنائي، عن أنس بن مالك قال: كنت أدخل على رسول الله صلّى الله عليه بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل فقال: مكانك يا بني، قد حدث بعدك أنْ لا يدخل علينا إلاّ بإذن. قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ يعني وما ينبغي وما يصلح لكم ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ نزلت في رجل من أصحاب النبي ◌َّ قال: لئن قبض رسول الله صلّى الله عليه لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر. أنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن داود عن عامر أنّ النبي صلّى الله عليه مات وقد ملك قتيلة بنت الأشعث بن قيس ولم يجامعها، فتزوّجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشقّ على أبي بكر مشقّة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنّها ليست من نسائه، إنّها لم يخيّرها رسول الله صلّى الله عليه ولم يحجبها، وقد برّأها منه بالردّة التي ارتدّت مع قومها قال: فاطمأنَّ أبو بكر وسكن. وروى معمر عن الزهري: أنَّ العالية بنت طيبان التي طلّقها النبيّ صلّى الله عليه تزوّجت رجلاً وولدت له، وذلك قبل أن يحرّم على الناس أزواج النبي (عليه السلام) . ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ... ﴾. قال ابن عبّاس: لمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله وكل ونحن أيضاً نكلّمهنّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ... ﴾. ﴿وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ في ترك الاحتجاب من هؤلاء وأن يروهن. وقال مجاهد: لا جناح عليهن في وضع جلا بيبهن عندهم. ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ .