Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة مريم، الآيات: ٥٦ - ٧٠
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ إلى الإسلام ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ على الأنام ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
آيَاتُ الرَّحْمنِ﴾ يعني القرآن ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ جمع باك تقديره من الفعل فعول مثل ساجد
وسجود وراكع وركوع وقاعد وقعود، جمع على لفظ المصدر، نزلت في مؤمني أهل الكتاب،
عبد الله سّلام وأصحابه.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعيني من بعد النبيّين المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ وهم قوم سوء، والخَلفَ
بالفتح الصالح، والخلف بالحزم الطالح، والخلف بسكون اللام الرديء من كلّ شيءٍ، وهم في
هذه الآية اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: في هذه الأُمّة.
﴿أَضَاعُوا الصَّلاَةَ﴾ أي تركوا الصلوات المفروضة، قال ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن
مخيمرة: أخّروها عن مواقيتها وصلّوها بغير وقتها .
وقال قرّة بن خالد: استبطأ الضحاك مرّة امتراءً في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب
فقرأ هذه الآية ﴿أَضَاعُوا الصَّلاَةَ﴾ ثمَّ قال: والله لئن أدعها أحبّ إلىّ من أن اضيّعها، وقرأ
الحسن: اضاعوا الصلوات ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال مقاتل: استحلّو نكاح الأخت من الأب،
وقال الكلبي: يعني اللذات و شرب الخمر وغيره، قال مجاهد: هذا عند اقتراب الساعة وذهاب
صالحي أُمّة محمد رَّة، ينزو بعضهم على بعض في السكك والأزقّة زناة.
وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله وَّ ر في هذه الآية قال: يكون خلف من بعد ستّين
سنة ﴿أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الآية(١).
وقال علىّ بن أبي طالب: ((هذا إذا بني المشيد ورُكب المنظور ولبس المشهور))، وقال
وهب: فخلف من بعدهم خلف شرّابون للقهوات، لعّابون بالكعبات، ركّابون للشهوات، متبعون
للذّات، تاركون للجُمعات(٢)، مضيّعون للصلوات، وقال كعب: يظهر في آخر الزمان أقوام
بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ثمَّ قرأ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ
وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ .
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ قال عبد الله بن مسعود: الغيّ نار(٣) في جهنّم، وقال ابن عباس:
الغىّ واد في جهنم وإنّ أودية جهنم لتستعيذ من حرّها، أُعدّ ذلك الوادي للزاني المصرّ عليه،
ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور،
(١) مسند أحمد: ٣ / ٣٨.
(٢) في نسخة أصفهان: للجماعات.
(٣) في نسخة أصفهان: نهر.

٢٢٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
ولامرأة أدخلت على زوجها ولداً. وقال عطاء: الغىّ واد في جهنم يسيل قيحاً ودماً. وقال
وهب: الغىّ نهر في النار بعيد قعره، خبيث طعمه، وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعراً
وأشدّها حرّاً، فيه بئر تسمى البهيم كلّما خبت جهنّم فتح الله تلك البئر فسعربها جهنم، وقال
الضحاك: خسراناً وقيل: عذاباً، وقيل: ألماً، وقيل: كفراً.
﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّاتِ عَدْن
الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمُنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولم يروها ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ يعني آتياً، قال الأعشى:
وساعيت معصيّاً إليها وشاتها. أي عاصياً.
﴿لَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ في الجنة ﴿لَغْواً﴾ باطلاً وفحشاً وفضولاً من الكلام، قال مقاتل: يميناً
كاذبة ﴿إِلَّ سَلاَماً﴾ استثناء من غير جنسه يعني بل يسمعون فيها سلاماً أي قولاً يسلمون منه،
وقال المفسّرون: يعني تسليم بعضهم على بعض تسليم الملائكة عليهم ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً
وَعَشِيّاً﴾ يعني على مقدار طرفي النهار.
أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جعفر بقراءتي عليه قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بن
محمد بن سختويه قال: حدَّثنا موسى بن هارون قال: حدَّثنا بشر بن معاذ الضرير قال: حدَّثنا
عامذ بن سياق عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها من وجد غداءً مع عشاء
فذلك هو الناعم، فأنزل الله سبحانه ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ قدر ما بين غدائهم
وعشائهم.
أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر قال: حدَّثنا علي بن محمد بن سختويه قال: حدَّثنا موسى
ابن هارون قال: حذَّثنا داود بن رشيد قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد
عن قول الله سبحانه ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبداً
وإنّما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، ومقدار النهار برفع الحجب.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقرأ يعقوب: نورّث بالتشديد، والاختيار التخفيف ؛
لقوله ثُمَّ أَوْرَثْنَا ﴿مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ ﴿وَمَا نَزَّلُ إلاّ بِأمْرِ رَبِّكِ﴾ الآية.
أخبرنا عبد الله بن حامد وشعيب بن محمد قالا: أخبرنا مكي بن(١) عبدان قال: حدَّثنا أبو
الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبادة، قال: حدَّثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا
تزورنا؟ فأنزل الله سبحانه ﴿وَمَا تَتَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرٍ رَبِّكَ﴾ .
وقال مجاهد: أبطأت الرّسل على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم أتاه جبرئيل فقال:
(١) في نسخة أصفهان زيادة: محمد بن.

