Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة الحجر، الآيات: ٢٨ - ٥٠
روى عكرمة عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشراً من طين فإذا
أنا خلقته فأسجدوا له، قالوا: لا نفعل. فأرسل عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال: إني
خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له، فأبوا، فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق
ملائكة فقال: إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له، قالوا: سمعنا وأطعنا إلاّ
إبليس كان من الكافرين.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أ لاّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ محل (أن) النصب بفقد الخافض.
﴿قَالَ لَمْ أكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرِ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالِ مِنْ حَمَأْ مَسْئُون قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي من
الجنة ومن السماوات ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ملعون طويلاً ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأ
نْظِرْنِي إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى حين
يموت الخلق كلهم ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أغْوَيْتَنِي﴾ أي بأغوائك أياي وهو الإضلال والإبعاد ﴿لأُزَيِّنَنَّ
لَهُمْ فِي الأرْضِ﴾ معاصيك ولاَ حبينَّها اليهم ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأضلنهم ﴿أَجْمَعِينَ إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ﴾ .
قرأ أهل الكوفة والمدينة والشام: بفتح اللام. وإختاره أبو عبيد، يعني إلاّ من أخلصته
بتوفيقك فهدیته واصطفیته .
وقرأ أهل مكة والبصرة: بكسر اللام، وإختاره أبو حاتم، يعني من أخلص لك بالتوحيد
والطاعة. وأراد بالمخلصين في القرائتين جميعاً: المؤمنين.
﴿قَالَ﴾ الله لإبليس ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طريق ﴿عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾
قال الحسن: هذا صراط إليَّ مستقيم.
وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء.
وقال الأخفش: يعني على الدلالة صراط مستقيم.
وقال الكسائي: هذا على الوعيد فإنه تهديد كقولك للرجل خاصمتهُ وتهدده: طريقك عليَّ،
كما قال الله: ﴿ان ربك لبالمرصاد﴾(١) فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلّ
بأعمالهم.
وقال ابن سيرين وقتادة وقيس بن عبادة وحميد ويعقوب: هذا صراط عليٍّ برفع الياء على
نعت الصراط أي رفيع، كقوله: ﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾(٢).
(١) سورة الفجر : ١٤ .
(٢) سورة مريم: ٥٧.

٣٤٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قوة.
قال أهل المعاني: يعني على قلوبهم.
وسُئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية، فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في
ذنب يضيق عنه عبدي، وهؤلاء يثبت الله الذين رأى فيهم إحسانهم.
﴿إِلَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابِ﴾ أطباق ﴿لِكُلِّ
بَاب مِنْهُمْ﴾ يعني من أتباع إبليس ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ حظ معلوم.
وقال عليّ بن أبي طالب (رَظُه): تدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم كنحو هذه الباب.
فقال: لا ولكنها هكذا - ووضع إحدى يديه على الأخرى - وإن الله تعالى وضع الجنان على
الأرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم وفوقها لظى وفوقهما الحطمة وفوقها
سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية.
وأبو سنان عن الضحاك في قول الله: ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ قال: للنار سبعة
أبواب هي سبعة أدراك بعضها على بعض.
فأولها: أهل التوحيد يعذّبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثمّ يخرجون.
والثاني: فيه اليهود.
والثالثة : فيه النصارى.
والرابع: فيه الصابئون.
والخامسة: فيه المجوس.
والسادس: فيه مشركوا العرب.
والسابع: فيه المنافقون.
فذلك قوله: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾(١) الآية.
أبو رياح عن أنس بن مالك عن بلال قال: كان رسول الله ﴾ يصلي في مسجد المدينة
وحده، فمرّت به أعرابية فاشتهت أن تصلي خلف رسول الله و لو ركعتين، فدخلت وصلت ولم
يعلم بها رسول الله، فقرأ رسول اللـه ◌َلهل حتّى بلغ هذه الآية: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها
سبعة أبواب لكل باب منهم جزءٌ مقسوم﴾ فخرّت الأعرابية مغشية عليها فسمع رسول الله وَال
وجبتها فانصرف وقال: ((يا بلال عليَّ بماء)) فجاء فصب على وجهها حتّى أفاقت وجلست، فقال
(١) سورة النساء : ١٤٥.

