Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة القصص، الآيات: ١٥ - ٢٢
سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني
لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك.
وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، ﴿فوكزه موسى﴾ بجمع
كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد
الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، ﴿فقضى عليه﴾ أي قتله
وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر:
أيقايسون(١) وقد رأوا حفائهم قد عضّه فقضى عليه الأشجع(٢)
أي قتله.
فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه]في الرمل] ﴿قال هذا من
عمل الشيطان إنّه عدوّ مضل مبين * وقال ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور
الرحيم * قال ربّ بما أنعمت عليّ﴾ بالمغفرة فلم تعاقبني ﴿فلن أكون ظهيراً﴾ عوناً ونصيراً
﴿للمجرمين﴾ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة،
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال:
أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض
الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال:
اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا ]ترزأ]شيئاً، فقال: لا
أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.
وبه عن عبد(٣) الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت
لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه
كان ذلك غنىً وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن
عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين،
فلا یعینهم فإن الله تعالی سیغنیه.
﴿فأصبح في المدينة خائفاً﴾ من قتله القبطي أن يؤخذ فيُقتل به، ﴿يترقّب﴾ ينتظر الأخبار،
﴿فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه﴾ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني
فلان: يا صاحباً .
(١) في نسخة أصفهان: أيناشون.
(٢) لسان العرب: ٢ / ١٣٨.
(٣) في نسخة أصفهان: عبد الحميد.

٢٤٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا
ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة
ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك
الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف
موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إنّك لغويّ
مبين﴾ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه.
وقيل: إنّما قال للفرعوني: ﴿إنّك لغوي مبين﴾ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب
وأليق بنظم الآية.
قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى
موسى بعدما قال له: ﴿إنّك لغوي مبين﴾ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعدما
قال له: إنك لغوي مبين أراده]، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن
تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلّ أن تكون جباراً في الأرض﴾ بالقتل ظلماً، قال عكرمة
والشعبي: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين بغير حق .
﴿وما تريد أن تكون من المصلحين﴾ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم
أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم
يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال.
قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل
من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقاً قريباً ]وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى
أخذ طريقاً آخر فذلك قوله: ﴿وجاء رجل﴾ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن
صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل:
شمعان(١) .
﴿من أقصا المدينة يسعى﴾ قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه،
﴿قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر
بعضهم بعضاً نظيره قوله عز وجل: ﴿وأتمروا بينكم بمعروف﴾، وقال النمر بن تغلب:
أرى الناس قد أحدثوا سمة
وفي كلّ حادثة يؤتمر
﴿فاخرج﴾ من هذه المدينة ﴿إني لك من الناصحين فخرج﴾ موسى ﴿منها﴾ أي من مدينة
فرعون ﴿خائفاً يترقّب﴾ ينتظر الطلب ﴿قال ربّ نجّني من القوم الظالمين ولمّا توجّه تلقاء مدين﴾
(١) في نسخة أصفهان: سمعان.

٢٤٣
سورة القصص، الآيات: ٢٣ - ٢٨
أي نحوها وقصدها ماضياً لها، خارجاً عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت
محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر:
(١)
والعصم من شغف العقول القادر
رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا
وهو مدين بن إبراهيم نُسبتْ البلدة إليه(٢) كما نُسبتْ مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم
﴿قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل﴾ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن
يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين.
قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين
وبينهما مسيرة ثماني ليال نحواً من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّ ورق الشجر، قال
ابن جبير: خرج من مصر حافياً، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.
وَلَمَّا وَرَدَّ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ نَذُوَانِ
قَالَ مَّا خَطِبْكُمَا قَالَا لَّا نَسْفِى حَتّ يُصْدِرَ اْلْزِعَلَةُ وَأَبُوَنَا شَيْخُ كَبِيرٌ (٣) فَسَقَّى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَى إِلَى
الظِّلْ فَقَالَ رَبِّ إِنِّ لِمَّا أَْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَغِيرٌ (٧٨) فَهُ إِحْدَمَهُمَا تَمْنِى عَلَى أَسْتِحْيَاءِ قَالَتْ
إِنَ أَبِ يَدْعُوَكَ لِجْرَكَ أَخْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَّأَ فَلَمَّا جَآَهُ وَقَصََّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَحَفْ نَّهَوْتَ
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٣٥) قَالَتْ إِحْدَبُهُمَا يَأَبَتِ أُسْتَعْجِرَةٌ إِنَ خَرَّ مَنِ أُسْتَتْحَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هُنتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْخُرَبِ نَعَنِىَّ حِجَجْ فَإِنْ أَتْعَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ
عِنْدِكٌ وَمَا أُرِيِّدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَبِّدُفِتْ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِيَنَّ ◌َ فَلَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ
أَنَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَّنَ عَلَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَحِيْلٌ
﴿ولما ورد ماء مدين﴾ وهو بئر كانت لهم ﴿وجد عليه أمّة من الناس يسقون﴾ مواشيهم
﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال
الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصاراً، قتادة:
[تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه
مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان(٣) غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب
لما بعده، وهو قوله: ﴿قال﴾ يعني موسى ﴿ما خطبكما﴾ ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع
الناس؟
﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر﴾ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر
(١) تاج العروس: ١ / ٢٨١.
(٢) في المخطوط: نسب البلدة إليها .
(٣) في نسخة أصفهان: تسقيان.

