Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة يونس، الآيات: ٥ - ١٤
مجاهد ومقاتل: يهديهم بالنور على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نوراً يمشون به. قال
النبي ◌َِّلّ: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة [حسنة وبشارة حسنة] فيقول
له. من أنت فو الله أني لأراك أمرء صدق؟ فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى
الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيقول: من أنت فوالله
إني لأراك امرء سوء؟ فيقول: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار(١).
وقيل: معنى الآية: بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه أي بتصديقهم هداهم تجري من تحتهم
الأنهار لم يرد أنها تجري تحتهم وهم فوقها، لأن أنهار الجنة تجري من غير أخاديد(٢). وإنما
معناه أنها تجري من دونهم وبين أيديهم وتحت أمرهم كقوله تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك
سريّاً﴾(٣) ومعلوم أنه لم يجعل السري تحتها وهي عليه قاعدة وإنما أراد به بين يديها، وكقوله
تعالى مخبراً عن فرعون: ﴿أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾(٤)، أو من دوني
وتحت أمري ﴿في جنات النعيم * دعواهم﴾ قولهم وكلامهم ﴿فيها سبحانك اللهم﴾.
قال طلحة بن عبد الله سئل رسول الله وَله: عن سبحان الله، فقال: هو تنزيه الله من كل
سوء، وسأل ابن الكوّا علياً عن ذلك فقال: كلمة رضيها الله لنفسه(٥) .
قال المفسرون: [هذه نعمة علم بين له وعين الخدام في] (٦) الطعام فإذا اشتهوا شيئاً من
الطعام والشراب قالوا: سبحانك اللهم. فيأتوهم في الوقت بما يشتهون على مائدة، فإذا فرغوا
من الطعام والشراب حمدوا الله على ما أعطاهم فذلك قوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم﴾ قولهم
﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ وما يريد آخر كلام يتكلّمون به ولكن أراد ما قبله.
قال الحسن: بلغني بأن رسول الله وسلم قال حين قرأ هذه الآية: ((إن أهل الجنة يلهمون
الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس)»(٧). وذلك قوله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم
وتحيتهم فيها﴾ في الجنة ﴿سلام﴾ يحيّي بعضهم بعضاً بالسلام وتأتيهم الملائكة من عند ربهم
بالسلام.
قال ابن كيسان: يفتحون كلامهم بالتوحيد ويختمون بالتحميد.
(١) بتفاوت في الدر المنثور: ٣ / ٣٠١.
(٢) راجع تفسير الطبري : ١ / ٢٤٦.
(٣) سورة مريم : ٢٤.
(٤) سورة الزخرف : ٥١ .
(٥) المصدر السابق : ١١ / ١١٩.
(٦) كذا في المخطوط.
(٧) ذيل تاريخ بغداد: ١ / ١٨٠.

١٢٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ العامة: ﴿أن الحمد لله﴾ بالتخفيف والرفع، وقرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن أنّ
مثقلا الحمد نصباً.
﴿ولو يعجل الله للناس الشر﴾ فيه اختصار ومعناه: ﴿ولو يعجل الله للناس﴾ الآية ذها بهم
في الشرك استعجالهم بالإجابة في الخير ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ أي لفرض من هلاكهم ولماتوا
جميعاً. قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: [اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له
فيه والعنه] يتخذها الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يُستجاب له.
شهر بن حوشب. قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملكين الموكلين: لا تكتبا
على عبدي في حال ضجره شيئاً .
وقرأ العامة: لقضي إليهم آجالهم برفع القاف واللام على خبر تسمية الفاعل، وقرأ عوف
وعيسى وابن عامر ويعقوب: بفتح القاف واللام، وقرأ الأعمش: لقضينا، وكذلك هو في
مصحف عبد الله، وقيل: أنها نزلت في النضر بن الحرث حين قال: ﴿اللهم إن كان هذا هو
الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾(١) الآية يدل عليه قوله تعالى: ﴿فنذر الذين لا
يرجون لقاءنا﴾ لا يخافون البعث والحساب ولا يأملون الثواب ﴿في طغيانهم يعمهون * وإذا
مس﴾ أصاب ﴿الإنسان الضر﴾ الشدة والجهد ﴿دعانا لجنبه﴾ على جنبه مضطجعاً ﴿أو قاعداً أو
قائماً﴾ فإنما يريد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو أحد هذه الخلال ﴿فلما كشفنا﴾ رفعنا
وفرجنا ﴿عنه ضرّه مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرّ مسّه﴾ أي استمر على طريقته الأولى، قيل: أن
يصيبه الضرّ ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء وترك الشكر والدعاء، قال الأخفش: كأن لم
يدعُنا وكأن لم يلبثوا وأمثالها، كأن الثقيلة والشديدة كأنه لم يدعنا ﴿كذلك﴾ أي كما زيّن لهذا
الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء كذلك ﴿زُيّن للمسرفين﴾ الآية زين الجد في
الكفر والمعصية ﴿ما كانوا يعملون﴾ من الكفر والمعصية والإسراف يكون في النفس، وفي
قراءة: ضيّع نفسه وجعلها عابد وثن وضيع ماله إذ جعله [سائباً بلا خير](٢)، ومعنى الكلام
أسرفوا في عبادتهم وأسرفوا في نفقاتهم.
﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم﴾ يعني الأمم الماضية. قال ابن عباس: بين القرنين ثمان
وعشرون سنة .
﴿لما ظلموا﴾ أشركوا ﴿وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك﴾ أي كما
أهلكناهم بكفرهم وتكذيبهم رسلهم ﴿نجزي﴾ نهلك ﴿القوم المجرمين﴾ المشركين تكذيبهم
(١) سورة الأنفال : ٣٢.
(٢) كذا الظاهر من المخطوط.

١٢٣
سورة يونس، الآيات: ١٥ - ٢٠
محمد لم يخوّف كفّار مكة عذاب الأمم الخالية المكذبة ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من
بعدهم﴾ أي من بعد القرون التي أهلكناهم ﴿لنتظر﴾ لنرى ﴿كيف تعملون﴾ وهو أعلم بهم. قال
النبي ◌َّ: ((إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله استخلفكم فيها فانظر كيف تعملون)) [٧٧].
قتادة: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب (رضيُبه) قال: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلاّ لينظر
إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار والسرّ والعلانية.
وروى ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت
فيما يرى النائم كأنّ شيئاً دُلّي من السماء فانتشط رسول الله وَّل ثم أُعيد فانتشط أبو بكر (رَدُه)
ثم ذرع الناس حول المنبر ففصّل عمر بثلاثة أذرع إلى المنبر، فقال عمر: دعنا من رؤياك لا
أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: قل يا عوف رؤياك، قال: هل لك في رؤياي من حاجة؟
أو لم تنهوني؟ فقال: ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله وَّلله نفسه. فقصّ عليه الرؤيا
حتى إذا بلغ ذرع الناس المنبر بهذه الثلاثة الأذرع. قال: أما إحداهن فأنّه كائن خليفة وأما الثانية
فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنّه شهيد، ثم قال: يقول الله تعالى: ﴿ثم
جعلناكم خلائف في الأرض﴾ إلى قوله ﴿لننظر كيف تعملون﴾ فقد استخلفت يا ابن أم عمر
فانظر كيف تعمل، وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: إني
شهيد فأنّى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به، ثم قال: إن الله على ما يشاء لقدير.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَآبَانَا بَعِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ ثُلَ
مَا يَكُونُ لِيّ أَنَّ أُبَدِّلَمُ مِنْ تِلْقَابِ نَفْسِىٌّ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَّ إِىَّ أَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَدْرَنِكُمْ بِهِ، فَقَدٌ لَبِنْتُ فِيكُمْ عُمُّرًا مِنْ
قَبْلِهِ: أَفَلَا تَّمْعِلُونَ ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِغَنِ أَفْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًّا أَوْ كَذَّبَ بِغَايَفِِّ، إِنَهُ لَا يُفْلِحُ
وَيَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوْلَاءِ شُفَعَتُنَا عِنْدَ اللَّهِ ثُلْ
الْمُجْرِمُونَ (١٧
أَنْتَُّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ الشَّمَوَتِ وَلَ فِ اَلْأَرْضَِّ سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (َّ وَمَا كَانَ
النَّاسُ إِلَّ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَأَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ (١٦) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِنِ زَرِّهِ. فَقُلْ إِنََّا الْغَيْثُ لِلَّهِ فَأَنَتَظِرُواْ إِى مَعَكُمْ
٢٠
مِنَ الْمُنَظِرِينَ
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ قتادة: يعني مشركي مكة، مقاتل:
هم خمسة نفر: عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد
الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم. قالوا للنبي وَّ: ﴿ائت بقرآن﴾ ليس فيه
ترك عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وليس فيه عنهما أي ﴿بدّله﴾ تكلم به من تلقاء نفسك.