٢٢٣
سورة مريم، الآيات: ٥٦ - ٧٠
ما حبسك؟ فقال: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا
تستاكون(١)؟ فأنزل الله سبحانه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية.
وقال عكرمة والضّحاك ومقاتل وقتادة والكلبي: احتبس جبرئيل عن النبي ◌َّ حين سأله
قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والرّوح فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبرئيل
بجواب ما سألوه فأبطأ عليه قال عكرمة: أربعين يوماً. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة وقيل:
خمس عشرةَ - فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة، وقال المشركون:
ودّعه ربّه وقلاه، فلمّا أنزل جبرئيل قال له رسول الله وعليه: ((أبطأت عليَّ حتى ساء ظنّ واشتقت
إليك))، فقال له جبرئيل: إنىّ كنت أشوق إليك ولكنّي عبد مأمور إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست
احتبستُ، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرٍ رَبِّكَ﴾ وأنزل ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْل إذا سَجى مَا
وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾(٢)(٣) .
وقيل: هذا إخبار عن أهل الجنة، أنّهم يقولون عند دخولها: ما تتنزل هذه الجنان إلا بأمر
الله ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ قال مقاتل: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ من أمر الدنيا
﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يعني بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، وقيل: كان له ابتداء خلقنا وله كان
منتهى آجالنا، وله كان مدّة حياتنا .
ويقال: ﴿مَا بَيْنَ أيْديْنَا﴾ من الثواب والعقاب وأُمور الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنا﴾ ما مضى من
أعمالنا في الدنيا ﴿وُمَا بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي ما يكون منّا إلى يوم القيامة. ويقال: ﴿له ما بين أيدينا﴾
قيل أن يخلقنا ﴿وما خلفنا﴾ بعد أن يميتنا ﴿وما بين ذلك﴾ ما هو فيه من الحياة، ويقال ﴿له ما
بين أيدينا﴾ إلى الأرض إذا أردنا النزول إليها ﴿وما خلفنا﴾ أي السماء إذا نزلنا منها ﴿وما بين
ذلك﴾ يعني السماء والأرض، يريد أن كل ذلك لله سبحانه فلا تقدر على فعل إلاّ بأمره.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ناسياً إذا شاء أن يرسل إليك أرسل. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي واصبر على عبادته ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ قال ابن عباس:
مثلاً، وقال سعيد بن جبير: عدلاً، وقال الكلبي: هل تعلم أحداً يسمى الله غيره.
﴿وَيَقُولُ الأنسَانُ﴾ يعني أُبىّ بن خلف الجمحي ﴿أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ من القبر
﴿حَيّاً﴾ استهزاءً وتكذيباً منه بالبعث.
قال الله سبحانه ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ﴾ أي يتذكّر ويتفكّر، والأصل يتذكر، وقرأ ابن عامر ونافع
(١) تفسير ابن كثير: ٣ / ١٣٧.
(٢) تفسير القرطبي: ١١ / ١٢٩.
(٣) الضحى: ١ - ٣.

٢٢٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وعاصم ويعقوب يذكر بالتخفيف، والاختيار التشديد لقوله سبحانه ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أوُلوا
الألْبابِ﴾(١) وأخواتها، يدل عليه قراءة أُبي ﴿يتذكر الإنسان﴾ يعني أُبىّ بن خلف الجمحي ﴿أَنَّا
خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً﴾ ثمّ أقسم بنفسه فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لنجمعنّهم في المعاد
يعني المشركين المنكرين للبعث ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ مع الشياطين يعني قرناءهم الذين أضلّوهم، يُقرن
كل كافر مع شيطان في سلسلة ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ يعني في جهنم ﴿چِثِيّاً﴾ قال ابن
عباس: جماعات جماعات، وقال مقاتل: جميعاً وهو على هذا القول جمع جثوة، وقال الحسن
والضحاك: جائية على الركب وهو على هذا التأويل جمع جاث. قال الكميت:
وهم دون السراة مقرنينا (٢)
همُ تركوا سراتهمُ جثيّاً
﴿ثُمَّ لَتَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ لنَخرجنّ من كلّ أُمّة وأهل دين ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمُنِ عِيّاً﴾
عتوّاً قال ابن عباس: يعني جرأةً، وقال مجاهد: فجوراً وكذباً، قال مقاتل: علوّاً، وقيل: غلوّاً
في الكفر، وقيل: كفراً، وقال الكلبي: قائدهم رأسُهم في الشّرّ.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا الحسن بن علي قال:
حدَّثنا أبو أسامة عن سفيان عن علي بن الأرقم عن أبي الأحوص قال: نبدأ بالأكابر فألا كابر
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحقّ بدخول النار، يقال: صلي يصلى صلياً مثل
لقي يلقى لقيّاً وصلى يصلى صلياً مثل مضى يمضي مضياً.
وَإِنْ فِتْكُمْ إِلَّا وَإِدُهَا كَانَّ عَلَى رَبِّكَ حَمْمًا مَّقْضِيًّا (٨َ ثُمَّ ◌َُجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَنَذَرُ اُلَّلِينَ فِيهَا
مشتًَّ
﴿﴿ وَإِذَا نَتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتْنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَرُ نَذِيًّا
٧٣
وَكَمْ أَهْلَكْنَا فَلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا وَرِعِيَا (٨٤) قُلْ مَن كَانَ فِى اُلْضَّلَلَةِ فَيَمْدُوْ لَهُ الرَّحْمَهُ مَذَّأَّ
حَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا الشَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَّنْ هُوَ شَرِّ مَكَنَا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٥َ) وَيَزِيدُ اللَّهُ
الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَىُّ وَالْبَعِيَّتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِنْدَ رَبْكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٦جَ أَفَرَءَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَّيِّنَا
وَقَالَ لَأُوْنَيْنَ مَالَا وَلَدًا (َ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَهِ أَنَّخَذَّ عِنْدَ الرَّحْمِنِ عَهْدًا (َ كَلَّا سَنَّكْتُبُ مَا يَقُولُ وَّنَمْدُ
لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا (﴿يَ وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا ﴿٨َ وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ أَّهِ ءَالِهَةُّ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٦) أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّبَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ نَؤُزُّهُمْ أَنَّا
١٣
فَلاَ تَعْجَّلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَنَّا (٨٤) يَوْمَ تَخْشُرُ الْمُتَّقِينُ إلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا (جَهَّ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ
إِلَى جَهَ وِرْدًا لَهَا لَا يَمْلِكُونَ الشَّمَعَةَ إِلَّا مَنْ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا لِلَّهَ
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قيل: في الآية اضمار مجازه: والله إنْ منكم يعني ما منكم من
(١) الرعد: ١٩.
(٢) تفسير القرطبي: ١١ / ١٣٣.
ھ

