Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة التوبة، الآيات: ٢٤ - ٢٧ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها منزلة في قصة العباس وعلي قبل الهجرة، قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أمر الله عزّ وجل المؤمنين بالهجرة وكانت قبل فتح مكة، من آمن ولم يكتمل إيمانه إلاّ بمجانبة الآباء والأقرباء إنْ كانوا كفاراً، فقال المسلمون: يانبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا أباءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخُربت دارنا، فأنزل الله هذه الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: لمّا أمر رسول الله وَّو الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبنه وأخيه وامرأته وقرابته: إنّا قد أُمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها فمنهم من يعجبه ذلك ويسارع إليه، ومنهم من أبى على صاحبه [وتعلق به] فيقول الرجل لهم: والله لئن ضمني وإياكم دار الهجرة فلا أنفعكم بشيء أبداً ولا أعطيكم ولا أُنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده ويقولون: أنشدك الله أن تضيعنا فيرق [قلبه] فيجلس ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا عن الإسلام فنهى الله عز وجل عن ولايتهم (١) فأنزل الله تعالى ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم، ومن المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام. ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فهم في صورة الإسلام وأهله و[في] المكث معهم على الهجرة والجهاد ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ العاصون الواضعون [ .. .. ] (٢) في غير موضعها . قُلْ إِن كَانَ ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَبُّكُمْ وَعَشِيَتْكُمْ وَأَمَّوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَنَحَدِرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَنِكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَتَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَنَّصُواْ حَى بَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ (٣٤) لَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيٍِّ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كُثْتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنِكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْرِينَ ﴾) ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَّلَ حُدًا لَّْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جُزَآءُ الْكَفِينَ ﴿٣َ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (ذَ ثم قال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للمتخلّفين عن الهجرة والجهاد ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ وقرأ أبو رجاء ويعقوب وعشيراتكم بالألف على الجمع (١) الأقوال كلها في زاد المسير: ٣ / ٣٨٠. (٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط . ٢٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي واختلف فيه عن عاصم ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكتسبتموها وقال قتادة: اكتسبتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ وهو ضد النفاق وأصله البقاء. قال الشاعر: وقد زادهن مقامي كسودا(١) كسدن من الفقر في قومهن ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [تعجبكم] قال السدي: يعني القصور والمنازل ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ﴾ قال عطاء: بقضائه، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فتح مكة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي﴾ لا يُرشد ولا يوفّق ﴿القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ الخارجين من طاعته إلى معصيته. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ﴾ أيّها المؤمنون ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم ﴿وَيَوْمَ حُنَيْن﴾ يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف. وقال عروة بن الزبير: هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر: نصروا نبيـهـم وشدّوا أزره بحنين يوم تواكل الابطال (٢) وكانت قصة حنين على ماذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [ ..... ] (٣) أن رسول الله وَليل افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفاً، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف. قال قتادة، وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفاً وخمسمائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [ ....... ] (٤) وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله ◌َّه: لن تُغلب اليوم من قلّة، ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة [وسمع] رسول الله وَليل كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم المشركون وخلوا من الذراري، ثم نادوا: ياحماة السوء اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون. (١) فتح القدير: ٢ / ٣٤٦. (٢) معجم ما استعجم: ٢ / ٤٧٢، ونسبه لحسّان بن ثابت. (٣) كلمة غير مقروءة في الأصل. (٤) كلمة غير مقروءة في الأصل. ٢٣ سورة التوبة، الآيات: ٢٤ - ٢٧ وقال قتادة: وذُكر لنا أن الطلقاء [إنجفلوا] يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب: أفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ◌َ، وقال الكلبي: كان حول رسول الله ◌َي* يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم. وقال الآخرون: لم يبق يومئذ مع النبي ◌ّليّ﴾ غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله وَ ل﴾، وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العمري، حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا الحمامي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق، قيل للبراء: كان النبي ◌ُّر فيمن ولى دبره يوم حنين قال: والذي لا إله إلّ هو ماولّى رسول الله دبره قط، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة، وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب، قالوا: قال رسول الله ◌َّه للعباس: ناد يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار وكان العباس رجلاً صويّتاً. ويروى من شدة صوت العباس أنه أغير يوماً