Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ - ١٣٨ ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله وَثّ يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾(١). عن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يُشكر فلا يُكفر)) [١٣١](٢). وقال أبو عثمان: أن لا يعصى طرفة عين. مجاهد: أن يجاهدوا حق جهاده . ﴿ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم﴾. الحسن: هو أن تعطيه فيما تعبده. قال الزجاج: أي اتقوا فيما يحق عليكم أن تتقوه واسمعوا وأطيعوا. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾(٣) فنسخت هذه الآية. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلاّ هذا. ﴿ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون﴾. قال طاوس: معناه اتقوا الله حق تقاته وإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، ﴿ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون﴾ أي مؤمنون. وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عزّ وجلّ. وقال المفضل: المحسنون الظن بالله. وروى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ◌َّ قال: ((﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون﴾ فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه)) (٤). وعن أنس بن مالك قال: لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف. (١) مسند أحمد: ٦ / ١٩٦. (٢) المصنف - الكوفي -: ٨ / ١٦٣. (٣) سورة التغابن: ١٦. (٤) مسند أحمد: ١ / ٣٣٨. ١٦٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي وقال الأعشى بن ثعلبة : أخذت من الأخرى إليك حبالها(١) وإذا تجوزها حبال قبيلة واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية: فقال ابن عباس: تمسكوا بدین الله. وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ قال الجماعة . وقال ابن مسعود: يا أيها الذين آمنوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بالعهد. قتادة والسدي والضحاك: هو القرآن، يدل عليه ما روى عن الحرث أنه قال: دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت علياً كرم الله وجهه فقلت: ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟ فقال: وقد فعلوا؟ فقلت: نعم، فقال: أما أني سمعت رسول اللهِ وَل﴾ يقول: ((إنها ستكون فتنة)) قال: قلت: فما الخروج منها يا رسول الله؟ قال: ((كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا ﴿سمعنا قرآناً عجباً﴾(٢) من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور)) [١٣٢] (٣). وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَ ليون: ((إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة)) [١٣٣](٤). (١) تفسير الطبري: ٤ / ٤٢، تفسير القرطبي: ٤ / ١٥٨. (٢) سورة الجن: ١ . (٣) الدر المنثور: ٦ / ٣٣٧. (٤) تفسير القرطبي: ١ / ٥. ۔ ١٦٣ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ - ١٣٨ وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له: لقد صحبت رسول الله وَّي﴿ وصليت خلفه؟ قال: نعم، وإنه خطبنا فقال: ((إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة)) [١٣٤](١). وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: ((يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)) [١٣٥](٢). فقال مقاتل بن حيان: (بحبل الله) أي بأمره وطاعته. أبو العالية: بإخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ. ابن زيد: بالإسلام. ﴿ولا تفرقوا﴾ كما تفرقت اليهود والنصارى. وروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وكليقول: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلّ واحدة)) فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده، وقال: ((الجماعة)) [١٣٦] ثم قرأ ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾(٣). وروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾. أخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد: أن رسول الله وَ ر قال: ((إن الله رضى لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً: رضى لكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واسمعوا وأطيعوا لمن ولآّه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)) (٤) [١٣٧]. وعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك. يعني الحنفي . قال: قلت لابن عباس: قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم؟ فقال: لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين - يعني زنجياً - فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤس عروسه ووطنه - يعني امرأته - وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله: ﴿جميعاً ولا تفرقوا﴾. (١) المصنف - الكوفي -: ٧ / ١٧٦ . (٢) مسند أحمد: ٥ / ١٨٢. بتفاوت (٣) تفسير الطبري: ٤ / ٤٤. (٤) أحكام القرآن للجصاص: ١ / ٢٨٥. ١٦٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء﴾. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميراً هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل: حليفاً لملك بن عجلان، [والآخر من](١) الخزرج يقال له: حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله ية وكان سبب الفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجاً أو معتمراً وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله وَ له قد بُعث وأمر بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي ◌َّ إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام. فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله وَ﴾: ((وما الذي معك؟)) قال: مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله وعليه: ((اعرضها عليَّ)) فعرضها عليه فقال: ((إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليَّ نوراً وهدى)) [١٣٨] فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون: قُتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله وَم أتاهم فجلس إليهم فقال: ((هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟)) قالوا: وما ذلك؟ قال: ((أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى [الله أن يعبدوا الله و] لا يشركوا بالله شيئاً وأنزل عليَّ الكتاب)) [١٣٩] ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله له وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله # في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله. (١) أثبتناه للسياق. ١٦٥ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ - ١٣٨ فقال لهم رسول الله وَيقول: ((من أنتم؟)) قالوا: نفر من الخزرج، قال: ((أمن موالي اليهود؟)) قالوا: نعم، قال: ((أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟)) [١٤٠]. قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله وَّير أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله وَّير راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ◌ّ﴿ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشاهم فيهم تبق لهم دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلا وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويتم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله والر على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال: ((إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً من ذلك ] فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم](١). قال رسول اللـه وٍَّ﴾ ((السخي الجهول أحبَّ إلى الله من العالم البخيل))(٣) [١٤١]. عبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلفي: ((السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار))(٣) [١٤٢]. ﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن (١) تفسير الطبري: ٤ / ٤٧، تاريخ الطبري: ٢ / ٨٦، وما بين المعكوفتين أثبتناه من المصدر. (٢) كنز العمال: ٦ / ٣٩٢، ح ١٦٢١٠. (٣) روضة الواعظين: ٣٨٥. ١٦٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون، وأصل الكظم: حبس الشيء عن امتلائه، يقال: كظمت القربة إذا ملأتها، وما يقال لمجاري الماء: كظائم، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل. قال أعشى باهلة يصف رجلاً نحّاراً للإبل وهي تفزع منه: قد تكظم البزل(١) منه حين تبصره حتى تقطع في أجوافها الجرر(٢) ومنه قيل: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئاً غضباً وغماً وحزناً. قال الله تعالى: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾(٣) وقال: ﴿ظل وجهه مسوداً وهو كظيم﴾(٤) وقال: ﴿إِذ نادى وهو مكظوم﴾(٥) وقال: ﴿إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾(٦). وقال عبد المطلب بن هاشم: فحضضت قومي فاحتبست قتالهم والقوم من خوف المنايا كُظمُ (٧) وفي الحديث: ((ما من جرعة أحمد عقباناً من جرعة غيظ مكظومة)) [١٤٣](٨). وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله وَ لقول: ((من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه إلله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء)) [١٤٤](٩). أنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال: أنشدنا العرجي: للغيظ تبصرما تقول وتسمع وإذا غضبت فكن وقوراً كاظماً (١٠) يرضى بها عنك الإله وترفع فكفى به شرفاً تصبر ساعة أي يرفع قدرك. البزل: جمع بازل وهي البعير الذي دخل في التاسعة وفطر نابه. (١) (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٠٦. (٣) سورة يوسف: ٨٤. سورة النحل: ٥٨. (٤) (٥) سورة القلم: ٤٨. (٦) سورة غافر: ١٨. تفسير القرطبي: ٩ / ٢٤٩. (٧) (٨) لسان العرب: ١ / ٦١٧. (٩) سنن الترمذي: ٣ / ٢٥١، ح ٢٠٩٠. (١٠) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٠٨. ١٦٧ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ - ١٣٨ ﴿والعافين عن الناس﴾. قال الرباحي والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساء إليهم، وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله وَ لقر قال عند ذلك: ((إن هؤلاء في أمتي قليل إلاّ من عصم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت))(١) [١٤٥]. وعن أبي هريرة أن أبا بكر (رضي الله عنه) كان مع النبي وَّر في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر وهو ساكت والنبي وَّل يبتسم، ثم ردًّ أبو بكر (رضي الله عنه) عنه بعض الذي قال، فغضب النبي ◌َّ﴿ وقام فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله شتمني وأنت تبتسم ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت، فقال: ((إنك حين كنت ساكتاً كان معك ملك يرد عنك فلما تكلمت وقع الشيطان فلم أكن لأقعد في مقعد يقعده الشيطان، . ثمّ قال: يا أبا بكر ثلاث كلّهن حق: أنه ليس عبد يظلم بمظلمة فيعفوا عنها إلاّ أعز الله نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلاّ زاده الله قلة وليس عبد يفتح باب عطية أو صلة إلاّ زاده الله بها كثرة)) [١٤٦](٢). وقال عروة بن الزبير: حتى يذلوا، وإن عزّوا لأقوام لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا لاصفح ذل ولكن صفح أحلام(٣) ويشتموا فترى الألوان مشرقة ﴿والله يحب المحسنين﴾. قال مقاتل: يعني إن هذه الأشياء إحسان ومن فعل ذلك فهو محسن والله يحب المحسنين. قال الحسن: الإحسان أن يعمّ ولا يخص كالريح والشمس والمطر. سفيان الثوري: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن [مزاجرة](٤) كلمة السوق خُذ وهات. السقطي: الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجماني: تتهيأ صنائع الإحسان ليس في كل ساعة وأوان (١) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٠٧. (٢) مسند أحمد: ٢ / ٤٣٦. (٣) تفسير الطبري: ٤ / ١٢٧. (٤) هكذا في الأصل. ١٦٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي حذراً من تعذر الإمكان(١) فإذا أمكنت فبادر إليها ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَل﴾: ((رأيت قصوراً مشرفة على الجنة فقلت يا جبرئيل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)) [١٤٧](٢). ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) الآية. قال ابن عباس: قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا ذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبهم مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله ﴿ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله وَ لجر: ((ألا أخبركم بخير من ذلك)) فقرأ عليهم هذه الآيات(٣). وقال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ◌َّ- وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: آخا رسول الله و له بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتاً فتبعها فاتقته بيدها، فقبّل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله. فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر(رضي الله عنه) رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر(رضي الله عنه) فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي وَلتر فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ هي صفة لاسم متروك تقديره: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ يعني قبيحة خارجة عمّا أذن الله فيه، وأصل الفحش القبيح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للمفرط في الطول أنه فاحش الطول، والكلام القبيح غير [القصد] فالكلام فاحش والمتكلم به مفحش. (١) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٠٩، سير أعلام النبلاء: ١٣ / ٢٠٠. (٢) كنز العمال: ٣ / ٣٧٥. (٣) تفسير الطبري: ٤ / ١٢٧. ١٦٩ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ - ١٣٨ قال السدي: يعني بالفاحشة هاهنا الزّنا، يدل عليه ما روى حماد بن ثابت عن جابر ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ قال: زنى القوم وربّ الكعبة، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقال مقاتل والكلبي: وهو ما دون الزنا من قُبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل. الأصم: فعلوا فاحشة الكبائر أو ظلموا أنفسهم بالصغائر، وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا . ﴿ذكروا الله﴾ قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله عزّ وجلّ، مقاتل والواقدي: تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب فاستغفروا لذنوبهم. ﴿ومن يغفر الذنوب إلاّ الله﴾ أي وهل يغفر الذنوب إلاّ الله وما يغفر الذنوب إلاّ الله؛ فلذلك رفع. ﴿ولم يصرّوا على ما فعلوا﴾ واختلفوا في معنى الإصرار: فقال أكثر المفسرين: معناه لم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم تابوا وأقرّوا واستغفروا . قتادة: إيّاكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً قدماً في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك. وقال الحسن: اتيان العبد ذنباً عمداً إصراراً، السدي: الإصرار السكوت وترك الاستغفار، وفي الخبر قال رسول الله وَلقر: ((ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة))(١) [١٤٨]. وروى عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ﴾: ((ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار))(٢) [١٤٩] وأصل الإصرار الثبات على الشيء. قال الخُطيئة: يصف الخيل : غلالتها بالمحصدات أصرّت(٣) عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا أي ثبتت على عدوّها، نظم الآية: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، ﴿ومن يغفر الذنوب إلاّ الله﴾. قال ابن عباس والحسن ومقاتل وابن يسار: (وهم يعلمون) أنها معصية. (١) مسند أبي يعلى: ١ / ١٢٤. (٢) مسند الشهاب: ٢ / ٢٠٤. : (٣) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١١. ١٧٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي الضحاك: (وهم يعلمون) أن الله يملك مغفرة ذنوبهم. السدي: (وهم يعلمون) أنهم قد أذنبوا. وقيل: (وهم يعلمون) أن الإصرار ضار، فإن ترك الإصرار خير من التمادي، كما قيل: أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه إن الجحود الذنب ذنبان (١) وقال الحسين بن الفضل: (وهم يعلمون) أن لهم ربّاً يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي وَله: ((من أذنب ذنباً وعلم أن له رباً يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر))(٢) [١٥٠]. وقال : ((يقول الله عزّ وجلّ: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أُبالي))(٣) [١٥١]. وقال عبيد بن عمير: في بعض الكتب المنزلة: يابن آدم إنك ما دعوتني وما رجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي. وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((مرَّ رجل ممّن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء ثم قال: أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب ثم خرَّ لله ساجداً، فقيل له ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له))(٤) [١٥٢]. وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم وإن التوبة تمحق الحوبة. ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري﴾ إلى ﴿العاملين﴾ ثواب المطيعين. يقال: أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي. وقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ الآية إلى آخرها . ﴿قد خلت من قبلكم سُنن﴾، قال ابن زيد: أمثال. المفضّل: أُمم، والسُّنّة الأمّة. قال الشاعر: (١) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١٣. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١٢. بتفاوت (٣) المصنف - الكوفي -: ٧ / ٩٠. (٤) تاريخ بغداد: ٩ / ٩٤، كنز العمال: ٤ / ٢٢٥، ح ١٠٢٧٦. ٠ ١٧١ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٩ - ١٤٥ ولا رأوا مثلكم في سالف السنن(١) ما عاين الناس من فضل كفضلكم وقال بعضهم: معناه أهل السنن، وقال عطاء: شرائع، الكلبي: قد مضت لكل أمة سنّة ومنهاج إذا ابتغوها رضى الله عنهم، مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، والسنّة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم به، فقال: سنّ فلان سنّة حسنة أو سنّة سيئة إذا عمل عملا يقتدى به من خير أو شر. قال لبید : من معشر سنّت لهم أباؤهم ولكل قوم سنّة وإمامها(٢) قال سليمان بن قبة : وإن الأُلى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التآسّيا (٣) ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي على الذي أجلته لأدلة أنبيائي وإهلاكهم . ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة﴾ آخر أمرهم ﴿المكذبين) منهم، وهذا في يوم أحد. يقول: فإذا أمهلهم واستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي ◌َّل وأوليائه وهلاك أعدائه، هكذا قال ابن إسحاق هذا الذي ذكرت. ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بيان للناس﴾ عامة ﴿وهدىً وموعظة﴾ من الجهالة ﴿للمتقين) خاصّة. وَلَا تَهِنُواْ وَلَّاَ عَمْزَُّواْ وَأَنْتُمْ اَلْأَحْتَوَنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِيِنَ الْكَ إِن يَمَسْكُمْ وَمَّ فَقَدْ مَشْ اَلْقَّوْءُ تَْعَ بِئْأَمْ وَعْدَ الْإِنَامُ تَدَاوِلُّهَا بِنَّ النَّاسِ وَلِعْلَمْ أَنَّهُ أَِّنَّ ◌َمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنَكُمْ لَهُ وَأَنَّهُ لَا ◌ُحِبُّ الْكِتَ أَ وَاَُيْسَ أَلَهُ الَّذِينَءَامَوْاً وَيَمْحَقَّ الْكَرِبَ (١) أَمْ عَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْبَنَّةُ وَلَمَّا يَعْلَّي أَنَّهُ الَِّنَّ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَّمْ أَشْتَمِنَّ (َ وَلَفَذَ كَّمْ تَمْنُوَّنَ اَلْمَوْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْنَوَهُ فَقَدَ وَأْتُوهُ وَأَنَّمْ تَعْوَنَ (٠َ﴾ ◌َا فُعَنَّهُ إِلَّ رَسُولَ مَّهْ خَلَتْ مِنْ قَبَِّ أُلُِّّلْ أَفَانِ مَاتَ أَوْ نُُّلُ أَفَلَتْهُمْ عَ أَمْقَبَكُمْ وَمَنْ بَغِبِ عَلَى غَفَيْهِ فَلَى بَطُرُّ أَنَّهَّ شَيْئً وَسَبِخْرِى أَنَّهُ أَلَّكِرِىُّ هَ وَمَّا كَانُ لَّبِ أَنَّ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنَ أَهَِّ كِتَبَا مُؤَيَّلَهُ وَمَنْ إِذ ◌َاتِ الدُّنْيَا تُؤَاءِ مِنْهَا وَمَنْ فِرِدْ تَابَ الْآخِرَةَ نُؤْتِهِ، بِهَ وَسَتَخْرِى النَّاكِينَ (p! (١) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١٦. بتفاوت. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١٦. (٣) تفسير الطبري: ٤ / ١٣٤، لسان العرب: ١٤ / ٣٥. ١٧٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا﴾ الآية، هذا تعزية من الله لنبيه وسله وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد، وحثّ منه إياهم على قتال عدوهم، ونهى عن العجز والفشل فقال: ﴿ولا تهنوا﴾ أي ولا تضعفوا ولا تخيبوا يا أصحاب محمد على جهاد أعدائكم بما قاتلوكم يوم أُحد من القتل والقرح ﴿ولا تحزنوا﴾ على ظهور أعدائكم وعلى ما أصابكم من المصيبة والهزيمة، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله وَ﴾، وعبد الله بن جحش ابن عمة رسول الله وَل، وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبة، ومن الأنصار سبعون رجلا . ﴿وأنتم الأعلون﴾ أي لكم تكون العاقبة والنصر والظفر. ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إذ كنتم، ولأنكم مؤمنون. قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله وّلهم بالشعب فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل، فقال النبي وَّر: ((اللهم لا تعَلُ علينا اللهم لا قوة لنا إلاّ بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر)) (١) [١٥٣] فأنزل الله تعالى هذه الآية، فئاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل، فرموا خيل المشركين حتى هزموهم وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: ﴿وأنتم الأعلون﴾(٢). وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد، حين أمر رسول الله وسلم أصحابه بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال ◌َّر: ((لا يخرج إلاّ من شهد معنا بالأمس))(٣) واشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودليله قوله عزّ وجلّ: ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون﴾(٤) الآية. وقيل: (ولا تهنوا) لما نالكم من الهزيمة (ولا تحزنوا) على ما فاتكم من الغنيمة (إن كنتم مؤمنين) بقضاء الله ووعده. ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم﴾ الآية. قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله ◌َليله كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله وَله: ((أهكذا يفعل برسولك؟))(٥) [١٥٤] فأنزل الله تعالی ﴿إن یمسکم قرح﴾ جرح یوم أُحد ﴿فقد مس القوم قرح مثله﴾ يوم بدر. (١) تفسير القرطبي: ٤ / ٢١٧. (٣) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٧٧. (٤) سورة النساء: ١٠٤ . (٥) أسباب نزول الآيات: ٨٣. (٢) فتح الباري: ٧ / ٢٦٨. ١٧٣ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٩ - ١٤٥ وقرأ محمد بن السميقع: قَرَح بفتح القاف والراء على المصدر. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: بضم القاف حيث كان، وهي قراءة ابن مسعود . ٠ وقرأ الباقون: بفتح القاف، وهي قراءة عائشة واختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، قالا: لأنهما لغة تهامة والحجاز، لغتان مثل الجُهد والوجد والوُجد. وقال بعضهم: القَرح بالفتح الجراحات واحدتها قرحة، والقُرح بالضم وجع الجراحة. ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ فيوماً عليهم ويوماً لهم وذلك أنّ الله عزّ وجلّ أدال المسلمين من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين وأدال المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا منهم خمسة وسبعين. قال أنس بن مالك: أتى رسول الله صل يومئذ بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعليه نيف وسبعون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله 83* يمسحها وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن، ونظير هذه الآية قوله: ﴿أولما أصابتكم مصيبة﴾(١) يوم أحد قد أصبتم مثليها يوم بدر، يعني المثلي والأسرى. عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله وَله: ((إنه ليس لهم أن يعلونا)) [١٥٥] قال: فمكث أبو سفيان ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة اين ابن الخطاب؟ فقال عمر (رضي الله عنه): هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا عمر. فقال أبو سفيان: يوماً بيوم وأن الأيام دول والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إنكم لتزعمون ذلك فقد خبنا إذاً وخسرناهم. قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون قتلاكم مثلى ولم يكن ذلك على رأي سراتنا ثم ركبته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إذا كان ذلك لم نكرهه. قال الثعلبي: أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن الكارزي قال: أنشدنا محمد بن القاسم الجمحي : وفي كل حادثة يؤتمر أرى الناس قد أحدثوا شيمة وإن كان فيهم تقي أو تبر يهينون من حقروا فقره (١) سورة آل عمران: ١٦٥. ١٧٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي فيوماً علينا ويوماً لنا ويوم نساء ويوماً نسر(١) ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ يعني وإنما كانت هذه المداولة ﴿ليعلم الله﴾ ليرى الله الذين كفروا منكم ممّن نافقوا فيهزأ بعضهم من بعض. وقيل: معناه ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ بأفعالهم موجودة كما علمها منهم قبل أن يكلّفهم ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾ يكرم أقواماً بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة. فلقوا المشركين يوم أُحد فاتخذ الله منهم شهداء ﴿وليمحّص الله الذين آمنوا﴾ يعني يطهّرهم من ذنوبهم ﴿ويمحق الكافرين﴾ يفنيهم ويهلكهم وينقصهم ثم عزّاهم فقال ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ (ويعلم) نصب على الظرف، وقيل: بإضمار أن الخفيفة. ﴿ولقد کنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه﴾ وذلك أنهم تمنوا أن یکون لهم يوم كيوم بدر فأراهم الله تعالى يوم أُحد