٣٤٣
سورة الحجر، الآيات: ٢٨ - ٥٠
لها رسول الله بقوله: ((يا هذه ما حالك؟)) فقالت: رأيتك تصلي وحدك فاشتهيت أن أُصلي خلفك
ركعتين، فهذا شيء من كتاب الله أو تقول من تلقاء نفسك؟
قال بلال: فما أحسبه إلاّ قال: ((يا أعرابية بل هو في كتاب الله المنزل)).
فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على باب منها .
فقال: ((يا أعرابية لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب على كل باب على قدر أعمالهم)).
فقالت: والله إني لامرأة مسكينة مالي مالٌ ومالي إلّ سبعة أعبد أشهدك يارسول الله أن
كل عبد منهم على كل باب من أبواب جهنم حرُّ لوجه الله. فأتاه جبرئيل فقال: يارسول الله بشّر
الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها، وفتح لها أبواب الجنة كلها(١).
﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون ادْخُلُوهَا﴾ قرأه العامة بوصل الألف وضم الخاء على
الأمر، مجازه: يقال لهم ادخوها .
وقرأ الحسن: أدخلوها بضم الهمزة وكسر الخاء على الفعل المجهول، وحينئذ لا يحتاج
إلى الضمير.
﴿بِسَلام﴾ بسلامة ﴿آَمِنِينَ﴾ من الموت والعذاب والآفات ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ
إخْوَاناً﴾ نصب على الحال، وإن شئت قلت: جعلناهم إخوانا ﴿عَلَى سُرُر﴾ جمع سرير مثل
جديد جدد ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ يقابل بعضهم بعضاً لا ينظر أحد منهم في قفا صاحبه ﴿لا يَمَسُّهُمْ﴾ لا
يصيبهم ﴿فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ نَبِّئُ) أخبر ﴿عِبَادِي أنِّي أَنَا الغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾.
قال ابن عبّاس: يعني لمن تاب منهم.
﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الألِيمُ﴾ لمن لم يتب منهم .
روى ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رباح عن رجل
من أصحاب رسول الله و لو قال: طلع علينا رسول الله ولامن الباب الذي يدخل منه بنو شيبة
ونحن نضحك، فقال: ((لا أراكم تضحكون))، ثمّ أدبر حتّى إذا كان عند الحجر رجع ألينا
القهقرى فقال: ((إني لمّا خرجت جاء جبرئيل فقال: يا محمّد لِمَ تقنّط عبادي ﴿نّيء عبادي أني
أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾))(٢).
(١) التخويف من النار لإبن رجب الحنبلي: ٥٩ بتفاوت، وتفسير القرطبي: ١٠ / ٣٢ سواء.
(٢) تفسير الطبري: ١٤ / ٥٢، تفسير القرطبي: ١٠ /٣٤.

٣٤٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال قتادة: بلغنا أنّ نبي الله وَ لّه قال: ((لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع عن محارم
الله، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه))(١).
قَالُواْ لَا نَوْجَلْ
وَيَنْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَهِمَ ﴿١٥ إِذْ دَ خَلُواْ عَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَحِلُونَ
قَالَ أَبَتَّرْتُمُونِ عَلَىَّ أَنْ مَّسَّبِىَ الْكِبِرُ فَبِمَ نُبَشِرُونَ ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ
إِنَّا نُبَشْرُكَ بِعُلَمٍ عَلِمِ (شَهَا
قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَيْهِ، إِلَّ الْغَّالُونَ ﴿٥٦] قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا
فَلاَّ تَكُنْ مِّنَ الْقَنِطِينَ
الْمُرْسَلُونَ ﴿﴿ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْتَّا إِلَى قَوْمٍ مُرِمِينَ ﴿﴿ إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (بَ) إِلَّا
أَمْرَأَتَهُ فَّدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِيْنَ ﴿٣َ فَّا جَآءَ ءَالَ لُوطِ الْمُرْسِلُونَ (١٦) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
وَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِفُونَ (9َ) فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ يِقِطْعِ مِنَ
قَالُواْ بَلْ جِثْتَكَ بِمَا كَانُواْ فِهِ يَمْتَرُونَ (َ
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمَّرَ أَنَّ دَابِرَ
الَّيْلِ وَأَتَّبِعُ أَرْبَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ نُؤْمَرُونَ
هَؤُلَاءِ مَقْطُوُجُ مُصِْينَ (١٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ قَالَ إِنَّ هَلُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَا نَفْصَحُونٍ
٦٨
قَالَ هَؤُلاءِ بَانِي إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ
قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَّمِينَ.
٢٦٩
وَقُوْ اَللَّهُ وَلَا تُخْزُونِ
فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِظَهَا وَأَمْطَوْنَا عَلَيْهِمْ
٧٣
لَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكَرِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٨) فَأَخَذَتْهُمُ اَلْضَّيَّحَّةُ مُشْرِفِينَ
حِجَرَّةً مِّنِ سِجْلِ (79) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُنَّوْسِمِنَّ (٢٥) وَإِنَهَاَ لِسَمِلِ نُّفِيمِ ﴿٣) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ
فَأَتَغَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لِإِمَامِ مُّبِيِنِ (١٠) وَلَقَدْ كَذَّبَ
(٧٨)
وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَّةِ لَظَلِينَ
لِلْمُؤْمِنِينَ
وَكَانُواْ يَحْتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُونًاءَامِنِينَ
أَصْحَبُ الِْجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَءَانَيْنَهُمْ ءَايِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّْحَهُ مُصْبِحِينَ ﴿ فَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوْنِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَنَّهَُّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَِّيَّهُ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُّ الْعَلِيمُ (َ
﴿وَنَبِّتْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الملائكة الذين أرسلهم الله ليبشروا إبراهيم بالولد
ويهلكوا قوم لوط ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ جمع الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والإثنين والجمع
والمؤنث والمذكر ﴿فَقَالُوا سَلاماً قَالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [خائفون] ﴿قَالُوا لا تَوْجَلْ﴾
لا تخف ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام عَلِيم﴾ يعني إسحاق، فعجب إبراهيم من كبره وكبر إمراته ﴿قَالَ
أَبَشَّرْتُمُو نِي عَلَى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ أي على الكبر ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأي شيء تبشرون.
واختلف القراء في هذا القول، فقرأ أهل المدينة والشام بكسر النون والتشديد على معنى
تبشرونني، فأدغمت نون الجمع في نون الإضافة.
وقرأ بعضهم: بالتخفيف على الخفض.
وقرأ الباقون: في النون من غير إضافة.
(١) تفسير الطبري: ١٤ / ٥٢، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٧٤.

