Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة الأنبياء، الآيات: ٨٣ - ٩٤
وقيل: ذو الكفل إلياس، وقيل: هو زكريّا، والله أعلم.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَذَا النُّونِ﴾ واذكر صاحب النون وهو يونس
بن متّى ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً﴾ اختلفوا في معنى الآية ووجهها فقال الضحاك: ذهب مغاضباً لقومه،
وهي رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك
فسبي منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعياً النبي أن
سر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجّه نبياً قويّاً أميناً فإنّي أُلقي في قلوب أُولئك حتى يرسلوا
معه بني إسرائيل، فقال له الملك: فمن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال:
يونس، فإنّه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله
بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سمّاني لك؟ قال: لا، قال: فها هنا غيري أنبياء أقوياء أُمناء،
فالحّوا عليه فخرج مغاضباً للنبىّ وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة فركبها فلمّا
تلججت السفينة تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملآّحون، ها هنا رجل عاص أو عبد آبق،
ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر. ولئن يغرق واحد خير
من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرّات فوقعت القرعة في كلّها على يونس.
فقام يونس فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء فجاء حوت
فابتلعه، ثمَّ جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت: لا تؤذ منه
شعرة فإنّي جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعاماً لك.
وقال الآخرون: بل ذهب عن قومه مغاضباً لرّبه إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه،
وذلك أنّه كره أن يكون بين قوم قد جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم
السبب الذي به دفع عنهم العذاب والهلاك، فخرج مغاضباً وقال: والله لا أرجع إليهم كذّاباً
أبداً، وإنّي وعدتهم العذاب في يوم فلم يأتِ.
وفي بعض الأخبار: إنّ قومه كان من عادتهم أن يقتلوا من جرّبوا عليه الكذب، فلمّا لم
يأتهم العذاب للميعاد الذي وعدهم خشي أن يقتلوه، فغضب وقال: كيف أرجع إلى قومي وقد
أخلفتهم الوعد؟ ولم يعلم سبب صرف العذاب عنهم، وكيفية القصّة، وذلك أنّه كان خرج من
بين أظهرهم، وقد ذكرتْ القصة بالشرح في سورة يونس.
قال القتيبي: المغاضبة مفاعلة، وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمخاصمة والمجادلةُ
وربّما تكون من واحد كقولك: سافرت وعاقبت الرجل وطارقت النعل وشاركت الأمر ونحوها،
وهي ها هنا من هذا الباب، فمعنى قوله: مغاضباً أي غضبان أنفاً، والعرب تسمّي الغضب أنفاً،
والأنف غضباً لقرب أحدهما من الآخر، وكان يونس وعد قومه أن يأتيهم العذاب لأجل، فلمّا
فات الأجل ولم يعذّبوا غضب وأنف أن يعود إليهم فيكذّبوه، فمضى كالنادّ الآبق إلى السفينة،

٣٠٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وكان من طول ما عاين وقاسى من بلاء قومه يشتهي أن ينزل الله بهم بأسه.
وقال الحسن(١): إنّما غاضب ربّه من أجل أنّه أمر بالمصير إلى قومه لينذرهم بأسه
ويدعوهم إليه، فسأل ربّه أن يُنظره ليتأهّب للشخوص إليهم، فقيل له: إنّ الأمر أسرع من ذلك
ولم يُنظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلاً
في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا؟ فذهب مغاضباً.
وقال وهب بن منّبه اليماني: إنّ يونس بن متّى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق،
فلمّا حملت عليه أثقال النبوّة تفسّخ تحتها تفسّخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وخرج
هارباً منها، فلذلك أخرجه الله سبحانه من أولي العزم، فقال النبيّه محمد (عليه السلام): ﴿
فاضْبِرْ كَما صَبَّرَ أُولو العَزْمِ مِنَ الرُّ سُل﴾(٢) وقال: ﴿وَلاَ تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾(٣) أي لا تلق
أمري كما ألقاه.
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحّاك
والكلبي، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، تقول العرب: قدّر الله الشيء بقدره تقديراً وقدره
يقدره قدراً، ومنه قوله ﴿نَحْنُ قَدَّرنْا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾(٤) وقوله ﴿والّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾(٥) في قراءة
من خفّفهما، ودليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزّهري ﴿فَظَنَ أن لَنْ نُقْدِرَ عَلَيْهِ﴾
بضم النون وتشديد الدال من التقدير، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة: فظنّ أن لن يُقدّر عليه بالتشديد
على المجهول، وقرأ يعقوب يُقدَر بالتخفيف على المجهول. وقال الشاعر في القدر بمعنى
التقدير :
لنا أبداً ما أورق السلم النضر
فليست عشيّات الحمى برواجع
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما تقدر نفع ولك الشكر (٦)
وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظنّ أن لن نضيّق عليه الحبس من قوله سبحانه ﴿الله
يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ (٧) أي يضيّق.
(١) في نسخة أصفهان زيادة: البصري.
(٢) الإحقاف: ٣٥.
(٣) القلم: ٤٨ .
(٤) الواقعة: ٦٠ .
(٥) الأعلى: ٣.
(٦) تفسير القرطبي: ١١ / ٣٣٢٠ والعبارة:
فليس عشيّات اللوى برواجع
(٧) الرعد: ٢٦.
أبداً ما أورق السلم النضر

