Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة الأعراف، الآيات: ٨٥ - ٩٣ حقّها فذلك فسادها، فلمّا بُعث إليها شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض وكلّ نبيّ بُعث إلى قومه فهو يدعوهم لإصلاحهم الذي ذكرت لكم وأمرتكم به. ﴿خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ مصدّقين بما أقول ﴿ولا تقعدوا بكل صراط﴾ [يعني] في هذا الطريق كقوله: ﴿إنّ ربّك لبالمرصاد﴾(١). ﴿توعدون﴾ تُهددون ﴿وتصدّون عن سبيل الله﴾ دين الله ﴿مَنْ آمن به وتبغونها عوجاً﴾ زيغاً وذلك أنّهم كانوا يجلسون على الطرق فيُخبرون مَنْ قصد شعيباً ليُؤمن به إنّ شعيباً كذّاب. فلا يفتّنك عن [ذلك] وكانوا يتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوّفونهم. قال السدي وأبو روق: كانوا [جبّارين]. قال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق. وقال النبيّ وَ له ((رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلّ شقّته ولا شيء إلّ خرقته فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا مثل أقوام من أُمّتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثمّ تلا: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط تُوعدون﴾(٢) [١٩٢]. ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم﴾ [فكّر بينكم] ﴿وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين﴾ يعني آخر قوم لوط ﴿وإن كان طائفة منكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ يعني الروءساء الذين تعالوا عن الإيمان به ﴿لنُخرجّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا﴾ لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه وتدعون دينكم. قال شعيب: ﴿قال أولو كُنّا كارهين﴾ لذلك يعني ولو كنّا كارهين لذلك تجبروننا عليه فأُدخلت الف الاستفهام على ولو ﴿قد أفترينا على الله كذباً إنّ عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ نرجع إليها بعد إذ أنقذنا الله منها ﴿إلاّ أن يشاء الله ربّنا﴾ تقول إلاّ أن يكون سبق لنا في علم الله ومشيئته أن نعود فيها فيمضي حينئذ قضاء الله فينا [وينفذ] حكمه وعلمه علينا ﴿وسع ربّنا كلّ شيء علماً﴾ أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن ﴿على الله توكلنا﴾ فیما تتوعدوننا به. واختلف العلماء في معنى قوله ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ وقوله ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ فقال بعضهم: معناه أو لتدخلن فيها ولن تدخل [إلاّ] إن يشاء الله ربّنا فيضلنا بعد إذ هدانا. وسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري بها يقول: إنّ عدنا في ملّتكم أي صرنا، لا أن نعود، يكون ابتداء ورجوعاً. (١) سورة الفجر: ١٤. (٢) الدر المنثور: ٣ / ١٠٣. ٢٦٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال أُميّة بن أبي الصلت: شيباً بماء فعادا بعد أبوالا(١) تلك المكارم لاقعبان من لبن أي صار الآن اللبن، كأن لم تكن قط بولا . وسمعت [الحسين بن الحبيبي] قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: إذ نجّانا الله منها في سابق علمه وعند اللوح والقلم. وقال بعضهم: كان شعيب ومَنْ آمن معه في بدء أمرهم مستخفين ثمّ أظهروا أمرهم وإنما قال لهم قومهم ﴿أو لتعودنّ في ملّتنا﴾ حسبوا أنّهم على ملّتهم [قيل: من هو معه](٢) على أصحاب شعيب دون شعيب لأنّهم كانوا كفّاراً ثمّ آمنوا بالخطاب لهم وجواب شعيب عنهم لا عن نفسه، لأن شعيباً لم يكن كافراً قط وإنّما ناوله الخطاب في أصناف مَنْ فارق دينهم إليه. ورأيت في بعض التفاسير أن الملّة هاهنا الشريعة وكان عليه قبل نبوّته فلمّا [نُبِّئ] فارقهم. ثمّ دعا شعيب على قومه إذ لمس ما فيهم فقال ﴿ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ أي اقض .. وقال [المؤرخ]: افصل. وقال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك . أي أقاضيك .. وقال الفراء: أهل عمان يسمّون القاضي الفاتح والفتّاح. وذكر غيره أنّه لغة مهاد. فأنشد لبعضهم: بأنّي عن فتاحتكم غنيّ(٣) ألا أبلغ بني عصُم رسولا أي حكمكم. ﴿وأنت خير الفاتحين﴾ يعني الحاكمين ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً﴾ وتركتم دينكم ﴿إنّكم إذاً لخاسرون﴾ قال ابن عباس: مغبونون. قال عطاء: جاهلون. قال الضحاك: فجرة. ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ قال الكلبي: الزلزلة. قال ابن عباس: وغيره من المفسّرين: فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأرسل عليهم ريحاً وحرّاً شديداً، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فبعث الله عزّ وجلّ سحابة فيها ريح طيّبة فوجدوا برد الريح بطيبها وظل السحابة فتنادوا (١) كتاب العين: ١ / ١٨٢. (٢) كذا في المخطوط. (٣) جامع البيان للطبري: ١ / ٥٢٥. ٢٦٣ سورة الأعراف، الآيات: ٨٥ - ٩٣ عليكم بها فخرجوا إلى البريّة فلمّا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجرّاد المعلّ وصاروا رماداً وهو عذاب يوم الظّة، وذلك قوله: ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ ميّتين قال أبو العالية: ديارهم منازلهم، وقال محمد بن مروان: كل شيء في القرآن (دارهم) فهو [مرغمهم] وكلّ شيءٍ (درياهم) فهو عساكرهم. قال ابن إسحاق: بلغني أن رجلاً من أهل مدين يُقال له عمر بن [جلهاء] لمّا رأى الظلّة فيها الغضب. قال: يا قوم إن شُعيباً مُرسلٌ فذروا عنكم سُميراً أو عمران بن شداد إني أرى غيمة ياقوم طلعت دعو بصوت على صمانة الوادي، فإنّكم إن تروا فيها ضحاة غد إلاّ الرقيم يمشي بين أنجاد وسُميراً وعمران: كاهناهم راعيين، والرقيم كلباً لهما (١). قال أبو عبد الله البجلي: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت: أسماء ملوك وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب. فقالت أخت كلمون تبکیه: كلمون هدَّ ركني هلكه وسط المحله سيّد القوم أتاه الحتف ناراً وسط ظلة . جعلت نار عليهم دارهم كالمضمحلة. ﴿الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها﴾ أي لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم غنيّة بالمكان إذا أقمت به والمغاني المنازل وأحدها مغنى قال لبيد: لو كان للنفس اللجوج خلود وغنيت ستاً قبل مجرى داهس وقال حاتم : (٢) فكلا سقانا بكأسيهما الدهر غنينا زماناً للتصعلك والغنى ﴿الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ لا المؤمنون كما زعموا ﴿فتولّى﴾ أعرض ﴿عنهم﴾ شعيب [بن شامخ] من أظهرهم حين أتاهم العذاب ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحتُ لكم فكيف آسى﴾ [أحزن] ﴿على قوم كافرين﴾ حين يُعذّبون، يقال: آسيتم آسي أسىَ. قال الشاعر: آسيت على زيد ولم أدر ما فعل(٣) والأسى الحزن [والأسى] الصبر. (١) راجع تفسير الطبري: ٩ / ٧ بتفاوت. (٢) لسان العرب: ١٠ / ٤٥٦. (٣) تفسير القرطبي ١٤ / ١١٨. ٢٦٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيْ إِلَّ أَخَذْنَاَ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٩) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ اَلْحَسَنَهُ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَ ءََّنَا الضَّرَّهُ وَاَلسََّّآءُ فَأَخَذْتَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٩٥ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَأَتَّقَواْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَتِ مِنَ الشَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَّى أَنْ يَأْتِيَّهُمْ بَأْسُنَا بَنَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ (٢٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٨) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ أَلَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ اَلْخَسِرُونَ ﴿وَ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَاَ أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبِّتَهُمْ بِذُنُوبِهِمَّ وَتَطَبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَمُونَ (٣٦) تِلْكَ الْقُرَىِّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَفِرِينَ (٠٧َ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَاً أَكْذَهُمْ لَفَسِقِينَ ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي﴾ فيه اضمار واختصار يعني فكذبوه ﴿إلّ أخذنا﴾ عاقبنا ﴿أهلها﴾ حين لم يُؤمنوا ﴿بالبأساء﴾ يعني بالبؤس الشدّة وضيق العيش ﴿والضرّاء﴾ تعني أضر وهو الحال. وقيل: المرض والزمناء قال: السدي البأساء يعني الفقر والجوع ﴿لعلّهم يضّرعون﴾ لكي يتضرعوا [فينيبوا] ويتوبوا ﴿ثمّ بدّلنا مكان السيّئة﴾ وهي البأساء والجواب والجوع ﴿الحسنة﴾ يعني النعمة والسعة والرخاء والخصب ﴿حتّى عفوا﴾ أي كثروا وأثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، قال ابن عباس: (عفوا) يعني [جهدوا]، وقال ابن زيد: يعني كثروا كما يكثر النبات والريش. قال قتادة: (حتّى عفوا): سروا بذلك، وقال مقاتل بن حيان: (عفوا) حتى كثروا وتركوا ولم يستكثروا وأصله من الكثرة. وقال النبيّ وَّ: ((أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى))(١). وقال الشاعر: يقول من بعد أُولاك أولات أتوا زماناً ليس عندهم بعيد وقال آخر: بأسوق عافيات الشحم كوم (٢) ولكنا نعض السيف منها ﴿وقالوا﴾ من جهلهم وغفلتهم ﴿قد مسّ آباءنا الضراء والسراء﴾ فنحن مثلنا فقال الله تعالى ﴿فأخذناهم بغتة﴾ [فجأة عِبرة (٣) لمن بعدهم]. ﴿وهم لا يشعرون﴾ بنزول العذاب ﴿ولو (١) مسند أبي يعلى: ١٠ / ١٠٥ ح ٥٧٣٨. (٢) تفسير الطبري ٢ / ٤٩٨. (٣) في تفسير القرطبي (٧ / ٢٥٢): ليكون أكثر حسرة. ٢٦٥ سورة الأعراف، الآيات: ٩٤ - ١٠٢ أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ يعني وحدوا الله وأطاعوه ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء﴾ يعني المطر ﴿والأرض﴾ يعني النبات، وأصل البركة المواضبة على الشيء تقول: برك فلان على فلان إذا [أجابه، وبركات الأرض أي] تابعنا عليهم بالمطر والنبات والخصب ورفعنا الحرث والقحط ﴿ولكن كذّبوا فأخذناهم﴾ فجعلنا لهم العقوبات ﴿بما كانوا يكسبون﴾ من الكفر والمعصية والأعمال الخبيثة. ﴿أفأمِنَ أهل القرى﴾ الذين كفروا وكذّبوا ﴿أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون﴾ آمنون. ﴿أو أمِن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىَّ﴾ نهاراً ﴿وهم يلعبون﴾ لا هون. ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر اللهِ إلّ القوم الخاسرون﴾ ومعني (مكر) استدراج القوم بما أراهم في دنياهم. قال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة وتظاهر النعم، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه، وحكى [الشبلي] أنه سئل عن مكر الله فأجاب بقول وإن لم يبقَ حبك لي حراكاً محبتك لا ببعضي بل بكلي ـل سنتي ويفعله فيحسن ومقبح من موالد ليفي فقال السائل: اسأله عن آية من كتاب الله ويجيبني من الشعر فعلم الشبلي أنه لم يفطن لما قال، فقال: يا هذا [ .... ](١) إياهم على ما هم فيه. ﴿أوَلم يهد﴾ قرأ أبو عبد الرحمن وقتادة ويعقوب في رواية زيد (نهد) بالنون على التعظيم والباقون بالياء على [التفريد] ﴿للذين يرثون﴾ يستخلفون في ﴿الأرض﴾ بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا بسيرتهم [ .... ] (٢) ربّهم ﴿أن لو نشاء أصبناهم﴾ أهلكناهم ﴿بذنوبهم﴾ بما أهلكنا من قبلهم ﴿ونطبع﴾ نختم ﴿على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾ الهدى ولا يقبلون الموعظة ﴿تلك القرى﴾ هذه القرى التي ذكرت لك وأهلكناهم وهي قرى نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب ﴿نقص عليك من أنبائها﴾ نخبرك أخبارها ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ [بالآيات والعلامات والدلالات] ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل﴾ اختلف في تأويله. قال أُبي بن كعب: معناه فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يكذّبون به يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم. وقال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حتّى أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً وأقروا باللسان وأظهروا التكذيب. (١) كلمة غير مقروءة. (٢) كلمة غير مقروءة. ٢٦٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم إلى الدنيا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم كقوله ﴿ولو ردّوا لعادوا لم نهو عنه﴾(١) وقال یمان بن رئاب: هذا معنى أنّ كلّ نبي أخذ قومه بالعذاب ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأُمم الكفار بل كذّبوا كما كذب نظير قوله ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به﴾(٢). «وقيل: معناه: ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ يعني بالمعجزات والعجائب التي سألوهم فما كانوا ليؤمنوا بعد ما رأوا الآيات والعجائب بما كذبوا به من قبل رؤيتهم تلك العجائب نظيره قوله ﴿قد سألها قوم من قبلكم فأصبحوا بها كافرين﴾(٣) ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلّ أن كذّب بها الأوّلون﴾ (٤). ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ الذين كتب عليهم أن لا يؤمنون من قومك ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾ يعني وفاء بالعهد، والعهد الوصية ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ أي ما وجدنا أكثرهم إلاّ فاسقين ناقضين العهد. ثُمَّ بَعَثِّنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِثَايَتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، فَظَلَعُواْ بِهَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَذِبَةُ حَقِيقُ عَلَّ أَنْ لََّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِلَى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٢) الْمُفْسِدِينَ إلَّا أَلْحَقُّ قَدْ حِّئُكُمْ بِيْنَةٍ مِّنِ زَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرَّيِلَ (٣٥) قَالَ إِن كُنْتَّ حِثْقَ بِتَابَةٍ فَأْتِه ◌ِهَا إِن كُنتَ مِنَّ الصَّدِفِينَ ﴿َ) فَأَلَّقَى عَضَاءُ فَإِذَا هِىَ ثُثْبَانُ مُّبِينٌ (َ وَزَعَ بَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ قَالَ الْمَلَّأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَِرُ عَلِيمٌ ﴿٤َ بُيِدُ أَنْ يُخْرِبَّكُ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اَلْمَدَابِنِ حَشِرِينَ (١) يَأَتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (9) وَجَآَ السَّحَرَّةُ ١٠ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ ◌َنَا لَأَجْرًا إِن حَكُنَّا نَحْنُّ الْعَلِينَ ﴿١٧) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِنَ (١) قَالُواْ قَالَ الْقُواْ فَلَمََّ أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُّنَ النَّاسِ يَمُوسَىَ إِمَّ أَنْ تُلْقِىَّ وَإِمََّ أَنْ نَكُونَ مَحْنُ الْمُلْفِينَ وَأَسْتَهَبُوُهُمْ وَجَاءُ و بِخْرٍ عَظِيمٍ ﴿ثمّ بعثنا من بعدهم﴾ أي من بعد قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﴿موسى بآياتنا﴾ بحجّتنا وأدّتنا ﴿إلى فرعون وملئه فظلموا﴾ فجحدوا وكفروا ﴿بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ وكيف فعلنا بهم ﴿وقال موسى﴾ لمّا دخل على فرعون واسمه قابوس في قول أهل الكتاب. (١) سورة الأنعام: ٢٨. (٢) سورة الذاريات: ٥٣.٥٢ . (٣) سورة المائدة: ١٠٢ . (٤) سورة الاسراء: ٥٩. ٢٦٧ سورة الأعراف، الآيات: ١٠٣ - ١١٦ قال وهب: كان اسمه الوليد بن مصعب بن الربان وكان من القبط وعَمّرَ أكثر من أربعمائة عام وقال موسى: ﴿يا فرعون إني رسول من رب العالمين﴾ إليك فقال فرعون كذبت فقال موسى: ﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلّ الحقّ﴾ يعني أنا [خليق] بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، فعلى بمعنى الباء، كما يقال: رميت بالقوس على القوس وجاءني على حال حسنة وبحالة حسنة يدل عليه، [قول الفراء] والأعمش: حقيق بأن لا أقول. وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلاّ الحق، وقرأ شيبة ونافع: حقيق على تشديد الياء يعني حق واجب عليَّ ترك القول على الله عزّ وجلّ إلاّ الحق. ﴿قد جئتكم ببيّنة من ربّكم﴾ يعني العصا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: إنّه تعريض يقول: لحقيق مصرف الخطاب ﴿وحقيق﴾ [فعيل] من الحق يكون بمعنى القائل ﴿فأرسل معي بني إسرائيل﴾ أي اطلق عنهم وخلهم يرجعون إلى الأرض المقدسة . قال وهب: وكان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل أنّ فرعون حاجّ [موسى] وكان [أشد .](١) في يوسف [وانقرضت] الأسباط عليهم فرعون فاستعبدهم من] فرعون یوسف [. فأنقذهم الله بموسی. قال: وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخل موسى رسولاً أربعمائة عام ﴿قال﴾ فرعون مجيباً لموسى ﴿إن كنت جئت بآية فأتٍ بها إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه﴾ من يده ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾. قال ابن عباس والسدي: كانت [عظيمة ذكراً] من الحيات، إذا فتحت فاها صار شدقها ثمانين وقد ملأت ما بين سماطي فرعون واضعة لحييها ذراعاً واضع لحية الأسفل في الأرض الأعلى على سور القصر، حتى رأى بعض من كان خارج مدينة مصر رأسها . ثمّ توجهت نحو فرعون لتبتلعه فوثب فرعون من سريره وهرب منها فأحدث ولم يكن حدث قبل ذلك وهرب الناس وصاحوا وحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى خذها وأنا مؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت. ثمّ قال له فرعون: هل معك آية أُخرى، قال: نعم، فأدخل يده في جيبه ثمّ نزعها فأخرجها بيضاء مثل الثلج لها شعاع غلب على نور الشمس، وكان موسى أدم ثمّ أدخلها جيبه فصارت يداً كما كانت. (١) كلمة غير مقروءة. ٢٦٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿قال الملأ من قوم فرعون ان هذا لساحر عظيم﴾ يعنون أنّه يأخذ بأعين الناس بخداعه إيّاهم حتّى تخيّل إليهم العصا حيّة والأدم أبيض [يري الشيء] بخلاف ما هو به، كما قيل سحر المطر الأرض إذا جاءها فقطع نباتها من أصلها وقلب الأرض على البطن فهو يسحرها سحراً والأرض مسحورة فشبه سحر الساحر به لتخيله إلى من سحره أنّه يري الشيء بخلاف ما هو به، ومنه قول بني الرمة في صفة السراب وساحرة العيون من الموامي ترقص في نواشزها الأروم(١) ﴿يريد أن يخرجكم﴾ [من القبط] ﴿من أرضكم﴾ مصر ﴿فماذا تأمرون﴾ هذا من قول فرعون للملأ ولم يذكر فرعون فيه كقوله ﴿الآن حصص الحق﴾ ﴿أنا راودته عن نفسه وإنّه من الصادقين ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب﴾(٢) هذا من كلام يوسف ولم يذكر ﴿قالوا أرجه﴾ أحبسه ﴿وأخاه﴾ هارون ولا تقتلهما ولا يؤمن بهما، وقال عطاء: احبسه وهذا أعجب إليّ لأنّه قد علم أنه لا يقدر على حبسه بعد ما رأى الآيات من العصا واليد. ﴿وأرسل في المدائن حاشرين﴾ يعني الشرطة وكانت له مدائن فيها السحرة عدة للأشياء إذا [حزّ به أمر] أرسل. ﴿يأتوك بكل ساحر عليم﴾ قرأها أهل الكوفة على التكثير وقرأ العامّة كل ساحر. والفرق بين الساحر والسحّار أن الساحر الذي لا يعلم والسحار الذي يعلم ولا يعلم. وقال المؤرخ: الساحر من سحره في وقت دون وقت، والسحار من قديم السحر. قال: فإن غلبهم موسى صدقناه على ذلك وعلمت أنه ساحر. قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لمّا رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنا لا نغالب موسى إلاّ بمَنْ هو مثله فأخذ غلمان بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرقاء يعلّمونهم السحر كما يعلّم الصبيان الكتابة في المكتب فعلّموهم سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم فقال له ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلاّ أن يكون أمر من السماء فإنّه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون الشرطي في [مملكته] فلم يترك في سلطانه ساحراً إلاّ أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون. فقال مقاتل: كان السحرة اثنين وسبعين ساحراً اثنان فيهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني إسرائيل. (١) تفسير الطبري: ٩ / ٢٢. (٢) سورة يوسف: ٥٢.