١٢٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
· وقال الكلبي: نزلت في المستهزئين، قالوا: يا محمد ائت بقرآن غيره [ليس فيه ما يغيظنا،
أو بدّله] فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة أو آية رحمة آية عذاب أو حرام حلالا أو حلال حراماً
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي﴾ من قبل نفسي ومن عندي ﴿إن
أتبع﴾ ما أطيع فيما آمركم وأنهاكم ﴿إلاّ ما يُوحى إليَّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم
عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم﴾ أعلمكم ﴿به﴾ وقرأ الحسن: ولا
أدراتكم(١) به، وهي لغة بني عقيل يحولون الياء ألفاً فيقولون: أعطأت بمعنى أعطيت، ولبأت
بمعنى لبّيت وجاراة وناصاة للجارية والناصية. فأنشد المفضل:
بحرب كناصاة الأغر المشهر
لقد أذنت أهل اليمامة طيّ
وقال زيد الخيل :
لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا
على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا
أي ما بقي، وقال آخر:
زجرت فقلنا لا نريع لزاجر
إن الغويّ إذا نَها لم يعتب
أي نھی(٢).
وروى البري عن ابن كثير ولادراكم بالقصر على الإيجاب يريد: ولا عملكم به من غير
قراءتي عليكم (٣). وقرأ ابن عباس: ولا أدراتكم (٤) من الإنذار، وهي قراءة الحسن (فقد لبثت
فيكم عمراً﴾ حيناً وهو أربعون سنة ﴿من قبله﴾ من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء ﴿أفلا
تعقلون﴾ انه ليس من قبلي.
قال ابن عباس: نبّيء رسول الله والر وهو ابن أربعون سنة وأقام بمكة ثلاثة عشرة وبالمدينة
عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ فزعم أنه له
شريكاً أو صاحبة أو ولداً ﴿أو كذب بآياته﴾ محمد والقرآن ﴿أنه لا يفلح المجرمون﴾ لا يأمن
ولا ينجو المشركون ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم﴾ إن عصوه ﴿ولا ينفعهم﴾ أن أطاعوه
يعني الأصنام ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون﴾ تخبرون ﴿الله﴾ قرأه العامة:
بالتشديد، وقرأ أبو الشمال العدوي: أتُنبئون بالتخفيف وهما لغتان. نبأ ينبئ بنية، وأنبأني إنباءً
بمعنی فاعل جمعها .
(١) وفي النسبة للحسن خلاف هل: أدرأتكم بالهمزة أم بغير همزة: أدراتكم وله تفصيل راجع تفسير القرطبي:
٨ /٣٢١.
(٢) تفسير الطبري : ١١ / ١٢٧ .
(٣) وهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل.
(٤) بتحويل الياء ألفاً فالأصل: أدريتكم.

١٢٥
سورة يونس، الآيات: ١٥ - ٢٠
قوله تعالى: ﴿قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾(١) ﴿بما لا يعلم﴾ بما لا يعلم
الله تعالى صحته وحقيقته ولا يكون ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ ومعنى الآية: أتخبرون الله
أنّ له شريكاً أو عنده شفيعاً بغير إذنه ولا يعلم الله أنّ له شريكاً في السماوات ﴿ولا في
الأرض﴾ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه نظيره قوله عزّ وجلّ: ﴿أم تنبئونه بما لا يعلم في
الأرض﴾(٢).
ثم نزّه نفسه فقال: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ قرأ يحيى بن ثابت والأعمش وأبو
حمزة والكسائي وخلف: تشركون بالتاء هاهنا وفي سورة النحل والروم، وهو اختيار أبي عبيد
للمخاطبة التي قبلها، وقرأ الباقون كلها بالياء، واختارها أبو حاتم، وقال: كذلك تعلمناها .
﴿وما كان الناس إلاّ أمة واحدة﴾ على ملة واحدة الإسلام دين آدم (عليه السلام) إلى أن
قتل أحد ابني آدم أخاه فاختلفوا. قاله مجاهد والسدي.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا على
عهد نوح فبعث الله إليهم نوحاً، وقيل: كانوا أمة واحدة مجتمعة على التوحيد يوم الميثاق.
وقيل: أهل سفينة نوح (٣)، وقال أبو روق: كانوا أمة واحدة على ملّة الإسلام زمن نوح (عليه
السلام) بعد الغرق، وقال عطاء: كانوا على دين واحد الإسلام من لدن إبراهيم (عليه السلام)
إلى أن غيّره عمرو بن يحيى (٤)، عطاء: يدلّ على صحة هذه التأويلات قراءة عبد الله: ﴿وما كان
الناس إلّ أمة واحدة على هدى فاختلفوا عنه﴾، وقال الكلبي: وما كان الناس إلاّ أمة واحدة
كافرة على عهد إبراهيم فاختلفوا فتفرقوا، مؤمن وكافر.
﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ بأن جعل للدنيا مدة لكل أمة أجلا لا تتعدى ذلك، قال أبو
روق وقال الكلبي: هي أن الله أخّر هذه الأمة ولا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، وقيل: هي أنه لا
يأخذ إلاّ بعد إقامة الحجة.
وقال الحسن، ولولا كلمة سبقت من ربك مضت في حكمه أنه لا يقضي فيهم فيما اختلفوا
فيه بالثواب والعقاب دون القيامة.
﴿لقضي بينهم﴾ في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين في النار بكفرهم
ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.
(١) سورة التحريم : ٣.
(٢) سورة الرعد : ٣٣.
(٣) والقائل الواقدي.
(٤) هو أول من غير دين إبراهيم (عليه السلام) وعبد الصنم في العرب.