٢٢٥
سورة مريم، الآيات: ٧١ - ٨٧
أحد ألاّ واردها يعني النار، واختلف الناس في معنى الورود حسب اختلافهم في الوعيد، فأمّا
الوعيد فإنّهم قالوا(١): إنّ من دخلها لم يخرج منها، وقالت المرجئة: لا يدخلها مؤمن، واتّفقوا
على أنّ الورود هو الحضور والمرور، فأمّا أهل السنّة فإنّهم قالوا: يجوز أن يعاقب الله سبحانه
العصاة من المؤمنين بالنار ثم يخرجهم منها، وقالوا: معنى الورود الدخول، واحتجّوا، بقول
الله سبحانه حكاية(٢) عن فرعون ﴿يَقْدِمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الِقَيَامَةِ فَأوْرَدَهُمْ النّارَ وَبِئْسَ الورْدُ المَوْرُودُ﴾(٣)
وقال في الأصنام وعبدتها ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وَارِدُونَ﴾(٤)
﴿لَوْ كَانَ هؤلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها﴾(٥) فلو لم يكن الورود في هذه الآيات بمعنى الدخول لوجب أن
يدخل الأصنام وعبدتها وفرعون وقومه الجنّة لأن من مرَّ على النار فلابد له من الجنّة لأنه ليس
بعد الدنيا دار إلّ الجنّة أو النار، والذي يدلّ على أنّ الورود هو الدخول قوله في سياق الآية
﴿ثُمَّ نُتَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلاّ ممّا دخلت فيه وأنت ملقى فيه، قال الله سبحانه
﴿فَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِي المُؤمِنِينَ﴾(٦) واللغة تشهد لهذا، تقول العرب: ورد كتاب
فلان، ووردتُ بلد كذا، لا يريدون جزت عليها وإنّما يريدون دخلتها، ودليلنا أيضاً من السنّة.
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الله المزني قال:
حدَّثنا محمد بن نصر بن منصور الصائغ الشيخ الصالح قال: حدَّثنا سليمان بن حرب قال: حدَّثنا
أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سميّة قال: اختلفنا في الورود ها
هنا بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعاً، فلقيت جابر بن عبد
الله فسألته فأهوى بإصبعيه إلى أُذنيه وقال: صمّتا إن لم أكن سمعت النبي (٧) وَل﴾ يقول:
((الورود: الدخول، لا يبقى بّر ولا فاجر إلاّ دخلها فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت
على إبراهيم، حتى أنّ للنار - أو لجهنم ـ ضجيجاً لمن تردهم ﴿ثم ننجّي الذين اتقوا ونذر
الظالمين فيها جئياً﴾)).
وأخبرنا شعيب بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا
أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبدان قال: حدَّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنّ نافع بن
الأزرق ما رأى ابن عباس يقول ابن عباس: الورود الدخول ويقول نافع ليس الورود الدخول فتلا
(١) في نسخة أصفهان: الوعيد به فقالوا.
في نسخة أصفهان: واحتجوا بقوله تعالى إخباراً عن.
(٢)
(٣)
سورة هود: ٩٨.
سورة الأنبياء: ٩٨.
(٤)
سورة الأنبياء: ٩٩.
(٥)
(٦) سورة الأنبياء: ٨٨.
(٧) مسند أحمد: ٣ / ٣٢٩.

٢٢٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
ابن عباس ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾(١) أدخل هؤلاء أم لا؟ ﴿فَاَوْرَدُهُم النّارَ وبئس الوِرْدُ
المَوْرُود﴾(٢) أدخل هؤلاء أم لا؟ والله أنا وأنت فسنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى
الله مخرجك منها بتكذيبك.
وبإسناده عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله عليه السلام: ما من مسلم يموت له ثلاث من الولد إلاّ لم يلج النار إلاّ تحلّة القَسَم ثم قرأ
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ .
وبإسناده عن روح قال: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني إسماعيل السدىّ عن مرّة الهمداني عن
ابن مسعود في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ قال: يردونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم.
وبه عن روح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال:
الصراط على جهنم مثل حد السيف، تمرّ الطائفة الأُولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجوَد
الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثمّ يمرّون والملائكة يقولون: اللهمّ سلّم سلّم.
أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الأصبهاني قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم
الهروي قال: حدَّثنا الحسين بن إدريس قال: حذَّثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن
سفيان بن عيينة عن رجل عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: أي أخ هل أتاك أنكّ وارد النار؟
قال: نعم، قال: فهل أتاك أنّك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك إذاً؟ قال: فما رؤي
ضاحكاً حتى مات.
وبإسناده عن عبد الله بن المبارك عن مالك بن معول عن أبي إسحاق عن ابن ميسرة أنّه
أوى إلى فراشه فقال: يا ليت أُمي لم تلدني، فقالت امرأته: يا أبا ميسرة، إنّ الله سبحانه قد
أحسن إليك، هداك إلى الإسلام فقال: أجل، ولكنّ الله قد بيّن لنا أنّا واردو النار ولم يبيّن لنا
أنّا صادرون منها، وأنشد في معناه:
لقد أتانا ورود النار ضاحية
حقّاً يقيناً ولمّا يأتِّنا الصَّدَرُ(٣)
فإن قيل: فخبّرونا عن الأنبياء هل يدخلون النار؟ يقال لهم: لا تطلق هذه اللفظة
بالتخصيص فيهم بل نقول: إنّ الخلق جميعاً يردونها .
فإن احتجّوا بقوله ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَذْيَنَ﴾(٤) يقال لهم: إنّ موسى لم يمرّ على تلك البئر،
(١) سورة الأنبياء: ٩٨.
(٢) سورة هود: ٩٨.
.(٣) كتاب العين: ٣ / ٢٦٥.
(٤) سورة القصص: ٢٣.
٠