٣٠٣
سورة الأنبياء، الآيات: ٨٣ - ٩٤
وقال سبحانه وتعالى ﴿من قدر عليه رزقه﴾(١)، وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظنّ
أن لن نقدر عليه؟ .
وروى عوف عن الحسن أنّه قال: معناه: فظنّ أنّه يعجز ربّه فلا يقدر عليه .
قال: وبلغني أن يونس لمّا أذنب انطلق مغاضباً لربّه واستزلّه الشيطان حتّى ظنّ أن لن يقدر
عليه .
قال: وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت، فمكث في
بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة، وأمسك الله نفسه فلم
يقتله هناك، فتاب إلى ربّه في بطن الحوت وراجع نفسه فقال: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت
من الظالمين﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته.
قال عوف: وبلغني أنّه قال: وبنيت لك مسجداً في مكان لم يبنه أحد قبلي. والتأويلات
المتقدمة أولى بالأنبياء وأبعد من الخطأ.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، قاله أكثر
المفسّرين، وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة جوف الحوت، ثم ظلمة جوف الحوت الآخر الذي
ابتلعه في ظلمة البحر.
﴿أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّ كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ قال محمد بن قيس: قال يونس:
﴿انّي كنت من الظالمين﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك.
وروى أبو هريرة عن رسول الله وَالٍ قال: «لمّا أراد الله سبحانه حبس يونس في بطن
الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثمّ هوى
به إلى مسكنه في البحر، فلمّا انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّاً فقال في نفسه: ما هذا؟
فأوحى الله سبحانه إليه وهو في بطن الحوت: إنّ هذا تسبيح دوابّ البحر، قال: فسبّح وهو في
بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنّا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة!
قال: ذاك عبدي يونس عصاني، فحبسته في بطن الحوت، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد
إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في
الساحل كما قال الله سبحانه ﴿وهو سقيم﴾(٢))(٣).
وروى أبو هلال محمد بن سليمان عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: أتى جبرئيل
(١) الطلاق: ٧.
(٢) الصافات: ١٤٥.
(٣) جامع البيان للطبري: ١٧ / ١٠٧ .

٣٠٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
يونس (عليهما السلام) فقال له: انطلق إلى (١) السفينة، فركبها فاحتبست السفينة فساهموا فسهم،
فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت: إنّا لم نجعل يونس لك رزقاً، إنّا جعلناك له حرزاً
ومسجداً، فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الإبلّة، ثمَّ مرَّ به على دجلة
ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى، فكان ابن عباس يقول: إنّما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه
الحوت، ودليل هذا القول أنَّ الله تعالى ذكر قصة يونس في سورة والصافّات ثم عقّبها بقوله
﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾(٢).
وقال الآخرون: بل كانت قصّة الحوت بعد دعائه قومه وتبليغهم رسالة ربّه كما قد بيّنا
ذكره .
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا.
وروى علي بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت(٣)
رسول الله قول يقول: ((اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متّى)
قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة
وللمؤمنين عامّة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى ﴿فنادى في الظلمات﴾ إلى قوله
﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾ وهو شرط الله لمن دعاه بها .
واختلفت القراءة في قوله ((ننج)) فقرأه العامة بنونين الثانية منهما ساكنة من الإنجاء على
معنى نحن ننجي، فإن قيل: لم كتبت في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأنّ النون الثانية لمّا
سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت، كما فعلوا ذلك بإلاّ فحذفوا النون من
لجعلها أو كاشفة إذا كانت مدغمةً في اللام، وقرأ ابن عامر وعاصم برواية ابن بكر ﴿نجّي
المؤمنين﴾ بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، واختلف النحاة في هذه القراءة فمنهم من
صوّبها وقال: فيه اضمار معناه: نجي المؤمنين كما يقال: ضرب زيداً بمعنى ضرب الضرب
زيداً. قال الشاعر:
لسُبَّ بذلك الجرو(٤) الكلابا(٥)
ولو ولدت قفيرة جرو كلب
أراد لسبّه بذلك الجرو ولسبّ الكلابا .
(١) في نسخة أصفهان زيادة: أهل نينوى، فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال اليمين التمس حرابة، قال:
الأمر أعجل من ذلك، قال فغضب من ذلك فانطلق إلى ...
(٢) الصافّاتِ: ١٤٧.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣ / ٢٠٢.
(٤) في نسخة أصفهان: الكلب.
(٥) تفسير القرطبي: ١١ / ٣٣٥.
:

٣٠٥
سورة الأنبياء، الآيات: ٨٣ - ٩٤
قالوا: وإنّما سكّن الياء في نجّي كما سكّنوها في بقر فقالوا بقره ونحوها وإنّما اتبع أهل
هذه القراءة المصحف لأنّها مكتوبة بنون واحدة.
وقال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنّه أراد ننجي من التنجية إلاّ أنّه أدغم وحذف
نوناً على طلب الخفّة.
وقال النحويون: وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم، وممن جوّز(١) هذه القراءة أبو
عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحّنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: هذا لحن لا يجوز في
اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يقول: وكذلك نُجي
المؤمنين، ولو قرئ كذلك لكان صواباً، والله أعلم.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى﴾ دعا ﴿رَبَّهُ﴾ فقال ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ وحيداً لا ولد لي ولا عقب
وارزقني وارثاً، ثمّ ردّ الأمر إلى الله سبحانه فقال ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ
يَحْيَى﴾ ولداً ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بأن جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً، قاله أكثر المفسّرين،
وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق.
﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني الأنبياء الذين سمّاهم في هذه السورة.
﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ خوفاً وطمعاً رغباً في رحمة الله
ورهباً من عذاب الله، وقرأ الأعمش، رُغباً ورُهباً بضم الراء وجزم الغين والهاء وهما لغتان مثل
السقم والسُقم والثَكل والثُكل والنَحل والنُحل والعَدم والعُدم.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ خاضعين متواضعين.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ﴾ حفظت ومنعت ﴿فَرْجَهَا﴾ ممّا حرم الله سبحانه وهي مريم بنت عمران
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي أمرنا جبرئيل حتى نفخ في جيب درعها وأحدثنا بذلك النفخ
المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه على معنى الملك والتشريف لمريم وعيسى بتخصيصها
بالإضافة إليه .
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي دلالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، حمل امرأة بلا
مماسّة ذكر، وكون ولد من غير أب، وإنّما قال «آية)) ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام وجعلنا
شأنهما وأمرهما آية للعالمين.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ﴾ ملّتكم ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ملّة واحدة وهي الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام
من الأديان، وأصل الأمّة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت بالشريعة أُمة واحدة
(١) في المخطوط: صوّر.