٣٤٥
سورة الحجر، الآيات: ٥١ - ٨٦
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القَانِطِينَ﴾ .
قرأه العامّة: بالألف.
وقرأ يحيى بن وثاب: القانطين.
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ .
قرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي بكسر النون، وقرأ الباقون: بفتحه [وقال الزجاج]: قنط
يقنط، وقنط يقنط إذا يئس من رحمة الله.
﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ قَالَ﴾ لهم إبراهيم ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ شأنكم وأمركم ﴿أَيُّهَا
المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا أَرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ﴾ مشركين ﴿إلاَّ آلَ لُوط﴾ أتباعه وأهل دينه ﴿إِنَّا
لَمُنَجُوهُمْ أجْمَعِينَ﴾ .
قرأ أهل الحجاز وعاصم وأبو عمرو: (لمنجّوهم) بالتشديد، وإختاره أبو عبيد وأبو حاتم،
وخففه الآخرون.
﴿إِلَّ امْرَأْتَهُ﴾ سوى إمرأة لوط ﴿قَدَّرْنَا﴾ قضينا ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب،
وخفف إبن كثير قدرنا .
قال أبو عبيد: استثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثمّ إستثنى إمراته من آل لوط فرجعت
إمرأته في التأويل إلى القوم المجرمين، لأنه استثناء مردود على استثناء، وهذا كما تقول في
الكلام: لي عليك عشرة دراهم إلاّ أربعة إلاّ درهماً، فلك عليه سبعة دراهم؛ لأنك لما قّت:
إلّ أربعة، كان لك عليه ستة، فلما قلت: إلّ درهماً كان هذا استثناء من الأربعة فعاد إلى الستة
فصار سابعاً .
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطِ المُرْسَلُونَ قَالَ﴾ لوط لهم ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ يعني لا أعرفكم
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعني يشكّون إنه ينزل بهم وهو العذاب ﴿وَأَتَيْنَاكَ
بِالحَقِّ﴾ وجئناك باليقين، وقيل: بالعذاب ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا ﴿فَأْسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ
اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أدْبَارَهُمْ﴾ أي كن ورائهم وسر خلفهم ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ
تُؤْمَرُونَ﴾ .
قال ابن عبّاس: يعني الشام. وقال خليل: يعني مصدر.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ يعني وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأخبرناه ﴿أَنَّ دَابِرَ
هَؤُلاءِ﴾ .
يدل عليه قراءة عبد الله: وقلنا له إن دابر هؤلاء، يعني أصلهم، ﴿مَقْطُوعٌ﴾ مستأصل
﴿مُصْبِحِينَ﴾ في وقت الصبح إذ دخلوا فيه ﴿وَجَاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ يعني سدوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾

٣٤٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
بأضياف لوط طمعاً منهم في ركوب الفاحشة ﴿قَالَ﴾ لوط لقومه ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ وحق على
الرجل بإكرام ضيفه ﴿فَلا تَفْضَحُونٍ﴾ فيهم ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ﴾ فلا تھینون ولا تخجلون،
يجوز أن يكون من الخزي، ويحتمل أن يكون الخزاية ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العَالَمِينَ﴾ أولم
ننهك أن تضيّف أحداً من العالمين.
﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾ أزوجهّن إياكم إن أسلمتم فأتوا النساء الحلال ودعوا ماحرم الله
عليكم من إتيان الرجال ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما أمرکم به.
قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته، وقيل: رأى أنهم سادة إليهم يؤول أمرهم فأراد أن
يزوجهم بناته ليمنعوا قومهم من التعرّض لأضيافه، وقيل: أراد بنات أمته لأن النبي [أب] لامته،
قال الله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ یا محمّد یعني وحياتك.
وفيه لغتان: وعمرُ وعمرَ.
يقول العرب: عَمرك وعمرك.
﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ ضلالتهم وحيرتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون.
قاله مجاهد، وقال قتادة: يلعبون.
ابن عبّاس: يتمادون .
أبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: فالخلق لله عزّ وجلّ ولا برأ ولا ذرأ نفساً أكرم عليه من
محمّد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلاّ حياته قال: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ حيت أشرقت الشمس، أي أضاءت، وهو نصب على الحال
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجّيل إنّ في ذلك لآيات لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال
ابن عبّاس والضحاك: للناظرين.
مجاهد: للمتفرسين.
قال رسول الله وَ﴾: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))(١) [١٧٧] ثمّ قرأ هذه الآية.
وقال الشاعر:
توسمته لما رأيت مهابة
(٢)
عليه وقلت المرء من ال هاشم
وقال آخر:
(١) سنن الترمذي: ٤ / ٣٦٠.
(٢) كتاب العين: ٧ / ٣٢٢، تفسير القرطبي: ١٠ / ٤٣.