٢٤٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء،
وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع
مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حتى يصدر ﴿الرعاء﴾ لأنّا لا نطيق أن نسقي،
ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.
﴿وأبونا شيخ كبير﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد
والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى اللّه عليه وعلى جميع الانبياء واسمه شعيب
بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن
أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم.
وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى
صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على
رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلاّ جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل:
إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه:
﴿فسقى لهما ثم تولّى إلى الظل﴾ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله
قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى
فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعاً، فأخذها فعالجها(١) ساعة فلم (٢)
يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم أنصرفت.
﴿فقال ربّ إنّي لما أنزلت إليّ﴾ قال قطرب: اللام ههنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت
له، واحتجت إليه بمعنى واحد، ﴿من خير﴾ أي طعام ﴿فقير﴾ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال
ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلاّ أكله. قال الباقر: لقد
قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة.
قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بطان، قال لهما: ما
أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحاً رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس]، فقال لإحداهما:
اذهبي فادعيه لي.
﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ قال عمر بن الخطاب (رضي خله): مستترة بكم درعها
لوف(٣) قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله
شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد ..
(١) في نسخة أصفهان: يعالجها.
(٢) في نسخة أصفهان: ثم لقطها .
(٣) كذا في الأصل.

٢٤٥
سورة القصص، الآيات: ٢٣ - ٢٨
﴿قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت
الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي،
وانعتي لي الطريق، ودليّني عليها إن أخطأت، فإنّ بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء ﴿فلما
جاءه﴾ يعني الشيخ ﴿وقصّ عليه القصص﴾ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه ﴿قال لا
تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا.
﴿قالت إحداهما﴾ وهي التي تزوجها موسى ﴿يا أبتِ استئجره﴾ لرعي أغنامنا ﴿إنّ خير مَنِ
استأجرت القويّ الأمين﴾، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما
رآنا حابسي(١) أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا
يرفعها إلاّ أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها.
وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى
أنهج نهجها (٢).
﴿قال﴾ عند ذلك الشيخ لموسى ﴿إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ واسمهما
صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة
وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا ﴿على أن تأجرني﴾ يعني آجرني، وقالت
الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ (٣) ماشيتي ﴿ثماني حِجَج﴾ سنين واحدتها حجة، جعل
صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك ﴿فإن أتممت عشراً﴾ أي
عشر سنين ﴿فمن عندك﴾ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح ﴿وما
أريد أن أشق عليك﴾ .
﴿ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة ﴿قال ذلك
بيني وبينك أيّما الأجلين قضيتُ﴾ الثمان أو العشر ﴿فلا عدوان عليَّ والله على ما نقول وكيل﴾
شهيد وحفيظ .
وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا
العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال
تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه
حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى
شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى.
(١) في نسخة أصفهان: حابسين.
(٢) في نسخة أصفهان: نهجاً.
(٣) في نسخة أصفهان: عن.

٢٤٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك فى صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه
بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا
رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلاّ هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك
مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى
موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما
حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال:
ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها،
فتركها له الشيخ.
وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت
لا يدخله إلاّ يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة
عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولداً من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت
وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى
منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي
وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسُرَّ بها يثرون وقال
لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأناً.
وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال
له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على
يمينك وإنْ كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنيناً عظيماً أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب
موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن
يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشباً وريفاً لم ير مثله، ولم ير
التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته
وعادت إلى جنب موسى وهي دامية.
فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في
تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريراً فمس الأغنام، فإذا هي أمثل
حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه
شأناً، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراماً له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد
وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى
موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام.
قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلاّ وقد

٢٤٧
سورة القصص، الآيات: ٢٩ - ٣٥
وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى
له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.
فَلَنَا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَّ وَسَارَ بِأَهْلِهِ وَسَ مِنْ حَاِبِ الُْورِ ثَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوَاْ إِنّ
◌َانَسْتُ نَّارًا لَعَلَّ مَتْكُمْ مِّنْهَا مِخَيَرٍ أَوْ حَذْوَدٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَنَّنَهَا نُودِىَ
مِنْ شَخْطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِ الْفُّعَةِ الْمُتَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوْ أَنْ يَمُوسَىَّ إِّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَمَّا رَءَاهَا نُهَُّّ كَأَنَّهَا جَنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَحَفَّ إِنَّكَ مِنَ
(١- أَسْلُكْ يَدَ فِى حَبِّكَ تَخْرُجْ بَضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّقْبِّ
الْأَمنِينَ
فَذَلِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّيْكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَا فَسِفِينَ (٣٦) قَالَ رَبِّ إِّ فَقَلْتُ
مِنَّهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَفْتُلُونِ (٢٣) وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ بِّ ◌ِكَانَا فَأَرْسِلَهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّفُِّىّ إِنَّ
أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ (٣٠) قَالَ سَنَنْدُ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَاْ بِتَابِّنَّاً
٣٥
أَنْتُمَا وَمَنْ أَتَّعَكُمَا الْغَدَلِبُونَ
﴿فلمّا قضى موسى الأجل﴾ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون
قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا
موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس:
سئل رسول الله وس﴿ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أبعدهما وأطيبهما)) [١٢٧](١).
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن
عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير
قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث(٢) بن زيد، عن علي بن رباح(٣)، عن عتبة بن التيب - وكان
من أصحاب النبي 9ّ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك - قال: سئل رسول الله وَليل أي
الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أبرهما وأوفاهما)) [١٢٨](٤).
وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي
بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت:
لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب - يعني ابن عباس - فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة
سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال
(١) الدر المنثور: ٥ / ١٢٧.
(٢) في نسخة أصفهان: الحرث.
(٣) في نسخة أصفهان: رياح.
(٤) الدر المنثور: ٥ / ١٢٧.

