Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٧٨ - ٨٤
وقال أبو برزة: كان رسول الله ﴾ يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثمّ تلا هذه الآية ﴿أقِم
الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.
قال جابر بن عبد الله: دعوت النبي ◌َّل﴿ ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثمّ خرجوا
حين زالت الشمس فخرج النبي وَ لّر وقال: ((أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس)).
وعلى هذا التأويل يكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها، فدلوك الشمس صلاة الظهر
والعصر، وغسق الليل صلاتا العشاء، وتصديق هذا التفسير إن جبرئيل (عليه السلام) حين علم
رسول الله * كيفيت الصلاة إنما بدأ بصلاة الظهر.
وروى محمّد بن عمار عن أبي هريرة عن رسول الله وَل قال: ((جاءني جبرئيل ◌َّ فصلى
صلاة الظهر حين زاغت الشمس ثمّ جاءني فصلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثمّ صلى
بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثمّ جاءني فصلى بي الصبح
حين طلع الفجر، ثمّ جاءني في الغد فصلى بي الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله ثمّ صلى بي
العصر حين كان ظل كلّ شيء مثليه ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء
حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى بي الصبح حين أسفر ثمّ قال: هذه صلاة النبيين من قبلك
فالزمهم)) [٤٣](١).
عطاء بن أبي رياح عن جابر قال: أن جبرئيل أتى النبي وَلم يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم
جبرئيل ورسول الله ثم خلفه والناس خلف رسول الله صل﴾ فصلى الظهر حين زالت الشمس وآتاه
حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبرئيل ورسول الله وقالار خلفه والناس خلف
رسول الله ثلل فصلى العصر.
ثمّ أتاه حين وجبت فصلى المغرب وقد تقدم جبرئيل ورسول الله خلفه والناس خلف
رسول الله ﴾ فصلى المغرب ثمّ أتاه حين غاب الشفق فتقدم جبرئيل ورسول الله صل﴾ خلفه
والناس خلف رسول الله ﴿ فصلى العشاء ثمّ أتاه جبرئيل حين انشق الفجر فتقدم جبرئيل
ورسول الله ﴾ خلفه والناس خلف رسول الله ﴾ فصلى الغداة ثمّ أتاه اليوم الثاني حين كان
ظل الرجل مثل شخصه فصنع مثل ما صنع بالأمس صلى الظهر. ثمّ أتاه حين كان ظل الرجل منّا
مثل شخصيه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصرب ثمّ أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما
صنع بالأمس فصلى المغرب متمنياً ثمّ تمنا ثمّ قمنا فأتاه فصنع كما صنع بالأمس صلى العشاء.
ثمّ ابتدأ الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة ثمّ قال: ما
بين هاتين الصلاتين وقت.
(١) المصنف لعبد الرزاق: ١ / ٥٣٢ ح ٢٠٢٩.

١٢٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وعن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عبّاس إن رسول الله وَّر قال: ((أتاني جبرئيل
عند باب الكعبة مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك ثمّ صلى العصر حين كان كل شيء
بقدر ظله ثمّ صلى المغرب حين أفطر الصائم ثمّ صلى العشاء حين غاب الشفق ثمّ صلى الصبح
حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثمّ صلى الظهر في المرة الأخيرة حين كان كل شيء بقدر
ظله لوقت العصر بالأمس، ثمّ صلى العصر حين كان ظل شيء مثليه ثمّ صلى المغرب للوقت الأول
لم يؤخرها ثمّ صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى الصبح حين أسفره ثمّ التفت
فقال: يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين)) [٤٤](١).
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إقباله بظلامه.
قال ابن عبّاس: بدو الليل. قتادة: صلاة المغرب.
مجاهد: غروب الشمس. أبو عبيدة: سواده.
ابن قيس الرقیات :
فأشتكيت الهم والأرقا (٢)
إن هذا الليل قد غسقا
وقيل: غسق يغسق غسوقاً(٣).
﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أيّ صلاة الفجر فسمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلاّ بقرآن، وقيل: يعني
قرآن الفجر ما يقرأ به في صلاة الفجر.
وإنتصاب القرآن من وجهين: أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي أقم قرآن الفجر، قاله
الفراء، وقال أهل البصرة: على [الاغراء](٤) أي وعليك بقرآن الفجر.
وقال بعضهم: إجتماعه وبيانه وحينئذ يكون مجاز أقم الصلاة لدلوك الشمس بقرآن الفجر.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ یشهد ملائكة اللیل وملائکة النهار ینزل هؤلاء ويصعد
هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، وفي هذه الآية دليل واضح على تعلق وجوب
الصلاة بأول الوقت فإستحباب التغليس بصلاة الفجر.
الزهوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((فضل صلاة الجميع على
صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح))(٥).
(١) المصدر السابق ح ٢٠٢٨.
(٢) لسان العرب: ١٠ / ٢٨٨.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٣٠٤.
(٤) هكذا في الاصل.
(٥) كنز العمال: ٧ / ٥٥٣ ح ٢٠٢١٨، ومسند أحمد: ٢ / ٢٦٦.

١٢٣
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٧٨ - ٨٤
قال: يقول أبو هريرة: إقرأوا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا).
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي قم بعد نومك وصل.
قال المفسرون: لا يكون التهجد إلاّ بعد النوم يقال: تهجد إذا سهر، وهجد(١) إذا نام.
وقال بعض أهل اللغة: يقال تهجد إذا نام وتهجد إذا سهر وهو من الاضداد.
روى حميد بن عبد الرحمن بن عوف: عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله وَّ في
سفر وقال: لأنظرنّ كيف يصلي النبي ◌َّلر قال: فنام رسول الله ◌َّل ثمّ إستيقظ فرفع رأسه إلى
السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران: ﴿إن في خلق السماوات والأرض لآيات﴾ ثمّ أهوى
بيده إلى القربة وأخذ مسواكاً فأستّن به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ إستيقظ، فصنع كصنيعه أول
مرة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله تعالى(٢).
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ قال ابن عبّاس: خاصة لك، مقاتل بن حيان: كرامة وعطاء لك.
ابن عبّاس: فريضتك.
وقال: أُمر النبي ◌َلل بقيام الليل خاصة وكتبت عليه، ويكون معنى النافلة على هذا القول
فريضة فرضها الله عليك فضلاً عن الفرائض التي فرضها الله علينا زيادة.
وقال قتادة: تطوعاً وفضيلة(٣) .
وقال بعض العلماء: كانت صلاة الليل فرضها عليه في الابتداء ثمّ رخص له في تركها
فصارت نافلة(٤)
٠
وقال مجاهد: والنافلة للنبي وَ﴾ خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما
عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة لك من أجل أنه لا يعمل ذلك كفارة لذنوبهم، فهي نوافل
له وزيادة للناس يعملون ويصلون ماسوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها فليست للناس نوافل.
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ .
قال أهل التأويل: عسى ولعلّ من الله جزاء لأنه لا يدع أن يفعل لعباده ما أطمعهم فيه من
الجزاء على طاعاتهم لأنه ليس من صفته الغرور، ولو أن رجلاً قال لآخر: اهدني والزمني لعلي
أن أنفعك فلزمه ولم ينفعه مع إطماعه فيه ووعده لكان عاراً له وتعالى الله عن ذلك، وأما المقام
المحمود فالمقام الذي يشفع فيه لأُمته يحمده فيه الأولون والآخرون.
(١) الهجود النوم منه.
(٢) السنن الكبرى: ٦ / ٨٤ ح ١٠١٣٩.
(٣) تفسير الطبري: ١٥ / ١٧٩.
(٤) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٣٠٩.