٥١. ٢٦٩ سورة الأعراف، الآيات: ١١٧ - ١٣٦ وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحراً غير رئيسهم وكان الذين يعلّمونهم السحر رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفاً. قال السدي: كانوا بضعة وثلاثين. عكرمة: سبعين ألفاً، ابن المنكدر: ثمانين ألفاً فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلا ساحر ماهر ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين من كبرائهم وعلمائهم، وقاله ابن جريج، فلمّا أجتمع السحرة ﴿قالوا﴾ لفرعون ﴿إنّ لنا لأجراً﴾ أي جعلاً وثواباً . ﴿إنّ كنّا نحن الغالبين قال﴾ فرعون ﴿نعم وإنّكم لمن المقرّبين﴾ في المنزلة عندي. قال الكلبي: أوّل مَنْ يدخل عليّ وآخر مَنْ يخرج ﴿قالوا﴾ يعني السحرة. ﴿يا موسى إمّا أن تُلقي وأمّا أن نكون نحن الملقين﴾ بعصيّنا [وحبالنا]. ﴿قال﴾ موسى ﴿ألقوا فلمّا ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم﴾ أي أرعبوهم وأفزعوهم ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ وذلك أنّهم ألقوا حبالاً وعظاماً وخشباً طوالاً فإذا هي حيّات كالجبال قد ملأت الوادي [يأكل] بعضهم بعضاً. فَوْقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَّىَّ أَنْ أَلْفِ عَصَاٌ فَإِذَا هِىَ تَلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ (َ) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَقَلَبُواْ صَغِرِنَّ (١٩) وَأَلْفِيَ الشَّخَرَةُ سَجِدِينَ (١٤) قَالُوَأَ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ يَعْمَلُونَ. ١٢١ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنَتُم بِهِ. قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَتَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِىِ الْمَدِنَّةِ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَاَ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعَلَمُونَ (٣) لَأَقَطْعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأَصَلِيَنَّكُمْ أَمْعِنَ (َِ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ (٢٩) وَمَا نَنِّمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِئَايَتِ رَبِنَا لَنَّا جَتْنَا رَبَّنَاَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَا مُسْلِمِينَ ﴿١٨٠) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَنَّذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَتُقَيِّلُ أَ هْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ فَهِرُونَ (٢٦) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَّاً إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَنِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢) قَالُواْ أُوَذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْنِّيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا حِثْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٠) وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَفْصٍ مِّنَ الثَّعَرَّتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّحِكَّرُونَ (٠َ فَإِذَا جَاءَ تَهُمُ اَلْمَسَنَّةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيْئَةٌ يَطَيُِّوا بِمُوسَى وَمَنْ نَعَهُ، أَلَّ إِنَّمَا طَبْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٤) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنَا بِهِ. مِنْ ،َآيَةٍ لِتَّسْخَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِعُؤْمِنِينَ ﴿١٣) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُْوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْفُعَّلَ وَالصَّفَّارِعَ وَالَدَّمَ ،َيَتِ مُفَصَّلَتِ فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمَا تُجْرِمِينَ ﴿٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عُهِدَ عِندَكٌ لَبِنِ كَفْتَ عَنَّا أَلْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ ﴿َ) فَلََّّا كَفْنَا عَنْهُمُ الرَّجْزَ إِلَى أَجَلِ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَتَكُونَ (٣٤) فَقَمْنَا مِنْهُمْ ٣٦ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمِّ ◌ِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ خَابَتِنَا وَكَانُواْ عَنَّهَا غُفِلِينَ ٢٧٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك﴾ فألقاها ﴿فإذا هي تلقف﴾ تبتلع، ومَنْ قرأ تلقف ساكنة اللام خفيفة القاف فهو من لقف يلقف، ودليله قراءة سعيد بن جبير: تلقم من لقم يلقم. ﴿ما يأفكون﴾ يُكذّبون، وقيل: يقلبون ويزوّرون على الناس فأكلت سحرهم كله فقالت السخرة: لو كان هذا سحراً لبقت حبالنا وعصينا. فذلك قوله: ﴿فوقع الحق﴾ أي ظهر. قال النضير بن شميل: فوقع الحق أي فزعهم وصدّعهم [كوقع الميقعة] ﴿وبطل ما كانوا يعملون﴾ من السحر ﴿فغُلبوا هنالك﴾ وبطل ما كانوا يعملون ﴿وانقلبوا صاغرين﴾ ذليلين ومقهورین . ﴿وأُلقي السحرة ساجدين﴾ لله حيث عرفوا أنّ ذلك أمر سماوي وليس سحراً، وقيل: ألهمهم الله ذلك، وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا ﴿قالوا آمنا برب العالمين﴾ فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا ﴿رب موسى وهارون﴾ . قال عطاء: فكان رئيس السحرة بأقصى مدائن مصر وكانا أخوين فلمّا جاءهما رسول فرعون قالا لأُمّهما [دلّينا] على قبر أبينا فدلتهما عليه فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا: إن الملك وجه إلينا رسولاً أن نقدم عليه، لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما [عزّ ومنعة] وقد ضاق الملك ذرعاً من عزّهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما [شيء] تبلغ الحديد والحجر والخشب. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما فإنّ قدرتما أن تسلا العصا فسلاها فإنّ الساحر لا يعمل سحره إذا نام، وإن عملت العصا وهما نائمان فذلك أمر ربّ العالمين، ولا طاقة لكما به ولا الملك ولا جميع أهل الدنيا، فأتاهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا قاله مقاتل. قال موسى للساحر الأكبر: تؤمن بيّ إن غلبتك فقال لآتينَ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأؤمنن بك وفرعون ينظر ﴿قال﴾ لهم فرعون حين آمنوا ﴿آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا المكر﴾ صنيع وخديعة ﴿مكرتموه﴾ صنعتموه أنتم وموسى ﴿في المدينة) في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع. ﴿لُخرجوا منها أهلها﴾ بسحركم ﴿فسوف تعلمون﴾ ما أفعل بكم. ﴿لأُقطّعن أيديكم من خلاف﴾ وهو أن يقطع من شق طرفا قال سعيد بن جبير: أوّل مَنْ قطع من خلاف فرعون ﴿ثم لأُصلّبنّكم أجمعين﴾ على شاطئ نهر مصر ﴿قالوا﴾ يعني السحرة الفرعون ﴿إِنّا إلى ربّنا منقلبون﴾ راجعون في الآخرة ﴿وما تنقم منّا﴾ قرأ العامّة بكسر القاف. وقرأ الحسن وابن [المحيصن] بفتح القاف وهما لغتان نقَم ينقَم ونقم ينقِم. قال الشاعر : ٢٧١ سورة الأعراف، الآيات: ١١٧ - ١٣٦ أنّهم يحلمون إن غضبوا(١) وما نقموا من بني أميّة إلا وقال الضحاك وغيره: يعني وما يطعن علينا. قال عطاء: ما لنا عندك من ذنب وما ارتكبنا منك مكروهاً تعذّبنا عليه ﴿إلا أن آمنا بآيات ربّنا لمّا جاءتنا﴾ ثمّ [فزعوا] إلى الله عز وجل قالوا ﴿رَبّنا أفرغ﴾ اصبب ﴿علينا صبراً﴾ أُصبب علينا الصبر عند القطع والصلب حتّى لا نرجع كفاراً ﴿وتوفنا مسلمين﴾ واقبضنا إليك على دين موسى، فكانوا أول النهار كفاراً سحرة وآخره شهداء بررة . ﴿وقال الملأُ من قوم فرعون أنذرُ﴾ أتدع ﴿موسى وقومه ليفسدوا﴾ كي يفسدوا عليك ملكك عبيدك ﴿في الأرض﴾ في أرض مصر ﴿ويذرك﴾ يعني وليذرك. وروى سليمان التيمي عن أنس بن مالك أنّه قرأ ويذرك بالرفع والنون، [أخبروا] عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حياً فيصرفهم عنّا . وقرأ الحسن (ويذرك) بالرفع على تقدير المبتدأ، أي وهو يذرك، ﴿آلهتك﴾ فلا نعبدك ولا نعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، ولذلك أخرج السامري لهم عجلاً . وروى عمرو عن الحسين قال: كان لفرعون حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد عليها كأنّه صنم كان عابده يحن إليه. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان فرعون يصنع لقومه أصناماً صغاراً ويأمرهم بعبادتها ويقول لهم: أنا رب هذه الأصنام، وذلك قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾(٢). قال أبو عبيد: وبلغني عن الحسن أنه قيل له: هل كان فرعون يعبد شيئاً؟ قال: نعم كان يعبد تيساً . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وبكر بن عبد الله [الشعبي] والضحاك وابن أبي إسحاق: إلهتك بكسر الألف أي [إلهك] فلا يعبدك كما تعبد. قالوا: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد. وقيل أراد بالآلهة الشمس وكانوا يعبدونها . قال [عيينة] بن [شهاب]: تروحنا من الأعيان عصراً فأمحلنا الآلهة أن تؤوبا(٣) (١) لسان العرب: ١٢ / ٥٩١. (٢) سورة النازعات: ٢٤. (٣) تاج العروس: ٩ / ٣٧٥، وبلاغات النساء: ٢٠٨ وفيه: اللعاب قصراً. ٢٧٢ · الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي بمعنى الشمس ﴿قال﴾ يعني فرعون سنقتل أبنائهم بالتشديد على التكثير. وقرأ أهل الحجاز بالتخفيف ﴿ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل بني إسرائيل في العام الذي قيل له إنّه يولد مولود يذهب بملكك فلم يزل يقتلهم حتّى أتاهم موسى (عليه السلام) بالرسالة فلما كان من أمر موسى ما كان أمر بإعادة عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل إلى موسى (عليه السلام) فعند ذلك ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله﴾ يعني أرض مصر ﴿يورثها﴾ يُعطيها ﴿مَنْ يشاء من عباده﴾ وقرأ الحسن يورثها بالتشديد والاختيار والتخفيف لقوله تعالى وأورثنا الأرض ﴿والعاقبة للمتّقين﴾ يعني النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنّة. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة اتّبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل ﴿قالوا﴾ يعني قوم موسى ﴿أُوذينا﴾ بقتل الأبناء واستخدام النساء والتسخير. ﴿من قبل أن تأتينا﴾ بالرسالة ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾ بالرسالة وإعادة القتل والتعذيب وأخذ الأموال والأتعاب في العمل. قال وهب: كانوا أصنافاً في أعمال فرعون فأما ذوو القوة منهم فيسلخون السوابي من .. ](١) أعناقهم وعواتقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطع ذلك وقتله. الجبال وقد [. وطائفة أُخرى قد [قرحوا] من ثقل الحجارة وسير [الليل] له، وطائفة يلبنون اللبن ويطنبون الأجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفاء بينهم عليهم الخراج ضريبة يودون كانت ضربت عليه الشمس، قيل: وإن يردى ضريبته غلت يده إلى عنقه شهراً، وأما النساء فيقرن اختان وينسجنه فقال موسى (عليه السلام) لهم ﴿عسى ربّكم أن يهلك عدوكم﴾ فرعون ﴿ويستخلفكم في الأرض﴾ ويسكنكم مصر من بعدهم بالتسخير والاستعباد وهم بنو إسرائيل ﴿مشارق الأرض ومغاربها﴾ يعني مصر والشام ﴿التي باركنا فيها﴾ بالماء والأشجار والثمار وإنما ذكر بلفظ [ ..... ] (٢). وَأَوْرَثْنَا أَلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَغُونَ مَشَكَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا أَِّى بَشَرَّكَنَا فِيهَا وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيِلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَقَّْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٢٦) وَحَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيِلَ الْبَعْرَ فَأَنَّوْ عَلَى قَوْمٍ بَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَلْمُوسَى أَجْعَل أَنَّ إِلَّهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَهُ قَالَ إِنَّكُمْ فَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٠) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبِرُ مَّا هُمْ فِهِ وَمَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْعِيَكُمْ إِلَّهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١٩) وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِّ يُقَتْلُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِنْ زَّيِّكُمْ عَظِيمٌ (١) كلمة غير مقروءة. (٢) سقط قريب الورقة. ٢٧٣ سورة الأعراف، الآيات: ١٣٧ - ١٤١ [ ....... ] فأورثهم ذلك بمهلك أهلها من العمالقة والفراعنة. ﴿وتمّت كلمة ربّك الحسنى﴾ يعني تمت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض. وذلك قوله عز وعلى ﴿ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض﴾ إلى قوله ﴿ما كانوا يخلدون﴾. وقيل: معناه [رحبت] نعمة ربّك الحسنى ﴿على بني إسرائيل﴾ يعني أنهم محزون الحسنى يوم القيامة ﴿بما صبروا﴾ على دينهم ﴿ودمرنا﴾ أهلكنا [فدمرنا] ﴿ما كان يصنع فرعون وقومه﴾ في أرض مصر من المغارات ﴿وما كانوا يعرشون﴾ . قال الحسن: وما كانوا يعرشون من الثمار والأعشاب. وقال مجاهد: يعني يبنون البيوت، والقصور ومساکن وکان [غنيّهم] غير معروش. وقرأ ابن عامر وابن عباس: بضم الراء وهما لغتان فصيحتان عرش يعرش. وقرأ إبراهيم بن أبي علية: يعرشون بالتشديد على الكسرة ﴿وجاوزنا﴾ قطعنا ﴿ببني إسرائيل البحر﴾ بعد الآيات التي رأوها والعير التي عاينوها . قال الكلبي: عبر بهم موسى يوم عاشوا بعد هلاك فرعون وقومه وصام يومئذ شكراً لله عزّ وجلّ ﴿فأتوا﴾ فمرّوا ﴿على قوم يعكفون﴾ يصلّون، قرأ حمزة والكسائي يعكفون بكسر الكاف والباقون بالضم وهما لغتان ﴿على أصنام﴾ أوثان ﴿لهم﴾ أوثان لهم كانوا يعبدونها من دون الله عزّ وجلّ. قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل [شأن] العجل(١). قال قتادة: كانوا أولئك القوم من لخم وكانوا هؤلاء بالرمة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم فقالت بنو إسرائيل له عندما رأوا ذلك ﴿قالوا ياموسى اجعل لنا إلهاً﴾ تمثالاً نعبده ﴿كما لهم آلهة قال﴾ موسی ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ عظمة الله ونعمته وحرمته. وروى معمر عن الزهري عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله وَّ قبل حنين فمررنا بشجرة خضراء عظيمة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفّار ذات أنواط. فقال النبيّ وَّر: ((الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة والذي نفسي بيده [لتركبنّ سنن] مَنْ كان قبلكم)) [١٩٣](٢). وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أُمّتي أخذ الأُمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع كما قالت فارس والروم)) [١٩٤](٣). (١) راجع تفسير الطبري: ٩ / ٦١ . (٢) مسند أحمد: ٥ /٢١٨. وجامع البيان للطبري: ٩ / ٦١. (٣) صحيح البخاري: ٨ / ١٥١. ٢٧٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿إن هؤلاء متبرٌ﴾ مهلك ومفسد ومخسر ﴿ما هم فيه وباطل﴾ مضمحل زائل ﴿ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم﴾ أطلب وأبغي لكم فحذف حرف الصفة لقوله (واختار موسى قومه) ﴿إلهاً وهو فضلكم على العالمين﴾ على أهل زمانكم ﴿وإذ نجيناكم﴾ قرأ أهل المدينة أنجيناكم، وقرأ أهل الشام وإذ أنجاكم وكذلك في مصاحفهم بغير نون. ﴿من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم﴾. قرأ نافع: (يقتلون) خفيفة من القتل على القليل، وقرأ الباقون التشديد على الكثير من القتل ﴿ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾. وَوَعَدْنَا مُوسَى نَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَدُونَ أَخَلْفْنِ فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّعْ سَيِلَ اَلْمُفْسِدِينَ (٢٦) وَلَمَّا نََّ مُوسَى لِعِيقَلِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّعُ قَالَ رَبِّ أَرِنِ أَنْظُرُ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَضِى وَلَكِنِ أَقْطُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَنَّهُ فَسَوْفَ تَرَكِّ فَلَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَّرَّ مُوسَقْ صَعِفَاً فَلَّا أَفَقَ قَالَ سُبْحَتَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ أَلْمُؤْمِنِينَ (١٢) قَالَ بَمُوسَىَّ إِلَى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَئِ وَيَكَلَّمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ (١٩) وَكَنَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلُ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ بَأْخُذُواْ بِأَخَْبِهَا سَأُوْرِكُ دَارَ الْفَنْسِفِينَ ﴿٢) سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوَأْ كُلّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ اُلْزُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَمِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ أَلْفِيِّ يَتَّخِذُوهُ سَمِلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا ◌َفِلِينَ (١٤٦] وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بَايَتِنَا وَلِقَاءِ اَلْأَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَّوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ ذا القعدة ﴿وأتمّمناها بعشر﴾ من ذي الحجّة ﴿فتم ميقات ربّه أربعين ليلة﴾ وقال عند انطلاقه لأخيه هارون ﴿آخلفني﴾ كن خليفتي ﴿في قومي وأصلح﴾ وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله ﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ ولا تسلك طريق العاصين ولا تكن مرناً للظالمين، وذلك أن موسى وعد بني إسرائيل وهم بمصر إذا أهلك الله عدوّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب فأمره الله عز وجل صوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما تمت ثلاثون ليلة أنكر خلوق(١) فمه فتسوك بعود [ضرنوب] فقالت له الملائكة: كنّا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك (٢). (١) الخلوق: الرائحة. (٢) تفسير القرطبي: ٧ / ٢٧٤. ٢٧٥ سورة الأعراف، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧ وقال أبو العالية: إنّه أكل من لحاء الشجرة فأمره الله عزّ وجلّ بصوم عشرة أيام من ذي الحجّة. وقال: أما علمت أن خلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكان فتنتهم في العشر التي زادها الله عز وجل ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ أي الوقت سأله أن يكلمه فيه والميقات مفعال من الوقت كالميعاد والبلاد انقلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها . قال المفسّرون: إنّ موسى (عليه السلام) تطهّر وطهّر ثيابه لميعاد ربه فلما أتى بطور سيناء ﴿وكلمه ربه﴾ وناجاه وأدناه حتى سمع حروف القلم فاستجلى كلامه واشتاق [إلى رؤيته] وطمع فيها ﴿قال ربّي أرني أنظر إليك﴾ قال ابن عباس: أعطني أنظر إليك ﴿قال﴾ الله تعالى ﴿لن تراني﴾ وليس بشراً [لا] يطيق النظر إليّ في الدنيا، من