Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة آل عمران، الآيات: ٢٣ - ٣٢
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيتُ مظلم، فكَبَّر رسول اللّه وَاليه.
تكبير فتح، وكَبَّر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا
رسول الله لقد رأيتُ شيئاً ما رأيتُ مثلهُ قط! فالتفت رسول اللّه وَّه إلى القوم فقال: رأيتم ما
يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله [بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج،
فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئاً غير ذلك](١) قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم،
أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (عليه
السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور
نصرى من أرض الروم كأنَّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة
عليها. [ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب
الكلاب، وأخبرني جبرائيل أنَّ أمتي ظاهرة عليها](٢) فأبشروا. فاستبشر المسلمون، وقالوا:
الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصرُ بعد الحصر. [فطبقت الأحزاب فقال: المسلمون:
﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾(٣) الآية].
وقال المنافقون: ألا تعجبون يُمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنَّه يبصر من يثرب قصور
الحيرة ومدائن كسرى، وأنَّها تفتح لكم وأنتم إنَّما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أنْ
تبرزوا، قال: فأنزل القرآن: ﴿وإذ يقول المنافقون والذَّين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسولهُ
إلاَّ غرورا﴾(٤) وأنزل اللَّه في هذه القصة قوله تعالى: ﴿قُلْ اللَّهم مالك الملك﴾(٥).
واختلف النحاة في وجه دخول الميم في هذا الاسم وأصلهُ (الله) وفي نصبه.
وقال بعضهم: إنَّما أُدخل الميم في آخره بدلاً من حرف النداء المحذوف من أوله؛ لأنَّ
أصلهُ (يا الله) فحذفت حرف النداء وأُدخلت الميم خلفاً منه.
كما قالوا: فم، ودم، وزر، قم مُحذف وستهم، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي
يحذف منها الحرف(٦).
واحتجوا بأنّ نحوها من الأسماء والنعوت إذا حُذف منها حرف أُبدل مكانهُ ميم، ولمّا كان
المحذوف من هذا الاسم حرفين كان البدل ميمين، فأدغمت إحداها في الأخرى فجاء التشديد
(١) عن تفسير الطبري: ٢١ / ١٦٣.
(٢) غير موجود في تفسير الطبري.
(٣) سورة الأحزاب: ٢٢.
(٤) سورة الأحزاب: ١٢.
(٥) تفسير الطبري: ٢١ / ١٦٣.
(٦) في المخطوط بياض صوّيناه من تفسير الطبري: ٣ / ٢٩٩.

٤٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
لذلك، وفي سائر أخواتها مخففة؛ لأنَّ المحذوف حرف واحد ثم نُصب لحق التضعيف.
وأنكر الآخرون هذه القول وقالوا: سمعنا العرب يدخل الميم فيه مع ياء النداء وأنشد
الفرّاء:
سبحثَّ أو هللت يا اللّهمّ ما
وما عليكِ أنْ تقولي كلما
فإنّنا من خيره لن نعدما(١)
اردد علينا شيخنا مسلما
قالوا: ونرى أنَّما أصله اللّه في الدعاء. بمعنى (يا اللَّه) ضُم إليها أمَّ وحذف حرف النداء.
يُراد يا الله آتنا الخير أي: أقصدنا به ثمّ ضرب في الكلام حتى اختلطت به. فحذقت الهمزة
استخفافاً كقولهم: هلَّم إلينا كان أصلهُ هل لم إلينا، أي أقصدِ أو أسرع. ثم كُثرت هذه اللفضة
حتى قالوا: لاهم بمعنى اللهم، وربما خفضوا ميمها أيضاً، والله أعلم.
وقال أبو رجاء العطاردي: هذه الميم في قوله: (اللَّهم): تجمع سبعين اسماً من أسمائه عزَّ
وجلَّ مالك المُلك. قال اللَّه تعالى في بعض الكتب: أنا اللَّه مالك الملوك ومالك الملك،
قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإذا العباد أطاعوني جعلت عليهم رحمة، وإذا العباد عصوني
جعلت عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبَّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ اعطفهم عليكم.
﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزعُ المُلك ممن تشاء﴾، قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك
النبوة، الكلبي: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: محمد وأصحابه، ﴿وتنزع الملك ممن تشاء﴾: أبي
جهل وصنادید قریش.
وقال معتصم: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: العرب. ﴿وتنزعُ الملك ممن تشاء﴾: الروم
والعجم وسائر الأمم.
السدَّي: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: آتَى اللَّه الأنبياء وأمر العباد بطاعتهم. ﴿وتنزعُ المُلك
ممن تشاء﴾: نزع من الجبّارين وأمر العباد بخلافهم.
وقيل: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: آدم وولده، ﴿وتنزع الملك ممن تشاء﴾ أبليس وجُنده.
وقيل: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: داود. ﴿وتنزعُ الملك ممن تشاء﴾: جالوت.
وقيل: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: صخراً. ﴿وتنزعُ الملك ممن تشاء﴾: سليمان (عليه
السلام) كان يطعم الخبز الجواري ويأكل خبز الشعير، وكان يلبس المرقعة ولم ينظر أربعين سنة
إلى السماء تخشيّاً لله.
.٠
وكان يدخل المسجد فيرتاد فقيراً يقعد بجنبهِ، ويقول: مسكينٌ جالس مسكيناً ﴿وتنزع
(١) تفسير القرطبي: ٤ / ٥٣.