٣٠٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
الاجتماع أهلها بها على مقصد واحد، ونصب أمّة على القطع، وقرأ ابن أبي إسحاق أُمّةٌ بالرفع
على التكرير.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي اختلفوا في الدين صاروا فيه فرقاً وأحزاباً، ثم
قال ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجزيهم بأعمالهم.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ﴾ لا نبطل عمله ولا نجحده بل
يُشكر ويثاب عليه ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ لعمله حافظون.
وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَمْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يُرْجِعُونَ ﴿٢٥) حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ وَهُم مِّن
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿ وَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوْلَنَا فَدْ
كُنَّا فِ عَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّمَ أَنْتُمْ أَهَا وَرِدُونَ ﴿٨َ لَوْ كَانَ هَكُلَاَ، مَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَاً وَكُلُ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٦) لَهُمْ
فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْىِّ أُوْلَئِكَ عَنَّهَا مُبْعَدُونَ
﴿َ لَا يَسْمَعُونَ حَِيْسَهَا وَهُمْ فِى مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴿َ لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَرَعُ الْأَكْبَرُ
وَقَّذِهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٦) يَوْمَ نَطَوِى السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّلِّ
لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْفِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاً إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ ﴿يَ) وَلَقَدْ كَبَنَا فِ اَلْزَبُرِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ ﴿ إِنَّ بِ هَذَا لَبَغَا لِقَوْمٍ عَبِدِينَ (َ وَمَّا
أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةُ لِلْعَلَّمِينَ
(٢) قُلْ إِنَّمَا يُوَّ إِلَىَّ أَنَّمَاَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم
مُسْلِمُونَ (٢٠) فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبُ أَمْ يَعِيدٌ مَّا تُعَدُونَ (3)) إِنَّهُ
يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا نَّكْتُمُونَ (١٦) وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَُّ فِتْنَّةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ
فَلَّ رَبِّ أَحْكُمُ بِالْمَنُّ وَرَبْنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةِ﴾ قرأ أهل الكوفة: وحِرْم بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وقرأ
الآخرون: وحرام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، هما لغتان مثل حِلْ وحلال.
قال ابن عباس: معنى الآية ((وحرامٌ على قرية)) أي أهل قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي يرجعون بعد
الهلاك وعلى هذا التأويل يكون لا صلة مثل قول العجاج:
في سر لا حورى سرى وما شعر
أي في سر حور(١).
(١) لسان العرب: ٤ / ٢١٧٠ والعبارة: في بئر لاحور سرى وما شعر.

٣٠٧
سورة الأنبياء، الآيات: ٩٥ - ١١٢
وقال الآخرون: الحرام بمعنى الواجب كقول الخنساء:
وإنّ حراما لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلاّ بكيت على عمرو(١)
وعلى هذا التأويل يكون لا ثابتاً .
وقال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن الرجعة فقرأ هذه الآية.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ قرأه العامة بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد
على الكسرة.
﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ومعنى الآية فرّج السد عن يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصتهما
بالشرح.
وروى منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول
الله ◌َي(٢): أوّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى
المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان والدابّة، ثم يأجوج ومأجوح.
قال حذيفة: قلت: يارسول الله ما يأجوج ومأجوج؟ قال: أُمم، كلّ أُمّة أربعمائة ألف
أُمّة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم (عليه
السلام) فيسيرون إلى خراب الدنيا، ويكون مقدمتهم بالشام وساقهم بالعراق، فيمرّون بأنهار
الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحر الطبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولوا: قد قتلنا أهل الدنيا،
فقاتلوا من في السماء فيرمون بالنشّاب إلى السّماء، فيرجع نشابهم مخضّبة بالدم فيقولون: قد
قتلنا من في السّماء.
وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين فيوحي الله سبحانه إلى عيسى أن احرز عبادي بالطور
وما يلي، ثمَّ إنّ عيسى يرفع يديه إلى السّماء، ويؤمّن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابّة
يقال لها النغف (٣) تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى من حاقّ الشام إلى حاق المشرق (٤)(٥)
حتى تنتن الأرض من جيّفهم ويأمر الله سبحانه السماء فتمطر كأفواه القرب فتغسل الأرض من
جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها(٦).
(١) لسان العرب: ١٢ / ١٢٧.
(٢) جامع البيان للطبري: ٢٥ / ١٤٧.
(٣) في نسخة أصفهان: العرف.
(٤) في تفسير الطبري: العراق.
(٥) في نسخة أصفهان: المغرب.
(٦) تفسير الطبري: ١٧ / ١١٥، وبعضه في سنن ابن ماجة: ٢ / ١٣٤٧، ح ٤٠٥٥.