٢٤٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله
العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: ((تزوج صغراهما
وقضى أوفاهما)) [١٢٩](١) فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه.
وقال مجاهد: لما قضى موسى الأجل ومكث بعد ذلك عند صهره عشراً أخرى، فأقام
عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله
وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا
يدري أليلا تضع أم نهاراً، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور
الغربي الأيمن في ليلة مظلمة(٢) شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زنداً فلم تور [المقدحة
شيئاً](٣)، فانس من جانب الطور ناراً ﴿قال لأهله امكثوا إنّي آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو
جذوة﴾ قطعة وشعلة ﴿من النار﴾ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها
وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد
احترق بعضه، وجمعها جُذيّ، قال ابن مقبل:
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها
جزل الجُذي غير خوار ولا دعر (٤)
﴿لعلكم تصطلون﴾ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ﴾
جانب ﴿الواد الأيمن﴾ عن يمين موسى ﴿في البقعة المباركة﴾ وقرأ أشهب العقيلي ﴿في البقعة)
بفتح الباء ﴿من الشجرة﴾ أي من ناحية الشجرة ﴿أن يا موسي إنّي أنا الله ربّ العالمين﴾ قال
عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّق.
﴿وأن ألقِ عصاك فلما رآها تهتز﴾ تتحرك ﴿كأنّها جانٌ﴾ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة
حركته ﴿ولّى مدبراً﴾ هارباً منها ﴿ولم يعقّب﴾ ولم يرجع، فنودي ﴿يا موسى أقبل ولا تخف إنّك
من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ فخرجت كأنّها مصباح ﴿واضمم
إليك جناحك من الرهب﴾ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء)، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ
(الراء) وجزم (الهاء)، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء)، دليلهم قوله سبحانه: ﴿ويدعوننا رغباً
ورهباً﴾(٥) وكلّها لغات بمعنى الخوف والفَرَق.
(١) فتح القدير: ٤ / ١٧١، وتفسير الطبري: ٢٠ / ٨٥، وتفسير سفيان الثوري: ٢٣٣.
(٢)
في نسخة أصفهان: باردة.
(٣) تفسير القرطبي: ١١ / ١٧١.
(٤) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٨١، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم
یستوقد ودخّن.
(٥) سورة الأنبياء: ٦٠.

٢٤٩
سورة القصص، الآيات: ٢٩ - ٣٥
ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى(١) من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها
الأولى، وقال بعضهم: أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما
ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّنْ روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن
الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه ﴿واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة﴾(٢) يريد الرفق، وقوله سبحانه: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من
المؤمنين﴾(٣) أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه.
وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكُم بلغة حمير وبني حنيفة، وحُكي عن الأصمعي أنّه
سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكُم،
ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكُم؛ لأنّه تناول العصا ويده في كُمّه.
﴿فذانك﴾ قراءة العامة بتخفيف (النون)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي
لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضاً من (الألف) الساقطة ولم يلتفت
إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله ﴿فذانك﴾ فحذفت الألف الأُولى لالتقاء الساكنين.
وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شُدّدت فرقاً بينها وبين التي
تسقط للإضافة؛ لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو
عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك
لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل.
ومعنى الآية ﴿فذانك﴾ يعني العصا واليد البيضاء ﴿برهانان من ربّك إلى فرعون وملائه
إنّهم كانوا قوماً فاسقين * قال ربّ إنّي قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو
أفصح مني لساناً﴾ وأحسن(٤) بياناً، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه ﴿فأرسله معي
ردءاً﴾ معيناً، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلباً للخفّة
﴿يصدّقني﴾ قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى
جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءاً مصدقاً حاله التصديق كقوله سبحانه: ﴿ربّنا
أنزل علينا مائدة من السماء تكون﴾ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال.
﴿إنّي أخاف أن يكذّبون * قال سنشد عضدك﴾ أن نقويك ونعينك ﴿بأخيك﴾ وكان هارون
يومئذ بمصر ﴿ونجعل لكما سلطاناً﴾ قوة وحجة وبرهاناً ﴿فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن
اتبعكما الغالبون﴾
(١) في نسخة أصفهان: دنا .
(٣) سورة الشعراء: ٢١٥.
(٤) في نسخة أصفهان: أفصح.
(٢) سورة الاسراء: ٢٤.