٤٣
سورة آل عمران، الآيات: ٢٣ - ٣٢
الملك ممن تشاء﴾: ملك النقس حتى يغلبهُ هواه ويتخذهُ إلهاً. كما قال اللَّه عزَّ وجل ﴿أفرأيت
من اتخذ إلههُ هواه﴾(١).
وقال الشاعر:
ما مثلهُ للأتام ملكٌ
ملكتُ نفسي فذاك ملكٌ
فما لخلق عليَّ ملكٌ.
فصرتُ حراً بملك نفسي
آخر :
من ملك النفس فحر [ضاهي] (٢)
والعبدُ من يملكهُ هواه
وقيل: هو ملك العافية. قال الله تعالى: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾(٣)
وقال النبي ◌َلّر: ((من أصبح منكم آمناً في سربه. معافىّ في بدنه، وعندهُ قوت يومهِ؛
فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)) [٣٩](٤).
وقيل: هو القناعة. قال النبي ◌َّير: ((ملوك أمتي القانع يوماً بيوم، فمن أوتي ذلك فلم يقبلهُ
بقبوله ولم يصبر عليه شاكراً قصر عملهُ، وقل عقلهُ)) [٤٠].
وعن ابن المبارك قال: دخلت على سفيان الثوري بمكة، فوجدتهُ مريضاً شارب دواء، وبه
غمّ شديد فسلمتُ عليه، وقلت: مالك يا عبد اللَّه؟ فقال: أنا مريضٌ شارب دواء وبيَّ غمٌ شديد،
فقلتُ: أعندك بصلة؟ قال: نعم، فقلت: آتيني بها فأتاني بها، فكسرتها ثم قلتُ: شِمَّها فشَمَّها؛
فعطس عند ذلك فقال: الحمدُ لله ربّ العالمين، فسكن ما به، فقال لي: يا بن المبارك أنت فقيه
وطبيب - أو قال: عالمٌ وطبيب، فقلت لهُ: مجرّب يا أبا عبد الله. قال: فلمّا رأيته سكن ما بهِ
وطابت نفسهُ. قلتُ: إني أريد أن أسألك حديثاً. فقال: سلْ ما شئتَ.
فقلت: أخبرني ما الناس؟ قال: الفقهاء. قلتُ: فما الملوك؟ قال: الزَّهادْ. قلتُ: فما
الاشراف؟ قال: الأتقياء. قلتُ: فما الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الأحاديث ليستأكلوا به أموال
الناس. قلت له: أخبرني رحمك اللَّه: ما السفلة؟ قال: الظلمة. ثم ودّعتهُ وخرجت من عنده.
قال: يا ابن المبارك عليك بهذا الخبر فإنهُ موجود رخيص قبل أنْ يغلوا فلا يوجد بالثمن.
وقال عبد العزيز بن يحيى: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: يعني الملك على المهين وقهر
الشيطان. كما قال رسول اللَّه وَله: ((إنَّ الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم)) [٤١](٥).
(١) سورة الجاثية: ٢٣.
(٣) سورة المائدة: ٢٠.
(٤) سنن الترمذي: ٤ / ٥.
(٥) مسند أحمد: ٣ / ١٥٦.
(٢) كذا في المخطوط.

٤٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال تعالى: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: يعني ملك المعرفة، كما آتى السحرة: ﴿وتنزع
الملك ممّن تشاء﴾، كما نزع من إبليس وبلعام.
الحسين بن الفضل: ﴿تؤتي الملك من تشاء﴾: يعني ملك الجنة كما آتى المؤمنين قال الله
تعالى: ﴿وملكاً كبيراً﴾(١)، ﴿وتنزعُ المُلك ممن تشاء﴾: كما نُزع من الكفار وأهل النَّار.
أبو عثمان: أراد (بالملك): توفيق للإيمان والطاعة.
وحكى الاستاذ أبو سعيد الواعظ: إنَّهُ سمع بعض زهّاد اليمن يقول: هو قيام الليل.
الشبلي: الاستغناء بالمكون عن الكونين.
الواسطي: افتخر الملوك بالملك. فأخبرهم اللَّه تعالى أنَّ الملك [زائل](٢) عندهم لقوله
تعالى: ﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزعُ الملك ممن تشاء﴾ .
قالت الحكماء في هذه الآية: هذا إخبار عن كمال القدرة. وأنَّ القادر على الكمال هو
القادر على الشيء وضده، فأخبر أنَّه قادر على أن يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.
﴿وتعزُّ من تشاء وتذلُ من تشاء﴾: قال عطا: تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار، وتذل
من تشاء: فارس والروم.
وقيل: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: محمداً وأصحابه حين دخلوا مكة وعشرة آلاف ظاهرين عليها،
وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حين حزَّوا رؤوسهم وألُقوا في القليب.
وقيل: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: بالايمان والمعرفة. وتذل من تشاء: بالخذلان والحرمان.
وقيل: ﴿تعزُ من تشاء﴾: بالتمليك والتسليط. وتذل من تشاء: بسلب الملك وتسليط عدوهُ
عليه .
الورّاق: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: بقهر النفس ومخالفة الهوى. ﴿وتذلُ من تشاء﴾: باتباع
الهوى.
الكياني: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: بقهرهِ الشيطان. ﴿وتذلُ من تشاء﴾: بقهر الشيطان لنا .
وقيل: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: بالقناعة والرضا. ﴿وتذلُ من تشاء﴾: بالخزي والطمع.
قال الثعلبي (رحمه الله): وسمعتُ السلمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت
محمد بن الفضل يقول: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت بنان الحمّال يقول: الحرَّ
عبدٌ ما طمع. والعبد حرٌ ما قنع.
(١) سورة الإنسان: ٢٠.
(٢) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.

٤٥
سورة آل عمران، الآيات: ٢٣ - ٣٢
وقال وهب: خرج الغنى والعز يجولان فلقيا القناعة فاستقرا(١).
وقال عيسى (عليه السلام) لأصحابه: لأنتم أغنى من الملوك.
قالوا: كيف يا روح اللَّه ولسنا نملك شيئاً؟ قال: أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها،
وعندهم أشياء ولا تكفيهم.
وللشافعي (رضي الله عنه):
فأنتِ عزيزة أبداً غنَّية
ألاَّ يا نفس أنْ ترضي بقوت
فكم أمنية جلبت منيَّة(٢)
دعي عنكِ المطامع والأماني
وقال الآخر:
وهل عزّ(٣) أعزّ من القناعة
أفادتنى القناعة كل عز
فصيرَّها لنفسك رأس مال
وصيّرها مع التقوى بضاعة (٤)
وقيل: ﴿تعزُّ من تشاء﴾: بالإخلاص، وتذلُ مَن تشاء: بالرياء.
وقال الحسن بن الفضل: ﴿وتذلُ من تشاء﴾: بالجنة والرؤيا. ﴿وتذل من تشاء﴾: بالنار
والحجاب.
﴿بيدك الخير﴾: يعني الخير والشر، فأكتفي بذكر الخير؛ فإنَّهُ الأفضل والاغلب كقوله
تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾(٥): أي الحر والبرد ﴿إِنَّك على كل شيء قدير﴾.
﴿تولج الليل في النهار): [أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر] حتى يكون النهار
خمس عشرة ساعة [وهو أطول ما يكون]، والليل تسع ساعات، [وهو أقصر ما يكون] (٦).
﴿وتولجُ النهار في الليل﴾: حتى يكون الليل خمس [عشر] (٧) ساعة، والنهار تسع ساعات
فما نقص عن هذا زيدَ في الآخر نظير قوله تعالى: ﴿يكوَّر الليل على النهار ويكوَّر النهار على
الليل﴾(٨).
(١) تاريخ دمشق: ١١ / ٢٧٨، وفيه: الغنى والشعر.
(٢) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٤٥٧ .
(٣) في المصدر: وأين غنى.
(٤) كشف الخفاء: ٢ / ١٠٢.
(٥) سورة النحل: ٨١.
(٦) ما بين معكوفين زيادة عن تفسير القرطبي: ٤ / ٥٦.
(٧) تفسير الطبري: ٣ / ٣٠٣.
(٨) سورة الزُمَر: ٥.