٣٤٧
سورة الحجر، الآيات: ٥١ - ٨٦
بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم (١)
أو كلما وردت عكاظ قبيلة
وقال قتادة: للمعتبرين.
﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني قرى قوم لوط ﴿لَبِسَبِيل مُقِيم﴾ بطريق واضح.
قاله قتادة، ومجاهد، والفراء، والضحاك: بطريق معلّم ليس بخفي ولا زائغ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ أصْحَابُ الأبْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ وقد كان أصحاب الغيضة
الكافرين، وهم قوم شعيب كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر متناوش متكاوش ملتف وكانوا
يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة وفي الشتاء اليابسة وكان عامة شجرهم الدوم وهو المُقل
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بالعذاب، وذلك أن الله سلّط عليهم الحرّ سبعة أيام لا يمنعهم منه شيء، فبعث
الله عليهم سحابة فالتجأوا إلى ظلّها يلتمسون روحها فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم (٢)
فذلك قوله: ﴿فأخذهم عذاب يوم الظلّة﴾ ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة
﴿لَبِمَامٍ مُبِين﴾ طريق مستبين، وسمّي الطريق إماماً لأنه يؤتم به .
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحَابُ الحِجْرِ﴾ أي الوادي، وهو مدينة ثمود وقوم صالح وهي فيما بين
المدينة والشام ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أراد صالحاً وحده.
عبدالله بن عمر وجابر بن عبد الله قالا: مررنا مع النبي وَير على الحجر، فقال لنا رسول
الله ◌َ﴾: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلاّ أن تكونوا باكين حذراً بأن يصيبكم مثل ما
أصابهم)) ثمّ قال: ((هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلّ رجلاً في حرم الله منعه حرم الله من عذاب
الله)) قيل: من هو يارسول الله؟ قال: ((أبو رغال)) [١٧٨] ثمّ زجر ◌َّ فأسرع حتّى خلفها(٣).
﴿وَآَ تَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني الناقة وولدها و[السير](٤) ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ
مِنَ الجِبَالِ بُيُوتً آمِنِينَ﴾ من الخراب ووقوع الجبل عليهم ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني صيحة
العذاب والهلاك ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في وقت الصبح وهو نصب على الحال ﴿فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ﴾ من الشرك والأعمال الخبيثة. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وما بينهما إلّ بالحقّ
وإنّ الساعة لاَتِيَةٌ﴾ وإن القيامة لجائية ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ فأعرض عنهم واعف عفواً
حسناً، نسختها آية القتال.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلَّقُ العَلِيمُ﴾
(١) البيت لطريف بن تميم العنبري، انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ١١٣، الصحاح: ٤ / ١٤٠٢.
(٢) تفسير الثعالبي: ٤ / ٢٣٥، الدرّ المنثور: ٤ / ١٠٤.
جامع البيان للطبري: ١٤ / ٦٦، كنز العمال: ١٦ / ١٦ ح ٤٣٧٤٢ .
(٣)
(٤) هكذا في الاصل.

٣٤٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
لَا تَعُدَّنَّ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزَّوَجًا مِنْهُمْ
(٨٧)
وَلَقَدْ ءَنَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْءَاتَ الْعَظِيمَ
وَلَا نَحْزَنْ عَلَيْهِم
وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (وَمَا كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى
فَوَرَيْكَ لَسْئَلَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٦) عَنَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (َِّّ)
الْمُفْتَمِينَ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ مِضِينَ
فَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَّرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِنَ (٤) إِنَّا كَفْتَكَ الْمُسْتَهْزِنَ (٤) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهَا .َاخَرِّ
فَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٦) وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (49) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِنَ السَِّدِينَ
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَفِيْنُ
(٩٨)
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ المَثَانِيَ﴾ اختلفوا فيه .
روى عبد الوهاب عن ابن مسعود عن أبي نصر عن رجل من عبد القيس يقال له جابر أو
جويبر عن ابن مسعود أن عمر قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب.
روى إسماعيل السدي عن عبد خير عن علي (رَبُّه) ﴿ولقد آتيانك سبعاً من المثاني﴾ قال:
فاتحة الكتاب [١٧٩].
عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال في السبع المثاني: فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم سائر
القرآن.
وعن عبد الرحمن عن أحمد الطابقي قال: أتيت أبا هريرة وهو في المسجد فقرأت عليه
فاتحة القرآن .
فقال أبو هريرة: هذه السبع المثاني.
شعبة عن قتادة في قوله: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾، قال: هي فاتحة الكتاب.
وسمعت الكلبي يقول: هي أمّ الكتاب.
ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى ﴿سبعاً من المثاني﴾ قال: هي أم القرآن والآية السابعة
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وهذا قول الحسن وأبي العالية وسعيد بن جبير وإبراهيم وابن أبي مليكة وعبد الله بن عبيد
ابن عمرو ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وصالح الحنفي قاضي مرو.
ويدل عليه ماروى أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الحمد لله
رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم وهي السبع المثاني وهي أم القرآن
وهي فاتحة الكتاب)) [١٨٠](١).
(١) تفسير الطبري: ١ / ٧٣.

