Indexed OCR Text
Pages 1-20
XX XX X X XX الكَثِفْ وَالبَيّان المعروف تَفَسِيرُ التَّقْلَبَيّ للإمَامِ الَهَّامِ أبو إِسْحَاق أحمد المعَرُوف بالإِمَامِ التَّعَلبي ت ٤٢٧ هـ دراسة وتحقيق الإمَام أبي محمَد بِن عَاشور مُرَاجَعَة وَتدقيق الأستَاذ نَظِيرِ السَّاعِدي الجزء السادس XX بيروت- لبنان XX XX XX جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م ـمـ الكَثِفْ وَالبَيَان المعروف تفسير الثعلبي ٥ سورة النحل، الآيات: ١ - ٩ سورة النحل مكية، إلى قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ إلى آخره وهي سبعة ألف وسبعمائة وسبعة أحرف، والفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية أبو أمامة الباهلي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَطاهر: ((ومن قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بالنعم التي أنعمها عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كالذي مات فأحسن الوصية)) [١](١). بسم الله الرحمن الرحيم أَّ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ سُبْحَنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ يُرِّلُ الْمَلَبِكَةُ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُوَاْ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ أَنَّأْ فَتَّقُونِ ﴿٣َ حَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ جَ خَلَقَ الْإِسَنَ مِن نُطْعَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُبِينٌ ﴿ وَالْأَنْعَمَ خَلَقَّهَاً لَحِكُمْ فِيْهَا دِفْهٌ وَمَنَفْعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥َ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِيْنَ شَرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بِكَلِغِهِ إِلَّ بِشِقَ الْأَنْفُسِِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (جَ وَالْخِيِّلَ وَالْعَالَ وَاَلْحَمِيرُ لَِّكَبُوهَا وَزِيْنَهُ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآَبِرٌ وَلَوْ شَآءُ ◌َّدَنْكُمْ أَعِينَ ( ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ أي جاء فدنا، واختلفوا في هذا الأمر ما هو. فقال قوم: هو الساعة. قال ابن عبّاس: لما أنزل الله تعالى ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم [أن] يوم القيامة قد قرب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ماهو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نرى شيئاً، فأنزل الله تعالى: ﴿اقترب للناس حسابهم﴾(٢) الآية. (١) تفسير مجمع البيان: ٦ / ١٣٥. (٢) سورة الأنبياء: ١ . ٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما إمتدت الأيام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئاً مما تخوّفنا به فأنزل الله ﴿أتى أمر الله﴾(١) فوثب النبي ◌ّ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿فلا تستعجلوه﴾ فاطمأنوا فلما نزلت هذه الآية قال النبي وقال : ((بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار بأصبعيه - إن كادت لتسبقني)) [٢](٢). وقال ابن عبّاس: كان بعث النبي وَّر من أشراط الساعة. وأن جبرئيل لما مرَّ بأهل السماوات مبعوثاً إلى محمد هلال قالوا: الله أكبر قد قامت الساعة. قال الآخرون: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهو جواب للنضر بن الحرث حين قال: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾(٣) - الآية - يستعجل العذاب، فأنزل الله هذه الآية، وهذا من الجواب المقصور فقتل النضر يوم بدر صبراً. وقال الضحاك: ﴿أمر الله﴾: الأحكام والحدود والفرائض. والقول الأوّل أولى بالصواب؛ لأنه لم يبلغنا أن أحداً من الصحابة مستعجل بفريضة الله قبل أن تفرض عليهم، وأمّا مستعجل العذاب من المشركين فقد كانوا كثيراً . ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ . قرأه العامّة: بضم الياء وكسر الزاي المشدد، الملائكة نصب. وخففه معظم أهل مكة والبصرة بمعنى ينزل الله. وقرأ المفضل وروح وسهيل وزيد: ينزل بفتح الياء والزاي، الملائكة رفع. وقرأ الأعمش: ينزل بفتح الياء وجزم النون وكسر الزاي من النزول، والملائكة رفع على هاتين القرائتين والفعل للملائكة. ﴿بِالرُّوحِ﴾ بالوحي سمّاه روحاً، لأنه تحيا به القلوب والحق، ويموت به الكفر والباطل. وقال عطاء: بالنبوة فطرة يلقى الروح من أمره. قتادة: بالرحمة. أبو عبيدة: ﴿بالروح﴾، يعني: مع الروح وهو جبرئيل. ﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إن﴾ محله نصب بنزع الخافض، ومجازه بأن ﴿أَنذِرُوا﴾ أعلموا، من قولهم: أنذر به أي أعلم ﴿أنَّهُ﴾ في محل النصب بوقوع الإنذار عليه. (١) سورة النحل: ١. (٢) أسباب النزول: ١٨٧ . (٣) سورة الأنفال: ٣٢. ٧ سورة النحل، الآيات: ١ - ٩ ﴿لا إِلَهَ إلاَّ أنَا فاتقون * خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون # خلق الإنسان من نطفة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٍ﴾ يجادل بالباطل ﴿مُبِينٌ﴾ نظيره قوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيماً﴾(١) نزلت هذه الآية في أبي بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى رسول الله وَل* فقال: يا محمّد أترى الله يحيي هذا بعدما قد رمَّ؟ نظيرها قوله: ﴿أو لم يرَّ الانسان انا خلقناه من نطفة﴾(٢) إلى آخر السورة نزلت في هذه القصة أيضاً. ﴿وَالأَ نْعَامَ خَلَقَهَا﴾ يعني الإبل والبقر والغنم ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفٌْ﴾ يعني من أوبارها وأصوافها وأشعارها ملابس و [لحفاً] وقطن يستدفئون ﴿وَمَنَافِعُ﴾ بالنسل والدرّ والركوب والحمل وغيرها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني لحومها ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي حين يردّونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها. يقال: أراح فلان ماشيته يريحها أراحة، والمكان الذي يراح إليه: مراح. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ اي يخرجونها بالغداة من مراعيها إلى مسارحها. يقال: سرّح ماشيته يسرّحها سرُحاً وسروحاً إذا أخرجها للرعي، وسرحت الماشية سروحاً إذا رعت. قال قتادة: وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها . ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد﴾ آخر غير بلدكم. عكرمة: البلد مكة. ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ أي تكلفتموه ﴿إلاَّ بِشِقُّ الأنفُسِ﴾. قرأه العامّة: بكسر الشين، ولها معنيان: أحدهما: الجهد والمشقة. والثاني: النصف، يعني لم تكونوا بالغيه إلاّ بشق النفس من القوة وذهاب شق منها حتّى لم تبلغوه إلاّ بنصف قوى أنفسكم وذهاب نصفها الآخر. وقرأ أبو جعفر: بشق بفتح الشين. وهما لغتان مثل برَق وبرِق، وحَصن وحصِن، ورَطل ورطِل . وينشد قول النمر بن تولب: بكسر الشين. (٣) أخي نصب من شقها ودؤوب وذي إبل يسعى ويحسبها له ويجوز أن يكون بمعنى المصدر من شققت عليه يشق شقاً . (١) سورة النساء: ١٠٥. (٢) سورة يس: ٧٧. (٣) لسان العرب: ١٠ / ١٨٤. ٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بخلقه حيث خلق لهم هذه الأشياء وهيّأ لهم هذه المنافع والمرافق. ﴿وَالخَيْلَ﴾ يعني وخلق الخيل وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء ﴿وَالِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ يعني وجعلها زينة مع المنافع التي فيها . واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على تحريم لحوم الخيل، روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنه سئل عن أكل لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية: ﴿وَالخَيْلَ وَالِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ . قال: هو المركوب، وقرأ التي قبلها: ﴿والأنعام خلقها﴾ الآية، وقال: هذه للأكل. وقال: الحكم بلحوم الخيل حرام في كتاب الله، ثمّ قرأ هذه الآيات، وقال: جعل هذه للأكل وهذا للركوب . وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء، واحتجوا أيضاً في ذلك بما روى صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جدّه عن خالد بن الوليد أنه سمع رسول الله ◌َله يقول: ((لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير)) [٣](١). وقال الآخرون: لا بأس بأكل لحوم الخيل، وليس في هذه الآية دليل على تحريم شيء، وإنما عرّف الله عباده بهذه الآية نعمه عليهم ونبههم على حجج وحدانيته وربوبيته وكمال قدرته، وإليه ذهب الشافعي واحتج بما روى محمّد بن علي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَل نهى يوم خيبر عن لحوم الحمير الأهلية وأذن في لحوم الخيل. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال: أطعمنا رسول الله وَله يعني يوم خيبر - لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر. وروى سفيان عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل، قلت: والبغال؟ قال: لا . هشام عن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر (ره) قالت: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله وَله. سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: نحر أصحابنا فرساً في النخع فأكلوا منه ولم يروا به بأساً . ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . (١) سنن النسائي: ٧ / ٢٠٢. ٩ سورة النحل، الآيات: ١٠ - ١٩ قال بعض المفسرين: يعني ما أعدَّ في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها ما لم تره عين ولا سمعته أُذن ولا خطر على قلب بشر .. قال قتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه. وروى مقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: يريد أن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع. يدخل جبرئيل كل سحر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله وعظماً إلى عظمته فينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك بالبيت المعمور وفي الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يعني طريق الحق لكم، والقصد: الطريق المستقيم، وقيل على الله القصد بكم إلى الدين ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يعني ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، وإنما أُنث للكناية، لأن لفظ السبيل واحد ومعناها جمع، والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز، والقصد من السبيل هو الحنيفية دين الإسلام، والجائر منها اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الملل والكفرة. وقال جابر بن عبد الله: قصد السبيل يعني بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله: ﴿قصد السبيل﴾ السنّة، ﴿ومنها جائر﴾ يعني الأهواء والبدع، بيانه قوله: ﴿وإن هذا صراطي مستقيماً﴾(١) الآية. وفي مصحف عبد الله: ومنكم جائز. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ﴾ نظيرها قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لِأَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لِأَتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُدَاهَا﴾(٣). يُتْبِكُ لَكُ بِهِ هُوَّ الَّذِىَّ أَنْزَّلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ نُسِيِمُونَ. الزّْعَ وَالزَُّونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَّتِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ( لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِهٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَبَتِ لِقَوْمٍ يَعْفِلُونَ ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُخْلِمَا أَلْوٌَّ إِنَ فِي ذَلِكَ لَبَةُ لِّقَوْمِ بِذَّكَّرُونَ (٣) وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْخْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنَّهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ عِلِيَةً تَلْبَسُّونَهَا وَتَرَى الْمُلْكَ مَوَآَخِرَ فِيهِ وَلِتَمْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ نَمِيدَ وسخر (١) سورة الأنعام: ١٥٣. (٢) سورة يونس: ٩٩. (٣) سورة السجدة: ١٣. ١٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي وَعَلَتَّ وَبِالنَّحْمِ هُمْ يَتَدُونَ (١٦) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا بِكُمْ وَأَنْهَذَا وَسُبُلَا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥) يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٦) وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٠) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُرُونَ وَمَا تُعْلُنَ ١٩ ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي من ذلك الماء ﴿شَرَابٌ﴾ يشربونه ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ شراب أشجاركم حياة غروسكم ونباتكم ﴿فيه﴾، في الشجرة وهو اسم [عام](١)، وإنما ذكَر الكناية، لأنه ردّه إلى لفظ الشجر. ﴿تُسِيمُونَ﴾ ترعون، وننسيكم يقال: أسام فلان إبله يسيمها إسامة، إذا رعاها، فهو مسيم وسامت هي تسوم فهي سائمة . قال الشاعر: ومشى القوم بالعماد إلى المرعى وأعيا المسيم اين المساق(٢) يعني يدخلون العماد تحت بطون الزرعى [ .... ] (٣). قال الشاعر: أولى لك ابن مسيمة الأجمال(٤) أي يابن راعية الإبل. ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾. قرأه العامّة بالياء يعني: ينبت لكم. وقرأ عاصم برواية المفضل وحماد ويحيى بالنون، والأوّل الاختيار. ﴿بِهِ﴾ بالماء الذي أنزل ﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ والنخيل والأعناب ومن كلّ الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفگّرون﴾ . ﴿وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات﴾ قرأه العامّة بالنصب نسقاً على ما قبله . وروى حفص عن عاصم، ﴿والنجوم مسخرات﴾: بالرفع على الخبر والإبتداء، وقرأ ابن عامر ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات﴾ كلها بالرفع على الإبتداء والخبر. ﴿بِأمْرِهِ﴾ بأذنه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأ﴾ يعني وسخّر ما ذراً ﴿لَكُمْ﴾ أي (١) هكذا في الاصل. (٢) جامع البيان للطبري: ١٤ / ١١٥، وبتفاوت في الدر المنثور: ٤ / ١١٢. (٣) كلمات غير مقروءة. (٤) جامع البيان للطبري: ٣ / ٢٧٨. ١١ سورة النحل، الآيات: ١٠ - ١٩ خلق لأجلكم من الدواب والأشجار والثمار وغيرها ﴿فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً ألوانه﴾ نصب على. الحال . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية لقوم يذكرون﴾. ﴿وهو الذي سخّر البحر لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ يعني السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ يعني اللؤلؤ والمرجان. روى حماد بن يحيى عن إسماعيل بن عبد الملك قال: جاء رجل إلى ابن جعفر قال: في حليّ النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله: ﴿حلية تلبسونها﴾. ﴿َتَلْبَسُونَهَا وَ تَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال ابن عبّاس: جواري. سعيد بن جبير: معترضة. قتادة ومقاتل: [تذهب وتجي](١) مقبلة ومدبرة بريح واحدة. الحسن : مواقر. عكرمة والفراء والأخفش: شقاق يشق الماء بجناحيها . مجاهد: يمخر السفن الرياح ولا يمخر الريح من السفن إلاّ الملك العظيم. أبو عبيدة: سوابح. وأصل المخرّ الدفع والشق، ومنه مخر الأرض، ويقال: امتخرت الريح وتمخّرتها، إذا نظرت من أين مبعوثها، وفي الحديث: ((إذا أراد أحدكم البول فليمتخر الريح))(٢) أي لينظر من أين مخرها وهبوبها فيستدبرها حتّى لا يرد عليه البول. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني التجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ يعني لئلاّ تميد بكم، أي تتحرك وتميل، والميل: هو الاضطراب والتكفّؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: مید. قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرّة أحداً على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ولم تدر الملائكة ممّ خلقت الجبال. وقال علي (رُه): لما خلق الله الأرض رفضت وقالت: أي رب أتجعل عليَّ بني آدم يعملون عليَّ الخطيئة ويلقون عليّ الخبث، فأرسى الله فيها من الجبال ماترون ومالا ترون. (١) تفسير القرطبي: ١٠ / ٨٩. (٢) نسبه إلى واصل في تفسير القرطبي: ١٠ / ٨٩. ١٢ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَأَنْهَاراً﴾ يعني وجعل فيها أنهاراً ﴿وَسُبُلا﴾ طرقاً مختلفة ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَعَلامَات﴾ فلا تضلون ولا تتحيرون، يعني معالم الطرق. وقال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثمّ ابتدأ . ﴿وَ بِالَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ . قال محمّد بن كعب القرظي والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال علامات النهار والنجوم علامات الليل. وقال مجاهد وإبراهيم: أراد بهما جميعاً النجوم، فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به . قال السدي: يعنى بالثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي فيهتدون إلى الطرق والقبلة. قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاث أشياء: لتكون زينة للسماء، وعلامات للطريق ورجوماً للشياطين. فمن قال غير هذا فقد قال برأيه وتكلّف ما لا علم به . ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ يعني الله تعالى ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ يعني الأصنام ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ نظيرها قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأْرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾(١) وقوله عزّ وجلّ: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾(٢) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ﴾ لما كان منكم من تقصير شكر نعمه ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم حيث وسّع عليكم نعمه ولم يقطعها منكم بتقصيركم ومعاصيكم. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ . أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ أَلَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَّقُونَ يُعَثُونَ ﴿ إِنَّهُكُمْ إِلَهُ وَجِدٌ فَذِينَ لَّا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكِّرُونَ (بَ لَا جَرَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٣ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُصِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمِ الَّ سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٣٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبِّهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَنَّهُمِ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِن فَوْنِهِمْ وَأَتَّذِهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٣٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ بُجِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَّ شُرُكَآَمِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُّونَ فِيهِمَّ قَالَ الَّذِينَ أُوْتُوْ اَلْعِلْمَ إِنَّ الْخِرْىَ أَلَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَِّفِرِينَ (١) سورة لقمان: ١١ . (٢) سورة فاطر: ٤٠ . ١٣ سورة النحل، الآيات: ٢٠ - ٢٩ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِيَّ أَنْفُسِهِمّ فَأَلْقَوَ السَّلَّ مَا كُنَّا تَعْمَلُ مِن سُوءٍّ بَّ إِنَّ اللَّهَ عَلٌِ بِمَا كُنْتُمْ فَأَدْخُلُواْ أَبْوَّبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا فَلَتْسَ مَنْوَى الْمُتْكَبِنَ تَعْمَلُونَ (٢٨) ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ . قرأه العامّة بالتاء، لأن ما قبله كلّه خطاب. وقرأ يعقوب وعاصم وسهل بالياء. ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ثمّ وصف الأوثان فقال: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ أي هي أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَ مَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني الأصنام ﴿أيَّانَ﴾ متى ﴿يُبْعَثُونَ﴾ عَبّر عنها كما عبّر عن الآدميين(١) وقد مضت هذه المسألة، وقيل: وما يدري الكفّار عبدة الأوثان متى يبعثون. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ﴾ جاحدة غير عارفة ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متعظّمون ﴿لا جَرَمَ﴾ حقاً ﴿أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يعني إذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم مشركوا قريش الذين اقتسموا عقاب مكة وأبوابهم، سألهم الحجاج والوفد أيام الموسم عن رسول الله وَ﴾ وعما أنزل عليه قالوا: ﴿أساطير الأولين﴾ أحاديثهم وأباطيلهم. ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ﴾ ذنوب أنفسهم التي هم عليها مقيمون ﴿وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم﴾ فيصدونهم عن الإيمان ﴿ألا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ألا ساء الوزر الذي يحملون، نظيرها قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾(٢) الآية. قال النبي ◌ّ: «أيّما داع دعا إلى ضلاله فاتُّبع، فإن عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيّما داع دعا إلى هدى فاتّبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) [٤](٣). ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ولزم منها الصعود إلى السماء ينظر ويزعم إلى إله إبراهيم، وقد مضت هذه القصة. قال ابن عبّاس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراعاً. (١) تفسير القرطبي: ١٠ / ٩٤ وزاد: ((لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند الله تعالى فجرى خطابهم على ذلك)) ولم ينسبه للمصنف كعادته. (٢) سورة العنكبوت: ١٣ . (٣) الجامع الصغير: ١ / ٤٦٦ ح ٣٠١٠. ١٤ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبّت ريح وألقت رأسها في البحر وخرّ عليهم الباقي وانفكت بيوتهم وأحدث نمرود، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية وذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ﴾ أي قصد تخريب بنيانهم من أصولها فأتاها أمر الله وهو الريح التي خرّبتها ﴿فَخَرَّ﴾ فسقط ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ يعني أعلى البيوت، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ من مأمنهم ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ يذلّهم بالعذاب. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَافُونَ فِيهِمْ﴾ تحالفون فيهم لا ينقذونكم فيدفعوا عنكم العذاب. وقرأ العامّة على فتح النون من قوله: ﴿تشاقون﴾ إلّ نافع فإنه كسرها على الإضافة ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم المؤمنون ﴿إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ العذاب ﴿عَلَى الكَافِرِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه ﴿ظَالِمِي أنفُسِهِمْ﴾ بالكفر نصب على الحال، أي في حال كفرهم ﴿فَأَ لْقَوْا السَّلَمَ﴾ أي استسلموا وانقادوا وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء﴾ شرك، فقالت لهم الملائكة: ﴿بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال عكرمة: عَنى بذلك من قتل من قريش وأهل مكة ببدر وقد أُخرج إليها كرهاً. ﴿فَادْخُلُوا أبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنَزَّلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَبْرَاً لِلَّذِيْنَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَكَارُ اَلَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣ حَنََّثُ عَدْدٍ بِدْخُلُوْنَهَا تَّجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَلِكَ يَحْرِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ ﴿َ الَّذِينَ نَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِينٌ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمُ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ﴿٦َ هَلْ يَظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْيَهُمُ الْمَنَّبِحِكَةُ أَوْ بَأْنِىَ أَمْرُ رَبِكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِعُونَ (٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّنَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَانَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ. ٣٤ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿وَقِيلَ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ◌َ﴿ فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: شاعر وساحر وكاهن وكاذب ومجنون [ويفرّق الأخوان](١) ويقولون: إنه لو لم تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شرّ داخل إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وأستطلع أمر محمّد أو ألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب رسول الله * فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث، فذلك قوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا مَاذَا أُنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً﴾ . (١) المخطوط مشوش والظاهر ما أثبتناه. ١٥ سورة النحل، الآيات: ٣٥ - ٤٠ فإن قيل: لِمَ ارتفع جواب المشركين في قولهم ﴿أساطير الأولين﴾ وانتصب في قوله ﴿خيراً﴾ . فالجواب: أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل فلما سئلوا قالوا: ﴿أساطير الأولين﴾ يعني الذي يقوله محمد ل﴿ أساطير الأولين، والمؤمنين إنما كانوا مقرّين بالتنزيل، فإذا قيل لهم: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾(١) يعنون أنزل خيراً. ثمّ ابتدأ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كرامة من الله، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ﴾ ثمّ فسرّها فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا﴾ بدل عن النار، فلذلك ارتفع ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين * الذين تتوفّاهم الملائكة طَيِِّينَ﴾ مؤمنين. مجاهد: زاكية أعمالهم وأقوالهم. ﴿يَقُولُونَ﴾ يعني في الآية ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قال القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة. ﴿هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة﴾ يقبضون أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني يوم القيامة، وقيل: العذاب ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ بتعذيبه إياهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ . وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوَّ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَحْنُ وَلَاءَبَاؤُنَا وَلَا حَزَّمْنَا مِن دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الْرُّسُلِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِيِنُ ﴿٣) وَلَقَّدْ بَعَثْنَا فِى كُلْ أُمٍَّ زَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَِّبُواْ الَّغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَفِيَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٦) إِن تَحْرِضْ عَلَى هُدَعَهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يَدِى مَنْ يُضِلُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴿ وَأَفْسَمُواْ بِأَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمُّ لَا يَعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢) لِشَيْنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَهُمْ كَانُواْ كَذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا فَوَلْنَا إِشَيْءٍ إِذَّا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُوَلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (َ) ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن وَلا آبَا ؤُنَا﴾ قل للذين (١) عنه فتح القدير: ٣ / ١٥٩. ١٦ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي اقتدينا بهم ﴿وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فلولا أن رضيها لغيّر ذلك ببعض عقوباته أو هدانا إلى غيرها . قال الله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ يعني إلّ عليه، فإنّها لم تحرم هذه الأشياء وأنهم ادعوا على الله. ﴿ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولا أنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ يعني بأن اعبدوا الله ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهو كل معبود من دون الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ في دينه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ﴾ أي وجبت عليه الضلالة حتّى مات على كفره ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أي خراب منازلهم وديارهم بالعذاب والهلاك ﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ يا محمّد ﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ . قرأ أهل الكوفة: يهدي بفتح الياء وقسموا ذلك، ولها وجهان: أحدهما: إن معناه فإنّ الله لا يهدي من أضله الله، والآخر: أن يكون يهدي بمعنى يهتدي، بمعنى من أضله الله لا يهتدي(١) يقول العرب: هدی الرجل وهم یریدون اهتدى. وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم على معنى من أضله الله فلا هادي له، دليله: ﴿من يضلل الله فلا هادي له﴾(٢). ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يمنعونهم من عذاب الله ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله مَنْ يَمُوتُ﴾ . الربيع عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلّم به: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تُبعث بعد الموت فأقسم بالله (لا يبعث الله من يموت) فأنزل الله هذه الآية. قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لابن عبّاس: إن ناساً بالعراق يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة ويتأولون هذه الآية. فقال ابن عبّاس: كذب أولئك، إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان عليّ مبعوثاً قبل يوم القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، قال الله رداً عليهم: ﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. في الخبر أن الله تعالى يقول: كذّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، (١) راجع تفسير القرطبي ١٠ / ١٠٤. (٢) سورة الأعراف: ١٨٦. ١٧ سورة النحل، الآيات: ٤٢ - ٥٠ وشتمني ابن آدم ولا ينبغي له أن يشتمني، وأمّا تكذيبه إياي فحلفه بي أن لا أبعث الخلق، وأمّا شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الله الواحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد. ﴿لِيُبَيِّنَ لهم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ هو مردود إلى قوله: ﴿لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقاً﴾ يبين لهؤلاء المنكرين المقتسمين الذين يختلفون ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية، يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ولا في غير ذلك [مما نخلق ونكّون ونُحْدث]، لأنا إذا أردنا خلق شيء وإنشاؤه ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(١). وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق، فذكر أن الله عزّ وجلّ أخبر أنه إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، فلو كان قوله كن مخلوقاً لاحتاج إلى قول ثان ولا حتاج ذلك القول إلى قول ثالث إلى ما لا نهاية فلما بطل ذلك ثبت أن الله خلق الخلق بكلام غير مخلوق. وَالَّذِينَ هَاحَرُواْ فِى الَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوْ لَنُوَّثَنَّهُمْ فِىِ الذُّنْيَا حَسَنَّةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَيِّهِمْ يَوَكَّلُونَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيّ إِلَيْهِمْ فَشْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨) بِالْبَّنَتِ وَالزُّ وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيْنَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوَ يَأَنْيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٤ أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِ تَعَلَّيِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٨) أَوْ بَأْخُذَّهُمْ عَى تَخَوْفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ ٤) أَوَلَّمْ يَرَوَاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَتَّوْاْ ظِلَلْهُ عَنِ أَلْيَمِينِ وَالشَّعَابِلِ سُجَّدَاً لِلَّهِ وَهُمْ ذَنْخِرُونَ (٤٨) وَاللَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ مِنْ دَآَيَّةِ وَالْعَلَبِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩َ يَخَافُونَ رَنَّهُم ٥٠ مِّنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللـهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ عُذّبوا وقُتلوا في الله، نزلت في بلال وصهيب وخبّاب وعمار وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذّبوهم. وقال قتادة: يعني أصحاب محمّد ◌َ﴿ ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم حتّى لحق جماعة منهم بالحبشة ثمّ بوأهم الله بالمدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار الهجرة وجعل لهم على من ظلمهم [أنصاراً من المؤمنين والآية تعم الجميع](٢). ﴿لَنْبَوْئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة. (١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٤١. (٢) تصويب العبارة من تفسير القرطبي: ١٠ / ١٠٧. ١٨ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي ويروى إن عمر بن الخطاب (ره) كان إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثمّ تلا هذه الآية . وقال بعض أهل المعاني: مجاز قوله تعالى: ﴿النبوّئتّهم في الدنيا حسنة﴾ ليحسنّن إليهم في الدنيا. ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في الله على ما نابهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الآية نزلت في مشركي مكة حين أنكروا نبوة محمّد ◌َّ وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً فهّلا بعثت إلينا ملكاً. ﴿فَاسْأَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني هم أهل الكتاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فإن قيل: ما الجالب لهذه الباء؟ قيل: قد اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: هي من صلة أرسلنا و ﴿إلا﴾ بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة. وهذا كما تقول: ماضرب إلّ أخوك عمر، وهل كلم إلّ أخوك زيداً، بمعنى ماضرب عمر غير أخيك، هل كلم زيداً غير أخيك. قال أوس بن حجر: أبني لبيني لستمُ بيد إلا يد ليست لها عضد (١). يعني غير يده، قال الله ﴿لو كان فيهم آلهة إلّ الله لفسدتا﴾(٢) أي غير الله. وقال بعضهم: إنما هذا على كلامين، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً أرسلنا بالبينات والزبر ويشهد على ذلك بقول الأعمش : ولا قائلا إلاّ هو المتعيّبا(٣) وليس مجيراً إن أتى الحي خائف يقول: لو كان بذلك على كلمة لكان خطأ من سفه القائل، ولكن جاء ذلك على كلامين کقول الآخر: نبّئتهم عذّبوا بالنار جارهم وهل يعذّب إلّ الله بالنار(٤) وتأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر (٥). (١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٤٦. (٢) سورة الأنبياء: ٢٢. (٣) تفسير الطبري: ١٤ / ١٤٦، ولسان العرب: ١ / ٦٣٣. (٤) المصدر السابق. (٥) بطوله في تفسير الطبري: ١٤ / ١٤٦ - ١٤٧ . ١٩ سورة النحل، الآيات: ٤٢ - ٥٠ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون * أفأمن الذين مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ يعني نمرود بن كنعان وغيره من الكفار وأهل الأوثان ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ العقاب ﴿فِي تَقَلَّبِهِمْ﴾ تصرفهم في أسفارهم بالليل والنهار ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ مسابقي الله ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ . قال الضحاك والكلبي: ﴿أو يأخذهم على تخوّف﴾ يعني يأخذ طائفة ويدع فتخاف الطائفة الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها . وقال سائر المفسرين: التخوّف: التنقّص، يعني ينقص من أطرافهم ونواصيهم الشيء بهذا الشيء حتّی يهلك جميعهم. يقال: تخوّف مال فلان الإنفاق، إذا انتقصه وأخذه من حافاته وأطرافه. وقال الهيثم بن عدي: هي لغة لازد شنوءة، وأنشد: تخوّف عدوهم مالي وأهدى سلاسل في الحلوق لها صليل(١) قال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب (رضيُه) على المنبر فقال: يا أيها الناس ما تقولون في قول الله: ﴿أو يأخذهم على تخوّف﴾ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين هذه لغتنا في هذيل، التخوّف: التنقص، فقال عمر: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه](٢). تخوّف السير منها تامكاً قرداً كما تخوف عود النبعة السفن(٣) فقال عمر: يا أيها الناس عليكم بديوانكم الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (٤) ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يعني لم يعجّل العقوبة ﴿أوَ لَمْ يَرَوْا﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش: (تروا) بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء خبراً عن الذين مكروا السيئات وهو اختيار الأئمة. (١) غريب الحديث: ٢ / ٨٣٥. (٢) زيادة عن تفسير القرطبي، وفي تاج العروس: أنضاها السير ونسبه لذي الرملة. (٣) تاج العروس: ٩ / ٢٣٦ ولسان العرب: ٩ / ١٠١، ونسبه لابن مقبل وقال في ج ١٣ / ٢١٠: قال الصاغاني: وعزاه الأزهري لإبن مقبل وهو لعبد الله بن عجلان النهدي، وفي الأغاني نسبه لابن مزاحم الثمالي. (٤) انظر تفسير القرطبي: ١٠ / ١١١. ٢٠ الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي إلى ما خلق الله من شيء﴾ يعني من جسم قائم له ظل ﴿يَتَفَيَّؤًا ظِلالُهُ عن اليمين والشمائل سجّداً لله﴾. بالتاء أهل البصرة. الباقون بالياء، ومعنى قوله ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾: يميل ويرجع من جانب إلى جانب فهي في أوّل النهار ثمّ تعود إلى حال أخرى في آخر النهار، فميلانها ودورانها من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، والفي: الرجوع، قال الله: ﴿حتّى تفيء إلى أمر الله﴾(١) يقال: سجدت النخلة إذا حالت، وسجد البعير وأسجد إذا جعل للركوب، ومثله قال في هذه الآية على هذا التأويل. قتادة والضحاك: أمّا اليمين فأول النهار وأمّا الشمال فآخر النهار، تسجد الضلال لله غدوة إلى أن تفيء الظلال ثمّ تسجد أيضاً إلى الليل. وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله. وقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله وَليل: ((أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن في صلاة السحر وليس من شيء إلاّ وهو يسبح لله تعالى تلك الساعة)) ثمّ قرأ ﴿يتفيّؤًا﴾ الآية(٢). الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، ولذلك إذا غابت وإذا طلعت كان قدامك، فإذا إرتفعت كان عن يمينك وإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغيب الشمس كان على يسارك فهذا تفيؤه أي تضلله هاهنا وهاهنا، وهو سجوده. وأمّا الوجه في توحيد اليمين وجمع الشمال، فهو أنّ من شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن يبقى واحدة ويلقى الأخرى، واكتفي بالملقي على الملقى بقوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾(٣) كقوله: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾(٤). وقال بعضهم: اليمين راجع إلى قوله: ﴿ما خلق الله﴾ ولفظة من أحد، والشمائل راجعة إلى المعنى وقيل: هذا في الكلام كثير. قال الشاعر: بفي الشامتين الصخر إن كان هدني رزية شبلي مخدر في الضراغم (٥) (١) سورة الحجرات: ٩. (٢) تفسير الثعالبي: ٣ / ٤٢٦. (٣) سورة البقرة: ٧. سورة البقرة: ٢٥٧. (٤) (٥) تفسير الطبري: ١٤ / ١٥٤.