٤٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال سعيد بن جبير: يوم وليلة ويوم وليلة عند خلق السموات والأرض إلى أن تقوم
الساعة، ثم قرأ: ﴿يولج الليل في النَّهار ويولج الثَّهار في الليل﴾ .
﴿يخرج الحي مِن الميت ويخرج الميتَ من الحي﴾ قال ابن مسعود وابن جبير ومجاهد
وقتادة والضحّاك وإبراهيم والسدَّي وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الرحمن بن زيد: يخرج
الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الحيوان.
عكرمة والكلبي: ﴿يخرج الحي من الميت﴾، أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من
الطير .. .
أبو مالك: يخرج النخلة من النواة، ويخرج النواة من النخلة، ويخرج السنبلة من الحبة
والحبّة من السنبلة.
الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن عبدٌ حي الفؤاد،
والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد يدل عليه قوله: ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه .. ﴾(١).
معمر عن الزهري: أن النبي ◌َّ ر دخل على بعض نسائه، فإذا بإمرأة حسنة الهيئة، فقال:
من هذه؟ قالت: إحدى خالاتك، فقال: إن خالاتي بهذه البلاد [كثير] أي خالاتي هذه؟ قالت:
هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال: ((سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت)) [٤٢].
وكانت امرأة صالحة. وكان مات أبوها كافراً(٢).
الفرّاء: يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب.
وقال أهل الاشارة: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تستقر فيه، والسَّقطة من لسان
العارف .: :
﴿وترزقُ من تشاء بغير حساب﴾، ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾
قال ابن عباس: كان الحجّاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد ظفروا (٣) بنفر من الأنصار
ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبدالله بن حبير وسعد بن جهيمة لأولئك النفر:
أجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومخاطبتهم وملازمتهم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.
وقال المقاتلان: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودّة لكفار مكة
فنهاهم اللَّه عزَّ وجل عن ذلك.
(١) سورة الأنعام: ١٢٢.
(٢) مجمع الزوائد: ٩ / ٢٦٤، جامع البيان للطبري: ٣ / ٣٠٦.
(٣) في المصدر: كظنوا.

٤٧
سورة آل عمران، الآيات: ٢٣ - ٣٢
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي
وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أنْ يكون لهم الظفر على
رسول اللَّهُ وَله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
وروى يوسف بن داود الضبي عن بعضهم، قال: ﴿لا يتخذوا المؤمنين﴾ بالرفع خبراً عنهم
وفيه معنى النهي كقوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾(١).
جوبير عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عُبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدرياً
تقياً، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي وَّر يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إنَّ
معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدّو، فأنزل الله
تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء﴾ الآية(٢).
﴿ومن يفعل ذلك﴾: أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدَّة
المسلمين، ﴿فليس من اللَّه في شيءٍ﴾: وفيه اختصار، أي ليس من دين الله في شيء.
وقال الحسن والسدَّي: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء اللَّه منهُ، ثم استثنى فقال:
﴿إلاَّ أنْ تَتَّقوا منهم تقاة﴾: يعني: إلاَّ أنْ تخافوا منهم مخافة.
وقرأ أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد: تقية
على وزن نقية، [وخالفهما] أبو حاتم قال: لأنهم كتبوها بالياء مثل حصاة ونواة إلاَّ بالألف ..
قرأ حمزة والكسائي وخلف: ((تقية)) بالاحتجاج فكان الياء.
وقرأ الباقون (تقاة)) بالتضميم. وأختاره أبو عبيدة.
وقرأ الأخفش: ((تقاءة)) مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر [أتقى] ومثال تقيهُ تُقاةً وتقية
وتقيٌ وتقوى(٣)، وإذا قلت: اتقنت كان مصدرهُ الاتقاء، وإنَّما قال: ((تتقوا)) من الأتقياء، ثم
قال: ((تقاة))(٤) ولم يقل أتَّقاء؛ لأن العرب إذا كان بالكلمتين واحداً واختلف ألفاظها أخرجوا
مصدر أحد اللفظين مصدر اللفظ الآخر فيقولون: التقيتُ فلاناً لقاءً حسناً .
وقال القطامي في وصف غيث:
قد لجّ بجانب الجبلين.
ركام يحفر الترب احتفاراً
(٥)
(١) سورة البقرة: ٢.
(٣) سورة المصدر السابق.
راجع مجمع البيان: ٢ / ٢٧٣.
(٣)
(٤) أقول: وأصلها: وفاة فأُبدلت الواو المضمومة تاء استثقالا لها.
(٥) كلمة غير مقروءة.
ب

٤٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
ولم يقل حفراً قال اللَّه تعالى: ﴿واللَّه أنبتكم من الأرض نباتا﴾(١). وقال: ﴿وتبتل إليه
تبتيلاً﴾(٢) .
وأما معنى الآية فقال المفسرون: نهى اللَّه عزَّ وجلَّ المؤمنين عن ملاطفة الكافرين
وموالاتهم ومداهنتهم ومبايعتهم إلاَّ أنْ يكون الكفَّار ظاهرين غالبين، أو يكون المؤمن في قوم
كفَّار ليس فيهم غيره، ويخافهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئنُ بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أنْ
يسفك دماً حراماً، أو مالاً حراماً، أو يُظهر الكافرين على عورة المؤمنين، فالمتَّقي لا يكون إلاَّ
مع خوف القتل وسلامة النية كفعل عمار بن ياسر.
عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب، قال: ورد رجلٌ على النبي ◌َّ بالمدينة فقال: ما
أراني إلاَّ قد هلكت، قال: مالك؟ قال: قد عذّبني قريش. فقلت: ما قالوا؟ قال: كيف كان
قلبك؟ قال: مطمئن، قال: فإنْ عادوا لك فعد لهم مثل ذلك، قالها ثلاث مرات.
المسيب بن عبيدة عن إبراهيم، قال: قال ابن مسعود: خالطوا النَّاس ونائلوهم
وصافحوهم بما یشتهون، ودینکم لا یکون به ريبة.
وقال صعصعة بن صوحان لأسامة بن زيد(٣): أنا كنت أحبُّ إلى أبيك منك، وأنت أحبُّ
إليَّ من أبي(٤) ولذا أوصيك بخصلتين: خالص المؤمن وخالق(٥) الكافر؛ فإنَّ الكافر يرضى منك
بالخلق الحسن، ويحق عليك أن تُخالص المؤمن(٦).
وروي عن جعفر بن محمد الصادق أنَّه قال: التقية واجبة، وإني لأسمع الرجل في المسجد
يشتمني فأستر بالسارية منهُ لئلا يراني. وقال: الرياء مع المؤمن شرك ومع المنافق في داره
عباده .
وأنكر قوم التقيَّة اليوم:
فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيَّة في جُدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة
المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزَّ اللَّه عزَّ وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أنْ يتّقوا من
عدوهم.
(١) سورة نوح: ١٧ .
(٢) سورة المزمّل: ٨.
(٣) في المصدر: لابن يزيد.
في تاريخ دمشق: ابني.
(٤)
(٥) في تاريخ دمشق (٢٤ / ٩٨) خالف.
(٦) مسند ابن راهويه: ٣ / ١٠١٧.