فذلك قوله: ﴿فقد رأيتموه﴾ أي أسبابه وآثاره ﴿وأنتم تنظرون وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ الآية. قال أهل التفسير وأصحاب المغازي: خرج رسول الله وقدر حتى نزل الشعب في سبعمائة رجل وأمر عبد الله بن جبير - أحد بني عمر. وعمر بن عوف - وهو أخو خوات بن جبير. على الرماة وهم خمسون رجلا . فقال: ((أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنّا بالنبل لانؤتا من خلفنا وإن كان لنا أو علينا، ولا تبرحوا مكاناً لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم)) فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي، جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار وكانت هند تقول: نمشي على النمـارق نحن بنات طـارق والمسك في المفارق الـدر في المخانق النـــارق أو تدبروا نفارق إن تقبلوا نعانق ونفرّق فراق غير وامق(٢) وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة، فقاتلهم قتالا شديداً حتى حميت الحرب. فقال رسول الله ◌َله: ((من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني)) فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشبة الأنصاري وكان رجلا شجاعاً يحتال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتمَّ بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول: (١) ورد متفرقاً في: تفسير الطبري: ٢٠ / ٦٤، تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٦٦، فقه القرآن للراوندي: ١ / ٣٥٢. (٢) الطبقات الكبرى: ٢ / ٤٠، تاج العروس: ٦ / ٤١٨. . . ١٧٥ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٩ - ١٤٥ ونحن بالسفح لدى النخيل أنا الذي عاهدني خليلي أضرب بسيف الله والرسول ألاّ أقوم الدهر في الكيول فقال رسول الله وسائله: ((إنها لمشية يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع)) ثم حمل النبي ◌َّل. وأصحابه على المشركين فهزموهم [١٥٦](١). وقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش، فأنزل الله نصره على المؤمنین . قال الزبير بن العوّام: فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل باديات خدادهن ما دون أخدهن شيء، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي ◌َّله وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله وَله . وقال بعضهم: ما بقي من الأمر شيء، ثم انطلقوا عامتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأوا ظهورهم خالية، صاح في خيل المشركين ثم حمل على أصحاب النبي من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله له بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، فأقبل عبد الله بن قميه يريد قتل رسول الله فذب مصعب بن عمير. وهو صاحب راية رسول الله وَل﴾ يوم بدر، ويوم أحد وكان اسم رايته العقاب. عن رسول الله وَل حتى قتل مصعب دونه، قتله ابن قميه فرجع وهو يظن أنه قتل رسول الله، فقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخ: ألا أن محمداً قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ إبليس لعنه الله فانكفأ الناس وجعل رسول الله وليه يدعوا الناس ويقول: ((إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله)) [١٥٧] فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست، وقى بها رسول الله وَله، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ◌َ﴾ مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله وَليه أدركه أُبي بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منّا فقال: ((دعوه)) حتى إذا دنا منه، وكان أُبي قبل ذلك يلقى رسول الله فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها . قال رسول الله: ((بل أنا أقتلك إن شاء الله)) [١٥٨] فلما كان يوم أُحد ودنا منه تناول رسول الله * الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول: قتلني محمد، واحتمله أصحابه فقالوا: ليس عليك (١) تاريخ الطبري: ٢ / ١٩٥. ١٧٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي شيء، فقال: بلى، لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي: أقتلك إن شاء الله، فلو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني. فما لبث إلاّ يوماً حتى مات بموضع يقال له صرف (١). فقال حسان بن ثابت في ذلك: أُبي حين بارزه الرسول لقد ورث الضلالة عن أبيه وتوعده وأنت به جهول أتيت إليه تحمل رم عظم وهذا العظم عار ومستحيل(٢) أمية إذا يغوث: يا عقيل أبا جهل لأمهما الهيول بأسر القوم، أسرته فليل](٣) يقول فكيف يحيى الله هذا [وقد قتلت بنو النجار منكم وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا وأفلت حارث لما شغلنا وقال حسان بن ثابت أيضاً : ألا من مبلغ عني أُبيّا تمنى بالضلالة من بعيد فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ له فضل على الأحياء طرّاً فقد القيت في جوف السعير وقول الكفر يرجع في غرور كريم الأصل ليس بذي فجور إذا نابت مُلمّات الأمور(٤) قالوا: وفشا في الناس أن رسول الله وَّل﴿ل قد قُتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا والقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك وسمي أنس: يا قوم إن كان محمد قد قُتل فإن ربّ (١) تفسير الطبري: ٤ / ١٥٠. (٢) السيرة النبوية لابن