٢٢٧
سورة مريم، الآيات: ٧١ - ٨٧
وإنّما استقى لابنتي شعيب وروى الأغنام وأقام، وهو معنى الدخول، والعرب تعبر عن الحي
وأماكنهم بذکر الماء، فتقول: ماء بني فلان.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يدخلها من قد أخبر الله سبحانه أنّه لا يسمع حسيسها ولا
يدخلها؟ قيل: إن الله سبحانه أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنّهم لا يسمعون حسيسها فيجوز
أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأن الله سبحانه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها
ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها إذ الله عزّ وجلّ قادر على ان يجعلها عليهم
برداً وسلاماً.
وكذلك تأويل قوله لأ يَدْخُلونَ النّارَ أي لا يخلدون فيها، أو لا يتألّمون ويتأذّون بها، يدلّ
عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر
قال: حدَّثنا مؤمّل بن إسماعيل عن أبي هلال عن قتادة عن أنس في قول الله سبحانه ﴿إِنَّكَ مَنْ
تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه﴾(١) فقال: إنّك من تخلّد في النّار فقد أخزيته.
والدليل على أنّ الخلق جميعاً يدخلون النار ثمَّ ينجي الله المؤمنين بعضهم سالمين غير
آلمين وبعضهم معذّبين معاقبين ثم يدخلهم جميعاً الجنة برحمته، ما أخبرنا عبد الله بن حامد
الوزان قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن حامد الأبيوردي قال: حدَّثنا أبو
سعيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أُم مبشر عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: إنّي أرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية قالت: قلت:
يا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾؟
قال: أفلم تسمعيه يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾!؟(٢).
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان قال: أخبرنا جبغوية بن
محمد قال: أخبرنا صالح بن محمد بن عبد العزيز بن المسيّب عن الربيع بن بدر عن أبي مسعود
عن العباس عن كعب أنّه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ قال: ترفع جهنّم يوم القيامة
كأنّها متن اهالة وتستوي أقدام الخلائق عليها، فينادي مناد أن خذي أصحابك ودعي أصحابي،
فتخسف بهم وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها، ويمرّ أولياء الله عزّ وجلّ بندي ثيابهم، وقال
خالد بن معدان: يقول أهل الجنة: ألم يعدنا ربّنا أن نرد النّار؟ فيقال: بلى ولكنّكم مررتم بها
وهي خامدة.
وروى خالد بن أبي الدريك عن يعلى بن منبّه أن النبي وَّر قال: ((تقول النار للمؤمن يوم
القيامة جزْيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي))(٣).
(١) آل عمران: ١٩٢.
(٢) مسند أبي يعلى الموصلي: ١٢ / ٤٧٣.
(٣) كنز العمال: ١٤ / ٣٨٥.

٢٢٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الحميد
الحارثي قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمن بن أبي حمّاد عن يحيى بن يمان عن عثمان الأسود عن مجاهد
في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها .
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن هاشم
قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك
أن النبي ◌ّ قال: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن
شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله وكان في قليه من الخير ما يزن برّة، ثم يخرج
من النار من قال: لا إله إلّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرّة))(١).
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني اتقوا الشرك وهم المؤمنون، وفي مصحف عبد الله: ثَمّ
ننجي بفتح الثاء يعني هناك ﴿وَنَّذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ أي الكافرين ﴿فِيهَا﴾ في النار ﴿جِثِيّاً﴾ جميعاً،
وقيل: على الرُّكَب.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدَّثنا داود بن
سليمان قال: حذَّثنا عبد بن حميد قال: حدَّثنا سعيد بن عامر عن حشيش أبي محرز قال:
سمعت أبا عمران الجوني يقول: هبك ننجو بعد كم ننجو؟
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني النضر بن الحرث ودونه من قريش
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني فقراء أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي
عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجّلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون
خير ثيابهم فقالوا للمؤمنين: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً﴾ منزلاً ومسكناً، وقرأ أهل مكة مقاماً
بالضّم أي إقامة ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ يعني مجلساً، ومثله النادي، ومنه دار الندوة لأنّ المشركين
كانوا يجلسون فيها ويتشاورون في أُمورهم، قال الله تعالى مجيباً لهم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ
قَرْن هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً﴾ أي متاعاً، وقال ابن عباس: هيئة وقال مقاتل: ثياباً. ﴿وَرِثْياً﴾ أي منظراً،
وقرأ أُبي: وزّياً بالزاي وهو الهيئة.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمُنُ مَدّاً﴾ أي فليدعه في طغيانه ويمهله في كفره
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ في الدنيا ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ يعني القيامة
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ أهم أم المؤمنون.
﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىٍ﴾ أي إيماناً ويقيناً يعني المؤمنين، يقال: ويزيد الله الذين
(١) مسند أحمد: ٣ / ١١٦.

٢٢٩
سورة مريم، الآيات: ٧١ - ٨٧
اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ عاقبة
ومرجعاً ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا عبد الله بن
هاشم قال: حدَّثنا أبو معاوية قال: حدَّثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خبّاب بن الأرتّ
قال: كان لي دين على العاص(١) فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد قلت: لا والله
لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإنّي إذا متّ ثم بعثت جئتني، وسيكون لي ثَمّ مال
وولد فأُعطيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: كان خبّاب بن الأرتّ قيناً وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي
وكان العاص يؤخّر حقّه الشيء بعد الشيء إلى الموسم، فكان حسن الطلب فصاغ له بعض
الحلي فأتاه يتقاضاه الأجرة فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال له الخباب: لست
مفارقك حتى تقضي، فقال له العاص: يا خبّاب مالك؟ ماكنت هكذا وإن كنت حسن الطلب
والمخالطة، فقال خبّاب: ذلك أنّي كنت على دينك فأمّا اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك
فلا، قال: أفلستم تزعمون أنّ في الجنة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال الخبّاب: بلى، قال: فأخرّني
حتى أقضيك في الجنة - استهزاءً - فو الله لئن كان ما تقول حقاً فإنىّ لأفضل فيها نصيباً منك،
فأنزل الله سبحانه ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ يعني العاص ﴿وَقَالَ لأُوْتَيَنَّ﴾ لأُعطين(٢) ﴿مَالا
وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب
حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمُنِ عَهْداً﴾ يعني أم قال: لا إله إلا الله،
وقال قتادة: يعني عملاً صالحاً قدّمه، وقال الكلبي: عهد إليه أنّه يُدخله الجنة. ﴿كَلا﴾ ردُّ عليه
يعني لم يفعل ذلك ﴿سَنَكْتُبُ﴾ سنحفظ عليه ﴿مَا يَقُولُ﴾(٣) يعني المال والولد. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾
في الآخرة ليس معه شيء.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يعني مشركي قريش ﴿مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ يعني الأصنام ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ في الآخرة ويتبرأون منهم ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ أعداء وقيل: أعواناً.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني سلّطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ الآية.
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزْأَ﴾ قال ابن عباس: تزعجهم ازعاجاً من الطاعة إلى المعصية. وقال الضحاك:
(١) في نسخة أصفهان زيادة: بن وائل.
(٢) في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.
(٣) في نسخة أصفهان زيادة: فنجازيه به في الآخرة ونمدّ له من العذاب مدّاً أي نزيده عذاباً فوق العذاب ونرئه
ما يقول.