١٢٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
عاصم بن أبي النجود عن زيد عن عبد الله قال: قال رسول الله وَال﴾: ((لو كنت متخذاً
خليلاً لأتخذت ابن أبي قحافة خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله ثمّ قرأ ﴿عسى أن يبعثك ربك
مقاماً محموداً﴾)) [٤٥](١).
وعن حذيفة بن اليمان قال: يُجمع الناس في صعيد واحد فلا تكلم نفس فتكون أول من
يدعو محمّداً وَّه فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت
وبك وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلاّ اليك تباركت وتعاليت سبحانك
رب البيت فذلك قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ..
قتادة عن مأمون بن مالك عن النبي و سلم قال: ((يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون
فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم (عليه السلام) فيقولون: يا آدم
أنت أبو البشر خلقك الله عزّ وجلّ بيده وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيء فإشفع لنا
إلى ربك حتى يريحنا من هذا المكان فيقول لهم لست هناك، ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي ربه
من ذلك ولكن أئتوا نوحاً فإنه أول الرسل بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول لست
هناك ويذكر خطيئته وسؤاله ربه هلاك قومه فيستحي ولكن أئتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون
إبراهيم (عليه السلام) فيقول: لست هناك ولكن أئتوا موسى عبداً كلمه الله وأعطاه التوراة فيأتون
موسى (عليه السلام) فيقول: لست هناك، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحي من ذلك
فيقول أئتوا عيسى عبد الله ورسوله هو كلمة الله وروحه فيأتون عيسى (عليه السلام) فيقول لست
هناك ولكن أثتوا محمّداً عبداً غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونني فأقوم وأمشي بين
سماطين من المؤمنين حتّى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي خررت ساجداً لربي
فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثمّ يقول: إرفعك رأسك ثم يقول: قلْ يسمع وسّل تعط واشفع
تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة، ثمّ أعود إليه
الثانية فإذا رأيت ربي وقعتَ أو خررتَ ساجداً لربي فيدعني ماشاء الله أن يدعني، ثمّ قال: إرفع
يا محمّد رأسك قل يسمع وسل تعطه وإشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع
فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة.
ثمّ أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعتا وخررت ساجداً لربي فيدعني ماشاء الله أن
يدعني، ثمّ يقال إرفع يا محمّد رأسك قل تسمع وسل تعطه وإشفع فشفع فأرفع رأسي فأحمده
تحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثمّ أعود إليه الرابعة، وأقول يارب مابقي إلّ
من حبسه القرآن.
قال أنس بن مالك: إن النبي ◌ّ قال: ((يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في
(١) علل الدارقطني: ٥ / ٣٢٠، وضعيف سنن الترمذي: ٤٩٠ ح ٧٥٣.

١٢٥
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٧٨ - ٨٤
قلبه من الخير مايزن شعيرة ثمّ يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير
مايزن ذرة» [٤٦](١) .
وروى أبو عاصم محمّد بن أبي أيوب الثقفي عن يزيد بن صهيب قال: كنت قد شغلني رأي
من رأى الخوارج وكنت رجلاً شاباً، قال: فخرجنا في عصابة ذوي عدد يزيد أن يحج ثمّ يخرج
على الناس فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله الهول جالس إلى
سارية وإذا هو قد ذكر الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدث والله عزّ
وجلّ يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ ﴿وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها﴾.
فقال لي: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم فقال: فهل سمعت مقام محمّد المحمود الذي يبعثه الله
فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمّد ◌َّ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار(٢).
ثمّ نعت وضع الصراط ومرور الناس عليه قال: وأخاف أن لا أكون حفظت ذلك غير أنه
قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم
فيدخلون نهراً من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس. قال: فرجعنا وقلنا أيرون
كهذا الشيخ يكذب على رسول الله 18 فوالله ماخرج منا غير رجل واحد.
الزهري عن علي بن حسين قال: قال النبي ◌َله: ((إذا كان يوم القيامة مدَّ الأرض مدّ الأديم
[بالعكاظي] (٣) حتّى لا يكون لبشر من الناس إلاّ موضع قدميه)) [٤٧].
قال النبي ويلقي: ((فأكون أنا أول من يدعى وجبرئيل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها،
وأقول: يارب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ فيقول الله تعالى: صدق، ثمّ أشفع فأقول يارب
عبادك عبدوك في أطراف الأرض قال: وهو المقام المحمود)) [٤٨](٤).
وروى سفيان عن سلمة بن سهيل عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: يكون أول شافع يوم
القيامة روح القدس جبرئيل ثمّ إبراهيم ثمّ موسى ثمّ عيسى ثمّ يقوم نبيكم وَّ رابعاً فلا يشفع أحد
بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود(٥).
سعيد بن عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي وسلم قال: إن بالبراق قال لجبرائيل: والذي
بعثك بالحق لا يركبني حتّى يضمن لي الشفاعة.
(١) بطوله في تفسير ابن كثير: ٣ / ٦٠.
(٢) إلى هنا في تفسير الدر المنثور: ٤ / ١٩٨.
(٣)
هكذا في الاصل.
تفسير الطبري: ١٥ / ١٨٣.
(٤)
(٥) تفسير الطبري: ١٥ / ١٨٠.

١٢٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
عبد الله بن إدريس عن عبد الله عن نافع عن ابن عمرو قال: إن رسول الله وَل قرأ ﴿عسى
أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾.
قال: يدنيني فيقعدني معه على العرش.
ابن فنجويه: أجلسني معه على سريره.
أبو أسامة عن داود بن يزيد [الأزدي] عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَِّ ﴿عَسَى أنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ قال: ((الشفاعة)) [٤٩].
عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن الله تعالى إتخذ إبراهيم خليلاً وإن صاحبكم
خليل الله وأكرم الخلق على الله ثمّ قرأ ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ قال: يقعده على
العرش .
وروى سعيد الجريوي عن سيف السدوي عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة
يؤتي نبيكم ◌َّ فيقعد بين يدي الرب عزّ وجلّ على الكرسي.
وروى ليث عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ قال:
يجلسه على العرش.
قال الأستاذ الإمام أبو القاسم الثعلبي: هذا تأويل غير مستحيل لأن الله تعالى كان قبل
خلقه الأشياء قائماً بذاته ثمّ خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته ليعرف
وجوده وحده وكمال علمه وقدرته بظهور أفعاله المتقنة بالحكمة، وخلق لنفسه عرشاً إستوى عليه
كما يشاء من غير أن صار له مما شاء أو كان له العرش مكان بل هو الآن على الصفة التي كان
عليها قبل أن خلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء أقعد محمداً وَّل على العرش أو على
الأرض لأن إستواء الله على العرش ليس بمعنى الاستقبال والزوال أو تحول الأحوال من القيام
والقعود أو الحال الذي يشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف،
وليس إقعاده محمّداً بَّيه على العرش موجباً له صفة الربوبية أو مخرجاً إياه من صفة العبودية بل هو
رفع لمحله وإظهار لشرفه وتفضيل له على غيره من خلقه، وأما قولهم: في الأخبار معه، فهو شابه
قوله تعالى ﴿إن الذين عند ربك﴾(١) و﴿رب ابنٍ لي عندك بيتاً في الجنة﴾(٢) ونحوهما من
الآيات، كل ذلك راجع إلى الرتبة والمنزلة لا إلى المكان والجهة والله أعلم.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق﴾ قرأه العامّة: بضم الميمين على
معنى الإدخال والإخراج.
(١) سورة الأعراف: ٢٠٥
(٢) سورة التحريم: ١١

١٢٧
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٧٨ - ٨٤
وقرأ الحسن: بفتحهما على معنى الدخول والخروج.
وإختلف المفسرون في تأويلها .
فقال ابن عبّاس والحسن وقتادة ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق﴾ المدينة ﴿وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ
صِدْق﴾ من مكة نزلت حين أمر رسول الله وَل بالهجرة فروى أبو حمزة الثمالي عن جعفر بن
محمّد عن محمّد بن المنكدر قال: قال رسول الله وَّ: ((حين دخل الغار ﴿رَبِّ أدْخِلْنِي﴾ يعني
الغار ﴿مُدْخَلَ صِدْق وَأخْرِجْنِي﴾ من الغار ﴿مُخْرَجَ صِدْق﴾ إلى المدينة)) [٥٠](١).
وقال الضحاك: ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ من مكة آمناً من المشركين ﴿أدْخِلْنِي﴾ مكة
﴿مُدْخَلَ صِدْق﴾ ظاهراً عليها بالفتح.
عطية عن ابن عبّاس ﴿أَدْخِلْنِي﴾ القبر ﴿مُدْخَلَ صِدْق﴾ عند الموت ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ من القبر
﴿مُخْرَجَ صِدْق﴾ عند البعث.
الكلبي ﴿أدْخِلْنِي﴾ المدينة ﴿مُدْخَلَ صِدْق﴾ حين أدخلها بعد أن قصد الشام ﴿وَأخْرِ جْنِي)
منها إلى مكة افتحها لي.
مجاهد ﴿أدْخِلْنِي﴾ في أمرك الذي أدخلتني به من النبوة ﴿مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي﴾ منه
﴿مُخْرَجَ صِدْق﴾ .
قتادة عن الحسن: ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق﴾ في طاعتك ﴿وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ﴾ بالصدق أي
سالماً غير مقصر فيها .
وقيل: معناه ﴿أدْخِلْنِي﴾ حيث ما أدخلتني بالصدق ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ بالصدق أي لتجعلني
ممن أدخل بوجه وأخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون أميناً عند الله.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانً نَصِيراً﴾ مجاهد: حجة بينة.
قال الحسن: يعني ملكاً قوياً ينصرني به على من والاني وعزّاً ظاهراً أُقيم به دينك، قال:
فوعده الله تعالى لينزعن ملك فارس والروم وعزتهما فيجعله له.
قتادة: إن نبي الله و ير علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً
بكتاب الله وحدوده، وفرائضه وإقامة دينه وإن السلطان رحمة من الله جعلها من أظهر عباده
لا يقدر بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم.
وقيل: هو فتح مكة.
(١) تفسير أبي حمزة الثمالي: ٢٣٧ ح ١٨٧ عن الثعلبي.

١٢٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وروى موسى بن إسماعيل عن حماد عن الكلبي في قوله ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً
نَصِيراً﴾ قال: سلطانه النصير.
عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: إستعمله رسول الله وَلّر على أهل مكة [قال له: ]
إنطلق فقد إستعملتك على أهل الله يعني مكة فكان شديداً على [المنافقين] ليّناً للمؤمنين.
قال: لا والله لا أعلم متخلفاً ينطلق عن الصلاة في جماعة إلاّ ضربت عنقه فإنه لا يتخلف
عنها إلاّ منافق.
فقال أهل مكة: يا رسول الله تستعمل على آل الله عتاب بن أسيد إعرابياً حافياً؟
فقال رسول الله وَالقر: ((إني رأيت فيما يرى النائم، كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة
فأخذ بحلقه الباب ففلقها(١) لا شديداً حتّى فتح له فدخلها فأعز الله به الاسلام لنصرته المؤمنين
على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير)). [٥١](٢)
﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ﴾ يعني أتى ﴿وَزَهَقَ البَاطِلُ﴾ أي ذهب الشيطان وهلكه، قاله قتادة.
وقال السدي: الحقّ الاسلام، والباطل الشرك. وقيل: الحق دين الرحمن والباطل
الأوثان.
وقال ابن جريح: الحق الجهاد والقتال.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ذاهباً .
يقال: زهقت نفسه إذا خرجت وزهق السهم إذا جاوز الفرض فإستمر على جهته.
قال ابن مسعود وابن عبّاس: لما إفتتح رسول الله ◌َلل مكة وجد حول البيت ثلثمائة وستين
صنماً، صنم كل قوم بحيالهم ومعه مخصرة فجعل يأتي الصنم فيطعن في عينه أو في بطنه ثمّ
يقول ﴿جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ بجعل الصنم ينكب لوجهه وجعل أهل
مكة يتعجبون، ويقولون فيما بينهم ما رأينا رجلاً أسحر من محمّد.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بيان من الضلالة والجهالة بيّن
للمؤمن ما يختلف فيه ويشكل عليه، فيشفي به من الشبهة ويهدي به من الحيرة وإذا فعل ذلك
رحمه الله، فهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها كما يشفي المريض إذا زالت العلل عنه.
قتادة: إذا سمعه المؤمن إنتفع به وحفظه ووعاه.
(١) في الإصابة: ٤ / ٣٥٧: فقعقها.
(٢) كنز العمال: ١١ / ٧٣٧ ح ٣٣٦٠٤ بتفاوت.