١٢٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أبو روق: لقضي بينهم، لأقام عليهم الساعة، وقيل: الفزع من هلاكهم، وقال عيسى
ابن عمر: لقضى بينهم بالفتح لقوله: ﴿من ربك﴾ ﴿فيما فيه يختلفون﴾ من الذين ﴿ويقولون﴾
يعني أهل مكة ﴿لولا أنزل عليه﴾ أي على محمد ﴿آية من ربه فقل﴾ لهم يا محمد ما سألتموني
الغيب ﴿إنما الغيب لله﴾ ما يعلم أحدكم بفعل ذلك إلّ هو، وقيل: الغيب، نزول الآية متى تنزل
نزل ﴿فانتظروا﴾ نزول الآية ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ لنزولها، وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا
بإظهار الحق على الباطل. وقال الحسن: فانتظروا مواعيد الشيطان وكانوا مع إبليس على موعد
فيما يعدهم ويمنيهم أني معكم من المنتظرين. فأنجز الله وعده ونصر عبده.
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةُ مِّنْ بَعْدِ ضَرَآءَ مَسَّهُمْ إِذَا لَهُم مَكَّرٌ فِيَ ءَايَانِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًّاْ إِنَّ رُسُلَنَا
يَكْتُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِيِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ حَتَّىَ إِذَا كُتُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجَ طَنِّبَةِ
وَفَرِعُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِبِعُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ الْمَوْعُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِظَ بِهِمْ دَعَوَا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الّذِينَ لَبِنْ أَنْحَيْلَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِنَ * فَلَّا أَنْجَنَّهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَقُّ
◌َّأْيُهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَعْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَعَ الْحَبَوَةِ الدُّنْيَّاً ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْ جِعُكُمْ فَنُنَسِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ نَعْمَلُونَ
﴿ إِنََّا مَثَلُ الْحَيَوِ الذُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ اُلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ
إِذَاَ أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَنَّ أَهْلُّهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَاَ أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْتَهَا
حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ ﴿٦ وَاللَّهُ يَدْعُوَاْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ
٣٥
وَبَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ (
﴿وإذا أذقنا الناس﴾ يعني الكفار ﴿رحمة من بعد ضراء مستهم﴾ أي راحة ورخاء بعد شدة
وبلاء، وقيل: عنى به القطر بعد القحط ﴿إذا لهم مكرٌ في آياتنا﴾ قال مجاهد: استهزاء
وتكذيب. مقاتل بن حسان: لا يقولون هذا رزق الله فإنما يقولون: سقينا بنوء كذا(١) وهو قوله:
﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾(٢) ﴿قل الله أسرع مكراً﴾ أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على
الجزاء، وقال مقاتل صنيعاً. ﴿إن رسلنا﴾ حفظتنا ﴿يكتبون ما تمكرون﴾ قرأ العامة بالتاء لقوله،
وقراءة الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب: يمكرون بالياء لقوله: ﴿إذا لهم﴾ وهي رواية هارون عن
أبي عمرو(٣).
﴿هو الذي يسيّركم في البر والبحر﴾ يبحر بكم ويحملكم على التسيير، وقرأ أبو جعفر
وابن عامر: ينشركم بالنون من النشر، وهو [البسط] في البر على الظهر وفي البحر على الفلك
(١) أي إضافة النعم إلى غير الله.
(٢) سورة الواقعة : ٨٢.
(٣) وهو هارون العتكي يروي عن أبي عمرو قراءة: تمكرون بالياء.

١٢٧
سورة يونس، الآيات: ٢١ - ٢٥
﴿حتى إذا كنتم في الفلك﴾ أي في السفن يكون واحد أو جمعاً، وقرأ عيسى الفلك بضم اللام.
﴿وجرين بهم﴾ يعني جرت السفن بالناس وهذا خطاب تكوين رجع من الخطاب إلى الخبر
﴿بريح طيبة وفرحوا بها﴾ أي الريح ﴿جاءتها﴾ يعني الفلك وهو جواب لقوله حتى إذا جاءتها
﴿ريح عاصف﴾ شديد يقال: عصفت الريح وأعصفت والريح، مذكر ومؤنث، وقيل: لم يقل:
عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف، وقيل: للنسب أي ذات عصوف ﴿وجاءهم﴾ يعني سكان
السفينة ﴿الموج) وهو حركة الماء وأخلاطه ﴿من كل مكان وظنوا﴾ وأيقنوا ﴿أنهم أحيط بهم﴾
إذا أحاط بهم الهلاك ﴿دعوا الله﴾ هنالك ﴿مخلصين له الدين﴾ للدعاء دون أوثانهم وكان
مفزعهم إلى الله دونها .
روى [الثوري] عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد في قوله تعالى: ﴿مخلصين له
الدين﴾ قال: قالوا في دعائهم: أهيا شراهيا (١) وتفسيره: يا حيُّ يا قيوم ﴿لئن أنجيتنا﴾ خلصتنا
يا ربنا ﴿من هذه﴾ الريح العاصف ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ لك بالإيمان والطاعة ﴿فلما أنجاهم
إذا هم يبغون﴾ يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله ﴿في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما
بغيكم على أنفسكم﴾ الآن وباله راجع إليها وجزاؤه لاحق، وأتم الكلام هاهنا كقوله تعالى:
﴿لم يلبثوا إلّ ساعة من نهار بلاغ﴾(٢) أي هذا بلاغ وقيل هو كلام متصل، والبغي ابتداء ومتاع
خبره، وقوله على أنفسكم صلة المتاع ومعناه ﴿إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ ولا
يصلح لزاد المعاد لأنّكم استوجبتم غضب الله.
وقرأ ابن اسحاق وحفص: متاعاً بالنصب على الحال ﴿ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم
تعملون * إنما مثل الحياة الدنيا﴾ في فنائها وزوالها ﴿كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات
الأرض مما يأكل الناس﴾ من الحبوب والبقول والثمار ﴿والأنعام﴾ من الحشيش والمراعي.
﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ حسنها وبهجتها ﴿وأزّيّنت﴾ هذا قراءة العامة،
وتصديقها قراءة عبد الله بن مسعود: وتزينت، وقرأ أبو عثمان النهدي والضحاك: وأزّانت على
وزن اجّازت قال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرأونها كذلك(٣) وازیانت نحو اسوادّت،
وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والشعبي والحسن والأعرج: وأزينت على وزن أفعلت مقطوعة الألف
[بالتخفيف]، قال قطرب: معناه: أتت بالزينة عليها، كقولهم: أحبّ فأذمّ واذكرت المرأة فأنثت
﴿وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها﴾ أخبر عن الأرض ويعني للنبات إذ كان مفهوماً وقيل: ردّه إلى
الغّة وقيل: إلى الزينة ﴿أتاها أمرنا﴾ قضاؤنا بهلاكها ﴿ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً﴾ مقطوعة
(١) راجع تاج العروس : ٩ / ٣٩٤ ففي ضبطها خلاف.
(٢) سورة الأحقاف : ٣٥.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ٨ / ٣٢٧.