٣٤٩
سورة الحجر، الآيات: ٨٧ - ٩٩
وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((الحمد لله رب
العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم)) [١٨١].
وروى حفص بن عاصم عن أبي سعيد المعلّى عن أُبيّ بن كعب قال: كنت أُصلي فناداني
رسول الله فلم أجبه، فلما صلّيت أتيته، فقال: ((ما منعك أن تجيبني))؟ قلت: كنت أُصلي،
قال: ((أولم يقل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أستجيبوا لله وللرسول﴾(١)) [١٨٢] الآية.
ثمّ قال: ((لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن نخرج من المسجد)) فأخذ بيدي فلما
أراد أن يخرج من المسجد قلت: يارسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن.
قال: ((نعم، الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت))(٢).
وعن أبي هريرة قال: قرأ أُبي بن كعب على رسول الله وَّ أمّ القرآن. فقال: ((والذي
نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع
المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت)) [١٨٣](٣).
عن ابن جريج قال: أخبرني أبي أنّ سعيد بن جبير أخبره فقال له: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من
المثاني﴾، قال: هي أم القرآن، قال: هي، وقرأ عليَّ سعيد بن جبير بسم الله الرحمن الرحيم
حتّى ختمها، ثمّ قال: بسم الله الرحمن الآية السابعة .
قال سعيد بن جبير: لأبي: وقرأ عليَّ ابن عبّاس كما قرأتها عليك، ثمّ قال: بسم الله
الرحمن الرحيم الآية السابعة:
قال ابن عبّاس: قد ادخرها الله لكم فما أخرجها لأحد قبلكم.
فقلت: هذه إختيار الصحاح إن السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، وأن الله تعالى امتن على
رسوله قيم بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن، وقيل: نزلت هذه السورة في [خيبر].
وفي هذا دليل على إن الصلاة لاتجوز إلاّ بها ويؤيد ما قلنا ماروى الزهري عن محمّد بن
الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وهي: ((فاتحة الكتاب عوض من كل القرآن،
والقرآن كلّه ليس منه عوض)) [١٨٤].
واختلف العلماء في حديث آيات هذه السورة مثاني، فقال ابن عبّاس والحسن وقتادة
والربيع: لأنها تثنى في كل صلاة وفي كل ركعة.
(١) سورة الأنفال: ٢٤.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي: ١٧٨ والسنن الكبرى : ٦ / ٣٧٥.
(٣) المصدر السابق.

٣٥٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال بعضهم: سمّيت مثاني لأنها مقسومة بين الله وبين العبد قسمين اثنين، بيانه والذي
يدل عليه ماروى أبو السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاليه: ((من
صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام)) [١٨٥](١).
قال أبو السائب لأبي هريرة: إني أحياناً أكون وراء الامام.
قال: فغمز أبو هريرة ذراعي، وقال: يافارسي إقرأها في نفسك إني سمعت رسول الله وَايه
يقول: ((قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما
سأل)).
وقال رسول الله صل﴾: ((اقرؤا، يقول: العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدني
عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، فيقول الله: أثنى عليَّ عبدي، فيقول العبد: مالك يوم
الدين، فيقول الله: مجّدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبدُ وإياك نستعين، قال: هذه الآية بيني
وبين عبدي، يقول العبد: اهدنا الصراط إلى آخره، يقول الله: فهذا لعبدي ولعبدي ما سأل))
[١٨٦](٢).
ويقال: سمّيت (مثاني) لأنها منقسمة إلى قسمين: نصفها ثناء ونصفها دعاء، ونصفها حق
الربوبية ونصفها حق العبودية، وقيل: لأن ملائكة السماوات يصلّون الصلوات بها، كما أن أهل
الأرض يصلّون بها. وقيل: لأن حروفها وكلماتها مثنّاة، ومثل الرحمن الرحيم، إياك وايّاك،
الصراط الصراط، عليهم عليهم، غير غير، في قراءة عمر.
وقال الحسين بن الفضل وغيره: لأنها تقرأ مرّتين كل مرّة معها سبعون ألف ملك، مره
بمكة من أوائل مانزل من القرآن، ومرة بالمدينة، والسبب هو أن سبع قوافل وافت من بصرى
وأذرعات ليهود بني قريضة والنضير في يوم واحد وفيها أنواع من البز وأوعية [وأفاوية] الطيب
والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في
سبيل الله فأنزل الله تعالى هذه السورة (٣).
وقال: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ودليل هذه التأويل
قوله في عقبها: ﴿ولا تمدن عينيك﴾ الآية.
وقيل: لأنها متصدرة بالحمد، والحمد كل كلمة تكلم بها آدم حين عطس وهي آخر كلام
أهل الجنة من ذريته، قال الله: ﴿وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين﴾ (٤).
(١) مسند أحمد: ٢ / ٢٨٥.
(٢) الدرّ المنثور: ١ / ٦، الجامع الصغير: ٢ / ٢٣٧.
(٣) أسباب النزول للواحدي : ١٨٧ .
(٤) سورة يونس : ١٠ .