هشام: ٣ / ٦٠٢، السيرة النبوية - ابن كثير -: ٣ / ٦٩، ولم يرد البيت الأخير في المصادر. (٣) أثبتناه من المصادر، وما في الأصل هكذا: فقال له رسول الله ◌َو : فالى حلفه بالله إني يحيا بأمر الله ليس كما تقول فابكوا يا بني خلف جميعاً سأقتله فكان هو القتيل وقد قتلت بنو النجار رجالا كلهم رجس ضلول وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا منكم أمية إذ يغوث [يا عقيل] أبا جهل لأمهما الهَبُول (٤) السيرة النبوية لابن هشام: ٣ / ٦٠٢، السيرة النبوية لابن كثير: ٣ / ٦٩. ١٧٧ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٩ - ١٤٥ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله و ◌َ﴾ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قُتل، ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة وهو يدعوا الناس، فأول من عرف رسول الله وَلتر كعب بن مالك فقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليَّ أن اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي على الفرار فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى ﴿وما محمد إلّ رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ ومحمد هو المستغرق بجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلاّ الكامل، والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه إلاّ المستولي على الأمد في الكمال، وأكرم الله عزّ وجلّ نبيّه وصفيّه بإسمين مشتقين من اسمه تعالى: محمد وأحمد، وفيه يقول حسان بن ثابت: والله أعلى وأمجد ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه فذوا العيش محمود وهذا محمد قد شق له من اسمه ليجله والأوثان في الأرض تعبد نبي أتانا بعد يأس وفترة من الدين يلوح كما لاح الصقيل المهنّد(١) فأرسله ضوءاً منيراً وهادياً روى أبو هريرة عن رسول الله وَ﴾ أنه قال: ((ألم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش وشتمهم يسبون مذمّما وأنا محمد)) [١٥٩](٢). وروى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن جدّه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا سمّيتم الولد محمداً فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجهاً فما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلّ خيراً لهم وما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه أحمد أو محمد إلاّ قدّس في كل يوم ذلك المنزل مرتين)) (٣) [١٦٠]. وعن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ◌َّ* في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله وَ﴾ فقال الرجل: إنما أدعوا ذلك، فقال رسول الله ◌َل: ((تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي)) (٤) [١٦١]. وروى محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا تجمعوا بين (١) تفسير مجمع البيان: ٢ / ٤٠٣. (٢) مسند أحمد: ٢ / ٣٤٠. (٣) تفسير مجمع البيان: ٢ / ٤٠٧. (٤) مسند أحمد: ٢ / ٢٤٨. ١ ١٧٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم))(١) ثم رخص في ذلك لعلي وابنه)) [١٦٢]. وروى ليث عن محمد بن بشير عن محمد بن الحنفية عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَيقول: ((إن ولدَ لك غلام نحلته اسمي وكنيتي)»(٢) [١٦٣]. ﴿أفإن مات﴾ على فراشه ﴿أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ رجعتم إلى دينكم الأول الكفر ﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾ فيرتد عن دينه ﴿فلن يضر الله شيئاً﴾ بارتداده وإنما يضر نفسه ﴿وسيجزي الله الشاکرین﴾ المؤمنين. روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله وَّ قام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله وَ ﴾ توفي، وأن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه، كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله وَ ل﴿ مات قال: فأقبل أبو بكر(رضي الله عنه)حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله وَلل في بيت عائشة ورسول الله وَلقر مسجّى ببردة خيبر، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عزّ وجلّ عليك فقد ذقتها ثم لم تصبك بعدها موتة أبداً، ثم ردَّ الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر فأنصت قال: فأبى إلاّ أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية ﴿وما محمد إلّ رسول قد خلت من قبله الرسل﴾. فقال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله وَر حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم. قال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أن أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات. ﴿وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله﴾ يعني وما ينبغي لنفس أن تموت. وقال الأخفش: اللام في قوله: (لنفس) مقتولة تقديره: ما كانت نفس لتموت (إلّ بإذن الله) بعلم الله، وقيل: بأمره. (١) صحيح ابن حبان: ١٣ / ١٣٤، كنز العمال: ١٦ / ٤٢٨، ح ٤٥٢٦٤. نـ (٢) الطبقات الكبرى: ٥ / ٩٢، تاريخ دمشق: ٥٤ / ٣٢٧. ١٧٩ سورة آل عمران، الآيات: ١٤٦ - ١٥٥ ﴿كتاباً مؤجلا﴾ يعني أنّ لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقاً مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره. قال مقاتل: من اللوح المحفوظ، ونصب الكتاب على المصدر يعني: كتب الله كتاباً مؤجلا، كقوله: ﴿رحمة من ربك﴾(١) وصنع الله وكتاب الله عليكم، وقيل: هو إغراء أي: آمنوا بالقدر المقدور. ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاءاً لعمله، ونظيرها قوله: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له﴾(٢) الآية. وقال أهل المعاني: الآية مجملة ومعناها: نؤته من نشاء ما قدرناه له، دليله قوله عزّ وجلّ: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾(٣) نزلت في الذين تركوا المركز يوم أُحد طلباً للغنيمة. ﴿ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾ يعني الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قُتلوا ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ أي الموحدين المطيعين. والقراءة بالنون لقوله تعالى: ﴿نؤته منها﴾ . قرأ الأعمش: وسيجزي بالياء، يعني الله سبحانه. وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي وسلم يقول: ((الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوی فمن کانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلی دنیا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه))(٤) [١٦٤]. وَ مِ نِّيْ فَلَ مَعَمُ رِيَبُّوَنَّ كَةٌ فَمَا وَّهِمُوَاْ لِمَا أَصَابَّهُمْ فَ سَبِبٍ لَِّ وَمَاَ شَهْلُواْ وَمَا أَسْتَكَانُوَأَ وَلَّهُ بُمِِّ اَلْسَِّنَّ (١٧) وَمَا كَنَّ فَوَّلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَبَّنَا أَغْفِرْ لَمَا ذُنُّرْنَا وَإِسْرَاَا فَ أَمْرِنَا وَنَّبَتْ أَمْدَامَنَا وَأَنْهُرَا عَلَ اَلْقَوْرِ الْمَكْفِرِ ( كَانَهُمُ أَنَّهُ تَوَابَ أَذِّنَا وَحُسْنُ تَوَبِ الْآَيْرَةِ وَأَنَّهُ يُحِبُّ الَعِيدَ ( بَأَيُّهَا الَّذِينَ، مَنُوا إِن تُبِهُواْ الَّذِتَ كَفَرُواْ بَرُأُرِكُمْ عَنْ أَتْقَبِخُمْ تَفَُّواْ خَسِرِينَ (9) بَلِ اَللَّهُ يَوْلَّتَحْكُمْ وَهُوَ خَيْرُ الْنَّصِرِينَ (الْأَ) حَتُلْقِى فِ أَلْبِ الَّذِنَّ كَفَرُوا أَلَّمْتَ بِمَّاَ أَشْرَكُواْ بِأَنَّهِ مَا لَمْ يُؤَّلْ بِهِ، سُلْطَّنَا وَمَأُوْنِهُمُ الَّارُ وَبِئْسَ مُتَوَّى لَغَنِسَ (٢) وَنَقَدّ شْتَكُمْ أَنَّهُ وَعْدَهُ، إِذْ تَحْنُونَهُمْ بِإِذْنِهٍ عَثَى إِذَا فَشِلْتُمْ وَنَسَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَتَعَسَيَّتْم ◌ِنُّ (١) سورة الإسراء: ٢٨. (٢) سورة الشورى: ٢٠. (٣) سورة الإسراء: ١٨. (٤) صحيح ابن حبان: ٢ / ١١٣ . ١٨٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي بَعْدِ مَّا أَرَّنِكُم مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُمْ مَّن ◌ُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةُ ثُمَّ صَرَّلَكُمْ إِذْ نَسْعِدُونَ وَلَا ١١٥٢ عَنْهُمْ لِبَتَلِيَّكُمْ وَلَقَدْ عَمَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تَلْؤُونَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَبِكُمْ فَأَتَبَّكُمْ غَمَّأَ بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَانَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَّكُمْ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَيِّ أَمَنَّةً نُعَاسًا يَنْشَى طَِفَةُ مِّنْكُمْ وَطَيِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتَهُمْ أَنْفُسُهُمْ بَظُنُونَ بِلَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ ظَنَّ الْخَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ كَنَّ أَنَا مِنَّ اْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَّ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتَّلُ إَِ مَضَاجِعِهِمٌ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى سُدُورِكُمْ وَلِيُمَخْصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ (١٥٥) اَلْتَّقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أَسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُّ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَمَّا اللَّهُ عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ ﴿وكأين من نبي قاتل معه﴾. قرأ الحسن وأبو جعفر: (كاين) مقصوراً بغير همزة ولا تشدید حیث وقع. وقرأ مجاهد وابن كثير وشيبة: (وكأين) مهموزاً ممدوداً مخففاً على وزن فاعل، وهو اختيار أبي عبيد، اعتباراً بقول أبي بن كعب لزر بن حبيش: (كاين) بعد سورة الأحزاب. فقال: كذا آية . وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدوداً بغير نون. وقرأ الباقون: (وكأيّن) مشدوداً بوزن كعَيّن، وهي لغة قريش واختيار أبي حاتم، وكلها لغات معروفة بمعنى واحد. وأنشد المفضل : وكائن ترى في الحي من ذي صداقة وغيران يدعو ويله من حذاريا(١) وقال في التشديد: أخوهم فوقهم وهم كرام(٢) كأين من أناس لم يزالوا وجمع الآخر بين اللغتين، فقال: وكأين أجرنا من ضعيف وخائف(٣) كأين أبدنا من عدوّ يغزنا ومعناه كم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهام، ولم يقع التنوين صورة في الخط إلاّ في هذا الحرف خاصة. (١) معجم البلدان: ٤ / ٣٧٣ ونسبه لجرير. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٢٨. (٣) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٢٩.