على مكة فنادى: واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها . فجعل ينادي: ياعباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا: يالبيك يالبيك يالبيك وجاؤوا عنقاً واحداً فالتفت رسول الله وَه إلى عصابة من الأنصار فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يانبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادى الأنصار: يامعشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج، فتنادوا فنظر رسول الله 18 وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، فأخذ بيده كفّاً من [الحبِّ](١) فرماهم وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة . قال: فوالله مازال أمرهم مدبراً وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ: فانصرفنا ما بقي منّا أحد، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين، وقال سعيد بن جبير: أمدَّ الله [المسلمين] بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة. (١) في المصادر: تراب، وفي بعضها: حُصيّات. ٢٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفاً، وقال سعيد بن المسيب: حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول اللـه وسلم لم يقفوا لناحلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله وَلّ فتلقّانا رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها، يعني الملائكة. وفي الخبر أن رجلاً من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل .. ](١)، وما كان قتلنا إلا البلق، والرجال عليهم ثياب بيض ماكنا نراكم فيها [ بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله وَله فقال: تلك الملائكة. قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله وَلو يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، وكانا قد قتلا يوم أحد، فأطلع الله تعالى رسوله على ما في نفسي فالتفت إليَّ وضرب في صدري وقال: أُعيذك بالله ياشيبة، فارتعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إليَّ من سمعي ومن بصري فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي. فلمّا هزم الله المشركين ولّوا مدبرين وانطلقوا حتى أتوا [أوطاس] وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله إلى هناك رجلاً من الأشعريين يقال له: أبو عامر وأمّره على الناس، فسار إليهم فاقتتلوا بها، ثم إن الله تعالى هزمهم، وثبتوا قبال المشركين وهزم أميرهم مالك بن عوف النضري، فأتى الطائف فتحصّن بها وأخذ أهله وماله فيمن أخذ، وقتل أمير المسلمين ابن عامر، ثم إن رسول الله ﴾ أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلمّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال انصرف عنهم فأتى الجعرانة فأحرم فيه بعمرة، فقسم بها النبي المال وغنائم حنين وأوطاس وتألّف أُناساً، كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم فجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقالت الأنصار: حنَّ الرجل وآثر قومه يا للعجب إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ◌َّ وهو في قبة من أدم فجمعهم فقال لهم: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم. فقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم أذلاء فأعزكم الله بي، وكنتم وكنتم، فقال سعيد بن عبد الله: أتأذن لي أتكلم، فقال: تكلم . (١) كلام غير مقروء في المخطوط. ٢٥ سورة التوبة، الآيات: ٢٤ - ٢٧ قال: أما قولك: كنتم ضلالاً فهداكم الله بي، فكنّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلّة فأعزّكم الله فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا. فقال عمر: يا سعيد أتدري من تُكَلِّم؟ قال: ياعمر أُكلّم رسول الله، فقال رسول الله وَّر: ((والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار وادياً لسلكتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار . كرشي وعيبتي فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاة وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم)) [٥]. فقالت الأنصار: رضينا بالله ورسوله، والله ما قلنا ذلك الا ضنّاً بالله ورسوله، فقال رسول الله وَّلير: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم(١). فلما قدم النبي وَلّ المدينة قام خطيباً فقال: أما إنّ خطيب الأنصار قد قال: كنت طريداً فآويناك، وكنت خائفاً فأمّنّاك، وكنت مخذولاً فنصرناك، وكنت وكنت، فإنّه قد صدق، فبكت الأنصار، وقالت بل الله ورسوله أعظم علينا منّاً . قال قتادة: وذكر لنا أن ظئر النبي وَله التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين وسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله وَّه: إني لا أملكهم إنّما لي نصيبي منهم، ولكن ائتني غداً فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس، فجاءت في الغد فبسط لها ثوبه فقعدت عليه ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه، فلما رأى الناس منه أعطوها أنصباءهم (٢). قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، وكان رسول الله له أمر منادياً ينادي يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة . ثم [ .... ](٣) من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يارسول الله أنت خير الناس وأبرّهم وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي وَّه: إن عندي من ترون، وخير القول أصدقه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم، فقالوا: ماكنا نعدل بالأحساب شيئاً، فقام النبي منتصباً فقال: إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين(٤)، وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً، فأمّا ما أصاب بنو هاشم رددناه إليهم، فمن كان بيده منهم شيء وطابت نفسه أن يردّه عليهم فذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه، ومن لم يرد ففديته خمسون من الابل. (١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠ / ١٣٠. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ١٣٠. (٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط . (٤) في المصنّف لعبد الرزاق: ٥ / ٣٨١: مستسلمين. ٢٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي فلما رأى الناس أن رسول الله ﴿ قد ردّ قالوا يانبي الله رضينا وسلّمنا، فقال النبي: لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إليه فرفعت إلينا العرفاء أن قد رضوا وسلّموا، وردوا جميعاً غير رجل واحد وهو صفوان بن أميّة لأنه وقع على امرأة أصابها فحبلت منه(١). فأنزل الله ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ حتى قلتم: لن نُغلب اليوم من قلّة ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرتكم ﴿شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برحبها وسعتها وهما المصدر ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ منهزمين ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللـهُ﴾ بعد الهزيمة ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يعني الأَمَنة والطمأنينة وهي فعيلة من السكون ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًاً لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني الملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر وسلب الاموال ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لعباده المؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْعَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنَّ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، إِن شَآءَ إِنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨َ قَدِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَ بِأَلْيَّوْمِ الَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَدَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَّةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (٢٦) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَقْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ فَكَنَّلَهُمُ اللَّهُ أَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٣َ أَخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهَْنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ أَبْنَ مَزْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّ لِعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَاً لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيِّدُونَ أَنْ يُطْفِقُواْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفَوَهِهِمْ وَيَأْتِىَ أَلَّهُ إِلَّ أَنْ يُنْتُّ نُورَمُ وَلَوْ كَرِهِ الْكَفِرُونَ ٣١ ١٣٢ هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِ، الْمُشْرِكُونَ ٣٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قال الضحاك وأبو عبيدة: قذر، وقال ابن الأنباري: خبيث يقال: رجل نجس وامرأة نجس ورجلين وأمرأتان نجس ورجال ونساء نُجُس بفتح النون والجيم أو نجُس بضم الجيم ورجس في هذه الأحوال لا يثّى ولا يجمع لأنّه مصدر، وأما النجس بكسر النون وجزم الجيم فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس، فإذا أُفرد قيل: نَجِس بفتح النون وكسر الجيم أو نجُس بضم الجيم. وقرأ ابن السميقع: إنما المشركون أنجاس، كقولك أخباث على الجمع، واختلفوا في (١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٣١. ٢٧ سورة التوبة، الآيات: ٢٨ - ٣٣ معنى النجس والسبب الذي من أجله سمّاهم بذلك، فروي عن ابن عباس: ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب، وهذا قول غير مرضي لمعنيين أحدهما أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه، والآخر أن هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا يستوي في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد، واحتج من قال أعيانهم نجسة بما روي أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه بقول الله تعالى ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . وكما روي عن الحسن أنه قال: لا تصافحوا المشركين. فمن صافحهم فليتوضّأ، وقال قتادة: سمّاهم نجساً لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا ينبغي أن يدخل المسجد. وقال الحسين بن الفضل: هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين فسموا نجساً على الذّم، يدلّ عليها ما روي أن النبي وَل﴿لقى حذيفة فأخذ وه لي بيده، فقال حذيفة: يارسول الله إنّي جنب، فقال: ((إن المؤمن لا ينجس)) [٦]. ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ قال أهل المعاني: أراد بهذا منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام، قال عطاء الحرم كلّه قبلة ومسجد(١) وتلا هذه الآية. جابر بن عبد الله عن رسول الله وَله: لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد لرجل من المسلمين، ونساؤهم حل لكم، وقرأ: بعد عامهم هذا يعني العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة وهو سنة تسع في الهجرة ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ الآية. قال المفسرون: وكان المشركون يجلبون إلى البيت الطعام ويتّجرون ويتبايعون، فلمّا منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين، والقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال لهم: من أين تأكلون وتعيشون وقد بقي المشركون وانقطعت عنهم العير. فقال المؤمنون: يارسول الله قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم فالآن تنقطع عنّا الأسواق ويملك التجارة، ويذهب ما كنّا نصيب منها من المرافق، فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ . وقال عمرو بن فايد: معناه وإذا خفتم؛ لأن القوم كانوا قد خافوا، وذلك هو قول القائل : إن كنت أبي فأكرمني يعني [إن خفت] عيلة فقراً وفاقة. يقال عال يعيل عيلة وعيولا. قال الشاعر: (١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٣٦، وتفسير القرطبي: ٨ / ١٠٥. ٢٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي فلا يدري الفقير متى غناه (١) ولا يدري الغني متى يعيل وفي مصحف عبد الله: وإن خفتم عايلة أي [حصلة] يعول عليكم أي يشق ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك أنه أنزل عليهم مطراً مدراراً فكثر خيرهم حين ذهب المشركون. وقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وطهوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل والدواب، وكفاهم الله عز وجل ما كانوا يتخوّفون . .](٢)، وكفاهم الله ما أهمّهم، وقال الضحاك قال الكلبي: اخصبت [. وقتادة: قسم الله منها ماهو خير لهم وهو الجزية فأغناهم الله وذلك قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله وَلو بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك. وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود واراد رسول الله ﴾ [أخذ الجزية فأنزل الله](٣) عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليوم الآخر﴾. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ أراد الدين الحق فأضاف الاسم إلى الصفة. قال قتادة: الحق هو الله عز وجل، ودينه الإسلام، وقال أبو عبيدة (٤) معناه: طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكاً أو ذا سلطان فقد دان له ديناً. قال زهير: لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك (٥) أي في طاعة عمرو. ﴿مِنَ الَّذِينَ آوتُوا الكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى يؤخذ منهم الجزية وألا يقاتلوا، ويؤخذ الجزية أيضاً من الصابئين والسامرة؛ لأن سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فيها، ويؤخذ الجزية أيضاً من المجوس، وقد قيل: إنهم كانوا من أهل الكتاب فرفع كتابهم. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا .](٦) قالا: حدّثنا عثمان بن صالح، حدّثنا ابن وهب، محمد بن يحيى و[ .. أخبرنا يوسف عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﴾ أخذ الجزية من مجوس (١) لسان العرب: ١١ / ٤٨٨، ونسبه إلى أحيحة. (٢) كلام غير مقروء في المخطوط. (٣) المخطوط غير مقروء والظاهر ما أثبتناه. في معاني القرآن للنحاس: ٣ / ١٩٧، نسبه لأبي جعفر. (٤) (٥) تفسير الطبري: ١٠ / ١٤١، ولسان العرب: ١٠ / ٤٧٣. (٦) كلام غير مقروء في المخطوط. ٢٩ سورة التوبة، الآيات: ٢٨ - ٣٣ هجر(١)، وأن عمر أخذها من مجوس السواد وأن عثمان بن عفان أخذها من بربر (٢). ابن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا أبو عاصم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب تظلُله: لا أدري كيف أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((سنّوا بهم سنة أهل الكتاب)) [٧](٣) . قال أبو عاصم: مشيت ميلاً وهرولت ميلاً حتى سمعت من جعفر بن محمد، حدّثنا، يعني هذا الحديث، وإنما منعنا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم [وإتيان] الفروج والاطعمة على الخطر، ولا يجوز الإقدام عليها بالشك. قال الحسن: قاتل رسول الله ( أهل هذه الجزيرة على الإسلام لا يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة في شأن أهل الكتاب (٤). ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا اليوم الآخر﴾ ألاّ يتبعوا ماسواهما بدعة وضلالة، ولا يؤخذ الجزية من الأوثان ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ وهو ما يعطي المعاهد على عهده من الجزية، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى عليه، والجزية مثل القعدة والجلسة ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه للمسلمين دفعاً عنها . وأما قدرها: فقال أنس: قسَّم النبي على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر بن الخطاب رضيُله على الفقراء من أهل الذمة كل واحد منهم درهماً، وعلى الاوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهماً، ولم يجاوز به خمسين درهماً، وليس شيء موقت ولكن على ما صولحوا عليه . ﴿عَنْ يَد﴾ أي بالنقل من يده إلى يد من يدفعه إليه، كما يقال كلّمته فماً لفم(٥). وقال أبو عبيدة: يقال: أکلّ من [. .] (٦) من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد، وقال القتيبي: يقال: أعطاه عن يد وعن ظهر يد إذا أعطاه مبتدئاً غير مكلف. وقال ابن عباس: هو أنها يعطونها بأيديهم، يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركباناً ولا (١) أحكام القرآن للجصاص: ٢ / ٤١٢. (٢) المصنّف لعبد الرزاق: ٦ / ٦٩، ح ١٠٠٢٧. (٣) المسند للشافعي: ٢٠٩. (٤) الدر المنثور: ٣ / ٢٢٩. (٥) تفسير الطبري: ١٠ / ١٤١. (٦) كلام غير واضح في المخطوط. ٣٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي يرسلون ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاء مقهورون، قال ابن عباس يتلتلون بها تلتلة وقال عكرمة: معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم. قال الكلبي: إنه إذا [جاء يعطي] صفع في قفاه، وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار، وقيل: إنّه لا يقبل فيها رسالة ولا وكالة، وقيل: إنه يجري عليهم أحكام الإسلام وهو الصَغَار. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر، حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا السباط، حدّثنا عبد العزيز بن [. .](١) عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء إلى ابن عباس رجل فقال: الأرض من أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأودي خراجها؟ قال: لا، وجاء آخر فقال له ذلك قال: لا وتلا قوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾، أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينزعه فيجعله في عنقه(٢)؟ وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر: إشتريت أرضاً، قال: الشراء حسن. قال: فإنّي أعطي من كل جريب أرض درهما وقفيز طعام؟ قال: ولا تجعل في عنقك صغاراً. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال ما يسرّني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها الصغار على نفسي. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ الآية، روى سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس. قال: أتى رسول الله و لو سلام بن مسلم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف قالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله. فأنزل الله في قولهم: ﴿وقالت اليهود عزير بن الله﴾، وقرأ ابن محيصن وعاصم والكسائي: عزيرٌ بالتنوين، وهو قول أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ الباقون بغير تنوين، فمن نوّن قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن ينصرف وإن كان أعجمياً مثل نوح ولوط وهود، وقال أبو حاتم والمبرّد: الاختيار التنوين لأنه ليس بمنسوب، والكلام ناقص وفي موضع الخبر وليس بنصب، وإنما جاز التنوين في النعت إذا كان الاسم يستغني عن الابن أو ينسب إلى اسم معروف أو لقب غلب عليه، مثل محمد بن عبد الله ويزيد ابن عبد الله، لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد فينوّن في الخبر ويحذف في الصفة، وربما أثبتوا التنوين في الصفة، ويقول