٣٥١
سورة الحجر، الآيات: ٨٧ - ٩٩
وقيل: لأن الله استثناها وادّخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم، كما روينا في خبر سعيد
ابن جبير عن ابن عبّاس.
وقال أبو زيد اللخمي: لانها تثني أهل الدعارة والشرارة عن الفسق والبطالة من قول
العرب ثنيت عنائي، قال الله: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾(١) .
وقيل: لأن أولها ثناء على الله عزّ وجلّ.
وقال قوم: إن السبع المثاني هو السبع الطوال، وهي: سورة البقرة، وآل عمران،
والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة معاً.
وقال بعضهم: يونس، وعليه أكثر المفسرين.
روى سفيان عن منصور عن مجاهد عن إبن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من
المثاني﴾، قال: السبع الطوال.
سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ قال: هو
السبع الطوال.
وهو قول عمر، ورواية أبي بشر وجعفر بن المغيرة ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، ورواية
ليث وابن أبي نجيح عن مجاهد، ورواية عبيد بن سليمان عن الضحاك. يدل عليه ماروى أبو أسماء
الرحبي عن ثوبان أن رسول اللـه وسلم قال: ((إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني
المبين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصّل)) [١٨٧](٢).
وروى الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: أوتي رسول
الله ◌َّ السبع المثاني الطوال، وأعطي موسى ستاً فلما ألقى الألواح رفعت إثنان وبقي أربع.
روى عروة عن عائشة أن النبي ◌ُّل قال: ((من أخذ السبع الأول فهو حبر)) [١٨٨](٣).
قال ابن عبّاس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض والحدود والأمثال
والخبر والعبر تثبت فيه .
طاوس وأبو مالك: القرآن كلّه مثاني، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس قال: ألم تسمع
إلى قول الله تعالى: ﴿اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾(٤) وسمّي القرآن مثاني لأن
القصص ثبتت فيه .
(١) سورة هود: ٥.
(٢) تفسير القرطبي: ١٣ / ٨٧ وفيه: وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهنّ نبي قبلي.
(٣) مسند أحمد: ٦ / ٨٢.
(٤) سورة الزمر: ٢٣.

٣٥٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن. ويكون فيه إضمار تقديره: وهي للقرآن
العظيم .
فاحتج بقول الشاعر:
الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم (١)
مجازة: الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة في المزدحم.
وروى عتاب بن بشر عن حنيف عن زياد بن أبي مريم في قوله: ﴿سبعاً من المثاني﴾ قال:
أعطيتك سبعة أجزاء وهي سبع معان في القرآن: مرّ، وانه، وبشّر، وأنذر، واضرب الأمثال
وأعدد النعم، وآتيتك نبأ القرآن (٢).
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ يا محمّد ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أزْوَاجاً﴾ أصنافاً ﴿مِنْهُمْ﴾ من الكفار متمنياً
إياها. نهى رسوله عن الرغبة في الدنيا .
وقال أنس: مرّت برسول الله وَله إبل أيام الربيع وقد حبست في أبعارها وأبوالها. فغطى
رسول الله وَّ عينه بكمّه وقال: ((بهذا أمرني ربي)) [١٨٩] ثمّ تلا هذه الآية.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ ليّن جانبك ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وارفق بهم.
والجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه قوله: ﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ أي جنبك
وناحيتك.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ كَمَا أَ نْزَلْنَا﴾، قال الفراء: مجازه: أنذركم عذاباً ﴿عَلَى
المُقْتَسِمِينَ﴾. فأختلفوا فيهم.
فروى الأعمش عن أبي ظبيان قال: سمعت ابن عبّاس يقول في قوله: (كما أنزلنا على
المقتسمین﴾، قال: هم اليهود والنصارى.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ جزّأوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.
وقال عكرمة: سمّوا مقتسمين لأنّهم كانوا يستهزؤن فيقول بعضهم: هذه السورة لي. وقال
بعضهم: هذه لي، فيقول أحدهم: لي سورة البقرة، ويقول الآخر: لي سورة آل عمران.
وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، قسّموا كتابهم ففرّقوه وبدّدوه.
وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقاب
(١) تفسير الطبري: ٢ / ١٣٧، تفسير القرطبي: ١ / ٣٨٥.
(٢) تفسير الطبري : ١٤ / ٧٦.