١٢٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
مقلوعة وهي محصورة صرفت إلى حصيد ﴿كأن لم تغن﴾ تكن، وأصلة من غني المكان إذا أقام
فيه وعمّره، وقال مقاتل: تغم، وقرأها العامة: تغن بالتاء التأنيث الأرض، وقرأها قتادة بالياء
يذهب به إلى الزخرف(١) ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون * والله يدعوا إلى دار السلام﴾
قال قتادة: السلام الله وداره الجنة، وقيل: السلام والسلامة واحد كاللذاذ واللذاذة والرضاع
والرضاعة. قال الشاعر:
تُحيّى بالسلامة أم بكر وهل لك بعد رهطك من سلام(٢)
فسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. قال الله تعالى: ﴿ادخلوها
بسلام آمنين﴾(٣)، وقال ذو النون المصري: سميت بذلك لأن من دخلها سلم من القطيعة
والفراق، وقيل: أراد به التحية يقال: سلم تسليماً وسلاماً كما يقال: كلم تكليماً وكلاماً فسميت
الجنة دار السلام لأن أهلها يحيي بعضهم بعضاً والملائكة يسلمون عليهم، وقال الحسن: السلام
لا ينقطع عن أهل الجنة وهو تحيتهم.
وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من دخلها سلم عليه المولى وذلك أن الله يعلم ما
فيه أهل الجنة من ذكر الذنوب والهيبة لعلام الغيوب فيبدأهم بالسلام والتحية لهم تقريباً وإيناساً
وترحيباً .
قال جابر بن عبد الله خرج علينا رسول الله وسلم يوماً فقال: ((إني رأيت في المنام كأن
جبرائيل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال: اسمع
سمعت اذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم
جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعوهم إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه،
فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول، من أجابك دخل
الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها)) [٧٨](٤).
قال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه فإن أجبته من
دنياك دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها ثم قال: ﴿ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ عمّ
بالدعوة إظهاراً لحجته وخصّ بالهداية استغناءً عن خلقه، وقيل: الدعوة إلى الدار عامة لأنها
الطريق إلى النعمة وهداية الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم.
(١) في زاد المسير: يعني الحصيد.
(٢) تفسير القرطبي: ٨ / ٣٢٨، وفيه: قومك بدل: رهطك.
(٣) سورة الحجر : ٤٦.
(٤) سنن الترمذي: ٤ / ٢٢٣.

١٢٩
سورة يونس، الآيات: ٢٦ - ٣٦
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزَهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَا دِلٌَّ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اْلِنَّةَّ هُمْ فِيَهَا
وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّنَاتِ جَزَاءُ سَيْئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَزْهَفُهُمْ إِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ
خَلدُونَ (٢٦)
وُجُوهُهُمْ فِطَعَا مِنَ الَّلِ مُظْلِمَا أُوْلَكَ أَمْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿١٦) وَبَوْمَ نَحْشُرُهُمْ حَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ
لِلَِّنَّ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَزَلْنَا بَيْنَهْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿َ فَكَفَى بِلَلَّهِ شَهِيدًا
بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ (٦) هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسِ مَّآ أَسَلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ
مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَصَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿٣ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنَ يَمْلِكُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَنَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَيِّرُ اَلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
جَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُ أَنَّ فَمَاذَا بَعْدَ أَلْمَنْ إِلَّ اَلْضَّلَلُ فَنَّ تُعْرَفُونَ
عَلَى الَّذِينَ فَقُوَاْ أَنَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَّنَ بَبَدَوْأْ اْخَلَقَ ثُمَّ يِدُهُ فُلِ اللَّهُ بْدَؤُاْ الْخَلَقَّ
ثُمَّ يُِدُ فَنَّ تُؤْقَّكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُمْ مَّن يَهْدِىَ إِلَى الْحَقِّ فُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَسَ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ
أَحَقُّ أَنْ يُتَعَ أَمَّنَ لَّا يَهِذِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَىّ ◌َا لَكُرْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَبَعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ
لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف بن يعقوب
الفقيه في آخرين قالوا: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار. الحسين بن عرفة العبدي
حدثني سلم بن سالم البلخي عن نوح عن أُبيّ عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: سئل
رسول الله وَّر عن هذه الآية ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ فقال: ((الذين أحسنوا العمل في
الدنيا الحسنى وهي الجنّة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم)) [٧٩](١) .
وهو قول أبي بكر الصديق (رظله) وحذيفة وأبي موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب
ابن عجرة وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن سابط والحسن وعكرمة وأبي الجوزاء والضحاك
والسدي وعطاء ومقاتل، يدلّ عليه:
ما أخبرنا أبو إسحاق بن الفضل القهندري أخبرنا أبو علي الصفار. الحسن بن عرفة. يزيد
ابن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال:
قال: رسول الله وَله: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً
لم تروه، قال: فيقولون وما هو؟ ألم تبيّض وجوهنا وتزحزحنا عن النار وتدخلنا الجنة. قال:
فيكشف الحجاب - تبارك وتعالى - فينظرون إليه - قال : فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم
منه [٨٠](٢).
(١) معاني القرآن للنحاس: ٣ / ٢٨٩.
(٢) مسند أحمد : ٤ / ٣٣٢.

١٣٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عباس: الذين أحسنوا الحسنى يعني الذين شهدوا أن لا إله إلاّ الله الجنة.
وروى عطية عنه هي أن واحدة من الحسنات واحدة والزيادة التضعيف بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف(١)
وروى جويبر عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط قال: الحسنى: النظرة، والزيادة:
النظر. قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾(٢).
وروى الحكم عن علي بن أبي طالب (رَبُنه) قال: الزيادة غرفة من لؤلؤ واحدة لها أربعة
ألف باب. مجاهد: الحسنى: حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان، ابن زيد:
الحسنى: الجنة والزيادة ما أعطاهم في الدعاء لا يحاسبهم به يوم القيامة.
حكى منصور بن عمار عن يزيد بن شجرة قال: الزيادة: هي أن تمرّ السحابة بأهل الجنة
فتمطرهم من كل النوادر، وتقول لهم: ما تريدون ان أُمطركم؟ فلا يريدون شيئاً إلاّ مطرتهم.
﴿ولا يرهق﴾ يغشى ويلحق ﴿وجوههم قتر﴾ غبار وهو جمع قترة. قال الشاعر:
(٣)
موج ترى فوقه الرايات والقترا
متوج برداء الملك يتبعه
وقال ابن عباس وقتادة: سواد الوجوه، وقرأ الحسن: قتر بسكون التاء وهما لغتان كالقدر
والقدَر ﴿ولا ذلة﴾ هوان، وقال قتادة: كآبة وكسوف. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى
ربهم ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون * والذين كسبوا السيئات جزاءُ سيئة بمثلها﴾
يجوز أن يكون الجزاء مرفوعاً بإضمار أي: لهم جزاء، ويجوز أن يكون مرفوعاً بالياء، فيجوز أن
يكون إبتداء وخبره بمثلها أي: مثلها بزيادة الباء فيها كقولهم: بحسبك قول السوء.
﴿وترهقهم ذلة ما لهم من الله﴾ من عذاب الله ﴿من عاصم﴾ أي من مانع، ومن صلة
﴿كأنما أُغشيت﴾ أُلبست ﴿وجوههم قِطعاً﴾ أكثر القراء على فتح الطاء وهو جمع قطعة ويكون
((مظلماً)) على هذه القراءة نصباً على الحال والقطع دون النعت كأنه أراد قطع من الليل المظلم فلما
حذف الألف واللام نصب. يجوز أن يكون مظلماً صفة لقطع - وسط الكلام - كقول الشاعر:
لو أن مدحة حي منشر أحداً
وقرأ أبو جعفر والكسائي وابن كثير ﴿قطعاً﴾ بإسكان الطاء وتكون ﴿مظلماً﴾ على هذا
نعت كقوله: بقطع من الليل، إعتباراً بقراءة أُبيّ: كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم
﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا
(١) تفسير الطبري: ١١ / ١٤١ / ١٤٢.
(٢) سورة القيامة : ٢٣.٢٢.
(٣) البيت للفرزدق كما في الصحاح: ٢ / ٧٨٥.