١٢٩
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٧٨ - ٨٤
﴿وَلا يَزِيدُ الَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ لأنه لا ينتفع به ولا يحفظهُ ولا يعيه.
وقال همام: سمعت قتادة يقول: ما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ثمّ
قرأ هذه الآية.
وروت ساكنة بنت الجرود قالت: سمعت رجاء الغنوي يقول: قال رسول اللـه وَلقوله: ((مَن لم
يستشف بالقرآن فلا شفاه الله)) [٥٢](١).
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أعْرَضَ﴾ عن ذكرنا ﴿وَنَأَى بِجَانِهِ﴾ وتباعدنا بنفسه.
وقال عطاء: تعظم وتكبر.
وإختلف القراء في هذا الحديث، فقرأ أبو عمر وعاصم ونافع وحمزة في بعض الروايات
عنهم: بفتح النون وكسر الهمزة على الامالة.
وقرأ الكسائي وخلف وحمزة في سائر الروايات: بكسرهما، اتبعوا الكسرة.
وقرأ أكثرهم: بفتحهما على التفخيم وهي اللغة العالية.
وقرأ أبو جعفر وعامر: بالنون ولها وجهان: أحدهما: مقلوبة من نأي كما يقال رأى ورأ،
والثاني: إنها من النوء وهو النهوض والقيام ويقال أيضاً للوقوع الجلوس نوء وهو من الاضداد.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الشدة والضر ﴿كَانَ يَئُّوساً﴾ قنوطاً ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى
شَاكِلَتِهِ﴾ .
قال ابن عبّاس: على ناحيته. مجاهد: عی حدته.
الحسن وقتادة: على نيته. ابن زيد: على دينه.
مقاتل: على [جدلته](٢). الفراء: على طريقته التي جبل عليها .
أبو عبيدة والقتيبي: على خليقته وطبيعته.
وهو من الشكل، يقال: لست على شكلي وشاكلتي، وقيل: على سبيله الذي إختاره.
لنفسه، وقيل: على اشتباهه من حولهم، أشكل عليّ الأمر أي إشتبه، وكل هذه الأقاويل
متقاربة .
يقول العرب: طريق ذو شواكل إذا ينشعب الطرق [منه]، ومجاز الآية: كل يعمل ما
يشبهه، كما قيل في المثل السائر: كل إمرىء يشبه فعله ما فعل المروء فهو أهله.
(١) تفسير القرطبي: ١٠ / ٣١٨.
(٢) هكذا في الاصل.

١٣٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ .
وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْرُّوْجِّ فُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوْتِبِشُرِ مِّنَ الْعِ إِلَّ قَلِلا ◌َفِجَ
بِاَلَدِىّ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَحِكِيْلًا ﴿٨ إِلَّا رَحْمَهُ مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ
كَبِيرٌ (٤) قُلِ لَِّ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْحِنُّ عَلَى أَنْ يَأَنُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرَْانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَأَنَ بَعْضُهُمْ
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا فَةَ
لِبَعْضِ ظهِيرًا
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.
الاعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنت أمشي مع النبي ◌ُّر بالمدينة وهو
متكيء على عسيب فمرَّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم:
لا تسألوه، فقام متكأ على العسيب، قال عبد الله، وأنا خلفه فظنيت أنه يوحي إليه فقال ﴿وَيَسْأ
لُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي﴾ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلا﴾.
فقال بعضهم لبعض: قلنا لكم لا تسألوه، وفي غير الحديث عن عبد الله، قالوا: فكذلك
نجد مثله إن الروح من أمر الله تعالى.
وقال ابن عبّاس: قالت اليهود للنبي ◌ّل﴿ أخبرنا ما الروح وكيف يعذب الروح في الجسد
ولم يكن نزل فيهم شيء؟ فلم يجبهم فأتاه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية.
ويروى أن اليهود إجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمّد وحاله سألوا محمداً
عن الروح. وعن فتية فقدوا في الزمان الأوّل، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أجاب
في ذلك كله فهو بنبي وإن لم يجب من ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك
عن البعض فهو نبي فسألوا النبي وَل﴿ عنها فأنزل الله عزّ وجلّ فيما سألوه عن الفتية قوله ﴿أم
حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾(١) إلى آخر القصة.
وأنزل عن الجواب الذي بلغ شرق الأرض وغربها ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾(٢) إلى
آخر القصة.
وأنزل في الروح قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآية.
واختلفوا في هذا الروح المسؤل عنه ماهو: فقال الحسن وقتادة: هو جبرئيل.
قال قتادة: وکان ابن عبّاس یکتمه.
(١) سورة الكهف: ٩.
(٢) سورة الكهف: ٨٣.