٢٥٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
فَلَمَّا جَاءَّهُم مُّومَنْ بِثَابَيْنَا بَيْنَتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ سِخْرٌ مُّعَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَإِبَابِنَا
اُلْأَوَّلِينَ ﴿٢َ وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ، وَمَن تَكُونُ لَمُ عَنْقِيَهُ النَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اَلظَّالِمُونَ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْعَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَّهِ غَيْرِى فَأَوْفِذْ لِ يَهَمَنُ عَلَى أَلْظِينِ
فَأَجْعَل لِ صَرّحًا لَعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِنَ ﴿٢) وَأَسْتَكْبَرُ هُوَ وَحُنُودُهُ فِى
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَطَنُواْ أَنَّهُمْ إِلَيْمَا لَا يُرْحَّعُونَ ﴿٦) فَأَخَذْنَهُ وَحُنُودَةٍ فَنَبَذْتَهُمْ فِى الْبَنِ فَأَنْتُكِرْ
كَيْفَ كَانَ عَفِيَةُ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّهُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ الْغِيََذِ لَا يُصَرُونَ
(١) وَأَقْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنَّا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَئِمَةِ هُم مِّنَ اَلْمَغْبُوحِينَ (٤٦) وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكَنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَرَحْمَةُ لَعَلَّهُمْ بَذْكُرُونَ (َ
﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بيّنات قالوا ما هذا إلّ سحرٌ مفترىٍّ وما سمعنا بهذا﴾ الذي
تدعونا إليه ﴿في آبائنا الأوّلين * وقال موسى﴾ قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو،
وكذلك هو في مصاحفهم ﴿ربّي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده﴾ بالمحق من المبطل(١) ﴿ومن
تكون له﴾ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. ﴿عاقبة الدار﴾ أي العقبى المحمودة في
الدار الآخرة ﴿إنّه لا يفلح الظالمون﴾ لا ينجح الكافرون.
﴿وقال فرعون يا أيّها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين﴾
فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به.
قال أهل التفسير (٢): لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال
والفعلة(٣) حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأُجَراء ومن يطبخ الآجر والجص،
وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان
أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه
ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دماً.
فقال: قد قتلتُ إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه
جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها
على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب،
ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلاّ هلك، فذلك قوله تعالى: ﴿فأوقد لي يا هامان على
الطين﴾، ﴿فاجعل لي صرحاً﴾ قصراً ﴿لعلي أطلع إلى إله موسى﴾ أنظر إليه وأقف على حاله.
(١) في المخطوط: الباطل.
(٢) في نسخة أصفهان: السير.
(٣) في نسخة أصفهان: العمله.

٢٥١
سورة القصص، الآيات: ٤٤ - ٥٠
﴿وإنّي لأظنّه﴾ يعني موسى ﴿من الكاذبين) في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله
﴿واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظّوا أنّهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده
فنبذناهم﴾ فألقيناهم ﴿في اليمّ﴾ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف،
غرّقهم الله فيه ﴿فانظر كيف كان عاقبة الظالمين﴾
﴿وجعلناهم أئمّة﴾ قادة ورؤساء ﴿يدعون إلى النّار ويوم القيامة لا يُنصرون وأتبعناهم في
هذه الدنيا لعنة﴾ حزناً وعذاباً ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ الممقوتين، وقال أبو عبيدة
وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون،
قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحاً ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما
أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدىٍ ورحمة لعلّهم يتذكّرون﴾.
أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال:
حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَلّ أنّه
قال: ((ما أهلك الله عز وجل قوماً ولا قرناً ولا أُمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل
الله سبحانه التوراة على وجه الارض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال:
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ الآية)) [١٣٠](١).
﴿وما كنت﴾ يا محمد ﴿بجانب الغربي﴾ أي غربي الجبل ﴿إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾
أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا ﴿وما كنت من الشاهدين﴾ الحاضرين هناك تذكرة من
ذات نفسك ﴿ولكنّا أنشأنا﴾ أحدّثنا وخلقنا ﴿قروناً فتطاول عليهم العمر﴾ فنسوا عهد الله سبحانه
وتركوا أمره، نظيره ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾(٢)، ﴿وما كنت ثاوياً﴾ مقيماً ﴿في أهل
مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنّا كنّا مرسلين﴾ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه
الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم آبما تشاهده، وما كنت بجانب
الطور إذ نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة.
وَلَكَّا أَنْشَأْنَا فُرُونًا
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَّى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّتِهِدِينَ
فَطَاَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَّ ثَاوِيًّا فِ أَهْلِ مَدْيَنَ تَثَلُواْ عَلَيْهِمْ ءَبَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِينَ
﴿ وَمَا كُتَّ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةُ مِنْ زَّيْكَ لِتُّنْدِرَ فَوْمًا مَّاَ أَتَهُم مِّنِ نَّذِيرٍ مِّنْ
◌َبْلِكَ لَعَلَّهُمْ بَذَكَّرُونَ (٢٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا فَذَّمَتْ أَبْدِيهِمْ فَيَغُولُواْ رَبَّنَا لَوَلَّا أَرْسَلْتَ
إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَبِعَ مَيْكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (جَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاً أُوْنِىَ
(١) كنز العمال: ٢ / ٣٣ ح ٣٠٢٠.
(٢) سورة الحديد: ١٦.

٢٥٢
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
مِثْلَ مَّا أُوْلِيَ قُومٌَّ أَوْلَمُ بَّصَ فُوا بِمَّا أُوْنِّ مُرْسِى مِنْ قَلْ قَالَأَ سِحْتَانِ تَطَهَيْرًا وَقَالَوَأَ نَّا بِكُلْ كَرُونَ
(٢٠) قُلْ تَأْوَا يَكِتَبِ مِنْ عِندِ اللّه هُوَ أَتَذَن يَهْنَاً أَبَعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِينُ (لَنَّ أَنْ أُ مُسْتَجِبُواْ
◌ُكَ فَعْلَّمْ أَنَّمَا بَلْعُوْتَ أَهْوَآءَهُمْ وَمِّنْ أَصَلُّ مِنْنِ أَنْعَ هَوَتَهُ بِشَهِ هُدَّى فِىَ أَنَّهُ إِلَهَ للَّهُ لَّهَ يِّدِى
النَوْمَ الشَّلِينَ (بيا
قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد وَليه؟ قال: إنّك ]لن تصل إلى ذلك، وإن
شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: ((بلى يا رب)) [١٣١] (١)، فقال الله سبحانه: يا أُمّة
محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم.
وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا
الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك،
عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ قال: قال: يا أُمّة
محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني.
وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا
جيعويه(٢) بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا
إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو
سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال
رسول الله ﴿ في قول الله سبحانه: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ قال: ((كتب الله
عزّوجل كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا
أُمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن
تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبدي ورسولي أدخلته الجنّة))
[١٣٢](٣) .
﴿ولكن رحمة من ربّك﴾ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك (٤)
رحمة، وقرأ عيسى بن عمر ﴿رحمة﴾ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى
الأخبار الغائبة عنك ﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ يعني أهل مكة ﴿لعلّهم
يتذكرون﴾ .
﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة﴾ عقوبة ونقمة ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ من الكفر والمعصية
(١) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٩٢.
(٢)
في نسخة أصفهان : صبغويه .
(٣) الدر المنثور: ٥ / ١٢٩ بتفاوت.
(٤) في نسخة أصفهان: رحمنا .