١٣١
سورة يونس، الآيات: ٢٦ - ٣٦
مكانكم﴾ اثبتوا وقفوا في موضعكم ولا تبرحوا ﴿أنتم وشركاؤكم﴾ يعني الأوثان ﴿فزيّلنا﴾ ميّزنا
وفرقنا بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا بذلك حين [اتخذوا]
كل معبود من دون الله من خلقه ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيّانا تعبدون﴾ يقولون بلى كنا نعبدكم
فيقول الأصنام: ﴿فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم﴾ أي ما كنا عن عبادتكم
إيّانا إلاّ غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل. قال الله تعالى: ﴿هنالك تبلوا﴾ أي تخبر
وقيل: تعلم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة وعيسى وحمزة والكسائي (تبلوا) بالتاء(١)،
وهي قراءة ابن مسعود في معنى: وتقرأ.
﴿كل نفس ما أسلفت﴾ صحيفتها، وقيل: معناه تتبع ما قدمت من خير وشرّ، وقال ابن زيد
[تعاون] ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل﴾ [بطل] ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ [من الآلهة]
﴿قل من يرزقكم من السماء﴾ المطر ﴿والأرض﴾ النبات ﴿أمن يملك السمع والأبصار ومن
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾ الذي فعل هذه
الأشياء ﴿فقل أفلا تتقون﴾ أفلا تخافون عقابه في شرككم ﴿فذلكم الله﴾ الذي يفعل هذه الأشياء
﴿ربكم الحق فماذا بعد الحق إلاّ الضلال فأنى تصرفون﴾ فمن أين تصرفون عن عبادته وأنتم
مقرّون ﴿كذلك﴾ فسرها الكلبي هكذا في جميع القرآن ﴿حقت﴾ وجبت ﴿كلمة ربك﴾ حكمه
وعلمه السابق.
وقرأ الأعرج: كلمات ﴿على الذين فسقوا﴾ كفروا ﴿أنهم لا يؤمنون * قل هل من
شركائكم من يبدؤا الخلق﴾ ينشىء من غير أصل ولا [مثال] ﴿ثم يعيده﴾ يحييه بهيئته بعد الموت
[أي قل لهم يا محمد ذلك على وجهة التوبيخ والتقرير](٢) فإن أجابوك وإلاّ ﴿قل الله يبدأ الخلق
ثم يعيده فأنى تؤفكون﴾ تصرفون عن قصد السبيل ﴿قل هل من شركائكم﴾ أوثانكم ﴿من يهدي﴾
يرشد ﴿الى الحق﴾ فإذا قالوا: لا، فلابدّ لهم منه ﴿قل الله يهدي للحق﴾ أي إلى الحق ﴿أفمن
يهدي إلى الحق أحق أن يُتّبع أمن لا يهِدِّي﴾ .
اختلف القراء فيه، فقرأ أهل المدينة: مجزومة الهاء مشدّدة الدال لأن أصله يهتدي
فأدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على [السكون] في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله:
(تعدّوا وتخصّمون).
وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الهاء وتشديد الدال وقلبت الياء المدغمة الى الهاء، فاختاره
أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ عاصم وورش بكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من إلتقاء الساكنين.
[لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته] تحول إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر.
(١) أي تتلو، راجع زاد المسير : ٤ / ٢٥.
(٢) أثبتناه من تفسير القرطبي: ٨ /٣٤١.

١٣٢
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وروى يحيى ابن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الهاء والياء وتشديد الدال [لإتباع]
الكسر الكسر وقيل: هو على لغة من يقرأ نعبد ونستعين ولن تمسّنا النار ونحوها، وقرأ أبو عمرو
بين الفتح والجزم على مذهبه في الإخفاء، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بجزم الهاء وتخفيف
الدال على معنى يهتدي، يقال: هديته فهدى أي اهتدى فقال: خبرته فخبر ونقصته فنقص.
﴿إلاّ أن يُهدى﴾ في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمظلين. أراد لا
يرشدون إلاّ أن يرشدوا وحملها الآخرون على الأصنام، قالوا: وجه الكلام والمعنى لا يمشي
إلّ أن يحمل وينتقل عن مكانه إلاّ أن ينقل كقول الشاعر:
للفتى عقل يعيش به
حيث تهدي ساقه قدمه (١)
يريد حيث يحمل ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾ تقضون لأنفسكم ﴿وما يتبع أكثرهم إلّ ظنّاً﴾
منهم إنها آلهة وأنها تشفع لهم في الآخرة وأراد بالأكثر الكل ﴿إنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً
إن الله عليم بما يفعلون﴾.
وَمَا كَنَّ هَذَا أَلْقُرْءَانُ أَنْ يُقْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيْقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَنَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٦) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَبَّهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَأَدْعُوْ مَنْ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ الَّهِ إِن
كُ صَدِقِينَ ﴿٨َ بَّ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَّا بَأْتِهِمْ تَأْوِلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَأَنْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَفِيَةُ الظَّلِينَ (٢٠) وَمِنْهُم ◌َن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَّنَ لَّا يُؤْمِنُ بِذْ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
وَمِنْهُم
) وَإِن كَذَّبُوَ فَقُل لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بِيَئُونَ مِنَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّنَّا تَعْمَلُونَ (٣
٤٠
مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَانْتَ تُشْمِعُ الْقُمَّ وَلَوْ كَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ (٣) وَمِنْهُم مَّن يَظُرُ إِلَيْكَ أَقَاْتَ تَّهْدِى
الْعُمْنَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُنْصِرُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
وَبَّوْمَ يَحْثُرُهُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِنَ التَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ اُلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اَللَّهِ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ ﴿٤َ وَإِمَّا نُيَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُّهُمْ أَوْ نَوَقِّنََّكَ فَإِلَتْنَا مَرِجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (®)
وَلِكُلْ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ نُضِىَ بَيِّنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُ لَا يُظْلَمُونَ (49) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ
إِن كُمْتُمْ صَدِفِينَ ﴿﴿ قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَّا وَلَا نَفْعًا إِلَّ مَا شَآءَ الَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ
يَسْتَشْفِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقَِّمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ بَيَنْتًا أَوْ نَهَرًا مَّاذَا يَسْتَعَِّلُ مِنْهُ الْمُحْرِمُونَ
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنْتُم بِهِءَ ءَالْتَنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ ﴿٦َ ثُمَّ فِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوْ ذُوفُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ
وَيَسْتَكْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَقِ إِنَّهُ لَحِّ وَمَّ أَنْتُم
هَلْ تُخْزَوْنَ إِلَّ بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ
٥٣
بِمُعْجِزِينَ
(١) البيت لطرفه كما في الصحاح: ٦ / ٢٥٣٤.