الشاعر، أنشده الفرّاء: والآ تكن مال هناك فإنّه سيأتي ثنائي زيداً بن مهلهل .](٣) مذهبه . وأنشد الكسائي [. (١) كلمة غير مقروءة في المخطوط. (٢) تفسير القرطبي: ٨ / ١١٦، وكذلك روى الأحاديث الآتية. (٣) كلام مطموس في المخطوط. ٣١ سورة التوبة، الآيات: ٢٨ - ٣٣ وقال أبو عبيدة: هذا ليس بمنسوب إلى أبيه إنما هو كقولك: زيد ابن الامير، وزيد بن عبد الله، فعزیر یکون بعده خبر. ومن ترك التنوين قال: لأنه اسم اعجمي ويشبه اسماً مصغراً . وقال الفرّاء: لما كانت النون من عزير ساكنة [وهى نون التنوين] والباء من الابن ساكنة والتقى ساكنان حذف الأول منهما استثقالاً لتحريكه، كما قال: لتجدني بالأمير براً، وبالقناة مدعاً مكراً، إذا غطيف السلمّي فرّا (١). فحذف النون الساكن الذي استقبلها، وقال الزجّاج: يجوز أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: عزير ابن الله معبودنا . قال عبيدة بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازورا وهو الذي قال: إن الله فقير يستقرض(٢). عطية العوفي عن ابن عباس قال: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ فانما قالوا ذلك من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم ما شاء الله أن يعلموا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم، فلمّا رأى الله عز وجل أنهم أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء وأذهبوا التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، فأرسل الله عزّوجل عليهم مرضاً فاستطالت بطونهم حتى جعل الرجل يمسّ كبده، حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير فمكثوا ماشاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبل من علمائهم فدعا عزير [الله] وابتَهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من السماء فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذّن في قومه فقال: ياقوم قد آناني الله التوراة وردّها إليَّ فعلق يعلّمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلّمهم، ثم إن التابوت تُرك بعد ذلك، وبعد ذهابه منهم، فلمّا رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلّمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أتي عُزير هذا إلا إنّه ابن الله(٣). وقال السدّي وابن عباس في رواية عمار بن عمار: إنما قالت اليهود عزير ابن الله لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا كتب التوراة في الجبال وغيرها، فلحق عزير بالجبال والوحوش، وجعل يتعبّد في الجبال، ولا يخالَط ولا يُخالط الناس ولا ينزل إلا يوم عيد، وجعل يبكي ويقول: يارب تركت بني إسرائيل بغير عالم (١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٤٤، ولسان العرب: ٣ / ٤٣٨. (٢) تفسير الطبري: ٤ / ٢٥٩. (٣) بتمامه في تفسير الطبري: ١٠ / ١٤٣. ٣٢ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد خلت(١) له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يامطعماه ياكاسياه. فقال لها عزير: يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي، أما علمتِ أنّ الموت سبيل الناس، وقال: ويحك من كان يطعمكِ ويكسوكٍ قبل هذا الرجل - يعني زوجها الذي كانت تندبه - قالت: الله، قال: فإن الله حي لم يمت، قالت: ياعزير فمن كان يعلّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله، قالت: فلم تبكي عليهم، وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لايموت، فلمّا عرف عزير أنه قد خُصم ولّى مدبراً . فقالت له: يا عزير إنّي لست بامرأة ولكني الدنيا، أما إنّه ينبع ماء في مصلاك عين، وتنبت شجرة فكلْ من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلِّ ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه، فلمّا أصبح نبعت من مصلاه عين، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به، فجاء شيخ فقال له: افتح، قال: ففتح فاه وألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرات، ثم قال له: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك، قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه حتى انتهى إلى قومه، فرجع إليهم وهو من أعلم الناس بالتوراة. فقال: يابني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة. قالوا: ياعزير ماكنت كاذباً، فربط على كل اصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة على ظهر قلبه، فأحيا لهم التوراة، وأحيا لهم السنّة، فلمّا رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها من توراة عزير فوجودها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله ذلك إلا لأنه ابنه (٢). وقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذ ذاك غلاماً صغيراً فاستضعفوه، فلم يقبله ولم يدرِ أنه قرأ التوراة، فلمّا توفي مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة، فبعث الله عز وجل عزيراً ليجدد لهم التوراة ويكون آية لهم، فأتاهم عزير وقال: أنا عزير فكذّبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم عزير فاتلُ علينا التوراة، فكتبها وقال: هذه التوراة. ثم إن رجلاً قال: إن أبي حدّثني عن جدي أن التوراة جعلت [لنبي] ثم دفنت في كوّم فانطلقوا معه حتى احتفرها وأخرجوا التوراة وعارضوا بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منه حرفاً ولا آية فعجبوا وقالوا: ابن الله، ما جعل التوراة في قلب رجل واحد بعد ماذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله. (١) في تفسير الطبري: مثلت. (٢) المصدر السابق بتفاوت. ٣٣ سورة التوبة، الآيات: ٢٨ - ٣٣ وأما النصارى [فقيل]: إنّهم كانوا على [دين واحد] سنة بعدما رُفع عيسى، يصلّون القبلة ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: يونس قتل جماعة من أصحاب عيسى فعاليّلا، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، إني احتال فأضلّهم حتى يدخلوا النار، وكان لها فرس يقال له: العقاب يقاتل عليها فغرقت فرسه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب. فقال له النصارى: مَن أنت؟ قال يونس: عدوكم [سمعت](١) من السماء: ليس لك توبة إلا أن تتنصّر وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة ودخل بيتاً سنة لا يخرج منه ليلاً ولا نهاراً حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال [لهم] (٢) إن الله قبل توبتك، فصدّقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور وعلّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلّمهم اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنّس ولا بجسم فتجسّم ولكنّه ابن الله، وعلّم ذلك رجلاً يقال له: يعقوب. ثم دعا رجلاً يقال له: ملكاً وقال له: إن الله لم يزل ولا يزال عيسى نظُبه، فلمّا استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً، وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غداً أذبح نفسي فادع الناس للمذبحة، ثم دخل المذبحة فذبح نفسه، وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلمّا كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى [نحلته] فتبع كل واحد طائفة من الناس واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث. ﴿ذَلِكَ﴾ يعني قول النصارى: إن المسيح ابن الله ﴿قَوْلُهُمْ بِأَقْوَاهِهِمْ﴾ يقولون بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: إن الله عز وجل لا يذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسن إلا وكان ذلك القول زوراً كقوله تعالى: يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم، ويقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم، وقوله: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً ﴿يُضَاهِؤُنَ﴾ قال ابن عباس: يُشبهون وعنه أيضاً: يحكون، وقال مجاهد: يواطئون. وقال ذي نون: وفيه لفضان يضاهئون بالهمزة وهي قراءة عاصم، ويضاهون بغير همزة وهي قراءة العامة، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال قتادة (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) كلمة غير واضحة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه. ٣٤ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقال النصارى: المسيح ابن الله كما قال اليهود: عزير بن الله، وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين حين قالوا اللات والعزى ومناة بنات الله، وقال الحسن: شبّه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأُمم الكافرة، وقال لمشركي العرب حين حكى عنهم، وقال الذين يعلمون لولا يكلّمنا الله أو تأتينا آية، ثم قال: كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم وقال القيتبي: يريد إن مَن كان في عهد النبي ◌ُّل من اليهود والنصارى يقولون ما قال أوّلوهم. ﴿قَاتَلَّهُمُ اللهُ﴾ قال ابن عباس: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل هو لعن، ومثله قال أبان بن تغلب : قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي(١) وقال ابن جريج: قاتلهم الله وهو بمعنى التعجب ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي يكذبون، ويصرفون عن الحق بعد قيام الدلالة عليه ﴿اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ قال الضحاك: علماءهم، وقرأ: رهبان، وأحبار العلماء: واحدهم حَبر وحِبر بكسر الحاء وفتحها والكسر أجود، وکان یونس الجرمي يزعم أنه لم يسمع فيه إلا بكسر الحاء، ويحتج فيه بقول الناس: هذا محبر يريدون مداد عالم، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع وأهل الأصفاد في دينهم، يقال: راهب ورهبان مثل فارس وفرسان، وأصله من الرّهبة وهي الخوف كأنهم يخافون الله ﴿أَرْبَاباً﴾ سادة ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يطيعونهم في معاصي الله. مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللـه بض 18 وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتصب وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً﴾ من دون الله حتى فرغ منها فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون حلال الله فتحرّمونه، ويحلّون ماحرّم الله فتحلّونه، قال: فقلت: بلى(٢) . قال أبو الأحوص: عن عطاء بن أبي البختري في قول الله عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً﴾ قال: أما [لو أمروهم] أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنّهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية(٣). وقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني اسرائيل؟ قال: إنهم (١) تفسير القرطبي: ٨ /١١٩. (٢) المعجم الكبير للطبراني: ١٧ / ٩٢. (٣) الأحكام لابن حزم: ٦ / ٨٨٣. ٣٥ سورة التوبة، الآيات: ٢٨ - ٣٣ وجدوا في كتاب الله عز وجل ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا بشيء ائتمرنا ومانُهينا عنه فانتهينا، الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. وقال أهل المعاني: معناه اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأذناب حيث أطاعوهم في كل شيء، كقوله: قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً أي كالنار، وقال عبد الله المبارك: وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها(١). ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ﴾ نزّه نفسه ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ القراءة بالياء وقرأ ابن أبي إسحاق بالتاء ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأنْوَاهِهِمْ﴾ أي يبطلوا دين الله بألسنتهم، بتكذيبهم إياه وإعراضهم عنه . وقال الكلبي: يعني يردون القرآن بألسنتهم تكذيباً له، وقال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى أن يلزموا توحيد الرحمن بالمخلوقين الذين لا تليق بهم الربوبية، وقال الضحاك: یریدون أن يهلك محمد وأصحابه ولا يعبد الله بالاسلام. ﴿وَيَأبَى اللهُ إلاَّ أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي يُعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ وإنما أدخلت إلا لأن في أبت طرفاً من الجحد، ألا ترى أنّ قولك يثبت أن أفعل ولما فيه من الحذف تقديره: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره، كما قال: وهل لي أُمّ غيرها أن تركتها أبى الله إلاّ أن أكون لها إينا هو الذي يعني يأبى إلّ إتمام دينه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يعني محمداً ◌َّرِ ﴿بِالهُدَى﴾ قال ابن عباس: بالقرآن، وقيل: تبيان فرائضه على خلقه، ودين الحق وهو الإسلام. ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ أي يُعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله ولو كره الكافرون ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه وينصره ويظفره ﴿عَلَى الدِّينِ كُلَّهِ﴾ على سائر الملل كلها ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ . واختلف العلماء بمعنى هذه الآية، فقال ابن عباس: الهاء عائدة على الرسول الَّم يعني ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء، وقال الآخرون: الهاء راجعة إلی دین الحق. قال أبو هريرة والضحاك: ذلك عند خروج عيسى بالثّل إذا خرج اتبعه كل دين وتصير الملل كلها واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية إلى المسلمين. (١) الجهاد لابن المبارك: ٢٨. ٣٦ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي قال السدّي: وذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج(١). وقال الكلبي: لا يبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام وسيكون ذلك، ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتى يكون ذلك. قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله وَله يقول: ((لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام إما يعز عزيز وإما يذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله فيعزّوا، وإما يذلّهم فيدينون له)) [٨](٢). عن الأسود أو سويد بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلاه: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)) [٩]. قالت: قلت: يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعد ما أنزل الله على رسوله. ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾. قال: يكون ذلك ماشاء الله عز وجل، ثم يبعث ريحاً فيقبض كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يبقي من لا خير فيه ويرجع الناس إلى دین آبائهم. وقال الحسين بن الفضل: معناه: ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللامعة فيكون حجة هذا الدين أقوى، وقال بعضهم: قد فعل الله ذلك ونُجزت هذه العدة لقوله سبحانه ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾(٣). وقال بعضهم: هو أن يظهر الإسلام في كل موضع كان يجري على أهلها صَغَار في أي موضع كانوا، لا يؤخذ منهم جزية كما يؤخذ من أهل الذمة. وقيل: معناه: ليظهره على الاديان كلها التي في جزيرة العرب فيظهره على دينهم ويغلبهم في ذلك المكان. وقيل: هو جريان حكمته عليهم والله أعلم. ﴿ وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَخَْارِ وَالرُّهْبَانِ لَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَبَعُذُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهُ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِهِ ﴿٣َ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِيَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا (١) زاد المسير لابن الجوزي: ٣ / ٢٩٠، وتفسير القرطبي: ٨ / ١٢١. (٢) مجمع الزوائد: ٦ / ١٤. (٣) سورة المائدة: ٣. ٣٧ سورة التوبة، الآيات: ٣٤ - ٣٧ كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوْ مَا كُمْ تَكْثِرُونَ (٢٥) إِنَّ عِدَةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَنْثَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّهُ كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ كَانَةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿يَا إِنَّمَا الَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَمَا وَيُحَرِّمُونَهُ عَمَا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةً مَا حَزَّمَ اللَّهُ فَيُسِلُوا مَا حَزَّمَ اللَّهَ ذِينَ لَّهُمْ سُوَءُ أَعْمَلِهِمْ وَلَّهُ لَّا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ يعني العلماء والقرّاء من أهل الكتاب ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ﴾ أي يأخذون الرشوة في أحكامهم ويحرّفون كتاب الله ويكتبون بأيديهم كتباً يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمناً قليلاً من سفلتهم، وهي المآكل التي كانوا يصيبونها منهم على تكذيبهم محمد وَل﴾ ولو آمنوا به لذهبت عنهم تلك المآكل ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ ويصرفون الناس ويمنعونهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دين الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ يعني ويأكلون أيضاً بالباطل الذين يكنزون الذهب والفضة. سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن المظفر بن محمد بن غالب الهمذاني يقول: سمعت إبراهيم بن محمد بن عرفة الايجي بن نفطويه يقول: سمّي ذهباً لأنه يذهب فلا يبقى، وسمّيت فضة لأنها تنفض أي تتفرق ولا تبقى، وحسبك الأسمان دلالة على فنائهما، والله أعلم فيها . واختلف العلماء في معنى الكنز: فروى نافع عن ابن عمر قال: كل مال آتى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم يؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله قال ابن عباس والضحاك والسدّي، ويدلّ عليه ماروي عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت شره وليس بكنز. وقال سعيد بن المسيب: سأل عمر رجلاً عن أرض باعها فقال: [أحسن موضع هذا المال؟ فقال: أين أضعه؟] قال: أحفر تحت فراش امرأتك. فقال: يا أمير المؤمنين أليس بكنز، قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز(١). وقال علي بن أبي طالب ربه: كل مازاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّت منه الزكاة أم لم تؤدِّ، ومادونها نفقة. وقال عن الوليد بن زيد: كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه فهو كنز. منصور عن عمر بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال لما نزلت هذه الآية (١) مصنف عبد الرزاق: ٤ / ١٠٨ ح ٧١٤٦ وتصويب العبارة منه. ٣٨ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ قال النبيِ نَّهِ: ((تبًّ للذهب وتبّاً للفضة)) يقولها ثلاثاً: فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله وسلم فقال المهاجرون: فأي المال نتّخذ؟ فقال عمر: فإنّي أسال النبي وَي﴿ عن ذلك، قال: فأدركته فقلت: يارسول الله إن المهاجرين قالوا: أي المال نتّخذ؟ فقال رسول الله وَّل: ((لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه))(١) [١٠]. وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان أخبر طليحة بن عبدان، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن عبدل، حدّثنا الأعمش عن [المعرور] بن سويد عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله وَليه وهو في قبال الكعبة فلما رآني قد أقبلت قال: هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة. قال: فدخلني غمّ وما أقدر أن أتنفس قلت: هذا شيء حدث فيَّ، قلت: مَن هم فداك أبي وأمي؟ قال: المكثرون إلا من مال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن .](٢) كل صفراء وبيضاء أولى عليها صاحبها فهو كنز فوقه وبين يديه وعن [. . .](٣) من ترك خير الشيء فهي له يوم القيامة(٤). .] وروى طلحة بن عبد الله بن كريز الخزاعي عن أبي الضيف عن أبي هريرة قال: من ترك عشرة آلاف درهم جعل صفائح يعذّب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء، وعن سلمان بن ثروان قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: إن أهل المائدة سألوا المائدة ثم نزلت فكفروا بها، وإن قوم صالح سألوا الناقة فلمّا أعطوها كفروا بها، وانكم قد نهيتم عن كنز الذهب والفضة فستكنزونها، فقال رجل نكنزها [وقد سمعنا] قوله؟ قال: نعم، ويقتل عليه بعضكم بعضاً، وقال شعبة: كان فصّ سيف أبي هريرة من فضة فنهاه عنها أبو ذر، وقال: إنّ رسول الله وَّل قال: ((من ترك صفراء وبيضاء كوي بها)) [١١](٥). وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صديّ بن عجلان قال: إن رجلا توفي من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي وّ﴾: ((كيّة)) ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران فقال علُّل: ((كيّتان)) [١٢](٦). وأولى الأقاويل بالصواب القول الأول لأن الوعيد وارد في منع الزكاة لا في جمع المال (١) مسند أحمد: ٥ / ٣٦٦. (٢) كلام مطموس في الأصل. (٣) كلام مطموس في الأصل. (٤) مسند أحمد: ٢ / ٣٠٩، بتفاوت وبدون ذيل الحديث. (٥) تفسير الطبري: ١٠ / ١٥٣. (٦) تفسير الطبري: ١٠ / ١٥٤. ٣٩ سورة التوبة، الآيات: ٣٤ - ٣٧ الحلال. يدل عليه قول النبي وقوله: ((من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه، ومن زاد فهو خير له))(١) . وقال ◌َّه: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)) [١٣] (٢). وقال ابن عمر وسئل عن هذه الآية فقال: من كنزها ولم يؤدّ زكاتها فويل له. ثم قال: لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده أزّكيه وأعمل بطاعة الله عز وجل. أما أصل الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه على بعض، على ظهر الأرض كان أو في بطنها. يدلّ على ذلك قول الشاعر: لا درّي إن أطعمت نازلهم [قرف الحتي] وعندي التبر مكنوز (٣) أراد: مجموع بعضه إلى بعض والحتي: مذر المقل، وكذلك يقول العرب للشيء المجتمع: مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض. قرأ يحيى بن عمر يكنزون بضم النون، وقراءة العامة بالكسر، وهما لغتان مثل يعكُفون ويعكِفون، ويعرُشون ويعرِشون ﴿وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ولم يقل فينفقونهما، اختلف النحاة فيه، قال قطرب: أراد الزكاة أو الكنوز أو [ ..... ](٤) الذهب والفضة، وقال الفرّاء: استغنى بالخبر عن أحدهما في عائد الذكر عن الآخر لدلالة الكلام على أن الخبر على الآخر مثل الخبر عنه، وذلك موجود في كلام العرب وأخبارهم، قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف (٥) وقال ابن الانباري: قصد الأغلب والأعم لأن الفضة أعم والذهب [أخص] مثل قوله ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾(٦) ردّ الكناية إلى الصلاة لأنّها أعم، وقوله: ﴿رأوا تجارة أولهواً انفضوا إليها﴾(٧) ردّ الكناية إلى التجارة لأنها أعم وأفضل. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ فأخبرهم وأنذرهم ﴿بِعَذَاب ألِيم يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي يدخل النار مرتدياً (١) الجامع الصغير للسيوطي: ٢ / ٥٦٠ / ح ٨٣٦. (٢) كشف الخفاء للعجلوني: ٢ / ٣٢٠ / ح٢٨٢٣. (٣) لسان العرب: ٤ / ٥٥، والصحاح: ٦ / ٢٣٠٨. (٤) كلمة غير واضحة في الأصل. (٥) مغني اللبيب: ٢ / ٦٢٢. لسان العرب: ٣ / ٣٦٠، وقد نسب هذا البيت إلى قيس بن العظيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية انظر شرح ابن عقيل: ١ / ٢٤٤، الهامش. (٦) سورة البقرة: ٤٥ . (٧) سورة الجمعة: ١١ . ٤٠ الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي بعض الكنوز، ومنه يقال: حميت الحديدة في النار ﴿فَتُكْوَى﴾ فتحرق ﴿بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ جباه كانزيها ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ . قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره مامن رجل يكوى، يكنز موضع دينار على دينار ودرهم على درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على خدّيه. وسئل أبو بكر الوراق: لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ فقال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انقبض، فإذا ضمّه وإياه مجلس ازورّ عنه وولّى ظهره عليه، وقال محمد بن علي الترمذي: ذلك لأنّه يبذخ ويستكبر بماله ويقع على كنزه بجنبيه ويتساند إليه. وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب، خشن الجسد، خشن الوجه فقام عليهم، فقال: بشّر الكتّازين برضف(١) يحمى عليه في نار جهنم، فيوضح على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدييه، ويزلزل ويكوي الجباه والجنوب والظهور حتى تلتقي الحمة في أجوافهم. قال: فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، قال: فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً (٢). ﴿هَذَا﴾ أي يقال لهم: هذا ﴿مَا كَتَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم فَذُوقُوا العذاب بمَا كُنتُمْ تكفرون﴾ أي تجحدون حقوق الله في أموالكم وتمنعونها . واختلف العلماء في حكم هذه الآية، وفيمن نزلت منهم، فروى ابن شهاب عن خالد بن زيد بن أسلم عن ابن عمر وسئل عن قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ فقال ابن عمر: إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلمّا نزلت جعلها الله تطهير الأموال. مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا يبقي لولده مالا يبقي بعده، فقال عمر رظُله: أنا أُفرّج عنكم فانطلقوا، وانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي وَّل فقال: يانبي الله إنّه قد كبر على أصحابك هذه فقال: ((إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث في أموال (١) الرضف: حجارة على وجه الأرض قد حميت (لسان العرب: ٩ / ١٢١). (٢) جامع البيان للطبري: ١٠ / ١٦٠. صحيح ابن حبان: ٨ / ٥١.