١٣١
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٨٥ - ٨٩
وروى أبو الميسرة ممن حدثه عن علي بن أبي طالب (رَبُّه) أنه قال: في قوله ﴿وَيَسْأ
لُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآية، قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه
منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله عزّ وجلّ بتلك اللغات كلها،
يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.
ابن عبّاس: الروح خلق من خلق الله صورهم على صور بني آدم، وما نزل من السماء
ملك إلاّ ومعه واحد من الروح.
أبو صالح: الروح كهيئة الأنسان وليسوا بناس.
مجاهد: الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا
بملائكة .
سعيد بن جبير: لم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن بلغ السماوات
السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة، خلقه على صورة الملائكة وصورة
وجهه على صورة وجه الآدميين، فيقوم يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد لولا أن سندس
الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السماوات من نوره.
وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يفقده (فأوهم وبوجوده مقاديم](١).
وقال بعضهم: أراد بالروح القرآن وذلك أن المشركين قالوا: يا محمّد من أتاك بهذا
القرآن، فأنزل الله تعالى بهذه الآية وبيّن أنه من عنده ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾
يعني القرآن ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ ناصراً ينصرك ويرده عليك.
وقال الحسن: وكيلاً ناصراً يمنعك منا إذا أردناك.
﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني لكن لا يشاء ربك رحمة من ذلك، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ
كَبِيراً﴾ .
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: إن رسول الله وَل خرج وهو معصوب
الرأس من وجع فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ((أيها الناس ما هذه الكتب التي
يكتبون الكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقاً إلاّ قليلاً إلاّ أخذ منه)).
قالوا: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: ((من أراد الله به خيراً أبقى
في قلبه لا إله إلاّ الله)) [٥٣](٢).
وروى شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة
(١) هكذا في المخطوط.
(٢) مجمع الزوائد: ١ / ١٥٠، وكتاب الدعاء للطبراني: ٤٣٧ .

١٣٢
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وآخر ما تفقدون الصلاة والمصلين قوم لا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوماً وما معكم منه
شيء، فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا
نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة.
قال: يسري به في ليلة فيذهب بما في المصاحب ما في القلوب (فتصبح الناس كالبهائم]
ثمّ قرأ عبد الله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية(١).
وروى موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ناجية بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عبد
الله قال: إكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن
يرفع؟ قالوا: هذه المصاحف يرفع فكيف بما في صدور الرجال.
قال: يسري عليه ليلاً يصبحون منه فقراء [وينسون] قول لا إله إلّ الله فيتبعون في قول أهل
الجاهلية وإشعارهم فذلك حين يقع عليهم القول.
وعن عبد الله بن عمرو قال: لا يقوم الساعة حتّى يرفع القرآن من حيث نزل له دوي كدوي
النحل فيقول الله تعالى: ما بالك، فيقول: منك خرجت وإليك أعود أُتلى ولا يعمل فيَّ.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالجِنُّ عَلَى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا يقدرون
على ذلك.
قال السدي: لا يأتون بمثله لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله.
﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِيَعْض ظَهِيراً﴾ عوناً.
نزلت هذه الآية حين قال الكفار: لو شئنا لقلنا مثل هذا فأكذبهم الله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا
لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله ﴿إلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً.
وَقَالُواْ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُّرَ لَّا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٢٦) أَوْ تَكُونَ لَّكَ جَنَّةٌ مِّنْ نَخِيلٍ وَعِنَبِ
تَفَجْرَ الْأَنْهَرَ خِظَلَهَا نَفْجِيرًا ﴿﴿ أَوْ تُنْقِطَ اَلسَّمَآءَ كُمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَمَا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ
فَبِيلًا (﴿﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّنِ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُعِلَ عَلَيْنَا كِتَبَاَ نَّغْرَؤُهُ
قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّ بَنَا رَسُولًا (١٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ حَهُ الْهُدَىَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
أَبَّعَثَ اللَّهُ بَشَرَ زَّسُولًا (٩٤) قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطَبِنِينَ لَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ
مَلَڪَا زَسُولًا ﴿يَ قُلْ كَفَى بِأَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَّنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِبَادِهِ خَيْرًا بَصِيرًا (١٦) وَمَنْ يَهْدِ
اللَّهُ فَهُوْ اَلْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلَّ فَلَنْ تَجِدَ لَّمْ أَوْلِيَاءُ مِن دُونٌِّ وَنَحْشُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمَّيَّا وَيْكَا
(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠ / ٣٢٥.

١٣٣
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٩٠ - ١٠٠
وَسُمَّاً فَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ كُلَّمَا حَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا ﴿هَ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بَِّايَئِنَا وَقَالُواْ أَوِذَا
كُنَا عِظَمًا وَرُفَنْتًا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلَّفَا جَدِيدًا ﴿٩) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ
عَلَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لَّ رَيْبَ فِيهِ فَتَى الظََّلِمُونَ إِلَّ كُفُورًا (٨٦) قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْيِّكُونَ
خَزَّابِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَأَمْسَكُ خَشْيَةَ الْإِنَفَاقِ وَكَنَ اْإِسَنُ فَتُورًا.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً﴾.
عكرمة عن ابن عبّاس أن عتبة وشيبة إبني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحرث
وأبا البحتري بن هشام، والاسود بن المطلب وزمعة ابن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن
هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهاً ومنبهاً إبني الحجاج إجتمعوا
- أو من إجتمع منهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة.
فقال بعضهم لبعض: إبعثوا إلى محمّد وكلموه وخاصموه حتّى تعذروا فيه، فبعث إليه أن
أشراف قومك قد إجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله وَ ل﴿ سريعاً وهو [يظن بأنه] بدا لهم
في أمره بداءً، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم.
فقالوا: يا محمّد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لانعلم رجلاً من العرب أدخل على
قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعنّت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة
وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلاّ وقد جئته فيما بيننا [وبينك]، وإن كنت إنما جئت بهذا
الحدث تطلب به مالاً حظنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تطلب الشرف
فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك به رأي قد غلب
عليك - فكانوا يسمون من الجن من يأتي الأنسان بالخير والشر فربما كان ذلك - بذلنا أموالنا في
طلب الطب لك حتّى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال رسول الله وَلير: ((مابي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم أطلب به أموالكم ولا
الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون
لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فأن تقبلوا مني ما جئتكم فهو حظكم في
الدنيا والآخرة وأن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم)) [٥٤](١).
فقالوا: يا محمّد وإن كنت غير قابل منا ماعرضنا عليك فقد علمت إنه ليس من الناس أحد
أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليُسيّر عنا
هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق
(١) خلق أفعال العباد للبخاري: ٨١، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٨ .