١٣٣
سورة يونس، الآيات: ٣٧ - ٥٣
﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله﴾ قال الفراء: معناه وما ينبغي لهذا القرآن أن
يفترى كقوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾(١) وقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾(٢)،
وقال الكسائي: أن في محل نصب الخبر ويفترى صلة له وتقديره: وما كان هذا القرآن مفترى،
وقيل: أن بمعنى اللام أي وما كان القرآن ليفترى من دون الله ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه
وتفصيل الكتاب﴾ تمييز الحلال من الحرام والحق من الباطل ﴿لا ريب فيه من رب العالمين. أم
يقولون﴾ أي يقولون.
قال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه، اختلق محمّد القرآن من قبل نفسه.
﴿قل فأتوا بسورة مثله﴾ شبيه القرآن وقرأ ابن السميقع: بسورة مثله مضافة، فتحتمل أن
تكون الهاء كناية عن القرآن وعن الرسول ﴿وادعوا من استطعتم﴾ ممن تعبدون ﴿من دون الله﴾
ليعينوكم على ذلك، وقال ابن كيسان: وادعوا من استطعتم على المخالفة ليعينوكم، وقال
مجاهد: شهداءكم بمعنى ناساً يشهدون لكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ إنَّ محمداً افتراه.
ثم قال: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ يعني القرآن ﴿ولما يأتِهم تأويله﴾ تفسيره.
وقال الضحاك: يعني عاقبته وما وعد الله في القرآن انه كائن من الوعيد والتأويل ما يؤول
إليه الأمر.
وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه؟) فقال: نعم في
موضعين ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾، وقوله: ﴿وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك
قديم﴾(٣) ﴿كذلك كذّب الذين من قبلهم﴾ من كفار الأمم الخالية ﴿فانظر كيف كان عاقبة
الظالمين﴾ أي كما كذب هؤلاء المشركون بالقرآن كذلك كذب في هذا وبشّر المشركون بالهلاك
والعذاب ﴿ومنهم من يؤمن به﴾ أي ومن قومك من سيؤمن بالقرآن ﴿ومنهم من لا يؤمن به﴾ لعلم
الله السابق فيهم ﴿وربك أعلم بالمفسدين﴾ الذين لا يؤمنون ﴿وإن كذبوك﴾ يامحمد ﴿فقل لي
عملي﴾ الإيمان ﴿ولكم عملكم﴾ الشرك ﴿أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون﴾.
قال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا
بغيره، وأن أحداً لا يؤمن إلاّ بتوفيقه وهدايته، وذكر أن الكفار يستمعون القرآن وقول محمد الخير
فينظرون إليه ويرون أعلامه وأدلته على نبوته ولا ينفعهم ذلك ولا يهتدون لإرادة الله وعلمه فيهم
فقال: ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ بأسماعهم الظاهرة (أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون
(١) سورة آل عمران : ١٦١ .
(٢) سورة التوبة : ١٢٢.
(٣) سورة الأحقاف: ١١.

١٣٤
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
ومنهم من ينظر إليك﴾ بأبصارهم الظاهرة ﴿أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) وهذا
تسلية من الله تعالى لنبيّه ◌َ* يقول ما لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا تقدر أن تخلق
للأعمى بصراً يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفقهم للإيمان وقد حكمت عليهم أن لا يؤمنوا ﴿أنّ
الله لا يظلم الناس شيئاً﴾ لأنه في جميع أفعاله عادل.
﴿ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ بالكفر والمعصية وفعلهم ما ليس لهم أن يفعلوا
[وألزمهم] ما ليس للفاعل أن يفعله.
﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا﴾ قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا ﴿إلّ ساعة من
النهار﴾ قصرت الدنيا في أعينهم من هول ما استقبلوا، وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في
قبورهم إلاّ قدر ساعة من النهار ﴿يتعارفون بينهم﴾ حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضاً
كمعرفتهم في الدنيا ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة ﴿قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله
وما كانوا مهتدين * وإما نرينك﴾ يا محمد في حياتك ﴿بعض الذي نعدهم﴾ من العذاب ﴿أو
نتوفينك﴾ قبل ذلك ﴿فإلينا مرجعهم﴾ في الآخرة ﴿ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ مجزيهم به.
قال المفسرون: فكان البعض الذي أراهُ قبلهم ببدر وسائر العذاب بعد موتهم ﴿ولكل أمة﴾
خلت ﴿رسول فإذا جاء رسولهم﴾ فكذبوه ﴿قُضي بينهم بالقسط﴾ أي عذبوا في الدنيا واهلكوا
بالحق والعدل.
وقال مجاهد ومقاتل: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينه وبينهم بالقسط ﴿وهم لا
يظلمون﴾ لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقصون من حسناتهم ويزادوا على
سيئاتهم ﴿ويقولون﴾ أي المشركون ﴿متى هذا الوعد﴾ الذي وعدتنا يا محمد من العذاب.
وقيل: قيام الساعة ﴿إن كنتم﴾ أنت يا محمد وأتباعك ﴿صادقين * قل لا أملك لنفسي
ضراً ولا نفعاً﴾ لا أقدر لها على ضرّ ولا نفع ﴿إلاّ ما شاء الله﴾ أن أملكه ﴿لكل أمة أجل﴾ مدة
[وأجل] ﴿إذا جاء أجلهم) وقت [انتهاء] أعمارهم ﴿فلا يستأخرون﴾ يتأخرون ساعة ﴿ولا
يستقدمون * قل﴾ لهم ﴿إن أتاكم عذابه﴾ الله ﴿بياتاً﴾ ليلا ﴿أو نهاراً ماذا يستعجل منه
المجرمون﴾ المشركون وقد وقعوا فيه ﴿أَثُمّ﴾ هنالك وحينئذ، وليس بحرف عطف ﴿إذا ما وقع﴾
نزل العذاب ﴿آمنتم به﴾ صدقتم بالعذاب في وقت نزوله.
وقيل: بأنه في وقت البأس ﴿آلآن﴾ فيه إضمار أي، وقيل: أنّهم الآن يؤمنون ﴿وقد كنتم
به تستعجلون﴾ وتكذبون ﴿ثم قيل للذين ظلموا﴾ أشركوا ﴿ذوقوا عذاب الخلد هل تُجزون﴾
اليوم ﴿إلاّ بما كنتم تكسبون﴾ في الدنيا.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ طَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَأَقْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَُّواْ النَّدَامَّةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَّابِّ وَقُّعِى بَيْنَهُم

١٣٥
سورة يونس، الآيات: ٥٤ - ٦١
بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿َ أَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَنُوَتِ وَالْأَرْضِ أَلَّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴿٥َ هُوَ يُحِ، وَيُمِتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَمُونَ ﴿ وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَيْكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا
فِي الْقُّدُورِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٢٧ قُلْ بِفَضْلِ اَلَهِ وَبِرَّحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَيَغْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِنَا يَجْمَعُونَ
ثُلِّ أَرَيْتُم مَّا أَنزَّلَ اللَّهُ لَكُم مِنْ زِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَمَا وَحَلَلَا قُلْ ءَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى
أَّهِ تَغْتَوْنَ ﴿٨َ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَُّونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْفِيَمَةِ إِنَ اللَّهُ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿١٣٠) وَمَا تَكُنُ فِى شَأْنِ وَمَا تَتْلُوا مِنَّهُ مِن قُزْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّاً
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيمُونَ فِيْدٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن ◌ِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلََّ أَصْغَرَ مِن
ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّ فِي كِتَبِ مُبِينٍ
﴿ويستنبئونك) ويستخبرونك يا محمد ﴿أحق هو﴾ ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة ﴿قل
إي﴾ كلمة تحقيق ﴿وربي إنه لحق﴾ لا شك فيه ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ فأتيقن ﴿ولو أنّ لكل نفس
ظلمت﴾ أشركت ﴿ما في الأرض لافتدت به﴾ يوم القيامة ﴿وأسروا﴾ وأخفوا ﴿الندامة) على
كفرهم ﴿لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط﴾ وفرغ من عذابهم ﴿وهم لا يظلمون * ألا إن
لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق﴾ إلى قوله ﴿قد جاءتكم موعظة﴾ تذكرة ﴿من
ربكم وشفاء﴾ ودواء ﴿لما في الصدور) إلى قوله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾.
قال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
وقال ابن عمر: فضل الله الإسلام وبرحمته تزيينه في القلب.
خالد بن معدان: فضل الله الإسلام وبرحمته السنّة .
الكسائي: فضل الله النعم الظاهرة، ورحمته النعم الباطنة. بيانه: وأسبغ عليكم نعمه
ظاهرة وباطنة .
أبو بكر الوراق: فضل الله النعماء وهو ما أعطى وجنى ورحمته الآلاء وهي ما صرف.
وروى ابن عيينة فضل الله التوفيق ورحمته العصمة.
سهل بن عبد الله: فضل الله الإسلام ورحمته السنّة.
الحسين بن الفضل: فضل الله الإيمان ورحمته الجنة.
ذو النون المصري: فضل الله دخول الجنان ورحمته النجاة من النيران.
عمر بن عثمان الصدفي: فضل الله كشف الغطاء ورحمته الرؤية واللقاء.
وقال هلال بن يساف ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان ورحمته القرآن ﴿فبذلك فليفرحوا
هو خير مما يجمعون﴾ من الأموال قرأ العامة كلاهما بالياء على الخبر، وقرأهما أبو جعفر:

١٣٦
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
بالتاء وذكر ذلك عن أبي بن كعب، وقرأ الحسين ويعقوب: فلتفرحوا بالتاء خطاباً للمؤمنين يدل
عليه قول النبي ◌َّل﴿ في بعض مغازيه («لتأخذوا [مصافكم] [٨١] ويجمعون)) بالياء خبراً عن
الكافرين ﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة ﴿أرأيتم ما أنزل الله﴾ خلق الله ﴿لكم﴾ عبّر عن الخلق
بالإنزال لأن ما في الأرض من خيراتها أنزل من السماء ﴿من رزق﴾ زرع أو ضرع ﴿فجعلتم منه
حراماً وحلالا﴾ وهو ما حرموا من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
قال الضحاك: هو قوله تعالى: ﴿وجعلوا مما ذرا من الحرث والأنعام نصيباً﴾(١) الآية
﴿قل آلله أذن لكم﴾ في هذا التحريم والتحليل ﴿أم﴾ بل ﴿على الله تفترون﴾ وهو قولهم: الله
أمرنا بها ﴿وما ظنُّ الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة﴾ أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم
ولا يعاتبهم عليه ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ منّ على الناس حين لا يعجل عليهم بالعذاب
بافترائهم ﴿ولكن أكثرهم لا يشكرون * وما تكون في شأن﴾ عمل من الأعمال، وجمعه:
شؤون، قال الأخفش: يقول العرب ما شأنك شأنه، أي لمّا عملت على عمل ﴿وما تتلوا منه﴾
من الله ﴿من القرآن﴾ ثم خاطبه وأمته جميعاً فقال: ﴿ولا تعملون من عمل إلّ كنا عليكم شهوداً
إذ تُفيضون فيه﴾ أي تأخذون وتدخلون فيه، والهاء عائدة على العمل، يقال: أفاض فلان في
الحديث وفي القول إذا أبدع فيه .
قال الراعي :
من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا(٢)
وأفضن بعد كظومهن بجرة
قال ابن عباس: تفيضون تفعلون، الحسن: تعملون، الأخفش: تكلمون، المؤرّخ:
تكثرون، ابن زيد: تخرصون. ابن كيسان: تنشرون. يقال: حديث مستفيض، وقيل: تسعون.
وقال الضحاك: الهاء عائدة إلى القرآن أي تستمعون في القرآن من الكذب. قيل: من شهد
شهود الحق قطعاً ذلك عن مشاهدة الأغيار أجمع ﴿وما يعزُب عن ربك﴾ قال ابن عباس: فلا
يغيب، أبو روق: يبعد، وقال ابن كيسان يذهب(٣).
وقرأ يحيى والأعمش والكسائي: يعزب بكسر الزاء وقرأ الباقون: بالضم وهما لغتان
[صحيحتان] ﴿من مثقال﴾ من صلة معناه وما يعزب عن ربك مثقال ذرة أو وزن ذرة [وهي النملة
الحمراء الصغيرة]، يقول العرب: [خذ] هذا، فإنهما أثقل مثقالا وأخفها مثقالا أي وزناً ﴿في
الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ قرأ الحسن وابن أبي يحيى وحمزة برفع
(١) سورة الأنعام : ١٣٦.
(٢) تاج العروس : ٥ / ٧٢.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ٣٥٦/٨.

١٣٧
سورة يونس، الآيات: ٦٢ - ٧٠
الراء فيهما عطفاً على موضع المثقال فبرّر دخول من، وقرأ الباقون بفتح الراء عطفاً على الذرة
ولا مثقال أصغر وأكبر ﴿إلاّ في كتاب مبين﴾ بمعنى اللوح المحفوظ.
أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَُّونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةُ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَّتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْرُ الْعَظِمُ (1)
وَلَا يَحْزُّنَكَ فَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ الشَّمِيعُ الْعَلِمُ (٣٩) أَّ إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِى السَّمَوَتِ
وَمَنْ فِى الْأَرْضِّ وَمَا يَنَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءٌ إِن يَتْبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ
إِلَّ يَخْرُصُونَ ﴿يَ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لَّقَوْمِ
يَسْمَّعُونَ ﴿ قَالُوا أَنَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَئِنَةٌ هُوَ اَلْنَِّىُّ لَهُ مَا فِى السَّمَنُوَنِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ إِنْ
عِنْدَكُمْ مِّنِ سُلْطَنِ بِذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ إِنَ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٦) مَتَعٌ فِ الذُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْعِمُهُمْ ثُمَّ نُدِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا
يَكْفُرُونَ
﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ثم وصفهم فقال ﴿الذين آمنوا وكانوا
يتقون﴾ قال ابن زيد: فلن يقبل الإيمان إلاّ بالتقوى، واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم.
فروى سعيد بن جبير عن رسول الله وعليه أنّه سئل عن أولياء الله تعالى فقال: ((هم الذين
يذكر الله لرؤيتهم))(١) .
وقال عمر (رُه) في هذه الآية: سمعت رسول الله ◌َل﴾ يقول: إن من عباد الله عباداً ما
هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بإيمانهم عند الله تعالى، قالوا: يا
رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابوا في الله على غير
أرحام منهم ولا أموال يتعاطونها، والله ان وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا
خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون]﴾ [٨٢](٢).
قال علي بن أبي طالب (رظُه): أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر [عُمش] العيون من
العبر خمص البطون من الخواء(٣) يبس الشفاه من الذوي(٤).
(١) تفسير الطبري : ١١ / ١٧٠.
(٢) الصحاح: ٣ / ١١٠٠.
(٣) في نهج البلاغة وتفسير القرطبي: الجوع.
(٤) الذوي: من لا يصيبه ريه، أو يضر به الحر فيذبل يقال: أذواه العطش، وفي تاريخ دمشق: من الظمأ، وفي
نهج البلاغة: من الدعاء.