٢٥٣
سورة القصص، الآيات: ٥١ - ٦٠
﴿فيقولوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾ وجواب لولا محذوف
أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم ﴿لئلّ يكون
للناس على اللـه حجة بعد الرسل﴾(١)، ﴿فلما جاءهم الحقّ من عندنا﴾ يعني محمد (عليه
السلام) ﴿قالوا﴾ يعني كفار مكة ﴿لولا أُوتي﴾ محمد ﴿مثل ما أُوتي موسى﴾ كتاباً جملة
واحدة.
قال الله تعالى: ﴿أولم يكفروا بما أُوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا﴾ قال
الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم،
فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع
الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ﴿ساحران تظاهرا﴾ قرأ أهل الكوفة
﴿سحران﴾ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: ﴿قل فأتوا بكتاب
من عند الله هو أهدى منهما﴾(٢) وقرأ الآخرون ﴿ساحران﴾ بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو
عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ ﴿سحران﴾ أراد التوراة
والقرآن، ومن قرأ ﴿ساحران﴾ أراد موسى ومحمداً (عليهما السلام).
﴿وقالوا إنّا بكل كافرون قل﴾ لهم يا محمد ﴿فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما
أتبعه إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لك﴾ ولم يأتوا به ﴿فاعلم أنّما يتبعون أهواءهم ومن
أضلّ ممّن اتبع هواه بغير هدىٍّ من الله إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
الَّذِينَ ءَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمُونَ
وَلَّدْ وَضَّلْنَا لَمُ الْقَوَلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكُونَ
وَإِذَا يَُّى عَلَّهِمْ قَالَوَاَ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَا مِن ◌َّلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ
مَرَّنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ بُفِقُونَ (٥٦) وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ
وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلْنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَتَغِى الْجَاهِلِينَ ﴿﴿ إِنَّكَ لَا نَّهْدِى مَنْ أَحْيَتَ وَلَكِنَّ ◌َلَهُ
يَهْدِى مَّن بَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْنَّدِينَ ﴿١٨) وَقَالُواْ إِن نََّّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُتَخَظّفْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوَلَمْ تُمَكِّنَ
وَكَمْ
(٥٧
لَهُمْ حَمَّا ءَمِنَّا يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّنْ لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْتَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِشَّتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُشْكَّنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا فَلِلًاً وَكُنَّا فَحْنُ
الْوَرِنَِّ ﴿﴿ وَمَا كَانَّ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْغُرَى حَتَّى يَعَثَ فِىَّ أُمِّهَا رَسُولًا بَثَلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاً وَمَا كُنَّا
مُهْلِكِ الْقُرَىِّ إِلَّ وَأَهْلُهَا ◌َِّمُونَ (٨٦) وَمَاَ أُوِتُم مِّن شَىءٍ فَمَنَعُ الْحَيَوِ الدُّنَا وَزِنَّتُهَاْ وَمَا عِنْدَ
اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ أَفَلَا تَعْفِلُونَ
(١) سورة النساء: ١٦٥.
(٢) سورة القصص: ٤٩.

٢٥٤
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ولقد وصّلنا لهم القول﴾ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا
بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصلة
من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر:
وحبل ضعيف ما يزال يوصّل(١)
فقل لبني مروان ما بال ذمّة
وقرأ الحسن ﴿وصّلنا﴾ خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير ﴿لعلّهم يتذكّرون *
الذين آتيناهم الكتاب من قبله﴾ أي من قبل محمد (عليه السلام) ﴿هم به يؤمنون﴾ نزلت في
مؤمني أهل الكتاب ﴿وإذا يتلى عليهم﴾ يعني القرآن ﴿قالوا آمنا به إنّه الحقّ من ربّنا إنّا كنّا من
قبله مسلمين # أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ﴿بما
صبروا﴾ على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأُوذوا ﴿ويدرؤون﴾
ويدفعون ﴿بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللغو﴾ القبيح من القول ﴿أعرضوا
عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ أي دين الجاهلين عن
الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا .
﴿إنّك لا تهدي من أحببت﴾ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي
طالب .
حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي - إملاءً - قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن
محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن
زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ◌َل﴾ لعمّه: ((قل لا
إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة)) [١٣٣](٢) قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله
على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه ﴿إنّك لا تهدي من أحببت﴾، ﴿ولكنّ
الله يهدي من يشاء﴾(٣).
(١) جامع البيان للطبري: ٢٠ / ١٠٧.
(٢) مسند أحمد: ٢ / ٤٣٤.
(٣) روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح ٦٩ ط. بغداد ١٣٤٩ ونقل عن
الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع
تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا﴾.
وروى ابن كثير في تفسيره (٣ / ٣٩٥ مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر.
ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع
تفسير الكشاف ٢ / ١٦٧ وشيخ الأبطح ٦٩.
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠ / ٢٤٤ ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب :... يا أبا طالب
مُتْ على دين الإسلام، قال: فلمّا خَفَتَ صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت
إليه، فقال قولاً خفياً: لا إله إلاّ الله، فقال العبّاس للنبي ◌َّ: يابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته . =

٢٥٥
سورة القصص، الآيات: ٥١ - ٦٠
وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن
يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا
أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال:
أخبرنا ابن الشرقي(١)، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا
معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ◌َّ أنّه دخل على عمّه أبي
طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: ((يا عمي
قل: لا إله إلّ الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله)) [١٣٤](٢).
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟
فقال: بل على ملّة عبد المطلب(٣). فأنزل الله سبحانه ﴿إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ
الله يهدي من يشاء﴾.
﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ أخبرني(٤) ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد
ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد
المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب
ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن
[جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله وَّل إلّ أبو بكر
الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ◌َّر فوجده يوحى إليه فسمع ﴿إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله
يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ .
﴿وقالوا إن نتّبع الهدى معك﴾ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف
وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا إتباعك أنّ العرب
وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: ٢٥٨/١، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: ٣٥/٤،
=
وسيرة ابن إسحاق: ٢٣٨، والمواهب اللدنية: ١ / ١٣٣ وتاريخ الخميس: ١ / ٣٠٠.
ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: ((ليس أبو طالب كأبي سفيان)) وكان ذلك بعد
إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: ٣ / ١٤، ووقعة صفين: ٤٧١
وربيع الأبرار: ٣ / ٤٧٠.
وروى السيوطي أيضاً في الرسائل العشرة: ٨٤ - ٢٥ - ١٤٠ قول النبي ◌َّر: ((أُوحي إليَّ: إنّي حرّمت النار على
بطن حملك وحجر كفلك)).
(١) في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.
(٢)
سنن النسائي: ٤ / ٩٠.
(٣) وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمناً برسول الله وَ ل على ما
فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.
(٤) في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.

٢٥٦
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه ﴿وقالوا إن نتّبع
الهدى معك نُتخطّف من أرضنا﴾ مكة.
قال الله سبحانه: ﴿أولم نمكّن لهم حرماً آمناً﴾ وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير
بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضاً، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم ﴿يُجبى إليه
ثمرات﴾ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو
حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله ﴿كلّ شيءٍ﴾ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم
المؤنث والفعل حائل ﴿رزقاً من لدنّا ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾
﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن
رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو
في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة ﴿فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلاّ قليلا﴾
يعني فلم يعمر منها إلّ أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّ المسافر ومار
الطريق يوماً أو ساعة ﴿وكنّا نحن الوارثين﴾ نظيره قوله سبحانه: ﴿إنّا نحن نرث الأرض ومن
عليها﴾(١) وقوله: ﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾(٢).
﴿وما كان ربّك مُهلك القرى﴾ بكفر أهلها ﴿حتى يبعث في أُمّها﴾ يعني مكة ﴿رسولا يتلوا
عليهم آياتنا وما كنّا مهلكي القرى إلاّ وأهلها ظالمون﴾ كافرون ﴿وما أتيتم من شيء فمتاع الحياة
الدنيا وزينتها وما عند الله خيرٌ وأبقى أفلا تعقلون﴾ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.
أَ وَعَذْنَهُ وَعَدَّاً حَنََّ ذَهُوَ لَقِهِ كَ فَلَقْتَهُ مَّتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنَا فُرُّ هُوَ يَّمَ اَلْقِيْمَةِ مِنَ الْمُحْعَِنَ
(١٠ رُ بَدعوةٍ بَقُولُ أنّ شركاءئ الذِينَ كُمْ وَمُونَ (٢) قَلَ الّينَ حُنَ عَلَّهِمُ الْقَوْلُ رَ مَوَلَةٍ أَلَّذِينَ
مَا أَفَرَجَهُمْ كَمَا عَرَجاً عبراناً إِلَبَدَقَتْ مَا كَانُوا إِيَّذَّ بِيُّدُونَ (َ) وَإِلَ أَدْعُواْ كُرَرُ وَخَط ◌َ
◌َسْجِيءاً قُمْ وَزَاءً الْمَذَابُ لَوْ أَنَّهُمْ كَُواْ بِنَدُونَ (لَ وَمُ بْنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ مَّدَاً لَهُمُ الْمُرْسَيِّ (٢٠)
نَعَبِيَتْ عَلَبِمُ الْأَنْنَةُ يَوْمِيذٍ فَهُمْ لَا يَأَلُونَ (١٠) فَأَمَّا مَنْ كَتَ وَءَامَنُ وَجِلَ عَبِهَا فَعَسَوْ أَنْ يَؤُتَ
مِنْ أَلْلِنُ (َ) وَلِك ◌َعْلُقُ مَا بَهُ وَعْتَارُ مَا كَانَ لَهُ للهِوَاُ سَعَنْ لَّهِ وَمَنَّ عَمَّا
بَرِكُونُ (٢١) وَرَؤُلَكُ بَعْلَمُ مَا ذُكِنُّ سُدُورُهُمْ وَمَّا بُعَلُونَ (َ وَهُرْ أَّهُ لَ إِنَّهُ إِلَّ مُوْ لَهُ الْحَمَّدُ
ه الأولى والأبِمَةِ وَهُ الْحُكْمُ وَإِلَّه تَرْحَمُونَ () فَلْ أَنْهَيْتُمْ إِ، مُعَلَ اللَّهُ بَيْعِظَمُ إِلَّلَ سَبَّهَا إِلَ يَرْو
اَلَْ مَنْ إِلَّهُ غَرْ لَّهِ بَأَِّكُمْ بِضِيَاءِ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٢١) لَلْ أَرَبْتُمَ إِن ◌َعَدَلَ للَّهُ تَبَعَكُمْ أَنَّهَارَ
سَرْيِّدًا إِلَه ◌َّهِ اَلْفِيَّتْمَةِ مَنْ إِنَّهُ عَيْرٌ أَّهِ يَأْكُم بَيْلِ تَشَكُتَ فِيَةِّ أَذَلَهُ نْصِرُوْتَـ ( زَمِن
(١) سورة مريم: ٤٠.
(٢) سورة ال عمران: ١٨٠.