٣٠٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ أي نشر وتلّ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون مشاة مسرعين كنسلان الذئب.
واختلف العلماء في هذه الكناية فقال قوم: عنى بهم يأجوج ومأجوج، واستدَلّوا بحديث
أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَلي قال: يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال
الله سبحانه ﴿مِن كُلّ حَدبٍ يَنْسِلون﴾ فيغشون الأرض(١).
وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله وَّيه فيما يذكر عن عيسى قال: ((قال عيسى: عهد
إليَّ ربي أنّ الدجّال خارج وأنّه مهبطي إليه، فذكر أنّ معه قصبتين فإذا رآني أهلكه الله، قال:
فيذوب كما يذوب الرصاص حتى أنَّ الشجر والحجر ليقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم
الله عزّ وجلّ ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كلّ حدب
ينسلون، لا يأتون على شيء إلّ أهلكوه ولا يمرّون على ماء إلّ شربوه))(٢).
وقال آخرون: أراد جميع الخلق، يعني أنّهم يخرجون من قبورهم ومواضعهم فيحشرون
إلى موقف القيامة، تدلّ عليه قراءة مجاهد: وهم من كلّ جدث بالجيم والثاء يعني القبر اعتباراً
بقوله سبحانه ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إلى رَبّهِم يَنْسِلُون﴾(٣).
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني القيامة، قال الفرّاء وجماعة من العلماء: الواو في قوله
((واقترب)) مقحم ومجاز الآية: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، نظيرها قوله
﴿فَلَمّا أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبِين وناديناه﴾ (٤) أي ناديناه. قال امرؤ القيس:
(٥)
بباطن خبت ذي قفاف عقنقل
فلمّا أجزنا ساحة الحىّ وانتحى
يُريد انتحى، ودليل هذا التأويل حديث حذيفة قال: لو أنّ رجلاً اقتنى فلْواً بعد خروج
يأجوج ومأجوج لم يركبه حتّى تقوم الساعة.
وقال الزجّاج: البصريون لا يجيزون طرح الواو ويجعلون جواب حتى إذا فتحت في قوله
(يا ويلنا)) وتكون مجازاً الآية ﴿حتّى إذا فُتِحَت بِأُجُوجُ وَمأجوجُ وَاقْتَرَبَ الوَعد الحَقُّ قالوا يا
وَيلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلة من هذا﴾ .
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في قوله ﴿هي﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها : أن تكون هي كناية عن الأبصار ويكون الأبصار الظاهرة بياناً عنها كقول الشاعر:
(١) مسند أحمد: ٣ / ٧٧.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٧ / ١٢٠.
(٣) سورة يس: ٥١ .
(٤) سورة الصافات: ١٠٣ - ١٠٤.
(٥) تاج العروس: ٤ / ١٩.

٣٠٩
سورة الأنبياء، الآيات: ٩٥ - ١١٢
ألا فِرَّعنّي مالك بن أبي كعب(١)
لعمر أبيها لا تقول ظعينتي
فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها فيكون تأويل الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار
الذين كفروا .
والثاني: أن تكون هي عماداً كقوله ((فَإنّها لا تَعْمى الأبصارُ))، وكقول الشاعر:
فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس (٢)
والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله ﴿هي﴾ على معنى هي بارزة واقفة يعني: من
قربها كأنّها آتية حاضرة، ثم ابتدأ ﴿شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ على تقديم الخبر على الابتداء
مجازها: أبصار الذين كفروا شاخصة من هول قيام الساعة، وهم يقولون ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي
غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي من هذا اليوم ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمعصيتنا ربَّنا ووضعنا العبادة في غير
موضعها .
﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني الاصنام ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قراءة
العامة بالصاد أي وقودها عن ابن عباس.
وقال مجاهد وقتادة وعكرمة: حطبها، وذُكر أنَّ الحصب في لغة أهل اليمن الحطب.
الضحّاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء، وأصل الحصب الرمي يقال:
حصبت الرجل إذا رميته، قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنّا أرْسَلْنَا عَلَيْهِم حاصِباً﴾(٣) يعني ريحاً
ترميهم بالحجارة وقرأ ابن عباس: حَضَب بالضاد، وهو كل ما هيّجت وأُوقدت به النار، ومنه
قيل الدقاق النار: حَضبٌ، وقرأ علي وعائشة: ولاهو بن حميد: حطب بالطاء نظيرها قوله
سبحانه ((وقودها الناس والحجارة)) .
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي فيها داخلون ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ﴾ الأصنام ﴿آلِهَةً﴾ على الحقيقة ﴿مَا
وَرَدُوهَا﴾ يعني ما دخل عابدوها النار، بل منعتها ﴿وَكُلُّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني العابد والمعبود.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من
يخلد فيها جُعلوا في توابيت من نار، ثم جُعل التوابيت في توابيت أُخرى، ثم جعلت التوابيت في
أُخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يُعذّب غيره.
ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ قال قوم من العلماء: إنّ ها هنا بمعنى
(١) تفسير القرطبي: ١١ / ٣٤٢.
(٢) جامع البيان للطبري: ١ / ٥٦٥.
(٣) سورة القمر: ٣٤.