١٣٤
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا فيهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً
فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك
عند الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول.
فقال لهم رسول الله وَّير: ((ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم
ما أرسلت به فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتّى
يحكم الله بيني وبينكم)) [٥٥](١).
قالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك وسله فيجعل لك
تيجان وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك فإذن نراك تقوم بالأسواق وتلتمس
المعاش كما نلتمسه .
فقال لهم رسول الله وَلجر: (([ما أنا بفاعل] ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بُعثت إليكم
بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً)) [٥٦].
قالوا: فأسقط السماء [علينا كسفاً] كما زعمت أن ربك [إن] شاء فعل.
فقال رسول الله وَلي: ((ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك)) [٥٧].
قالوا: قد بلغنا إنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنّا والله لا نؤمن
بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمّد أما والله لا نتركك وما بلغت منا حتّى نهلكك أو
تھلکنا .
وقال قائل منهم ﴿لن نؤمن لك حتّى تأتينا بالله والملائكة قبیلاً﴾.
فلما قالوا ذلك قام النبي ◌َّ، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن
عمرو بن محروم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمّد عرض عليك
ماعرضوا فلم تقبل منهم ثمّ سألوك لأنفسهم أمراً فليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثمّ
سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أومن بك أبداً حتّى تتخذ إلى
السماء سلماً ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر حتّى تأتيها وتأتي بنسخة مصورة معك ونفر من الملائكة
يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ألاّ أصدقك، ثمّ انصرف وإنصرف
رسول الله الثقة .
فقال: أبو جهل، حين قام رسول الله وَله: يا معشر قريش إن محمّد قد أتى إلا ماترون مَنْ
عيّب ديننا وشتم آلهتنا وسفّه أحلامنا وسبّ آباءنا فإني أعاهد الله لأجلسنّ له عند الحجر قدر ما
أطيق حمله وإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه.
(١) تفسير الطبري: ١٥ / ٢٠٦، وتفسير الدر المنثور: ٤ / ٢٠٢.

١٣٥
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ٩٠ - ١٠٠
وإنصرف رسول الله رسله إلى أهله حزيناً لما فاته من متابعة قومه ولما رأى من مباعدتهم
فأنزل الله تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ﴾(١) (٢) .
قال أهل الكوفة: (تفجر) خفيفة بفتح التاء وضم الجيم، وإختاره أبو حاتم لأن الينبوع
واحد .
[قرأ] الباقون بالتشديد على التفعيل، وإختاره أبو عبيد ولم يختلفوا في الثانية أنها مشددة
لأجل الأنهار لأنها جمع، والتشديد يدل على التكثير من الأرض يعني أرض مكة ينبوعاً يعني
عيوناً هو مفعول من نبع الماء.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأنهَارَ خِلالَهَا﴾ وسطها ﴿تَفْجِيراً﴾ [رقيقاً]
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا ◌ِسَفاً﴾ قرأ أكثر قراء العراق: بسكون السين أي قطعة أجمع
كسفه وهو جمع الكثير، مثل تمرة وتمر وسدرة وسدر.
تقول العرب: أعطني كسفة من هذا الثوب أي قطعة، ويقال: منه جاءنا ببريد كسف أي
قطع خبز، وقيل: أراد جائياً .
وفتح الباقون السين، وهو القطع أيضاً جمع القليل للكسفة .
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ .
قال ابن عبّاس: كفيلاً. الضحاك: ضامناً. مقاتل: شهيداً.
مجاهد: جمع القبيلة أيّ بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة.
قتادة: عياناً. الفراء: هو من قول العرب: لقيت فلاناً قبلاً وقبلا أي معاينة.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف﴾ من ذهب وأصله الزينة.
مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتّى رأيته في قراءة ابن مسعود: بيت من ذهب.
﴿أَوْ تَرْقَى﴾ تصعد ﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ أيّ من أجل رقيك صعودك ﴿حَتَّى تُنَزَّلَ
عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه﴾ أمرنا فيه بإتباعك ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ .
وقرأ أهل مكة والشام: ﴿قال سبحان ربي﴾ يعني محمد رَّ ﴿هَلْ كُنتُ إلَّ بَشَراً رَسُولا﴾
وليس ما سألتم في طوق البشر ولا قدرة الرسل ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَِ أنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إلاَّ
أنْ قَالُوا أَبَعَثَ﴾ جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولا﴾ وإن الأولى في محل النصب والثانية في
(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٥ / ٢٠٦، ٢٠٥.
(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ٥ / ٦١.

١٣٦
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
محل الرفع وفي الآية إختصار فتأويلها هلاَّ بعث الله ملكاً رسولاً فأجابهم الله تعالى ﴿قُلْ لَوْ
كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُظْمَئِنِينَ﴾ مستوطنين مقيمين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً
رَسُولا﴾ لأن الملائكة إنما تبعث إلى الملائكة ويراهم الملائكة ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ﴾ إنه رسوله إليكم ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ إلى قوله ﴿أُوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ دونهم
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ .
شيبان عن قتادة عن أنس: إن رجلاً قال: يارسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم
القيامة؟ فقال نبي الله وقدر: ((إن الذي أمشاه على رجاله قادر أن يمشيه على وجهه [في النار]))
[٥٨](١).
وروى حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة وصنفاً ركبان وصنفاً يمشون على
وجوههم)).
قيل: يارسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: ((إن الذي أمشاهم على أقدامهم
قادر على أن يمشيهم على وجوههم إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك)) [٥٩](٢).
﴿عُمْياً وَيُكْماً وَصُمّاً﴾ إن قيل: وكيف وصف الله عزّ وجلّ هؤلاء يأتيهم يوم القيامة عمي
وصم وبكم، وقال تعالى ﴿ورأى المجرمون النار﴾(٣) فقال: ﴿سمعوا لها تغيظاً وزفيراً﴾ وقال
﴿دعوا هنالك ثبوراً﴾ والجواب عنه ماقال ابن عبّاس: عميّاً لايرون شيئاً يسرهم، بكماً لا ينطقون
بحجة، صماً لا يسمعون شيئاً يسرهم.
وقال الحسن: هذا حين [جاءتهم] الملائكة وحين يساقون إلى الموقف عُمي العيون
وزرقها سود الوجوه إلى أن يدخلوا النار.
مقاتل: هذا حين يقال لهم: إخسؤا فيها ولا تكلمون، فيصيرون بأجمعهم عمياً بكماً صماً
لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك.
وقيل: عمياً لا يبصرون الهدى، وبكماً لا ينطقون بخير، وصماً لا يسمعون الحق.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قال ابن عبّاس: [سكنت] مجاهد: [طفيت] قتادة: لانت
وضعفت .
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ وقوداً ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أإذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أإِنَّا
(١) مسند أحمد: ٣ / ٢٢٩، وصحيح ابن حبان: ١٦ / ٣١٦ ح ١٧٣٢١ .
(٢) مسند أحمد: ٢ / ٣٦٣.
(٣) سورة الكهف: ٥٣ .