٢٥٧
سورة القصص، الآيات: ٦١ - ٧٥
أَحْمَّتِهِ، حَعَلَ لَكُّ أَلْلَ وَالثَّهَارُ يَتَخُاْ فِهِ وَتَهُمْ مِنْ نَسِْ. وَلَعَلَهُمْ تَشْخَّرُونَ [َ وَبَوَ يَدِبِهِمْ
مَذِلُ لِلْ تُرَكَذِنَ أَيْهَ كُلُّمُ وَزَعُُّونَ () وَرَقِدًا مِ كُلُّ أَنَّةٍ شَهِلَا فَقْلْنَا عَلَوْاْ رَمَتَكُ.
فَعَيْمًا أَنَّ الْخَلْ فِهِ وَسَلَ عَهُم مَّا سِكَانًُ بَعْلَوْتَ (َ
﴿أفمن وعدناه وعداً حسناً﴾ يعني الجنة ﴿فهو لاقيه﴾ مدركه ومصيبه ﴿كمن متّعناه متاع
الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين﴾ في النار، نظيره قوله سبحانه: ﴿ولولا نعمة ربّي
لكنت من المحضرين﴾(١) قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام.
محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة.
﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ في الدنيا أنّهم شركائي ﴿قال الذين
حقّ عليهم القول﴾ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين ﴿ربّنا هؤلاء
الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرّأنا إليك﴾ منهم ﴿ما كانوا إيّانا يعبدون وقيل﴾ لبني آدم
الكفار ﴿ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون﴾ جواب
(لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم
کانوا یھتدون.
﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت﴾ فخفيت واشتبهت ﴿عليهم الأنباء﴾
يعني الأخبار والأعذار والحجج ﴿يومئذ﴾ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون
لهم حجة ولا عذر يوم القيامة ﴿فهم لا يتساءلون﴾ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل:
يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضاً، مجاهد: لا يتساءلون بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا،
نظيره قوله سبحانه: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾(٢).
﴿فأمّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين وربّك يخلُقُ ما يشاء
ويختار﴾ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: ﴿لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين
عظيم﴾(٣) أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث(٤) الرسل باختيارهم.
وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان:
أحدهما: أن يمرّ على قوله: ﴿ويختار﴾، ﴿ما كان لهم الخيرة﴾ ويجعل (ما) إثباتاً بمعنى
الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير.
سورة الصافات: ٥٧.
(١)
سورة الصافات : ٥٧.
(٢)
سورة الزخرف : ٣١.
(٣)
في نسخة أصفهان: لا يرسل.
٤)

٢٥٨
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
والثاني: أن يقف على قوله: ﴿ويختار﴾ ويجعل ما نفياً أي ليس إليهم الاختيار، وهذا
القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله
أمْراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾(١)، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب،
قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي (٢) البكراوي لمحمود بن
الحسن الوراق :
أردت فإنّ الله يقضي ويقدر(٣)
توكل على الرحمن في كلّ حاجة
يصبْه وما للعبد ما يتخيّر
إذا ما يرد ذو العرش أمراً بعبده
وينجو بحمد الله من حيث يحذر
وقد يهلك الإنسان من جه حذره
وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف
الطبري :
والدهر ذو دول والرزق مقسوم
العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر
وفي اختيار سواء اللؤم والشوم(٤)
والخير أجمع فيما اختار خالقنا
روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ◌َّ، قال: ((إنّ الله عز وجل
اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ((رضوان الله عليهم أجمعين)) فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ
أصحابي خير، واختار أُمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي:
القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي)) [١٣٥](٥) .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال:
حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن
عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: ﴿وربّك يخلق ما يشاء ويختار﴾ قال:
اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام.
﴿سبحان الله وتعالى عمّا يشركون * وربّك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون * وهو الله
لا إله إلّ هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون * قل أرأيتم إن جعل الله
عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة﴾ دائماً لا نهار(٦) معه.
(٢) في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.
(١) سورة الأحزاب: ٣٦.
(٣) تفسير القرطبي: ١٣ / ٣٠٦.
(٤) تفسير القرطبي: ١٣ / ٣٠٦.
(٥) كنز العمال: ١٣ / ٢٣٦ ح ٣٦٧٠٨.
(٦) في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...