٤٩
سورة آل عمران، الآيات: ٢٣ - ٣٢
وقال يحيى البكاء: قلتُ لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنَّ الحسن كان يقول لكم:
التقيَّة باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيَّة إنَّما التقيّة في أهل
الحرب.
﴿ويُحذَّركم الله نفسه﴾: أي يخوّفكم الله على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة
المأمور من نفسه .
قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه.
وقال أهل المعاني: معناه ويحذّركم الله إيَّاه؛ لأن الشيء والنفس والذات والإسم عبارة
عن الوجود، ونفس الشيء هو الشيء بعينه كقوله: ﴿أن أقتلوا أنفسكم﴾(١): أي ليقتل بعضكم
بعضاً .
وقال الأعشى :
نفس البخيل تجهمت سؤالها (٢)
يوماً بأجود نائلاً منه إذا
أراد إذا البخيل تجهم سؤاله.
﴿وإلى اللَّه المصير﴾، ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم): قلوبكم من مودة الكفّار. ﴿أو
تبدوه﴾: من موالاتهم قولا وفعلا، ﴿يعلمهُ اللَّه﴾: وقال الكلبي: أي ستروا ما في قلوبكم
لرسول الله من التكذيب، ويظهرون بحربه. وقال: يعلمه الله ويحفظ عليكم حتى يحاربكم به
ويعاقبكم عليه، ثم قال: ﴿ويعلم﴾: رفع على الاستئناف كقولهم: ﴿قاتلوهم يعذّبِهِم الله
بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على
من يشاء﴾(٣) بالرفع.
وقوله: ﴿فإن يشاء الله يختم على قلبك ويمحُ اللَّه الباطل﴾ (٤)، ثم قال: ﴿ويحق
الباطل﴾: وكيف يخفى عليه موالاتكم الكافرين وميلكم إليهم، مودّة بالقلب: أي معونة بالقلب
والفعل .
﴿واللَّه على كلَّ شيءٍ قدير﴾، ﴿يوم تجدُ كل نفس﴾: نصب يوماً، نزع حرف الصفة أي
في يوم. وقيل: نصب بإضمار فعل، أي: إذكروا واتقوا ﴿يوم تجد كل نفس ما علمت من خير
محضراً﴾: موفراً لم يبخس منه شيء. قراءة العامة بنصب الضاد على المفعول قد صدَّهم قوله:
(١) سورة النساء: ٦٦ .
(٢) حقائق التأويل الشريف الرضي: ٧٩.
(٣) سورة التوبة: ١٥.١٤.
(٤) سورة الشورى: ٢٤.

٥٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً﴾(١): وقرأ عبيد عن عُمير محضراً بكسر الضاد يريد أن عمله يحضره
الجنَّة يسرع به من الحضور أو الحضر.
﴿وما عملت من سوء﴾: جعل بعضهم خبراً في موضع النصب، وأعمل فيها الوجود
وجعل عملت صلة لها، أي: ويجد عملها، وجعله بعضه خبراً مستأنفاً، وحينئذ يجوز في ﴿تودُّ﴾
الرفع، والجزم، دليل هذا التأويل: قراءة عبد الله ﴿وما عملت من سوء تودُّ﴾. ﴿لو أنَّ بينها﴾:
بين النفس ﴿وبَينُهُ﴾: يعني بين السوء ﴿أمداً بعيداً﴾: والأمد: الأجل والغاية التّي ينتهي إليها .
قال الله: ﴿أم يجعل له ربي أمدا﴾(٢)، وقال: ﴿فطال عليهم الأمد﴾(٣).
قال النابغة:
بسبق الجواد إذا إستويا على الأمد.
ألا لمثلك أو من أنت سابقة
قال السدي: أمداً بعيداً أي: مكان بعيد.
مقاتل: كما بين المشرق والمغرب.
قال الحسن: ليس أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً ولا يوَدَّ لو أن يعلمه.
﴿ويحذركم اللَّه نفسه واللَّه رؤوف بالعباد﴾: أي بالمؤمنين منهم.
﴿قل إن كنتم تحبّون اللَّه فأتبعوني يحببكم الله﴾ الآية، قال الحسن وابن جريج: زعم
أقوام على عهد رسول اللَّه بَّهِ أنَّهم يحبّون اللّه، فقالوا: يا محمَّد إنَّا نحبُ ربَّنا، فأنزل اللَّه عز
وجل هذه الآية، وجعل إنبَّاع نبيه عَلماً لحبَّه تعالى.
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي ◌َّ على قريش وهم في
المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلَّقوا عليها بعض النعام وجعلوا في آذانها السيوف وهم
يسجدون لها. فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم مَّة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا
على الإسلام. فقالت له قريش: يا محمَّد إنَّا نعبدها حبّاً لله، ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله
تعالى: قل يا محمّد إنْ كنتم تحبّون الله وتعبدون الأصنام ليقرّبوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله،
وأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنَّ اليهود لمَّا قالوا: نحن أبناء اللّه وأحباؤه،
أنزل الله هذه الآية، فلمَّا نزلت عرضها رسول اللّه وعليه على اليهود، فأبوا أن يقبلوها .
(١) سورة الكهف: ٤٩ .
(٢) سورة الجن: ٢٥.
(٣) سورة الحديد: ١٦.