١٣٧
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٠١ - ١١١
لَمَبْعُوتُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ فأجابهم الله تعالى ﴿أُوَ لَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾
في عظمها وشدتها وكثرة أجزائها وقوتها ﴿قَادِرٌ عَلَى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في صغرهم وضعفهم
نظيره قوله ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾(١) وقوله ﴿أأنتم أشد خلقاً أم
السماء﴾(٢).
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أجَلا﴾ أي وقتاً لعذابهم وهلاكهم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ إنه إليهم، وقيل: إن هذا
جواب لقولهم أو يسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، وقيل: هو يوم القيامة، وقيل: هو
الموت الذي يعاينونه ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ
خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أيّ أملاك ربي وأمواله وأراد بالرحمة هاهنا الرزق ﴿إذاً لأَمْسَكْتُمْ﴾ لبخلتم
وحبستم ﴿خَشْيَةَ الإنفَاقِ﴾ أي الفاقة، ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُوراً﴾ أي بخيلاً ممسكاً ضيقاً.
وَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ◌َيَتٍ بَيْتَتِّ فَسْئَلْ بَنِىَّ إِسْرَِّيِلَ إِذَّ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوَنُ إِّ لَأَظْتُكَ
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَزَّلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنّ لَأَظُنُكَ
يَمُوسَى مَسْخُورًا
فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَغِزَّهُم مِّنَ اُلْأَرْضِ فَأَغْرَفْنَهُ وَمَنْ مَّعَلُ جَمِيعًا (٦) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ. لِيَفِىّ
يَفْعَوْنُ مَثْبُورًا
إِسْرَِّيِلَّ أَسْكُواْ اُلْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ ◌ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (٦َ وَبِالْحَقِّ أَنْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَّلْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
مُبِّرَ وَذِيرَ ﴿ وَقُرْءَانَا فَرَفْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ وَنَزْنَهُ نَِيلًا (َ قُلْ ءَاِنُواْ بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ
الَّذِينَ أُوْنُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ، إِذَّا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخْزُونَ لْأَذْقَانِ سُجَّدًا (٢٦) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبَِّ إِن كَنَّ وَعْدُ رَيْنَا
أَفْعُولًا ﴿َ وَجِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ ﴿٠َ قَلِ أَدْعُواْ اللَّهُ أَوْ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيََّ فَّا تَدْعُواْ
فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَّا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَعْ بَيْنَ ذَلِكَ سِيلًا (١٦) وَقُلِ اَلْحَمَّدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ
يَتَّخِذْ وَ وَمْ يَكُ لَهُ شَرِكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنِ لَّهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِرَةُ تَكْبِيرًا (
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ قال ابن عبّاس والضحاك: هي العصا واليد البيضاء
والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
وقال: عكرمة: مطر، الوراق وقتادة ومجاهد والشعبي وعطاء: هي الطوفان والجراد
والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات.
وعن محمّد بن كعب القرظي قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن الآيات التسع، فقلت:
الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وعصا موسى ويده والطمس والبحر.
فقال عمر: وأنا أعرف إن الطمس إحداهن.
(١) سورة المؤمن: ٥٧ .
(٢) سورة النازعات: ٢٧

١٣٨
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
قال محمّد بن كعب: إن رجل منهم كان مع أهله في فراشه وقد صار حجرين، وإن المرأة
منهم لقائمة تختبز وقد صارت حجراً، وإن المرأة منهم لفي الحمام وإنها تصير حجراً .
فقال عمر: كيف يكون الفقه إلاّ هكذا ثمّ دعا بخريطة فيها أشياء مما كانت أُصيبت لعبد
العزيز بن مروان بمصر حين كان عليها من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة [قطعاً]
وإنها لحجر وأخرج الجوزة مشقوقة وإنها لحجر وإخرج أشباه ذلك من الفواكة وإنها الحجارة،
وأخرج دراهم ودنانير وفلوساً وإنها لحجارة. فعلى هذا القول يكون الآيات بمعنى الدلالات
والمعجزات .
وقال بعضهم: هي بمعنى آيات الكتاب.
روى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن غسان المرادي: إن
يهودياً قال لصاحبه: تعالَ حتّى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل نبي لأنه لو سمع صارت
له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات﴾.
فقال ◌َله: ((لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا تزنوا ولا
تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبرىء إلى سلطان ليقتله ولا تسرقوا ولا تقذفوا المحصنة
ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم خاصة في اليهود أن لا يتعدوا في السبت)) [٦٠](١).
فقبّلوا يده [ورجله](٢) وقالوا: نشهد أنّك نبي، قال: ((فما يمنعكم أن تتبعوني؟)) قالوا: إن
داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنَّا نخاف إن اتبعناك تقتلنا اليهود(٣).
﴿فسْأل بني إسرائيل إذ جاءهم﴾ موسى (عليه السلام)، وهو قراءة العامة، وروى حنظلة
السِّدوسي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ ﴿فسَأَل بني إسرائيل إذ جاءهم﴾ على الخبر
وقال: سأل موسى فرعون أن يخلِّي سبيل بني إسرائيل ويرسلهم معه.
فقال له فرعون: ﴿إنّ لأظنك يا موسى مسحوراً﴾ أي قد سحروك، قاله الكلبي، وقال ابن
عباس: مخدوعاً، وقال محمد بن جرير: يعطي علم السحر فهذه العجائب التي يفعلها من
سحرك، وقال الفرّاء وأبو عبيد: ساحراً فوضع المفعول موضع الفاعل، كما يقال: هو مشؤوم
وميمون أي شائم ويامن، وقيل: معناه: وإنّي لأعلمك يا موسى بشراً ذا سحر، أي له رئة (٤).
قال موسى: ﴿لقد علمت﴾ قراءة العامة بفتح التاء خطاباً لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء
وهي قراءة علي.
(١) الدر المنثور: ٤ / ٢٠٤، وفتح القدير: ٣ / ٢٦٥.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) تفسير الطبري: ٢١٦/١٥، ومسند أحمد: ٤ / ٢٤٠.
(٤) فتح القدير: ٦٣/٤، ومختار الصحاح: ١٥٦.

