Indexed OCR Text

Pages 301-312

٣٠١
سورة البقرة، الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦
عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمّى والنكبة حتّى الشوكة والبضاعة يضعها في
[جيبه] فيفقدها فيفرغ لها فيجدها في جيبه، حتّى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر
الأحمر من الكيس [٢١١](١))).
يدلّ عليه قوله ﴿مَنْ يعمل سوءاً يُجز به﴾(٢) يعني في الدنيا .
وقال مجاهد: في رواية منصور وابن أبي جريج قال: ﴿وإن تبدوا مافي أنفسكم أو
تخفوه﴾. يعني من اليقين والشك.
وقال جعفر بن محمد: ﴿وإن تبدوا مافي أنفسكم﴾. يعني الإسلام ﴿أو تخفوه﴾. يعني
الإيمان.
وقال بعضهم: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾. يعني مافي قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه
﴿أو تخفوه﴾. فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه، يحاسبكم به الله، فأمّا ما حدّثتم به
أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه فإن ذلك ممّا لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ولا يؤاخذ به. ودليل
هذا التأويل قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾(٣).
وعن عبد بن المبارك قال: قلت لسفيان: ليؤاخذ العبد بالهمّة، قال: إذا كان عزما أخذ
بها. وعن عمرو بن جرير قال: خرجت وأنا شاب لأمر هممت به، فمررت بأبي طالب القاص
والناس مجتمعون عليه وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: أيّها الهامّ بالمعصية علمت أن خالق
الهمّة مطّلع على همّتك، قال: فخررت والله مغشياً عليّ، فما أفقت إلّ عن توبة.
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: أصابت بني اسرائيل مجاعة فمرّ رجل على رمل فقال:
[وددت] أن هذا الرمل دقيق لي فأطعمه بني إسرائيل، فأُعطي على نيّته(٤).
وعن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: مَنْ
يدلّني على عمل لا أزال منه عاملاً لله عزّ وجلّ فإنّي أحب أن لا تأتي عليّ ساعة من الليل
والنهار إلاّ وأنا عامل، فقيل له: قد وجدت حاجتك فأعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو
تركته فهمّ بعمله إنّ الهامّ بعمل الخير كعامله. وهذا يعني قول النبيّ وَّة: ((نيّة المؤمن خير من
عمله)) [٢١٢](٥) لأن العمل ينقطع والنّة لا تنقطع.
(١) تفسير الطبري: ٥ / ٣٩٩ .
(٢) سورة النساء: ١٢٣.
(٣)
سورة البقرة: ٢٢٥.
(٤) المصنف لابن أبي شيبة : ٨ / ٣١٧ .
(٥) كنز العمال: ٣ / ٤١٩ ح ٧٢٣٦ .

٣٠٢
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
وقال محمد بن علي: معنى الآية: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾. من الأعمال الظاهرة
﴿أو تخفوه﴾ من الأحوال الباطنة، يحاسبكم به الله . العابد على أفعاله والعارف على أحواله.
وقال بعضهم: إنّ الله يقول يوم القيامة: [يوم] تُبلى السرائر وتخرج الضمائر، وأن كتّابي
لم يكتبوا من أعمالكم إلاّ ما ظهر منها، وأنا مطّلع على سرائركم مالم يعلموه ولم يكتبوه فأنا
أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه لتعلموا أنّه لا يعزب عنّي مثقال ذرة من أعمالكم ثم أغفر لمَنْ
شئت وأُعذّب مَنْ شئت.
فأمّا المؤمنون فيخبرهم بذلك ويغفر لهم ولا يؤاخذهم بذلك إظهاراً لفضله، وأمّا الكافرون.
فيخبرهم بها ويعاقبهم عليها إظهاراً لعدله.
فمعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه ممّا أضمرتم وأسررتم وأردتم،
يُحاسبكم به الله ويخبركم ويعرّفكم إياه، فيغفر للمؤمنين ويعذّب الكافرين. وهذا معنى قول
الضحاك والربيع ورواية العوفي والوالبي عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: ﴿يُحاسبكم به الله﴾.
ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، والحساب ثابت والعقاب ساقط، وممّا يُويّد هذا
حديث النجوى وهو ما روى قتادة عن صفوان بن محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد
الله بن عمرو اذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر ما سمعت رسول الله صل﴾ يقول في النجوى،
فقال: سمعت نبيّ الله وَل يقول: ((يدنو المؤمن من ربّه حتّى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه
فيقول: هل أذنبت ببعض كذا، فيقول: ربّ أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً، فيقول الله: أنا
الذي سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم لم يُطلع على ذلك مَلَكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً .
وأمّا الكفّار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذّبوا على ربّهم ألا لعنة
الله على الظالمين)»(١).
الأعمش عن معرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله وقال: ((يُؤتى الرجل يوم
القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه، فيقال: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا
وهو يقرّ ولا ينكر ويخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق فيقول: اعطوه مكان كلّ سيّئة عملها
حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوباً ما أراها هاهنا)) [٢١٣].
قال: قال أبو ذر: فلقد رأيت النبيّ وَِّ ضحك حتّى بدت نواجذه(٢).
وقال الحسين بن مسلم: يحاسب الله عزّ وجلّ المؤمنين يوم القيامة بالمنّة والفضل،
والكافرين بالحجّة والعدل.
(١) السنن الكبرى : ٦ / ٣٦٤ بتفاوت.
(٢) مسند أحمد : ٥ / ١٥٧، تفسير القرطبي : ١٣ / ٧٨ .