٥١
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
روى محمد بن إسحاق عن محمَّد بن جعفر عن الزبير: قال: نزلت في نصارى أهل نجران
وذلك أنَّهم قالوا: إنَّا نعظم المسيح ونعبده حبّاً لله سبحانه وتعظيماً له، فقال الله: قل يا محمّد:
إنْ كنتم تحبون الله وكان عظيم قولكم في عيسى حبّاً لله سبحانه وتعالى وتعظيماً له فاتَّبعوني
يحببكم الله، أي: إنَّبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، وحب المؤمنين لله إتباعهم أمره وقصدهم
طاعته ورضاه، وحبَّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين [منّة] عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم وذلك قوله: ﴿ويغفر
لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيم﴾.
قال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو أحمد محمد بن ابراهيم الصريمي
قال: أنشدنا علي بن محمد قال: أنشدني الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد الله بن المبارك:
هذا لعمري في الفعال قبيح
تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه
إِنَّ المحب لمن يحبُّ مطيع(١)
لو كان حبّك صادقاً لأطعته
عروه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه وَلّ: ((الشرك أخف من دبيب النمل على
الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحبّ على شيء من الجور أو تبغض على شيء من
العدل وهل الدين إلاّ الحبّ في الله والبغض في الله قال اللَّه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾(٢) [٤٣].
فلما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي [لأصحابه: إنّ محمّداً يجعل طاعته كطاعة الله
ويأمرنا أن نحبّه] كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم(٣)، فنزل: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن
تولَّوا﴾: أعرضوا عن طاعتهما. ﴿فإنَّ اللَّه لا يحبَّ الكافرين): لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم
ولا يغفر لهم.
وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه وَّر: ((من أطاعني
فقد أطاع الله ومن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى اللَّه ومن عصى الإمام فقد
عصاني)) [٤٤](٤).
ذُرْيَةُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُ
إِنَّ اللَّهُ أَمْطَفَىَ ءَدَمَ وَنُوْنَا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِنْزَنَ عَلَى الْعَلَّمِينَ
وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ (٣٤) إِذْ قَالَتِ أَمْوَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِ مُحَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنْىُّ إِنَّكَ أَنْتَ
١٣٥
فَلَا وَضَعَتَّهَا قَالَتْ رَبِّ إِّ وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذََّ كَلْأُمِّ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١) تهذيب الكمال: ٦ / ٣٦٠، وتاريخ دمشق: ٣٢ / ٤٦٩.
(٢) الجامع الصغير للسيوطي: ٢ / ٨٥، ح ٤٩٣٥.
(٣) زاد المسير لابن الجوزي: ١ / ٣١٩.
(٤) المصنّف للكوفي: ٧ / ٥٦٦ .

٥٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَّمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَّ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ ﴿٣) فَقَبَلَهَا رَبُّهَا بِقَبُوٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا
نَّأَنَا حَنَّا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَّهَا زَكِيَّا الْمِعْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزُقَا قَالَ بَمَرْهُ أَنَّ لَلِكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَُّقُ مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦َ هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِنْ
◌َّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَنِبَةً إِنََّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَتَّهُ الْمَتِكَهُ وَهُوَ قَِّمٌ يُعَلّى فِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرَ
بَحْبِى مُعَدِّفَا بِكَلِّمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًاً وَحَصُورًا وَنَّبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿بَ قَالَ رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ
بَنِىَ الْكِكِبَرُ وَأَمْرَأْتِ غَافِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ (٣) قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَّ ◌َايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَكِنَّةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًّاً وَأَذْكُرِ رَّبَّكَ حِكَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِنْكَرِ (7) وَإِذْ قَالَتِ
يُعَرْيَمُ أَقْتُبِى لِرَبِّكِ
اَلْمَلَكَّةُ يَعَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتْكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ فَـ
وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ
﴿إِنَّ اللَّه إصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران﴾: قال ابن عباس: قالت اليهود:
نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم ومنهاجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
يعني: إنَّ اللَّه اصطفى هؤلاء الَّذين قالوا بالإسلام، وأنتم على غير دين الإسلام، واصطفى
[افتعل] من الصفوة وهو الخالص من كل شيء، يعني: اختاروا واستخلصوا آدم أبو البشر ونوحاً
شيخ المرسلين، وآل إبراهيم وآل عمران.
قال بعضهم: أراد بآل إبراهيم وآل عمران: إبراهيم وعمران نفسهما، كقوله عزَّ وجلَّ:
﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾(١): يعني موسى وهارون (عليهم السلام).
قال الشاعر:
علي وعبّاس وآل أبي بكر (٢)
يعني: أبا بكر.
ولاتبك ميتاً بعد ميّت أحبّه
قال الباقون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإنَّ محمَّداً (عليه
السلام) من آل إبراهيم وآل عمران.
وقال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهاث(٣) بن لاوي بن يعقوب وآله موسى وهارون.
قال الحسن ووهب بن منبه: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود وآله
مریم وعیسی .
(١) سورة البقرة: ٢٤٨.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٦٣.
(٣) وروي: قاهث، راجع تفسير الطبري: ١ / ٤٠٠.

٥٣
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
وقيل: هو عمران بن ماتان(١)، وامرأته حنّة(٢)، وخصّه من الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياء والرسل
بقضَّهم وقضيضهم من نسلهم. ﴿على العالمين ذرية﴾: نصب على حال قاله الأحفش.
الفرّاء على [القطع]؛ لأنَّ الذريَّة نكرة وآل إبراهيم وآل عمران معرفة(٣).
الزجَّاج: نصبٌ على البدل. وقيل: على النكرة أي اصطفى ذريَّة ﴿بعضها من بعض﴾:
وقيل: على الحال أي بعضها من ولد بعض. وقال أبو روق: بعضها على دين بعض (٤).
﴿والله سميعٌ عليم﴾: قال الحروي: لمَّا مات الحسن البصري وكان مماته عشية الجمعة،
فلمَّا صلَّى النَّاس الجمعة حملوه، فلم [تترك الصلاة] في المسجد الجامع بالبصرة منذ كان
الإسلام إلاَّ يوم ممات الحسن، فإن الناس إنَّبعوا جنازته فلم يبق أحد يصلّي في المسجد صلاة
العصر.
قال الجزائري: سمعت منادياً ينادي: ﴿إِنَّ اللَّه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين﴾، وإصطفى الحسن البصري على أهل زمانه.
الأعمش عن أبي وائل، قال: قرأت في مصحف عبد الله بن مسعود: إنَّ اللَّه اصطفى آدم
ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، فقال ابن عباس ومقاتل: هو عمران بن مايان وليس هو بعمران
أبو موسى وبينهما ألف وثلثمائة سنة، وكان بنو مايان(٥) رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم
وملوكهم.
وقال ابن إسحاق(٦): هو عمران بن أشهم بن آمون بن ميثا بن حوقتا بن إحرين ين يونام بن
عواريا بن إمضيا بن ياوس بن جربهوا بن يارم بن صف شاط بن لمساين بن يعمر بن سليمان بن
داود (عليه السلام).
﴿إني نذرتُ لك ما في بطني محرَّرًا﴾: أي جعلت الذي في بطني محرَّرا نذراً منَّي لك،
والنذر: ما أوجبه الانسان على نفسه بشريطة كان ذلك أو بغير شريطة.
(١) في القرطبي ٤/ ٦٣ نسبه للسهيلي.
تفسير القرطبي: ٤ / ٦٣، والقول للسهيلي.
(٢)
(٣)
تفسير الطبري: ٣ / ٣١٨.
(٤)
مجمع البيان: ٥ / ٨٤.
(٥)
وروي: ماتان . ماثان .
(٦) في تاريخ الطبري (١ / ٤١٨): عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن إحزيق بن يوثام بن عزريا
ابن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن أسا بن أبيا بن رجعم بن سليمان.
وفي تاريخ دمشق: مريم بن عمران بن هاثان بن المعاذر بن اليود بن اجبن بن صادوق بن عيازور بن الياقيم بن
أيبود بن زربائيل بن شالتان بن يوحينا بن لرشتيا بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أجاز بن يوثام بن عزريا بن بورام بن
يوسافاط بن أسا بن إيبا بن رضيعم بن سليمان، أقول: الاختلاف في الأغلب من اختلاف قراءة المخطوطات.