٣١٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
إلاّ وليس في القرآن سواه، والسبق تقدّم الشيء على غيره.
﴿لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ السعادة والعدة الجميلة بالجنّة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ والإبعاد:
تطويل المسافة. واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقال أكثر المفسرين: عني بذلك كلّ من عُبد من
دون الله وهو طائع ولعبادة من يعبده كاره، وذلك أنَّ رسول الله وَّر دخل المسجد وصناديد
قريش في الحطيم (١) وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن
الحارث فكلّمة رسول الله ◌َّ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم ﴿إنّكُم وَما تَعْبُدونَ مِن دُونِ
الله﴾ الآيات الثلاث، ثمَّ قام فأقبل عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي السهمي فرآهم
يتهامسون قال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله وَّل، فقال عبد
الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله ﴾ فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت: إنّكم
وما تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليست
اليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟.
فقال رسول الله وَلقر: ((نعم، بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله
سبحانه ﴿إِنَّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى﴾ الآية يعني عزيراً وعيسى والملائكة))(٢).
قال الحسن بن الفضل: إنما أراد بقوله ﴿إنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون مِنْ دُن الله﴾ الأوثان دون
غيرها لأنّه لو أراد الملائكة والنّاس لقال: ((ومن تعبدون))، قلت: ولأنّ المخاطبين بهذه الآية
مشركو مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام.
وقال بعضهم: هذه الآية عامّة في كلّ من سبقت له من الله السعادة.
قال محمّد بن حاطب: سمعت عليّاً كرّم الله وجهه يخطب، فقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الذّيِنَ
سَبَقَتْ﴾ فقال: عثمان (رغپه) منهم.
وقال الجنيد في هذه الآية: سبقت لهم من الله العناية في البداية، فظهرت الولاية في
النهاية .
أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: حدَّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي
قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد
الجبار الصوفي قال: حدَّثنا عبيد الله القواريري قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد
الهمداني قال: حدَّثنا ليث عن ابن عمّ النعمان بن بشير - وكان من سمّار علىّ - قال: تلا علّي
(١) في النسخة الثانية: المسجد.
(٢) جامع البيان للطبري: ١٧ / ١٢٨ .

٣١١
سورة الأنبياء، الآيات: ٩٥ - ١١٢
ليلةً هذه الآية ﴿إِنَّ الّذيِنَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّ الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبعْدُون﴾ قال: أنا منهم وأبو بكر
وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرَّحْمن بن عوف منهم، ثم أُقيمت الصلاة فقام علىّ
يجرّ رداءهُ وهو يقول ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ يعني صوتها إذا نزلوا منازلهم من الجنة ﴿وَهُمْ فِي
مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ والشهوة طلب النفس اللذّة، نظيرها قوله ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ
وَتَلَذّ الأَعْيُنَ﴾(١) .
﴿لا يَحْزُّنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرَ﴾ وقرأ أبو جعفر بضمّ الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء
وضمّ الزاي، واختلفوا في الفزع الأكبر، فقال ابن عباس: النفخة الآخرة، دليله قوله سبحانه
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمُواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ آَتَوْهُ
داخِرِين﴾(٢).
وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار.
سعيد بن جبير والضحّاك: إذا أُطبقت على أهل النار.
ابن جريج: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح على الأعراف والفريقان ينظران
فينادى: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النّار خلود فلا موت.
ذو النون المصري: هو القطيعة والهجران والفِراق.
﴿وَتَتَلَقُهُم﴾ تستقبلهم ﴿المَلائِكَةُ﴾ على أبواب الجنة يهنّونهم ويقولون لهم ﴿هذا يَومُكم
الذي كنتم توعدون يوم * نطوي السماء﴾ قرأ أبو جعفر تُطوى السماء بضم التاء والهمزة على
المجهول، وقرأ الباقون بالنون السماء نصب ﴿كَطَيّ السجل للكتب﴾ قرأ أهل الكوفة على
الجمع، غيرهم: للكتاب على الواحد واختلفوا في السجلّ، فقال ابن عمر والسدىّ: السجل:
ملك يكتب أعمال العباد فإذا صعد بالاستغفار قال الله سبحانه: أُكتبها نوراً.
وقال ابن عباس ومجاهد: هو الصحيفة، واللام في قوله للكتب بمعنى على تأويلها كطىّ
الصحيفة على مكتوبها .
وروى أبو الجوزاء وعكرمة عن ابن عباس أنّ السجلّ اسم كاتب لرسول الله، وهذا قول
غير قوي لأنّ كتّاب رسول الله كانوا معروفين وقد ذكرتهم في كتاب ((الربيع))، والسجلّ اسم
مشتقّ من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال: سجلت الرجل إذا
نزعت دلواً ونزع دلواً ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة، قال الشاعر:
(١) سورة الزخرف: ٧١.
(٢) سورة النمل: ٨٧.