٢٣٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
يأمرهم بالمعاصي أمراً، وقال سعيد بن جبير: تغريهم إغراءً وقال مجاهد: تشليهم أشلاءً وقال
الأخفش: توهجهم، وقال المؤرّخ: تحرّكهم، وقال أبو عبيد: تغويهم وتهيجهم، وقال القتيبي:
تخرجهم إلى المعاصي، وأصله الحركة والغليان ومنه الخبر عن النبي ◌َّ: ((ولجوفه أزيز كأزيز
المرجل))(١).
﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بالعذاب ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ قال الكلبي: يعني الليالي والأيام
والشهور والسنين، وقيل: الأنفاس، يقال: إنّ المأمون كان يقرأ سورة مريم وعنده الفقهاء فلمّا
انتهى إلى هذه الآية التفت إلى محمد بن السماك مشيراً عليه بأن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس
بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحّدين ﴿إِلَى الرَّحْمُنِ وَفْداً﴾ أي جماعات وهو جمع وافد
مثل راكب وركب وصاحب وصحب.
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال:
حدّثنا .
(٢). وهب بن جرير عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن
أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَقْداً﴾ قال: على الإبل، وقال ابن عباس: ركباناً
يؤتون بنوق عليها رحال الذهب، وأزمّتها الزبرجد فيحملون عليها، وقال عليّ بن أبي طالب:
((ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها ذهب، ونجائب سرجها يواقيت، إن
همّوا بها سارت، وإن همّوا بها طارت))(٣).
أخبرنا عبد الله بن حامد(٤)، أخبرنا أحمد بن شاذان عن صعوبة بن محمد، حدَّثنا صالح
ابن محمد عن إبراهيم بن عن صالح بن صدقة أن علي بن أبي طالب به قال: لما نزلت هذه
الاية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْداً﴾ قال: قلت: يا رسول الله إني رأيت وفود الملوك
فلم أرَ وفداً إلاّ ركبانا فما وفد الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا علي إذا كان
المنصرف من بين يدي الله تلقّت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزّمتها الذهب، على كلّ
مركب حُلّة لا تساويها الدنيا، فيلبس كلّ مؤمن حلّته ثم يستوون على مراكبهم فتهوى بهم النوق
حتى تنتهي بهم إلى الجنة تتلقّاهم الملائكة ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾(٥).
(١) مسند أحمد: ٤ / ٢٥.
(٢) في نسخة أصفهان: عبد الله بن محمد عن الحسين.
(٣) كنز العمال: ٢ / ٤٦٥ بتفاوت.
(٤) في نسخة أصفهان زيادة: الوزان.
(٥) تفسير القرطبي: ١١ / ١٥٢.

٢٣١
سورة مريم، الآيات: ٨٨ - ٩٨
وقال الربيع: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمُنِ وفداً﴾ قال: يفدون إلى ربهم فيكرمون
ويعطون ويحيون ويشفعون ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني الكافرين ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ قال
المفسّرون: عطاشى، مشاة على أرجلهم قد تقطّعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون
الماء، اسم على لفظ المصدر ﴿لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمُنِ عَهْدً﴾ يعني لا إله
إلّ الله، ومن في موضع النصب على الاستثناء.
قال ابن عباس: يعني لا يشفع إلاّ من شهد أن لا إله إلّ الله تبرّأ من الحول والقوة ولا
يرجو إلا الله عزّ وجلّ.
وقال بعضهم: معناه إلاّ لمن اتخذ، نظيره ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ قال مقاتل ﴿إِلاَّ
مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمُنِ عَهْداً﴾ يعني اعتقد بالتوحيد.
وقال قتادة: عمل بطاعة الله، وروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول
الله علائم يقول لأصحابه ذات يوم: ((أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهداً؟
قالوا: كيف ذاك؟ قال: يقول كلّ صباح ومساء: اللهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب
والشهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنىّ أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك،
وأنّ محمّداً عبدك ورسولك، وأنّك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ وتباعدني من الخير،
وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفّينيه يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد، فإذا
قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم
عند الرَّحْمن عهدٌ فيدخلون الجنة(١)؟)).
وَقَالُواْ أَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَذَا (٨٨) لَقَدْ جِئْهُ شَيْئًا إِذَّا ﴿يَ تَكَاءُ السَّمَوَنُ يَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ
الْأَرْضُ وَتَّخِرُ لَجِبَالُ هَذَّا ﴿يَ أَنْ دَعَوْاْ لِزَّمَنِ وَلَّا (١٦) وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذُ وَلَدًا (٨٦) إِن كُلُ
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ مَإِ اَلَّمَنِ عَبْدًا (٨٣) لَقَدْ أَحْمَنِهُ وَعَذَّهُمْ عَدَّا (٢٤) وَكُلُّهُمْ ءَانِهِ يَوْمَ الْفِيَكَمَةِ
فُرْدًّا (١٥) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَمُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّا (١٦) فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِسَائِكَ
لِتَُّشْرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَنذِرَ بِهِ. فَوْمَّا لَّذََّ ﴿٦] وَكُمْ أَهْلَكُنَا فَبَلَهُم ◌ِّنْ قَوِّنْ هَلْ تُحِسُّ مِنَهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ
نَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا (
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمُنُ وَلَداً﴾ يعني اليهود والنصارى، ومن زعموا أنَّ الملائكة بنات الله،
وقرأ حمزة والكسائي وُلداً بضم الواو وجزم(٢) اللام وهي أربعة مواضع ها هنا، وحرف في
(١) تفسير ابن كثير: ٤ / ٦٢
(٢) في نسخة أصفهان: همز.