٣٥٣
سورة الحجر، الآيات: ٨٧ - ٩٩
مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها وأبقابها وإذا جاء الحجاج، قال فريق منهم: لا تغتروا بخارج
منّا يدعي النبوة فإنه مجنون.
وقالت طائفة أخرى: على طريق آخر أنه كاهن.
وقالت طائفة: عَرّاف. وقالت طائفة شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه
حكماً، فإذا سئل عن رسول الله و الله قال: صدق لوليك المقتسمين.
وقال مقاتل بن حيان: هم قوم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم:
سمر، وقال بعضهم: كذب. وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وقال بعضهم: هم الذين تقاسموا صالح وأرادوا تبييته.
وقرأ قول الله: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا
تَقَاسَمُوا بِاللهِ﴾(١) الآية .
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ يعني عضوا كتاب الله ونبيه وأمره ونهيه أي كذبوا.
وقوله: ﴿عضين﴾، قال بعضهم: هو جمع عضو وهو مأخوذ من قولهم عضيت يعضيه إذا
فرّقته.
وقال رؤبة :
(٢)
وليس دين الله بالمعضى
يعني: بالمفرّق.
وقال آخر:
وعضى بني عوف، فأما عدوهم
فأرضي وأمّا العز منهم فغيرا(٣)
يعني بقوله عضّني بني عوف: سبّاهم وقطعهم بلسانه.
وقال آخرون: بل هو جمع عضة، يقال: عضه وعضين. مثل يره ويرين، وكرة وکرین،
وقلة وقلين، وعزة وعزين، وأصله عضهه ذهبت هاؤها الأصلية كما نقصوا الهاء من الشفة
وأصلها شفهه ومن الشاة وأصلها شاهه يدلك على ذلك التصغير تقول: شفيهة وغويهة، ومعنى
العضة: الكذب والبهتان، وفي الحديث: ((لا يعضه بعضكم بعضاً)) (٤).
(١) سورة النمل: ٤٩.٤٨.
(٢) تفسير الطبري: ١٤ / ٣٠٦.
(٣) تفسير الطبري: ١٤ / ٨٧.
(٤) مسند أبي داود الطيالسي: ٧٩، الجامع الصغير: ٢ / ٧٥٧، ح ٩٩٧٤.

٣٥٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأْ لَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يوم القيامة ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا .
وروى أنس عن النبي ◌َّر في هذه الآية قال: ((عن لا إله إلّ الله))(١).
قال عبد الله: والذي لا إله غيره مامنكم من أحد إلاّ سيخلو الله تعالى به يوم القيامة،
[كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر] فيقول: يابن آدم ماذا غرك مني، يابن آدم ما عملت فيما
علمت، يابن آدم ماذا أجبت المرسلين(٢).
واعترضت الملحدة بأبصار كليلة وأفهام عليلة على هذه الآية على قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ
عَنْ ذَنْبِهِ إنسٌ وَلا جَانٌ﴾(٣) وحكموا عليهما بالتناقض.
والجواب عنه: ما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَنَسْأ لَنَّهُمْ
أجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنسٌ وَلا جَانٌّ﴾(٤). قال:
لانسألهم هل عملتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لِمَ عملتم كذا وكذا؟
واعتمد قطرب هذا القول، وقال: السؤال على ضربين: سؤال استعلام واستخبار، وسؤال
توبيخ وتقرير. فقوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه﴾ يعني استعلاماً واستخباراً، لأنه كان عالماً بهم
قبل أن يخلقهم. وقوله: ﴿لنسألنهم أجمعين﴾ يعني تقريعاً وتقريراً ليريهم القدرة في تعذيبنا
إياهم.
وقال عكرمة: سألت مولاي عبد الله بن عبّاس عن الآيتين، فقال: إن يوم القيامة يوم
طويل وفيه مواقف، يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. ونظيره قوله: ﴿هذا يوم
لا ينطقون﴾(٥) وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾(٦).
وقال بعضهم: ﴿فيومئذ لا يسأل﴾ إذا كان المذنب مكرهاً مضطراً، و ﴿لنسألنّهم﴾ إذا كانوا
مختارين، وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الصبى أو الجنون أو النوم، بيانه قوله وَل:
((رفع القلم عن ثلاث))(٧) [١٩٠] وقولهم: لنسألنهم، إذا كان عملهم خارجاً من هذه الأحوال،
وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الكفر.
(١) مسند أبي يعلى: ٧ / ١١٢.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٩٠، وتفسير القرطبي: ٢ / ٥٧٩.
(٣) سورة الرحمن : ٣٩.
(٤) سورة الرحمن : ٣٩.
(٥) سورة الأنفال : ٤٨.
(٦) سورة الزمر : ٣١.
(٧) مسند أحمد: ١ / ١١٦.

٣٥٥
سورة الحجر، الآيات: ٨٧ - ٩٩
وقوله: ﴿لنسألنهم﴾ يعني المؤمنين، بيانه قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا
قَدْ سَلَفَ﴾(١) وقوله وَّهِ: ((إن الاسلام يجبّ ما قبله)) [١٩١](٢).
﴿نَاضْدَعْ﴾ .
قال ابن عبّاس: أظهر. الوالبي عنه: فاقض.
عطية عنه: افعل. الضحاك: اعلم، الأخفش: افرق، المؤرّج: افصل، سيبويه: اقض.
﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ يعني بأمرنا (ما) المصدر.
وأصل الصدع: الفصل والفرق.
قال ذؤيب يصف الحمار والأتن :
يسر يفيض على القداح ويصدع (٣)
وكأنهن ربابة وكأنه
[وقيل]: أمر رسول الله ◌َه بإضهار الدعوة.
روى موسى عن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: مازال النبي صَلّ مستخفيا حتّى
نزلت ﴿فأصدع بما تؤمر﴾ فخرج هو وأصحابه.
وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تبال بهم ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾.
يقول الله جل ثناؤه لنبيه وس) فاصدع بأمر الله ولا تخف شيئاً سوى الله فإن الله كافيك من
عاداك وآذاك كما كفاك المستهزئين وهم من قريش ورؤسائهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، و
عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان رأسهم، والعاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعيد بن
سهم، والأسود بن المطلب بن الحرث بن [أسد] بن عبد العزى أبو زمعة - وكان رسول الله وَله
قد دعا عليه فقال: ((اللهم أعم بصره وأثكله بولده)) [١٩٢](٤) - والأسود بن عبد يغوث بن وهب
ابن عبد مناف بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلاطلة فإنه عيطل.
فأتى جبرئيل محمداً وَّه والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبرئيل وقام رسول الله وَل
إلى جنبه فمرّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبرئيل: يا محمّد كيف تجد هذا، قال: بئس عبد الله.
(١) سورة الأنفال : ٤٨.
(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ٣٥١.
(٣) تفسير القرطبي: ١٠ / ٦١، ولسان العرب: ١ / ٤٠٦.
(٤) جامع البيان للطبري: ١٤ / ٩٤.