٣١٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
يملأ الدلو إلى عقد الكرب(١)
من يساجلني يساجل ماجداً
ثم بنى هذا الاسم على فعل مثل طمر وقلز. والطي في هذه الآية يحتمل معنيين:
أحدهما: الدرج الذي هو ضدّ النشر قال الله سبحانه ﴿والسَّمُواتُ مَظْوِيّاتٌ بِيَمِيْنِهِ﴾(٢).
والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو والطمس لأنّ الله سبحانه يمحو رسومها ويكدر
نجومها، قال الله سبحانه وتعالى ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإذا النُّجُوُمُ انْكَدَرَتْ﴾(٣) تقول العرب:
اطو عن فلان هذا الحديث أي استره وأخفه.
ثمَّ ابتدأ واستأنف الكلام فقال عزَّ من قائل ﴿كما بدأنا أوّل خلق نعيدهُ﴾ قال أكثر العلماء:
كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عُزّلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيرها قوله سبحانه ﴿وَلقَدْ
جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْنَاكُم أوَّل مرَّة﴾(٤) وقوله ﴿وعُرِضُوا على رَبَّكَ صَفّاً * لقد جِئْتُمُونا كَما
خَلَقْاكُمْ أوَّلَ مرَّةٍ﴾(٥).
ودليل هذا التأويل ما روى ليث عن مجاهد عن عائشة ؤها قالت: دخل عليَّ رسول
الله وَ ل وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي،
فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنّة فقال: إنّ الجنّة لا يدخلها العجّز، فأخذ العجوز ما
أخذها(٦).
فقال (عليه السلام): إنّ الله ينشئهنّ خلقاً غير خلقهن، قال الله تعالى ﴿إنّا أنْشَأْنَاهُنَّ
إِنْشَاءً﴾ (٧) الآية ثمّ قال: يُحشرون يوم القيامة عراة حفاة غلفاً، فأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلوات
الله علیه)).
فقالت عائشة خيرًا وعن أبيها: واسوأتاه فلا تحتشم الناس بعضهم بعضاً؟
قال: ﴿لِكُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾(٨)، ثم قرأ رسول الله ﴿كَما بَدَأنا آَوّل خَلْقِ
نُعِيدُه﴾ کیوم ولدته أُمهُ.
(١) لسان العرب: ١١ / ٣٢٦.
(٢) سورة الزمر: ٦٧ .
سورة التكوير: ١ - ٢.
(٣)
سورة الأنعام: ٩٤.
(٤)
(٥) سورة الكهف: ٤٨.
(٦) جامع البيان للطبري: ١٧ / ١٣٤ .
(٧) سورة الواقعة: ٣٥.
(٨) سورة عبس: ٣٧.

٣١٣
سورة الأنبياء، الآيات: ٩٥ - ١١٢
وقال ابن عباس: يقول: نهلك كلّ شيء كما كان أول مرّة، وقيل: كما بدأناه من الماء
نعيده من التراب.
﴿وعداً علينا﴾ نصب على المصدر يعني وعدناه وعداً علينا ﴿إنّا كنّا فاعلين﴾ يعني الإعادة
والبعث .
﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ قرأ الأعمش وحمزة: الزبور بضم الزاي، وغيرهما
يقرؤون بالنصب وهو بمعنى المزبور كالحلوب والركوب، يقال: زبرت الكتاب وذبرته إذا كتبته،
واختلفوا في معنى الزبور في هذه الآية، فقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد: عنى بالزبور
الكتب المنزلة وبالذكر أُمّ الكتاب الذي عنده.
وقال ابن عباس والضحّاك: الذكر التوراة والزبور الكتب المنزلة من بعد التوراة.
وقال الشعبي: الزبور كتاب داود والذكر التوراة.
وقال بعضهم: الزبور زبور داود والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل كقوله ﴿وَكَانَ وَرآءَهُمُ
مَلِكٌ﴾(١) أي أمامهم، وقوله ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَخْها﴾(٢) أي قبل ذلك
﴿إنّ الأرض﴾ يعني أرض الجنّة ﴿يرثها عبادي الصالحون﴾ يعني أمة محمد (عليه السلام)
قاله مجاهد وأبو العالية، ودليل هذا التأويل قوله ﴿وَقالوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنا
الأرْضَ﴾ .
وقال ابن عباس: أراد أنّ الأرضَ في الدُنيا تصير للمؤمنين، وهذا حكم من الله سبحانه
بإظهار الدّين وإعزازٍ المسلمين وقهر الكافرين.
قال وهب: قرأت في عدّة من كتب الله أنّ الله عزّ وجلّ قال: إنّي لأُورث الأرض عبادي
الصالحين من أُمة محمد دَل ـ
﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً﴾ وصولاً إلى البغية، من اتّبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من
الثواب، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر.
﴿لِقَوْم عَابِدِينَ﴾ أي مؤمنين يعبدون الله سبحانه وتعالى.
وقال ابن عباس: عالمين، وقال كعب الأحبار: هم أُمّة محمد أهل الصلوات الخمس
وشهر رمضان، سمّاهم الله سبحانه وتعالى عابدين.
(١) سورة الكهف: ٧٩.
(٢) سورة النازعات: ٣٠.