٥٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال اللَّه فقولي: ﴿إِنَّي نذرت للرحمن صوما﴾(١): أي أوجبت.
وقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله
فلا یعصہ)) [٤٥].
قال الأعشى :
وطالبتها ونذرت النذورا(٢)
غشيتُ لليلي بليل خدورا
ومن هذا قولهم: نذر فلان دم فلان: أي أوجبت على نفسه قتله.
وقال جميل :
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي
وحموا لقائي يابثين لقوني
محرَّراً: أي عتيقاً خالصاً لله خادماً للكنيسة حبيساً عليها مفرغاً لعبادة الله ولخدمة
الكنيسة، لا يشغله شيء من الدنيا وكلَّما أخلص فهو محرَّر، يقال: حرَّرت العبد إذا أعتقته،
وحرَّرت الكتاب إذا أخلصته وأصلحته فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه، ورجل حرّ إذا كان
خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر الذي خلُص من الرمل والحصاة والعيوب.
ومحرَّراً: نصب على الحال.
وقال الكلبي وابن إسحاق وغيرهما: فإن الحر رجل إذا حرَّر وجعل في الكنيسة يقوم عليها
ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخيّر فإن رغب أن يقيم فيها أقام، وإنْ أحبَّ
أن يذهب ذهب حيث شاء، فإن أراد أن يخرج بعد التخير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من ]
الأنبياء [والعلماء إلاَّ ومن نسل محرَّراً ببيت المقدس، ولم يكن محرَّراً إلاَّ الغلمان، وكانت
الجارية لا تكلف ذلك ولا تصلح له لمّا يمسها من الحيض والأذى، فحرَّرت أُمَّ مريم ما في
بطنها .
وكان القصة في ذلك أنَّ زكرَّيا وعمران تزوجا أُختين، وكانت إيشاع(٣) بنت فاقود أم يحيى
عند زكرَّيا وحنَّة بنت فاقود أم مريم عند عمران، وقد كان أمسك على حَّة الولد حتى أيست
وعجزت، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرتُ بطائر يطعم فرخاً
فتحركت لذلك شهوتها للولد، ودعت الله أن يهب لها ولداً وقالت: اللهم لك عليَّ إن رزقتني
ولداً أن أتصدَّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه نذراً وشكراً، فحملت بمريم
فحرَّرت ما في بطنها ولا تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت! أرأيت إن كان ما في
(١) سورة مريم: ٢٦.
(٢) تاريخ دمشق: ٢٠ / ١٤٠ ط دار الفكر، وديوان الأعشى: ٨٨ ط بيروت.
(٣) لسان العرب: ١٢ / ١٥١.

٥٥
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
بطنك أنثى [والأُنثى عورة] لا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في همَّ من ذلك، فهلك عمران وحنَّة
حامل بمريم.
﴿فلما وضعتها﴾: أي ولدتها وإذا هي جارية، فالهاء في قوله: ﴿وضعتها﴾ راجعة إلى
النذيرة أي مريم من حنّة، لذلك أنَّث ..
﴿قالت﴾: عذراً وكانت ترجوا أن تكون غلاماً ولذلك حررَّت.
﴿ربّ إني وضعتها أُنثى﴾: أعتذار إلى اللَّه عزّوجل.
﴿والله أعلم بما وضعت﴾: [ما ظنّت](١) عن السدي، وقرأ [العامّة بتسكين التاء] وقرأ
علي وأبو ميثم النجفي وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: ﴿وضعت﴾ بضمّ التاء جعلوها من كلام أمّ
.(٢)
مريم(٢).
﴿وليس الذكر كالأنثى﴾: في خدمة الكنيسة والعُبَّاد الذين فيها؛ لعورتها وضعفها وما
يعتريها من الحيض والنفاس والأذى.
﴿وإني سميتها مريم): وهي بلغتهم: [الخادمة والعابدة، وكانت أجمل النساء في وقتها
وأفضلها](٣).
روى أبو زرعة عن أبي هريرة إن رسول اللّه وَ لي قال: ((حسبك من نساء العالمين أربع:
مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد)) [٤٦](٤).
﴿وإني أُعيذها بك﴾: آمنها وأجيرها بك. ﴿وذريتها﴾: وأولادها.
﴿من الشيطان الرجيم﴾: الطريد اللعين المرمي بالشهب.
ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي وَل﴿ قال: ((ما من مولود إلاَّ والشيطان يمسه حين يولد
فيستهلُ صارخاً من مس الشيطان إيّاه إلاَّ مريم وإينها)) [٤٧] ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم:
﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾(٥).
سعيد عن قتادة قال: ((كل أدمي طعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم وأمه
جُعِل بينهما حجاب فأصاب الطعن الحجاب ولم ينفذ إليها منه شيء)) [٤٨].
(١) راجع زاد المسير: ١ / ٣٢٢.
(٢) راجع مجمع البيان: ٢ / ٢٨٠، وفتح القدير: ١ / ٣٣٤، وفيه زيادة: وقرأ ابن عباس بكسر التاء.
(٣) قصص الأنبياء الثعلبي: ٣٧٤.٣٧١.
(٤) تفسير الطبري: ٣ / ٣٢٦، وتفسير الدرّ المنثور: ٢ / ١٩، مورد الآية.
(٥) مسند أحمد: ٢ / ٢٧٥، وأخرجاه في الصحيحين.