نظر إليّ مات، فقال له: سمعت كلامك واشتقت إلى النظر إليك [فلئن] أنظر إليك وأموت أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك فقال الله تعالى ﴿ولكن انظر إلى الجبل﴾ فهو أعظم جبل بمدين يُقال له: زبير فلما سمعت الجبال ذلك تعاظمت رجاء أن يتجلّى منها الله لها وجعل زبير يتواضع من تبيان فلمّا رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينهما وخصّه بالتجلّي. قال السدي: لمّا كلّم الله موسى خاض الخبيث إبليس في الأرض حتّى خرج بين قدمي موسى فوسوس إليه وقال: إن مكلمك الشيطان فعند ذلك سأل الرؤية فقال الله تعالى: لن تراني [ ...... ](١) تعلّقت [ ...... ] (٢) الرؤية بهذه الآية، ولا دليل لهم فيها لأنّ (لن) ههنا لا توجب التأبيد وإنما هي للتوقيت لقوله تعالى حكاية عن اليهود ﴿لن يتمنوه أبداً بما قدمت﴾(٣) يعني الموت ثمّ حكى عنهم أنهم يقولون لمالك ﴿يا مالك ليقض علينا ربّك﴾ (٤). و﴿ياليتها كانت القاضية﴾(٥) يعني الموت، وقال سبحانه ﴿لن تنالوا البر﴾ يعني الجنّة ﴿حتّى تنفقوا مما تحبون﴾ وقد يدخل الجنّة مَنْ لا يُنفق ممّا [علمت] فمعنى الآية لن تراني في الدنيا وإنما تراني في العقبى. قال عبد العزيز بن يحيى: قوله ﴿لن تراني﴾ جواب قول موسى (أرني أنظر إليك) ولا تقع على الآخرة، لأن موسى لم يقل أرني أنظر إليك في الآخرة إنما سأله الرؤية في الدنيا فأُجيب عما سأل ولا حجّة فيه لمَنْ أنكر الرؤية . وقيل: معنى ﴿لن تراني﴾ أي لا تقدر أن تراني، وقيل: معناه لن تراني بعين فانية وإنما تراني بعين باقية، وقيل: لن تراني قبل محمد وأمته وإنما تراني بعد محمد وأمته، وقيل: معناه (١) كلمة غير مقروءة. (٣) سورة البقرة: ٩٥. (٤) سورة الزخرف: ٧٧ . (٥) سورة الحاقة: ٢٧. (٢) كلمة غير مقروءة. ٢٧٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي لن تراني بالسؤال والدعاء وإنما تراني بالنوال والعطاء إنّه لو أعطاه إياه بسؤاله لكانت الرؤية مكافأة السؤال، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل عبده ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده. وقيل: معناه لن تراني بالعين التي رأيت بها عدوي وذلك أنّ الشيطان تراءى له فوسوس إليه، فقال الله تعالى: ياموسى أما تعلم أنّ رؤية الخبيث والله لا يجتمعان في حال واحد ومكان واحد وزمان واحد. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: لو كان سؤال موسى مستحيلاً لما أقدم عليه نبي الله موسى (عليه السلام) مع علمه ومعرفته بالله عن اسمه كما لم تجز أن يسأله لنفسه صاحبة ولا ولداً. وقال الله عزّ وجلّ: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ واستقراره بكونه وثباته. قال المتكلّمون من أهل الشام: لما علق الله [الرؤية باستقراره] دلّ على جواز الرؤية لأن استقراره غير محال فدلّ على أن ما [علق] عليه . من كون الرؤية . غير محال أيضاً ألا ترى أن دخول الكفار الجنّة لما كان مستحيلاً علقه بشيء مستحيل. وهو قوله ﴿ولا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سم الخياط﴾(١). وقال أهل الحكمة والاشارة: إن الكليم لما أراد الخروج إلى الميقات جعل بين قومه وبين ربه واسطة يقول لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي﴾ فلما سأل الرؤية جعل الله تعالى بينه وبينها واسطة وهو الجبل لقوله تعالى ﴿لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل﴾ فقال: وكأنّه يقول إن لم أصلح لخلافتك دون أخيك فأنت أيضاً لأنه لم ترونني دون استقرار الجبل ﴿فلمّا تجلّ ربّه للجبل﴾ . قال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل إليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى فأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ من كل ناحية فمرت به ملائكة سماء الدنيا كثير، إن البقر تتبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كأصوات الرعد الشديد، ثمّ أمر الله ملائكة سماء الثانية أن اهبطوا على موسى فهبطوا عليه مثل الأسد لهم لجبّ بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعر كل شعرة في رأسه وجسده. ثمّ قال: ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟ فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثمّ (١) سورة الأعراف: ٤٠. ٢٧٧ سورة الأعراف، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧ هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح بالتقديس كجلب الجيش العظيم ولهب النار. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم. ثمّ هبطت عليهم ملائكة السماء الخامسة سبعة ألوان فلم يستطيع أن يتبعهم طرفه ولم يرَ مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي أراد أن يراني فاعترفوا عليه فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءاً من الشمس ولباسهم كلهيب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزّة أبداً لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنسَ عبدك لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أُحرقت وإن مكثت متّ، فقال له رأس الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت ياابن عمران أن يمتلىء جوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي جلست. ثمّ أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة وقال: أروه، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعاً فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه ﴿وخرّ﴾ العبد الضعيف ﴿موسى صعقاً﴾ على وجهه ليس معه روحه فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كالمعدة كهيئة القبّة لئلا يحترق موسى، فأرسل الله تعالى إليه روح الحياة فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول: آمنت بأنك ربّي وصدقت بأنه لا يراك أحد فيحيا. ومن نظر الى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك رب العالمین(١). وقال السدي: حفّت حول الجبل بالملائكة وحفّت حول الملائكة بنار وحفّ حول النار بالملائكة وحفّ حول الملائكة بنار ثمّ تجلّى ربّك للجبل. وقال ابن عباس: ظهر نور ربّه للجبل جبل زبير (٢)، وقال الضحاك [أخرج] الله تعالى له من نور الحجب مثل منخر الثور. (١) بطوله في تفسير الطبري: ٩ / ٧٠ مع تفاوت وزيادة. (٢) زاد المسير: ٣ / ١٧٤ . ٢٧٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلاّ مثل سمّ الخياط، يعني صار دكّاً. وقال السدي: ما تجلّى منه إلاّ قدر الخنصر. يدلّ عليه ما روى عن ثابت عن أنس عن النبيّ وَلو أنّه قرأ هذه الآية فقال: هكذا، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه. وقال أبو بكر الهذلي: انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة. وقال عطيّة العوفي: جعله دكّاً أي رملاً هائلاً، وقال الكلبي: جعله دكاً أي كسراً جبالاً صغيراً. قال الحسن: جعله دكّاً أي ذاهباً أصلاً. وقال مسروق: صار صغيراً [كالرابية](١). الحسن: أوحى الله تعالى إلى الجبل هل تطيق رؤيتي فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر حتّى ذهب أجمع. وقال قطرب: فلمّا تجلّى ربّه أي: أمر ربّه للجبل كقوله. ﴿وأسأل القرية التي كنّا فيها﴾(٢). وقال المبرد: معناه فلمّا تجلّى ربّه آية للجبل جعله فعلاً متعدّياً [كالتخلّص والتبدّل والتوعد]. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: حكي لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من [وراء] سبعين ألف حجاب ضوءاً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً . وقال أبو بكر: فَعَذُب إذ ذاك كل ماء وأفاق كل مجنون وبرأ كل مريض. وزالت الأشواك عن الأشجار وخصبت الأرض وأزهرت وخمدت نيران المجوس. وخرت الأصنام لوجهها ﴿جعله دكاً﴾ مستوياً بالأرض. وقال ابن عباس: جعله تراباً . عن معونة بن قرّة عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ وَ﴿ في قوله: ﴿فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكاً﴾: ((طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان، ورضوى. ووقع ثلاثة بمكّة ثور وثبيرة وحراء)) [١٩٥](٣). واختلفت القراءة في هذا الحرف، وقرأ عاصم ﴿دكاً﴾ بالقصر والتنوين. والتي في الكهف بالمد، وقرأ غيرِه من أهل الكوفة وحمير (دكاء) ممدودة غير مجراه في التنوين. (١) راجع فتح القدير: ٢ / ٢٤٣. (٢) سورة يوسف: ٨٢. (٣) تاريخ بغداد: ١٠ / ٤٤٠، وفتح الباري: ٦ / ٣٠٧. ٢٧٩ سورة الأعراف، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧ وقرأ الباقون مقصورة الرفع منونة. وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، فمن قصره فمعناه جعله مدكوكاً. والدك والدق بمعنى واحد لأن الكاف والقاف يتعاقبات، لقولهم: كلام رقيق وركيك، ويجوز أن يكون معناه: دكه الله دكاً أي فتّه الله أغباراً لقوله ﴿إذا دُكّت الأرض دكّاً﴾ وقوله ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكةً واحدة﴾(١). قال حمید : تخطر بالبيض الرقاق بهمه(٢) يدك أركان الجبال هزمه ومن مده فهو من قول العرب ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام. وحينئذ يكون معناه: جعله أيضاً دكاء، أي مستوية لا شيء فيها، لأن الجبل مذكر، هذا قول أهل الكوفة. وقال نحاة البصرة: معناه فجعله مثل دكّاً وحذف مثل فأجرى مجرى ﴿واسأل القرية﴾ قال الأخفش: من مدّ قال في الجمع: دكاوات، وذلك مثل حمراوات وحمرة، ومن قال: أرض دك، قال في الجمع: دكوك، ﴿وخرّ﴾ أي وقع ﴿موسى صعقاً﴾ قال ابن عباس: فغشي عليه، وقال قتادة: ميّاً. وقال الكلبي: خرّ موسى صعقاً يوم الخميس يوم عرفة وأعطى التوراة يوم الجمعة [يوم النحر]. وقال الواقدي: لما خرَّ موسى صعقاً قالت ملائكة السماوات: ما لابن عمران وسؤاله الرؤية؟! وفي بعض الكتب أنّ ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يابن النساء الحيض أطمعت في رؤية ربّ العزّة. ﴿فلمّا أفاق﴾ من صعقته وعقله عرف أنّه قد فعل أمراً لا [ينبغي فعله] ﴿قال سبحانك تبت إليك﴾ من سؤالي الرؤية ﴿وأنا أوّل المؤمنين﴾ بأنك لا تُرى في الدنيا [قال السدي] ومجاهد: وأنا أوّل مَنْ آمن بك من بني إسرائيل. وسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا القاسم النصر آبادي يحكي عن الجنيد [أنه قال: ] جئت إليك من الأسباط في شيء لا تعقله نيتي، فأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى في الدنيا. ](٣) . لأن أول من سألك الرؤية [. (١) سورة الحاقة: ١٤. (٢) تفسير الطبري: ٩ / ٧٢. (٣) كلمة غير مقروءة. ٢٨٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال ابن عباس: لمّا سار موسى إلى طور سيناء للميقات قال له ربه: ما تبتغي؟ قال: جئت أبتغي الهدي. قال قد وجدته يا موسى، فقال موسى: يارب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: أي عبادك أقصى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه فيسمع الكلمة تهديه إلى الهُدى ويرد سنن ردیء. وقال عبد الله بن مسعود: لمّا قرب الله موسى بطور سيناء رأى عبداً في ظلّ العرش جالساً فقال: [ما هذا]، قال: هذا عبد لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله وبرّ بوالديه ولا يمشي بالنميمة . فقال موسى: يارب اغفر لي ما مضى من ذنبي وما مضى وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني، أعوذ بك من وسوسة نفسي وأعوذ بك من شر عملي. فقال: قد كفيت ذلك يا موسى، قال: يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني ولا تنساني، قال: أي عبادك خير عملاً؟ قال: مَنْ لا يُكذّب لسانه ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه (وهو ذو خلق حسن]، قال: فأي عبادك شر عملاً؟ قال: فاجر في خلق سيء [جيفة ليل] بطال النهار(١). ﴿اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك﴾ أعطيتك ﴿وكن من الشاكرين﴾ لله سبحانه على نعمه. أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أحمد بن حمدون الفراتي. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بكير الرازي، حدثنا الحسن بن عليّ بن يحيى بن سلام الإمام، حدثنا أحمد بن حسان بن موسى البلخي. حدثنا أبو عاصم إسماعيل بن عطاء بن قيس [الأموي] عن أبي حازم المدني عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله وسلم: ((لما أعطى الله تعالى موسى الألواح فنظر فيه قال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحداً قبلي قال: يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، بجد ومحافظة وموت على حب محمد رَله . قال موسى: يا رب ومن محمد؟ قال: أحمد النبي الذي أُثبت اسمه على عرشي من قبل أن أخلق السماوات بألفي عام، إنّه نبيي وصفيي وحبيبي وخيرتي من خلقي وهو أحب إلي من جميع خلقي وجميع ملائكتي. قال موسى: يا رب إن كان محمد أحب إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمته أكرم عليك من أمتي؟ قال: يا موسى إنّ فضل أُمة محمد على سائر الخلق كفضلي على جميع خلقي. قال: يا رب ليتني رأيتهم، قال: يا موسى إنّك لن تراهم، لو أردت أن تسمع كلامهم أسمعتك، قال: يا رب فإني أريد أن أسمع كلامهم، قال الله تعالى: يا أُمة أحمد، فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا (١) تاريخ دمشق: ٦١/ ١٣٣.