٢٣٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
سورة الزخرف، وحرف في سورة نوح، والباقون بالفتح، وهما لغتان مثل العرب والعُرب
والعجم والعُجم.
قال الشاعر:
فليت فلاناً كان في بطن أُمّه وليت فلاناً كان ولْد حمار(١)
مخففاً وقيس بجعل الولد بالضم جمعاً والولد بالفتح واحداً.
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِذاً﴾ قال ابن عباس: منكراً، وقال قتادة ومجاهد: عظيماً، وقال
الضحاك: فظيعاً وقال مقاتل: معناه لقد قلتم قولاً عظيماً، نظيره قوله ﴿أفَأَصْفُكُمْ رَبَّكُمْ بِالبَنِينَ
وَاتَّخَذَ مِنِ المَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾(٢) وإلاد في كلام العرب أعظم الدواهي،
قال رؤبة :
نطح شىّ أد رؤوس الأداد
وفيه ثلاث لغات: إذّ بالكسر وهي قراءة العامة، وأد بالفتح وهي قراءة السلمي، وآد مثل
ماد وهي لغة بعض العرب ﴿تَكَادُ السَّموَاتُ﴾ قرأ نافع والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ
الباقون بالتاء التأنيث السموات ﴿يَتَفَظَّرْنَ﴾ يتشقّقن منه وقرأ(٣) أبو عمرو ينفطرن بالنون من
الانفطار وهو اختيار أبي عبد الله (٤) لقوله عز وجل ﴿إذا السَّمَاءُ أنفَطَرَتْ﴾ وقوله ﴿السماء مُنْفَطِرٌ
به﴾ الباقون بالتاء من التفطّر ﴿وَتَنشَقُ الأَرضَ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدأَ﴾ قال ابن عباس: وقرأ مقاتل:
وقطعاً وقال عطاء: هدماً، أبو عبيد: سقوطاً ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمُنِ وَلَداً﴾ يعني لأن دعوا، ومن قرأ
جعلوا وقالوا للرحمن ولداً (٥)، قال ابن عباس وأُبي بن كعب: فزعت السموات والأرض
والجبال وجميع الخلائق إلاّ الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم وقالوا
لله عزّ وجلّ ولد، ثم نفى سبحانه عن نفسه الولد فقال ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمْنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ يعني
انه لا يفعل ذلك ولا يحتاج إليه ولا يوصف به ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ إِلَا آتِي
الرَّحْمُن عَبْداً﴾ لا ولداً ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ أنفاسهم وأيامهم(٦) فلا يخفى عليه شيء
﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيْهِ﴾ جائيه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ وحيداً فريداً بعمله ليس معه شيء من الدنيا.
وأخبرنا عبد الله بن حامد، حدَّثنا محمد بن جعفر بن يزيد، حدَّثنا أحمد بن عبيد
(١) تاج العروس: ٢ / ٥٤٠.
(٢) الإسراء: ٤٠ .
(٣). في نسخة أصفهان زيادة: عاصم و.
(٤) في نسخة أصفهان: أبي عبيد، بدل أبي عبد الله.
(٥) في نسخة أصفهان: وقالوا اتخذ الرحمن ولداً.
(٦) في نسخة أصفهان: أنفاسهم وآثامهم وآثارهم.

٢٣٣
سورة مريم، الآيات: ٨٨ - ٩٨
المؤدب، حدَّثنا عبد الرزاق، وحدَّثنا عبد الله، نبّأ محمد بن الحسن، نبّأ أحمد بن يوسف
السلمي(١)، نبّأ عبد الرزاق، حدَّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عزّ وجلّ: «كذبني عبدي وشتمني ولم يكن له
ذلك، أما تكذيبه إيّي فأن يقول: لن يعيدنا كما بدأنا، وأمّا شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله
ولداً وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أُولد ولم يكن لي كفؤاً أحد))(٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمُنُّ وُدّاً﴾ أي حبّاً يحبّهم ويحبّهم
إلى عباده المؤمنين من أهل السموات والأرضين.
أخبرنا عبد الخالق بن عليّ بن عبد الخالق أبو القاسم العاصي أنبأ أبو علي محمد بن
أحمد بن حمزه عن الحسن الصوّاف(٣) ببغداد، قال أبو جعفر الحسن بن علي الفارسي، عن
إسحاق بن بشر الكوفي، عن خالد بن يزيد عن يزيد الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن
البراء عن عازب قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: يا علي قل:
((اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾)) الآية(٤).
وأخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ عبدوس بن الحسين، نبّأ أبو حاتم بن أبي أويس، حدَّثني
مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم: أنّه قال: إذا أحبّ الله العبد قال لجبرئيل: يا جبرئيل قد أحببت فلاناً فأحّبه، فيحبّه
جبرائيل ثمَّ ينادي في أهل السماء: إنّ الله عزّ وجلّ قد أحب فلاناً فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء ثم
يضع له المحبّة في الأرض وإذا أبغض العبد، قال مالك: لا أحسبه إلاّ قال فى البغض مثل
ذلك (٥)
وأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن يعقوب عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب
عن سعيد عن قتادة في قوله ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمُنُ وُداً﴾ قال: إي والله ودّ في قلوب أهل
الإيمان، وان هرم بن حيّان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله عزّ وجلّ
بقلوب أهل الإيمان إليه حتّى يورثه مودّتهم ورحمتهم.
(١) في نسخة أصفهان: وأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن الحسين بن الحسن عن أحمد بن يوسف
السلمي عن عبد الرزاق عن عبد الله، وأخبرنا محمد بن جعفر بن يزيد عن أحمد بن عبيد الله المؤدب.
(٢) صحيح ابن حبّان: ٣ / ١٢٨.
في نسخة أصفهان: عبد الخالق عن أبي علي محمد بن أحمد الصواف.
(٣)
(٤) نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي .: ص ٨٥.
(٥) مسند أحمد: ٢ / ٥١٤ بتفاوت.