٥٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال: وذكر لنا أنّهما كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم.
وقال وهب بن منبه: ((لمّا ولد عيسى (عليه السلام) أتى الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت
الأصنام منكّسة، فقال: هذا لحادثٌ حدث، وقال: مكانكم، فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم
يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثمّ طار أيضاً فوجد عيسى قد ولد، وإذا الملائكة قد
حفّت حوله فلم يصل إليه إبليس فرجع إليهم، فقال: إنّ نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط
ولا وضعت إلاَّ أنا بحضرتها إلاَّ هذه، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني
آدم من قِبَل الخفة والعجلة(١).
﴿فتقبلها﴾: أي تقبل الله من حنّة مريم ورضيها مكان المحرر، يقال: قبل ولأن الشيء إذا
رَضَيَه يقبله قبولاً بالفتح مصدر، مثل الزارع والزروع والقبول، ولم يأت غير هذه الثلاثة،
والقياس الضم مثل الدخول والخروج، قاله أبو عمر والكسائي والأئمّة، وقال بعضهم: معنى
التقبّل: التكفّل في التربية والقيام بشأنها .
وقال الحسن: قبوله إيّاها أنه ما عذّبها ساعة من نهار ولا ليل(٢).
﴿ربّها بقبول حسن﴾: ولم يقل بتقبّل وهذا النوع يقال له: المصدر على غير المصدر.
قال الفرّاء: مثل قولك تكلمت كلاماً.
قال الفطامي: وخير الأمر ما استقلّت فيه وليس بأن يتبعه إتباعاً.
وقال آخر: وإن مشيتم تعاودنا عوادا، ولم يقل: تعاودوا.
وأنبتها نباتاً حسناً﴾: ولم يقل: إنباتاً .
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿فتقبّلها ربّها بقبول حسن﴾ يقول: سلك بها طريق
السعداء ﴿وأنبتها نباتاً حسناً﴾: يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان. وكانت تنبت في
اليوم كمثل ما ينبت المولود في عام واحد.
ابن جريج: أنبتها ربها في غذائه ورزقه نباتاً حسناً حتى تمت امرأة بالغة تامة.
﴿وكفلها زكريا﴾: قال المفسرون: أخذتها أمّ مريم حين ولدتها، فلفتها في خرقة وحملتها
إلى المسجد، فوضعتها عند الأحبار أولاد هارون وهم يومئذ يكونون في بيت المقدس ما يلي
الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار؛ لأنّها كانت بنت
إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها؛ [لأن] عندي خالتها .
(١) قصص الأنبياء: ٣٧٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٦٩.

٥٧
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
فقال له الأحبار: لا تفعل ذلك؛ فإنّها لو تركت وحُّ الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها،
ولكنّا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين(١) رجلاً إلى نهر
جاري .
قال السدي: هو نهر الأردن، فألقوا أقلامهم في الماء، فارتفع قلم زكريا فوق الماء
وانحدرت أقلامهم [ورسبت] في النهر، قاله ابن إسحاق وجماعة.
وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين وجرت أقلامهم مع
جريان(٢) الماء [فذهب بها الماء]، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان رأس الأحبار ونبيهم فذلك
قوله تعالى: ﴿وكفّلها زكريّا﴾ ضمّها إلى نفسه وقام بأمرها .
قال ابن إسحاق: فلمّا كفّلها زكريا ضمّها إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها، حتى إذا
نشأت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محراباً: أي غرفة في المسجد، وجعل بابه إلى وسطها، لا
يرقى إليها إلاّ بسلّم مثل باب الكعبة، فلا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها
كلّ يوم.
﴿كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً﴾: يعني وجد زكريا عندها فاكهة في
غير أوانها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف غضّاً طريّاً. ﴿قال يا مريم أنّى
لكِ هذا﴾ فإنّها كانت إذا رزقها اللَّه شيئاً وسألت عنه ﴿قالت هو من عند الله إنّ الله يرزق من
يشاء بغير حساب﴾.
(٣)[أخبرنا عبدالله بن حامد بإسناده عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله وَّ أقام أيّاماً لم
يُطعم طعاماً، حتى شقّ ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئاً،
فأتى فاطمة رضي الله عنها فقال: ((يا بنيّة هل عندكِ شيء آكلُ فإنّي جائع؟)»
فقالت: لا والله بأبي أنتَ وأمّي، فلمّا خرج رسول الله وَلّر من عندها، بعثت إليها جارة
لها برغيفين وبضعة لحم، فأخذته منها ووضعته في جفنة وغطّت عليه وقالت: لأوثرنّ بها رسول
الله ◌َ﴾ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسناً
وحسيناً إلى جدّهما رسول الله وَ لغيره، فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله قد أتانا
الله بشيء فخبأته لك، قال: ((فهلمّي به))، فأُتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً
ولحماً، فلمّا نظرت إليه بهتت وعرفت أنّها من بركة الله، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه،
(١) في القصص للثعلبي: عشر.
(٢) في التفاسير: جرية.
(٣) السقط مستدرك من المؤلّف نفسه في كتابه قصص الأنبياء: ٣٧٣.٣٧٢.

٥٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فقال (عليه السلام): ((من أين لك هذا يا بنيّة؟)) قالت: هو من عندالله إنّ الله يزرق من يشاء بغير
حساب، فحمد رسول الله وَ ل﴾ وقال: ((الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل،
فإنّها كانت يرزقها الله رزقاً حسناً فسُئِلت عنه ﴿قالت هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير
حساب﴾](١).
فبعث رسول اللّه وَيه إلى علي رضي الله عنه، ثم أكل رسول اللّه وَّل وعلي وفاطمة
والحسن والحسين وجميع أزواج النبي وَله وأهل بيته جميعاً حتى شبعوا.
قالت فاطمة: وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت منها على جميع جيراني فجعل الله فيها بركة
وخيراً [٤٩](٢).
قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في
غير حينها من غير سبب ولا فعل أحد لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي غلاماً على الكبر،
فطمع في الولد وذلك إن أهل بيته كانوا قد إنقرضوا، وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد.
قال الله تعالى: ﴿هنالك دعا زكريا ربّه﴾: أي فعند ذلك. و((هنا)) إشارة إلى الغاية كما أن
((هذه)) إشارة إلى الحاضر.
والكاف: اسم المخاطب وكسرت اللام لإلتقاء الساكنين.
قال المفضل بن سلمة: أكثر ما يقال هنالك في الزمان وهناك في المكان وقد جعل هذا
مکان هذا .
﴿دعا زكريا ربه﴾: فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه. ﴿قال رب﴾: أي يا رب
فحذف حرف النداء من أوله والياء من آخره، استغني بكسر الباء عن الياء. ﴿هب لي﴾:
أعطني، ﴿من لدنك﴾: من عندك. وفي لدن أربع لغات(٣): لَدُنْ بفتح اللام وضم الدال وجزم
النون وهو أفصحها، ولَدُ بفتح اللام وضم الدال وحذف النون، ولَدْنَ بفتح اللام وسكون الدال
وفتح النون، ولُذْنَ بضم اللام وجزم الدال وفتح النون.
قال الفرّاء: وهي يخصّص بها على الإضافة، وترفع على مذهب مذ (٤)، وأنشد قول أبي
سفيان بن حرب على الوجهين :
(١) في المخطوط سقط وكلام مطموس استدركناه عن المصنّف في قصص الأنبياء: ٣٧٤ .٣٧٣ باب في ذكر
مولد مريم (عليها السلام).
(٢) بطوله في قصص الأنبياء للثعلبي: ٣٧٤.٣٧٣، وتفسير ابن كثير مسنداً: ١ / ٣٦٨، والدرّ المنثور: ٢/
٢٠، وسبل الهدى والرشاد: للشامي: ٩ / ٤٨٣، و١١ / ٤٧. والبداية والنهاية لابن كثير: ١٢٢/٦.
(٣) راجع لسان العرب: ١٣ / ٣٨٥.
(٤) راجع تاج العروس: ٩ / ٣٣٣.٣٣٢.