٢٥٩
سورة القصص، الآيات: ٧٦ - ٨٨
﴿من إلهٌ غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً
إلى يوم القيامة﴾ لا ليل فيه ﴿من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته
جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * ويوم يناديهم فيقول أين
شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا﴾ وأخرجنا وأحضرنا ﴿من كل أُمّة شهيداً فقلنا هاتوا
برهانكم فعلموا﴾ حينئذ ﴿أنّ الحقّ لله﴾ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة ﴿وضلّ عنهم ما
کانوا یفترون﴾ .
﴿ إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى قَبَغَى عَلَيْهِمَّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُورِ مَا إِنَّ مَفَاتِهُ لَنُوَّأَ
يَلْمُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ فَوْمُ لَا تَفَرَجٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٣٨) وَبْتَغْ فِمَآ ءَاتَئِكَ أَلَهُ
الدَّارَ الْأَخِرَةِ وَلَا نَنَسَ نَصِيَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَتْكٌ وَلَا تَبْعُ اَلْفَسَادَ فِى
اْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٨) قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ بَعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ
قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُ مِنْهُ فُوَّةً وَأَكْثَرُ جمَعَاً وَلَا يُسْعَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (جَ) فَغَرَجَ عَ
فَوْمِهِ، فِىِ زِينَيْهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَا مِثْلَ مَا أُوْنِ قَدِرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
(٢٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوْنُواْ أَلْعِلْمَّ وَيَلَكُمْ ثَوَبُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَمَنَ وَعَمِلَ صَلِحَاً وَلَا يُلَقَدِهَا إِلَّا
لَقْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَّ
الضَبِرُونَ
) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَمُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اللَّهُ يَبْشُطُ اَلْرِّزْقَ لِمَنْ بَشَآءُ مِنْ
الْمُتَصرِينَ
عِبَادِهِ، وَيَقْدِزٌ لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَحَسَفَ بِنَّ وَيُكَمُ لَا يُفْلِحُ الْكَمِرُونَ ﴿٨َ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ يَمْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ هُوَّ فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالََِّّةُ لِلْمُنَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَ بِالْسَنَّةِ فَلَهُ خَرٌ مِنْهَاً وَمَنْ يَجَآءَ
بِالسَّيْئَةِ فَلَ يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٨٦) إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَاتَ
◌َّهُ إِلَى مَعٍَ قُلِ نَّ أَعْلَمُ مَّن ◌َجَآءَ بِاَلْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلِ فُِّينِ (٨٥) وَمَا كُتَ تَرِيعُواْ أَنْ يُلْقَىَ
إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّ رَحْمَةً مِّن زَّيْكٌ فَلَا تَكُونَنَّ طَهِيرًاً لِلْكَفِرِينَ ﴿٨َ وَلَا يَصُذُنَّكَ عَنْ ءَتِ اللَّهِ بَعْدَ
إِذَا أُنزِلَتْ إِلَتْلِكٌَ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨) وَلَا تَدَعُ مَعَ اللَّهِ إِنَّهَا ◌َخَرُّ لَاّ إِلَهَ إِلَّا
M
هُوَ كُ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَمُ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ رُتَُّعُونَ
﴿إنّ قارون كان من قوم موسى﴾ كان ابن عمه لأنّه قارون بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن
يعقوب، وموسى بن عمران بن فاهث، هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن إسحاق: تزوّج يصهر
ابن فاهث شميت بنت تباويت بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون
ابن يصهر، فنكح [عمران] نجيب بنت سمويا (١) بن بركيا بن رمنان(٢) بن بركيا فولدت له هارون
(١) في نسخة أصفهان: شمويل.
(٢) في نسخة أصفهان: نفشان.

٢٦٠
الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي
ابن عمران وموسى بن عمران (عليهم السلام)، فموسى على قول ابن إسحاق: ابن اخي قارون
وقارون عمه لأبيه وأمه، قال قتادة: وكان يسمّى المنوّر لحسن صورته ولم يكن في بني إسرائيل
أقرأ للتوراة منه، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري.
﴿فبغى عليهم﴾ أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن
علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، عن المسيّب أنّ قارون كان من قوم موسى ﴿فبغى
عليهم﴾ قال: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ويظلمهم، قال ابن عباس:
كان فرعون قد ملّكه على بني إسرائيل حين كان بمصر، سعيد، عن قتادة: ﴿بغى عليهم﴾ بكثرة
ماله وولده، سفيان(١) عنه: بالكبر والبذخ، عطاء الخراساني وشهر بن حوشب: زاد عليهم في
الثياب شبراً ﴿وآتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه﴾ وهي جمع المفتح، وهو الذي يفتح به الباب
﴿لتنوأُ بالعصبة أولي القوة﴾ أي لتثقل بهم إذا حملوها لثقلها، يقال: ناء ينوء نؤءاً إذا نهض
بثقل، قال الشاعر:
تنوء بأخراها فلأيا قيامها
(٢) (٣)
وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر (٢)
واختلفوا في مبلغ عدد العصبة في هذا الموضع، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة
عشر، قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، أبو صالح: أربعون رجلا، عكرمة منهم من يقول:
أربعون، ومنهم من يقول: سبعون، الضحّاك عن ابن عباس: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل:
ستون .
روى جرير، عن منصور، عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أنّ مفاتيح خزائن قارون
توقر ستين بغلا غرّاء محجّلة، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح منها كنز (٤)، مجاهد:
كانت المفاتيح من جلود الإبل، ويقال: كان قارون [أينما] ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه،
وكانت من حديد، فلمّا ثقلت عليه جعلت من خشب، فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على
طول الأصابع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا .
وقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الحرَّاس(٥) وإليه ذهب أبو صالح. وروى حصين، عن أبي
زرين قال: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافياً إنّما يعني كنوزه، فإن قيل: فما وجه
قوله: ﴿ما إنّ مفاتحه لتنوأُ بالعصبة﴾(٦) وإنّما العصبة هي التي تنوء بها، قيل فيه قولان: أحدهمـ
(١) في نسخة أصفهان: شيبان.
(٢)
في نسخة أصفهان : فنبهر.
(٣) غريب الحديث: ١ / ٣٢١.
(٤) في نسخة أصفهان: كثره.
(٥) في نسخة أصفهان: الخزائن.
(٦) في نسخة أصفهان: أولي القوة.