٢٣٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ سهّلناه يعني القرآن ﴿بلسانك﴾ يا محمد ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني
المؤمنين ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ قال ابن عباس: شداداً في الخصومة وقال الضحاك: جدلاً
بالباطل، وقال مقاتل: خصماً، وقال الحسن: صُمّاً، وقال الربيع: صمّ آذان القلوب، وهو
جمع ألدّ يقال: رجل ألدّ إذا كان من عادته مخاصمة الناس.
وقال مجاهد: الألدّ الظالم الذي لا يستقيم، وقال أبو عبيد: الألدّ الذي لا يقبل الحق
ويدّعي الباطل، قال الله تعالى ﴿وَهُوَ أَلُّ الخِصَامِ﴾(١).
أخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ أحمد بن محمد بن الحسين بن السوقي، نبّأ أبو الازهر نبّأ
أبو أسامة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضيّا قالت: سمعت رسول الله وَّةٍ (٢)
يقول: أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدّ الخصم.
ثمّ خوّف أهل مكة فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنِ هَلْ تُحِسُّ﴾ هل ترى، وقيل: تجد
منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً وهو الصوت الخفيّ، قال ذو الرمّة:
إذ كان صاحب أرض أو به الموم
وقد توجّس ركزاً من سنابكها
قال أبو عبيدة: الركز: الصوت والحركة الذي لا يفهمه (٣) كركز الكتيبة، وأنشد بيت لبيد:
عن ظهر غيب والأنيس سقامها(٤)
وتوجّست ركز الأنيس فراعها
(١) البقرة: ٢٠٤.
(٢) مسند أحمد: ٦ / ٥٥.
(٣) في نسخة أصفهان: الصوت الخفيّ والحركة الذي يفهمه.
(٤) كتاب العين: ٧ / ٣٤٨٠ والعبارة: فتسمعت ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها.

٢٣٥
سورة طه، الآيات: ١ - ٨
سورة طه
وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفاً،
وثلثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية(١)
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم (٢) بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن
عبد الرَّحْمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن
العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص
ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إنّ الله عزّ وجلّ قرأ طه
وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأُمّة تقول(٣)
عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا (٤).
وأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل
عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد(٥) عن النبي ◌ٍَّ قال: ((لا يقرأ أهل الجنة من القرآن
إلا يس وطه))(٦).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ
٣
إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَن يَحْتَّى
طه ﴿أَ مََّ أَزْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفُى
وَالسَّمَوَتِ الْعَّلَىِ ﴿٣َ الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴿﴿ لَهُ مَا فِىِ السََّوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا نَّحْتَ
الْتُرِى ﴿َ وَإِن تَجْهَرْ بِالْغَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلْبِرَّ وَأَخْفَى (٣) اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ
قوله عزّ وجلّ ﴿طه﴾ قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين
(١) في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفاً وألف وثلاثمائة
وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.
(٢) في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.
(٣)
في الثانية : ينزل بدل تقول.
(٤) سنن الدارمي: ٢ / ٤٥٦.
(٥) في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.
(٦) الدرّ المنثور: ٤ / ٢٨٨ بتفاوت.

٢٣٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير
بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة(١).
أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد(٢) الأزدي عن محمد بن الجهم
السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على
عبد الله بن مسعود ﴿طه﴾ فقال له عبد الله: ﴿طِه﴾ فقال له الرجل: يا أبا عبد الرَّحْمن أليس
أُمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طِه، هكذا أقرأني رسول الله وَتلتر.
واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله(٣) بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم
الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال
مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان
الحبشة يعني محمداً وَله، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل
بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا(٤): يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة
عكّ: يا رجل، قال شاعرهم:
ان السفاهة طه في خلائقكم لا قدّس الله أرواح الملاعين(٥)
وقال آخر:
فخفت لعمرك أن يكون موائلا(٦)
هتفت بطه فى القتال فلم يجب
مقاتل(٧) بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب
القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ .
وقال جعفر بن محمد الصادق (ظُله): طه: طهارة أهل بيت محمد(٨) وَل} ثم ﴿إنّما يريد
الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً﴾ وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء
هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار.
(١) في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.
(٢) في نسخة أصفهان: جميل.
(٣) في نسخة أصفهان: علي.
(٤) فى الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.
(٥) جامع البيان للطبري: ١٦ / ١٧١٠ والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم
الملاعين .
(٦) جامع البيان للطبري: ١٦ / ١٧١ .
(٧) في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل
بالنبطية، مقاتل.
(٨) نهج الإيمان - ابن جبر .. ص ٨٥.

٢٣٧
سورة طه، الآيات: ١ - ٨
وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل:
الطاء يا طامع الشفاعة للأُمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة.
وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه صلى اللّه عليه
وسلم: يا طاهراً من الذنوب، ويا هادياً إلى علام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء:
هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾(١). وقال:
وقذف في قلوبهم الرعب، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة(٢)، والهاء: هوان أهل النار في
النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر
﴿مَا أنْزَلْنَا عَلَيْك القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قال مجاهد: كان رسول الله وَّ وأصحابه يربطون الحبال في
صدورهم في الصلاة بالليل(٣) ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته
فجعل يصلّي الليل كله(٤)، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي.
أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن
علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ◌َّل حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا
رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال ◌َّ: أفلا أكون عبداً شكوراً(٥).
وقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث (٦) للنبيّ وَلّى: إنّك لتسعى بترك
ديننا - وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده - فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا،
فقال رسول الله وَله: بل بعثت رحمة للعالمين، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى ﴿طه مَا
أَنْزَلْنَا عَلَيْكِ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وأصل (٧) لكن أنزلناه عظة (٨) لمن يخشى(٩).
قال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن
يخشى ولئلاً تشقى، تنزيلاً بدل من قوله تذكرةً.
(١) آل عمران: ١٥١ .
(٢) في نسخة أصفهان زيادةٍ: في الجنة.
(٣) في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.
(٤) في نسخة أصفهان زيادة: زماناًحتى نزلت هذه الآية فأمره الله عز وجل أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام
فنسخت هذه الآية قيام اللیل کله.
(٥) مسند أحمد: ٤ / ٢٥١.
في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.
(٦)
في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب ﴿إلاّ تذكرة﴾.
(٧)
في نسخة أصفهان زيادة: وتذكرة ﴿لمن يخشى﴾
(٨)
(٩) أسباب نزول الآيات - النيسباوري - ص: ٢٠٥.
٠