٥٩
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
لدن غدوة حتى دنت لغروب
ما زال مهري مزجر الكلب منهم
﴿ذرية طيّبة﴾: نسلاً مباركاً تقيّاً صالحاً رضيّاً، والذرية تكون واحداً أو جمعاً ذكراً أو
أنثى، وهو ههنا واحد يدل عليه قوله: ﴿فهب لي من لدنك ولياً﴾(٢)، ولم يقل أولياء وإنّما أنث
طيبة؛ لتأنيث لفظ الذرية.
كما قال الشاعر:
وأنت خليفة ذاك الكمال(٣)
أبوك خليفة ولدته أخرى
فأنث ولدته؛ لتأنيث لفظ الخليفة، فكما قال آخر:
فما تزدري من حية جبلية سكات
إذا ما غض ليس بأدردا(٤)
فأنث الجبلية؛ لتأنيث لفظ الحية ثم رجع إلى المعنى، فقال: غض؛ لأنه أراد حية ذكراً
والحية تكون الذكر والانثى، وإنّما جوّز هذا فيما لم يقع عليه؛ فلأن من الأسماء كالدابة والذرية
والخليفة فإذا سمي بشيء من ذلك رجل هو كان من معنى رجلان، لم يجز تأنيثُ فعله ولا نعته
فلا تقول من ذلك: حدثنا مغير الضبي، ولا يجوز حدثتنا مغيرة الضبية.
﴿إنك سميع الدعاء﴾: أي سامعه وقيل مجيبه، لقوله تعالى: ﴿إني آمنت بربكم
فاسمعون﴾: أي فأجيبون. وقولهم: سمع الله لمن حمده: أي أجابه.
وأنشد :
يكون اللَّه يسمعُ ما أقول(٥): أي بكيتُ
دعوت اللَّه حتى خفتُ ألا.
قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رَّه: «أيما رجلٌ مات وترك ذرية طيبة أجرى الله عليه
مثل أجر عملهم لا ينقص من أجورهم شيئاً)) [٥٠](٦).
﴿فنادته الملائكة﴾: قرأ يحيى وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: فناديه بالياء،
وأبو عمارة وأبو عبيدة، وقرأ الباقون: بالتّاء وأخياره أبو حاتم: فإذا تقدم الفعل فأنت فيه بالخيار
إنْ شئت أنَّئت وإن شئت ذكَّرت، إلاّ أنّ من قرأ بالتاء؛ فلأجل تأنيث الملائكة للفظ والجمع مع
إن الذكور إذا تقدم فعلهم وهو جماعة كان التأنيث فيه أحسن وأفصح كقوله: ﴿قالت الأعراب
أمنا﴾(٧)، ومَن ذكّر خلها .
(١) البداية والنهاية: ٤ / ٢٤.
(٣)
الصحاح: ٤ / ١٣٥٦.
(٤) الصحاح: ١ / ٢٥٣.
(٥) الفائق في غريب الحديث: ٢ / ١٥٨.
(٦) تفسير القرطبي: ٤ / ٧٢.
(٧) سورة الحجرات: ١٤.
(٢) سورة مريم: ٥.

٦٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
روى القاسم بن سلام عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان عبد اللَّه يُذكّر الملائكة
في القرآن، قال أبو عبيدة: إنمايرى [أن] اللَّه اختار ذلك خلافاً على المشركين في قولهم:
الملائكة بنات اللَّه فأراد بالتذكير هاهنا إكذابهم.
وروى الشعبي أن ابن مسعود قال: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياءاً وذكّروا
القرآن(١).
وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: إذا كان الحرف في القرآن تاء وياء فأجعلوها
ياء. وأراد بالملائكة ههنا: جبريل وحده؛ وذلك أنّ زكريا الحبر الكبير الذي تعهد بالقربان،
ويفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينا هو قائم في المسجد عند
المذبح يصلي والناس ينتظرونه أن يأذن لهم في الدخول، إذ هو برجل شاب عليه ثياب بيض
ففزع منه فناداه وهو جبريل: يا زكريا ﴿إن الله يبشرك بيحيى﴾ فذلك قوله: ﴿فنادته الملائكة):
يعني جبريل وحده نظيره قوله في هذه السورة ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم﴾(٢): يعني جبريل
وحده، وقوله في النحل: ﴿يُنزل الملائكة﴾(٣): يعني جبريل ما يروح بالوحي؛ لأنّ الرسول إلى
جميع الأنبياء جبريل (عليه السلام)، يأت عليه قوله ابن مسعود، فناداه جبريل ﴿وهو قائم يصلي
في المحراب﴾: وهذا جائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: ركب فلان في
السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وخرج على بغال البريد، وإنما على بغل واحد، وسمعت هذا
الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد نظير قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾(٤): يعني نعيم
بن مسعود. ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾(٥): يعني أبا سفيان ونحوها كثرة.
وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً فيجوز الإخبار عنه بالجمع؛ لاجتماع
أصحابه معه، فلمّا كان جبريل رئيس الملائكة وكل ما يُبعث إلاَّ ومعه جمع منهم فهي على هذا .
﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾: يعني في المسجد، نظيره قوله: ﴿فخرج على قومه من
المحراب﴾(٦): أي المسجد، وقوله: ﴿إِذ تسوروا المحراب﴾(٧): أي المسجد، وهو مفعال من
الحرب، قيل: سمي بهذا؛ لأنّه تحارب فيه الشيطان، كما قيل: مضمار للميدان الذي تضمر فيه
الخيل، وأمال ابن عامر المحراب في جميع القرآن، وفخّمه الآخرون.
(١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٧ / ٢٠٢، وفيه: فإنّ القرآن ذكَّر فذكِّروه، ورواه الشعبي عن علقمة عن عبدالله.
(٢) سورة آل عمران: ٤٢.
(٣) سورة النحل: ٢.
سورة آل عمران: ١٧٣ .
(٤)
سورة آل عمران: ١٧٣ .
(٥)
(٦) سورة مريم: ١١.
(٧) سورة ص: ٢١.