١٣٨
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن كيسان: [هم الذين] تولى الله هداهم بالبرهان الذي أتاهم وتولّوا القيام بحقّه
والدعاء إليه. ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾.
عن عبادة بن الصامت قال: سألت النبي وَ﴿ عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿لهم البشرى في
الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. قال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)) [٨٣].
وعن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سئل عن هذه الآية ﴿لهم البشرى﴾ قال: لقد
سألت عن [شيء] ما سمعت أحداً سأل عنه بعد أن سألت رسول الله وَ له وقال رسول الله مليون:
((ما سألني عنها أحد قبلك منذ نزل الوحي، هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وفي
الآخرة الجنة)) [٨٤](١).
وعن يمان بن عبيد الراسبي قال: حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: قال رسول
الله له: ((لا نبوة بعدي إلاّ المبشرات)).
قيل: يا رسول الله وما المبشرات؟. قال: ((الرؤيا الصالحة)) [٨٥](٢).
محمد بن سيرين عن أبي هريرة (رَُّّه) قال: قال رسول الله وَلو: ((إذا اقترب الزمان لم
تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً قال: والرؤيا ثلاثة: فرؤيا بشرى من الله
ورؤيا من الشيء يحدث الرجل به نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا جزء من ستة
وأربعين جزءاً من النبوة. فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يقصّه فليقم وليصل، قال: وأحبّ القيد
في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين))(٣).
وقال عبادة بن الصامت: قلت: يا رسول الله الرجل يحبّه القوم لعمله ولا يعمل مثل
عمله .
قال ◌َله: ((تلك عاجل بشرى المؤمن))(٤).
وقال الزهري وقتادة: هي البشارة التي يبشر بها المؤمن بالدنيا عند الموت، وقال
الضحاك: هي أن المؤمن يعلم أين هو قبل أن يموت، وقال الحسن: هي ما بشرهم الله به في
كتابه، جنته وكرم ثوابه لقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا﴾(٥) ﴿وبشر المؤمنين﴾(٦) ﴿وأبشروا
بالجنة﴾(٧).
(١) تفسير الطبري: ١١ / ١٧٧، ومسند أحمد: ٦ / ٤٤٥.
(٢) مسند أحمد : ٥ / ٤٥٤.
(٤) مسند أحمد: ٥ / ٥٦.
سورة يونس : ٢.
(٥)
(٦) سورة البقرة : ٢٢٣.
(٧) سورة فصلت : ٣٠.
(٣) مسند أحمد : ٢ / ٥٠٧ .

١٣٩
سورة يونس، الآيات: ٦٢ - ٧٠
وقال عطاء: لهم البشرى في الحياة الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة والبشارة من
الله وتأتي أعداء الله بالغلظة والفظاظة في الآخرة ساعة خروج نفس المؤمن تعرج بها إلى الله
كما تزف العروس تبشر برضوان من الله، قال الله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين﴾(١)
الآية قال ابن كيسان: هي ما بشرهم الله في الدنيا بالكتاب والرسول بأنّهم أولياء الله وتبشرهم
في قبورهم وفي كتابهم الذي فيه أعمالهم بالجنة.
وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول: رأيت أبا أحمد (٢) الحافظ في المنام
راكباً برذوناً وعليه طيلسان وعمامة فسلمت عليه وسلم عليَّ فقلت له: أيها الحاكم نحن لا نزال
نذكرك ونذكر محاسنك، فعطف عليَّ وقال لي: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله
تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ الثناء الحسن، وأشار بيده ﴿لا تبديل
لكلمات الله﴾ لا تغيير لقوله ولا خلف لوعده.
روى ابن عليَّة عن أيوب عن نافع. قال: أطال الحجاج الخطبة فوضع ابن عمر رأسه في
حجري. فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذلك
ولا ابن الزبير. ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾. فقال الحجاج: لقد رأيت حلماً وسكت [لقد أوتيت
علماً أن تفعل، قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت](٣).
﴿ذلك هو الفوز العظيم * ولا يحزنك قولهم﴾ يعني قول المشركين، تمّ الكلام ها هنا.
ثم قال مبتدئاً: ﴿إِنَّ العزّةِ﴾ القدرة ﴿لله جميعاً﴾ وهو المنتقم منهم. قال سعيد بن
المسيب: أنَّ العزة لله جميعاً يعني أن الله يعز من يشاء كما قال في آية أخرى: ﴿لله العزة
ولرسوله وللمؤمنين﴾، وعزة الرسول والمؤمنين منّاً لله فهي كلها لله قال الله: ﴿سبحان ربك
رب العزة عما يصفون﴾(٤) ﴿هو السميع العليم * ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض
وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء﴾ هو ما الاستفهام يقول وأي شيء يتبع الذين يدعون
من دون الله شركاء يعني أنهم ليسوا على شيء، وقراءة السلمي: يدعون بالتاء أي ما تصنع
شركاؤكم في الآخرة ﴿إن يتبعون إلّ الظن﴾ يعني ظنوا أنها تشفع لهم يوم القيامة، ويقربهم إلى
الله زلفى ﴿وإن هم إلاّ يخرصون * هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا﴾ لتهدأوا وتقروا
وتستريحوا ﴿فيه والنهار مبصراً﴾ مضيئاً يبصر فيه كقولهم: ليل نائم وسرّ كاتم وماء دافق وعيشة
راضية، وقال جرير:
(١) سورة النحل : ٣٢.
(٢) في تفسير القرطبي ٨ / ٣٥٩ : أبا عبد الله.
(٣) زيادة عن تفسير الطبري : ١١ / ١٨١.
(٤) سورة الصافات : ١٨٠.

١٤٠
الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي
لقد لمتنا يا أُمّ غيلان في السرى
ونمت وما ليل المطيّ بنائم (١)
وقال قطرب: يقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار فأبصر، أي صار ذا ظلّة وضياء
وبصر .
﴿إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون﴾ المواعظ فيعتبرون ﴿قالوا﴾ يعني المشركين ﴿اتخذ
الله ولداً﴾ هو قولهم: الملائكة بنات الله ﴿سبحانه هو الغني﴾ عن خلقهما ﴿إن عندكم من
سلطان بهذا﴾ [ما عندكم من حجة] وبرهان بهذا، إنما سميتموها جهلاً بها سلطاناً [ولا يمكن]
التمسك بها ﴿أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا
يفلحون﴾ .
قال الكلبي: لا يؤمنون، وقيل: لا ينجون، وقيل: لا يفوزون، وقيل: لا يبقون في الدنيا
ولكن ﴿متاع قليل﴾ يتمتعون به متاعاً وينتفعون به إلى وقت انقضاء أجلهم، ومتاع رفع بإضمار
أي لهم متاع، قاله الأخفش، وقال الكسائي: متاع في الدنيا(٢).
﴿ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾.
﴿﴿ وَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَغَامِى وَتَذْكِيرِى بِنَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى
اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْ أَمْرَّكُمْ وَشُرَّكَاءَ كُمْ ثَُّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ عُنَّهُ ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ (َ فَإِنَ
تَوَلَِّثُمْ فَمَا سَأَلْتَكُ مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُّلِمِينَ (٧٦) فَكَذَّبُهُ فَخَيْتَهُ
وَمَنْ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْتَهُمْ خَلَيِفَ وَأَعْرَفْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ ثَايَيْنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِيَّةُ الْمُذّرِينَ (بَ ثُمَّ
بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُوَهُم بِالْبَعْنَتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطَعُ عَلَى
قُبِ الْمُعْنَدِينَ (١٤) ثُمَّ بَعَنْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَلُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَإِنَا فَأَسْتَكْبَرُوْ وَكَانُواْ قَوْمًا.
تُخْرِمِينَ (٤٥) فَلَنَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٦) قَالَ مُوسَىَّ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا
حَ كُمْ أَسِخْرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَِّرُونَ ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِنَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا
الْكِبرِيَُّ فىِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِينَ (١٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَشْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (9) فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ
قَالَ لَهُم ◌ُوسَّىَ أَلَّقُواْ مَآ أَنْتُمِ مُلْقُونَ (٨٩) فَلَغَّآ أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّخَّرُ إِنَّ اللّهَ سَيْطِلَّهُ إِنَّ
(٨٢) فَمَآ ءامَنَ لِمُوسَى
وَيُحِّقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرَةَ الْمُجْرِمُونَ
اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (
إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن فَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَن يَفْئِنَّهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ
الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُمْ ءَامَنُم بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (٨٦) فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا
(١) لسان العرب: ٢ / ٢٤٤٢، وتفسير الطبري: ١١ / ١٨٣.
(٢) أي هو متاع أو ذلك متاع.