١٣٩
سورة بني إسرائيل (الإسراء)، الآيات: ١٠١ - ١١١
روى شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي بن أبي طالب (رضاُبه) أنه قرأها:
لقد علمتُ برفع التاء وقال: والله ما علم عدواً لله ولكن موسى هو الذي علم، قال: فبلّغت ابن
عباس فقال: إنها لقد علمتُ تصديقاً لقوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾.
قال أبو عبيد: والمأخوذ عندنا نصب التاء، وهو أصح من المعنى الذي احتجِّ به ابن
عباس، ولأن موسى (عليه السلام) لا يحتج بأن يقول علمت أنا وهو الرسول الداعي، ولو كان
مع هذا كلِّه تصح تلك القراءة [عن علي] لكانت حجة، ولكنها ليست تثبت عنه إنما هي عن رجل
مجهول، ولا نعلم أحداً من القرّاء تمسك بها غير الكسائي، والرجل المرادي الذي روى عنه أبو
إسحاق هو كلثوم المرادي(١).
﴿ما أنزل هؤلاء﴾ الآيات التسع ﴿إلاّ ربّ السموات والأرض بصائر) جمع بصيرة ﴿وإنّي
لأظنّك يا فرعون مثبوراً﴾ قال ابن عباس: يعني ملعوناً، مجاهد: هالكاً، قتادة: مهلكاً(٢).
وروى عيسى بن موسى عن عطية العوفي في قوله: ﴿إِنّي لأظنّك يا فرعون مثبوراً﴾ قال:
مُبدّلا(٣)، ابن زيد: مخبولا، لا عقل لك، مقاتل: مغلوباً، ابن كيسان: بعيداً عن الخيرات،
وروى سفيان بن حصين عن الحسن في قوله: ﴿وإنّي لأظنك يا فرعون مثبورا﴾ قال [سلاحاً] (٤)
في القطيفة.
قال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له فألقى موسى عصاه
فرأى فرعون جانبي البيت بين [فقميها]، ففزع فرعون وأحدث في قطيفته.
وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: كنت قائماً على رأس المأمون وهو يناظر رجلا
فسمعته يقول: يا مثبور، ثم أقبل عليَّ فقال: يا إبراهيم ما معنى: يا مثبور؟ قلت: لا أدري،
فقال: حدّثني الرشيد قال: حدّثني أمير المؤمنين المنصور فسمعته يقول لرجل يا مثبور، فقلت
له: يا أمير المؤمنين ما معنى مثبور؟ قال: قال ميمون بن مهران قال ابن عباس في قوله: ﴿وإنّي
لأظّك يا فرعون مثبوراً﴾ قال: ناقص العقل، قال الفرّاء: يعني مصروفاً ممنوعاً من الخير،
والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الحق؟ أي ما منعك عنه وصرفك، وثبره الله يثبره ومثبره وهو
لغتان، وقال ابن الزهري: الغليظ الأرب إذا بارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور.
﴿فأراد﴾ فرعون ﴿أنْ يستفزهم﴾ يعني يخرجهم، أي بني إسرائيل ﴿من الأرض﴾ أي
أرض مصر والشام.
(١) راجع الثقات لابن حبان: ٧ /٤٦١ .
(٢) كذا في المخطوط، وفي تفسير الطبري: مالكاً، كما عن مجاهد.
(٣) كذا في المخطوط، وفي تفسير الطبري: مالكاً، كما عن مجاهد.
(٤) تفسير الطبري: ١٩/١٥.

١٤٠
الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فأغرقناه ومن معه جميعاً﴾ ونجّينا موسى وقومه ﴿وقلنا﴾ ﴿لهم من بعده﴾ أي من بعد
هلاك فرعون وقومه ﴿لبني إسرائيل اسكنوا الأرض﴾ يعني مصر والشام ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾
وهي الساعة ﴿جئنا بكم﴾ من قبوركم الى موقف القيامة ﴿لفيفا﴾ مختلطين وقد التفَّ بعضكم
ببعض لا تتعارفون ولا ينحاز [أحدكم] إلى قبيلته وحيّه، وهو من قول الجيوش إذا اختلطوا،
وكل شيء اختلط بشيء تعطّف به والتفّ.
وقال مجاهد والضحاك: (لفيفاً) أي جميعاً، ووحّد اللفيف وهو خبر عن الجمع لأنه
بمعنى المصدر كقول القائل: لففته لفاً ولفيفاً .
وقال الكلبي ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ يعني مجيء عيسى ابن مريم من السماء جئنا بكم
الفيفاً وقال البزّار: من ههنا وههنا، يقول: جميعاً .
وهذه القصة تعزية لنبيّنا وَّه وتقوية لقلبه، يقول الله تعالى: ﴿كما أنزلت عليك القرآن﴾
فكذبك كفار قومك من مكة كذلك آتيت موسى التوراة فكذبه فرعون وقومه، وكما أراد أهل مكة
أن يستفزّوك منها، كذلك أراد فرعون أن يستفزّ موسى وبني إسرائيل من مصر، فأنجيناهم منهم
وأظفرتهم عليهم، وكذلك أظفرتك على أعدائك، وأتمّ نعمتي عليك وعلى من اتّبعك نصرةً
للدين ولو كره الكافرون، فأنجز الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وله الحمد والمنّة.
﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ يعني القرآن ﴿وما أرسلناك﴾ يا محمد ﴿إلاّ مبشراً ونذيراً *
وقرآناً فرقناه﴾ أي وأنزلناه قرآناً ففصّلناه.
قرأ ابن عباس: فرّقناه بالتشديد وقال: لأنه لم ينزل مرة واحدة وانما أنزل [نجوماً] في
عشرين سنة، وتصديقه قراءة أبي بن كعب وقرآناً فرّقناه عليك، وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله
﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ .
قال ابن عباس فصّلناه، قال الحسن: فرّق الله به بين الحق والباطل، وقرأ الآخرون:
بيّناه.
﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾ أي تؤدة ومهل في ثلاث وعشرين سنة ﴿ونزّلناه تنزيلا *
قل آمنوا به أولا تؤمنوا﴾ أمر وعد وتهديد ﴿إنّ الذين أوتوا العلم من قبل﴾ أي من قبل نزول
القرآن وخروج محمد ◌ّله وهم مؤمنو أهل الكتاب ﴿إذا تتلى عليهم﴾ يعني القرآن ﴿يخرّون﴾
يسقطون ﴿للأذقان﴾ على الأذقان وهي جمع الذقن وهو مجتمع اللحيين، قال ابن عباس أراد
الوجوه ﴿سجداً * ويقولون سبحان ربنا إنْ كان وعد ربنا لمفعولا﴾ قال مجاهد: هم ناس من
أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد رَله ﴿خرّوا سجداً وقالوا سبحان ربنا﴾ ان كان أي
وقد كان وعد ربنا لمفعولا ﴿ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم﴾ نزول القرآن ﴿خشوعاً﴾
وخضوعاً وتواضعاً لربّهم.