٣٥٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
قال: ((قد كفيت))(١) [١٩٣] وأومأ إلى ساقه ويده، فمرّ برجل من خزاعة [نبّال] يريّش نبلاً له
وعليه برد يمان وهو يجر إزاره فتعلقت شفّية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن يطمئن ونبذ عمامته
وجعلت تضرب ساقه فخدشته فمرض منه ومات.
وقال الكلبي: تعلّق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه فمات.
ومرَّ به العاص بن وائل، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟ قال: ((بئس عبد الله))،
فأشار جبرئيل لأخمص رجله وقال: ((قد كفيت)) وقد خرج على راحلته ومعه اثنان يمنعانه فنزل
شعباً من تلك الشعاب فوطيء على شرقة فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: الوقت
لدغت. فطلبوا ولم يجدوا شيئاً فأنتفخت رجله حتى صارت مثل عنق بعير فمات مكانه.
ومرَّ به الأسود بن عبد المطلب، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟
قال: ((عبد سوء)) فأشار إلى عينه، وقال: ((قد كفيت)) فعمى [١٩٤](٢).
قال ابن عبّاس: رماه جبرئيل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عينه، فجعل يضرب
برأسه الجدار حتى هلك.
وفي رواية الكلبي: أتاه جبرئيل وهو قاعد في ظل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه
بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك وإستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير
نفسك حتّى مات وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.
ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث فقال جبرئيل: كيف تجد هذا؟ فقال: ((بئس عبد الله، على
أنه خالي))، فقال: قد كفيت، وأشار إلى بطنه فشقّ بطنه فمات حينها(٣).
وفي رواية الكلبي: أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتّى عاد حبشياً فأتى أهله فلم
يعرفوه فأغلقوا دونه الباب وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.
ومرَّ به الحرث بن قيس، فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمّد كيف تجد هذا؟ قال: ((عبد
سوء)) فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيت، فأمتخط قيحاً فقتله.
وقال ابن عبّاس: إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتّى
اتّقد بطنه فمات، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ يعنى بك وبالقرآن.
(١) زاد المسير: ٤ / ٣٠٩.
(٢) مجمع البيان: ٦ / ١٣٣.
(٣) تفسير الطبري : ١٤ / ٩٧ بتفصيل وتفاوت.

٣٥٧
سورة الحجر، الآيات: ٨٧ - ٩٩
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ
بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ .
قال ابن عبّاس: فصلِّ يا محمّد لربك.
﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ المتواضعين.
وقال الضحاك: ﴿فسبح بحمد ربك﴾ قل سبحان الله وبحمده ﴿وكن من الساجدين﴾ أي
المصلين .
ويروى أن رسول الله ◌َ و كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ يعني الموت، ومجازه: الموفق به.
روى يونس بن زيد عن ابن شهاب: أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره عن أم العلاء - امرأة
من الأنصار قد بايعت النبي ◌َّ - أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة قالت: فصار لنا عثمان
ابن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما توفي وغسّل وكفّن في ثوبه دخل
رسول الله ◌َ#فقلت: ياعثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك
الله .
فقال رسول الله وَّلـ: ((وما يدريك أن الله أكرمه)) قالت: فقلت: بأبي أنت يارسول الله
فمه؟ فقال رسول الله وَ﴾: ((أمّا هو فقد جاءه اليقين ووالله إني لأرجو له الخير)(١).
قالوا: فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله وَله: ((ما أوحي إليَّ أن أجمع المال وأكون من
التاجرين، ولكن أوحي إليَّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتّى يأتيك
اليقين)) [١٩٥](٢).
،
(١) تفسير الطبري: ١٤ / ١٠١، المستدرك: ١ / ٣٧٩.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠ / ٦٤، تفسير الثعالبي: ٣ / ٤٠٩.

4

٣٥٩
محتوى الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
محتوى الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
سورة التوبة
٥
سورة يونس (عليه السلام)
١١٦
سورة هود (عليه السلام)
١٥٦
سورة يوسف عليه السلام
١٩٦
٢٦٧
سورة الرعد
سورة إبراهيم (عليه السلام)
٣٠٤
سورة الحجر
٣٣٠
..

طِبِعَ عِلَى مَطِابْع
دَارُ اعْيَاء التراث العَربيّ