٣١٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمّد ﴿إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة،
وقال ابن عباس: هو عامّ فمن آمن بالله واليوم الآخر كتب له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم
يؤمن عوفي ممّا أصاب الأُمم من المسخ والخسف والقَذف.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى
سَوَاءٌ﴾ يعني أعلمتكم على بيان أنا وإيّاكم حرب لا صلح بيننا، وإنّي مخالف لدينكم، وقيل:
معناه على سواء من الإنذار لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وقيل: لتستووا في
الإيمان به، وهذا من فصيحات القرآن.
﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ وما أعلم ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ يعني القيامة، نسخها قوله ﴿وَاقْتَرَبَ
الوَعْدُ الحَقّ﴾ .
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنْ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ أي لعّل تأخير العذاب
عنكم، كناية عن غير مذكور ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار ﴿لَكُمْ﴾ ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى
حِين﴾ إلى أجل يقضي الله فيه ما شاء.
أخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي
خيثمة قال: حدَّثنا محمد بن أبي غالب قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا مجالد قال: حدَّثني
السبعي قال: لما سلم الحسن بن عليّ لمعاوية الأمر، قال له معاوية: قم فاخطب واعتذر إلى
الناس، فقام الحسن فخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ أكْيَسَ الكيس التُّقى، وإنّ أحْمَق
الحُمْقِ الفجور، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إمّا حقّ امرئ كان أحقّ به، وإمّا
حقّ كان لي فتركته التماس الصلاح لهذه الأُمّة، ثم قال: ﴿وإِنْ أَذْري لَعَلّهُ فْتِنَةٌ لَكُمْ ومَتَاعٌ إلى
چين﴾ .
﴿قال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ افعل بيني وبين من كذبني بالحق، والله لا يحكم إلاّ بالحق،
وفيه وجهان من التأويل :
قال أهل التفسير: الحق ها هنا بمعنى العذاب كأنّه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر
وليله، نظيره قوله ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾(١).
وقال قتادة: كان رسول الله (عليه السلام) إذا شهد قتالا قال: ربّ احكم بالحق.
وقال أهل المعاني: معناه: رب احكم بحكمك الحق، فحذف الحكم وأُقيم الحق مقامهُ،
واختلف القراء في هذه الآية فقرأ حفص ﴿قال ربّ﴾ بالألف على الخبر، الباقون: ﴿قل﴾ على
(١) سورة الأعراف: ٨٩.

٣١٥
سورة الأنبياء، الآيات: ٩٥ - ١١٢
الأمر، وقرأ أبو جعفر: ربِّ احكم برفع الباء على النداء والمفرد، وقرأ الضحاك ويعقوب: ربي
احكم باثبات الياء على وجه الخبر بأنَّ الله سبحانه أحكم بالحق من كل حاكم وهذه قراءة غير
مرضية لمخالفة المصحف، والقرّاء الباقون: ﴿ربّ احكم﴾ على الدعاء ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمُنُ
الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ .

٣١٧
محتوى الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
محتوى الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
سورة النحل
٥
سورة بني اسرائيل (الإسراء)
٥٤
سورة الكهف
١٤٤
٢٠٥
.....
..
سورة مريم
٢٣٥
سورة طه ..
٢٦٨
سورة الأنبياء

طِبِعَ عَلَىَ مَطِابْع
دَارُ اعْيَاء التراث العَربي