٢٣٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا ﴿تَنْزِيْلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّمُوات العُلى﴾
يعني العالية الرفيعة وهو جمع العُليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر ﴿الرَّحْمُنُ على الْعَرْشِ اسْتَوى
لَهُ ما في السَّمواتِ وَما في الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ يعني التراب الذي تحت
الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ.
قال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه
يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله
تعالى في القرآن في قصة لقمان ﴿فتكن في صخرة﴾ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى
﴿وما تحت الثرى﴾ لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، وذلك الثور فاتح فاهُ فإذا جعل الله عزّ وجلّ
البحار بحراً واحداً سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ تُعلن ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ .
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد(١) أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح
العجلي، حدَّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة(٢) عن ابن عباس في قوله ﴿يَعْلَمُ السِّرَ
وأخفى﴾ قال: وأخفی حدیث نفسك نفسك.
وأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدَّثنا إبراهيم بن أبي طالب
عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدَّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس
قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم
أنّك تحدّث به نفسك.
وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تُسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ
ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غداً، والله عزّ وجلّ يعلم
ما أسررت اليوم وما تسرّ غداً.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما
خفي على ابن آدم مّما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك
وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة.
وقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن
أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم.
وقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسهِ.
(١) في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.
(٢) في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.

٢٣٩
سورة طه، الآيات: ٩ - ٢٣
ثم وحّد نفسه فقال: ﴿الله لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى﴾.
وَهَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ مُوسَ ﴿٦َ إِذْ رَءَا نَارًاً فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوَاْ إِنَّ مَانَسْتُ نَارًّا لَّعَلَّ ءَانِيَكُم مِّنْهَا
بِفَيَسِ أَوْ أَِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى (٣٦) فَلَمَّ أَنَّهَا نُودِىَ يَمُوسَىَّ ﴿ إِنْ أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعَلَيْكٌ إِنَّكَ بِأَلَوَادِ
الْمُقَدِّسِ طُوَى (٣) وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَّ (٣) إِنَّى أَنَّا اللَّهُ لَّ إَِهَ إِلََّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ وَأَقِ الضَّلَوَةُ
لِذِكْرِى (٣٤) إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَاءُ أُخْفِيهَا لِتُخْرَبِ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا نَسْعَى ﴿أَ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لََّ
(١٧) قَالَ هِىَ عَمَاتَ أَتَوَكَّوُاْ عَلَيْهَا
يُؤْمِنُ بِهَا وَأَنَّبَعَ هَوَنَهُ فَتَرْدَى (٨٩) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَلْمُوسَى
وَأَهْشُِّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِيَ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرِىِ ﴿﴿ قَالَ أَلْفِهَا يَمُوسَى (١٤) فَأَلْقَّنَهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَنْعَى
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَتُعِيدُهَا سِيرَتَّهَا الْأُوْلَى (٣٩) وَأَضْعُمْ يَدَكُ إِلَى جَلِكَ مَخْرُجُ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوَءِ
ءَايَةً أُخْرَى (٣٦) لِزُيَكَ مِنْ ءَانِنَا الْكُبْرِى
﴿وهل أتاك﴾ يا محمد ﴿حديث موسى﴾ قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات(١) مجازه:
أليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه(٢) ثم أخبره.
﴿إذا رأى ناراً﴾ ليلة الجمعة، وقال وهب بن منّبه: استأذن موسى شعيباً في الرجوع إلى
والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد(٣) عن الطريق،
فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق
﴿فَقَالَ لِأهْلِهِ﴾ لامرأته ﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا مكانكم ﴿إِنِّي أَنَسْتُ﴾ أبصرتُ ﴿نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا
بِقَبَس﴾ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب (٤) أو غير ذلك ﴿أو أجد
عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ يعني من يدلّني على الطريق ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى
أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم(٥)، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيما فخاف وتعجب،
فَأُلقيت عليه السكينة ثمّ ﴿نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة
الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول عليه السلام ﴿ وَقُلْ إِنِّي أنا الَّذِيرُ المُبِينُ﴾(٦).
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وكان(٧) السبب في أمره بخلع نعليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد(٨)،
(١) في نسخة أصفهان زيادة: وايجاب.
(٢) في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.
(٣) في المخطوط: جار.
في نسخة أصفهان: قيس.
(٤)
(٥) في نسخة أصفهان: تنفد.
(٦) الحجر: ٨٩.
(٧) في نسخة أصفهان: أي فانزع و.
(٨) في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.

٢٤٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدَّثنا أحمد بن نجدة قال: حدَّثنا الحمّاني قال:
حدَّثنا عيسى بن يونس(١) عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن
مسعود عن النبي ◌َّ في قوله ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قال: كانتا من جلد حمار ميّت(٢)، وفي بعض
الأخبار: غير مدبوغ (٣)، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله وَله في
نعليه؟ وإنّما أُمر موسى عليه السلام أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو
الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأُقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد
الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبالواد المقدّس أنت؟.
وقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة
وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين.
وقال بعضهم: أُمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين
طافوا بالبيت.
قال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافياً، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي.
وقال أهل الاشارة: معناه: فرِّغ قلبك من شغل الأهل والولد.
قالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج.
فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ المطهّر ﴿طُوئِّ﴾ اسم
الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: اراد به إنك تطوي
الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طُويَت عليه البركة طيّاً، وقرأ
عكرمة: طوى بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طِوَىّ بالتنوين وإلاّ جرّاً
لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلما كان معدولاً
عن وجهه كان مصروفاً عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم.
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم ﴿فَاسْتَمِعْ
لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ولا تعبد غيري ﴿وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾
قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمَّ ذكرتها فأقمها،
يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد(٤) قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا إبراهيم بن
(١) في نسخة أصفهان: بن نجدة الحّماني عن يونس.
(٢) سنن الترمذي: ٣ / ١٣٨.
(٣) السنن الكبرى: ٣ / ٢٥٥.
(٤) في الثانية زيادة: الوزّان.