٣٠٣
سورة البقرة، الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦
﴿فيغفر لمَنْ يشاء ويعذّب مَنْ يشاء﴾. رفعهما أبو جعفر وابن عامر وابن محيصن والحسن
وعاصم ويعقوب وأختاره أبو حاتم، ونصبها ابن عباس، وجزمها الباقون فالجزم على النسق
والرفع على الإبتداء أي فهو يغفر، والنصب على الصرف، وقيل: على إضمار (أن) الخفيفة.
وروى طاووس عن ابن عباس: ﴿فيغفر لمن يشاء﴾. الذنب العظيم ﴿ويعذّب مَنْ يشاء﴾.
على الذنب الصغير ﴿لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون﴾(١).
﴿والله على كلّ شيءٍ قدير * آمن الرسولُ بما أُنزل إليه من ربّه﴾. الآية. روى طلحة بن
مصرف عن مرّة عن عبد الله قال: لمّا أسرى رسول الله وَّل انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطى
لنا الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك [بالله] من أمّته شيئاً إلاّ
المقحمات(٢) .
وعن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو قال: سمعت رسول الله وَ لالٍ قال: ((أنزل الله عزّ
وجلّ آيتين من كنوز العرش كتبهما الرحمن عزّ وجلّ قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من [يقولها]
بعد العشاء الآخرة مرّتين أجزأتا عنه قيام الليل: ﴿آمن الرسول﴾. إلى آخر السورة».
وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث الهمداني عن النعمان بن بشير عن النبيّ وَّ قال: ((إن
الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل فيه آيتين فختم بهما سورة
البقرة، فلا يقرآن في دار فيقربها شيطان ثلاث ليال))(٣).
وروى عبد الرحمن عند ابن زيد عن ابن مسعود عن النبيّ وَّر قال: ((مَنْ قرأ الآيتين من
آخر سورة البقرة في ليلة كفياه)) [٢١٤](٤).
موسى بن حذيفة عن ابن المنكدر قال: حدّثنا حديثاً رفعه إلى النبيّ وَّ قال: ((في آخر
سورة البقرة آيات أنهنّ قرآن وأنّهن دعاء وأنّهن يرضين الرحمن))(٥) وفي الحديث: أنّه قيل
للنبيّ وَ﴿: إن بيت ثابت بن أويس بن شمّاس يزهر الليلة كالمصابيح، قال: ((لعلّه يقرأ سورة
البقرة))، فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة.
﴿آمن الرسولُ بما أُنزل من ربّه﴾، قيل: إن هذه الآية نزلت حين شقّ على أصحاب رسول
الله ◌َ* ما يوعدهم الله عزّ وجلّ به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى
(١) سورة الأنبياء : ٢٣.
(٢) مسند أحمد: ١ / ٣٨٧ ، والمقحمات : الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار.
(٣) مسند أحمد : ٤ / ٢٧٤.
(٤) مسند أحمد : ٤ / ١٢١ .
(٥) تفسير مجمع البيان : ٢ / ٢٣١ .

٣٠٤
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
النبيّ وَّة، فقال: ((لعلّكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو اسرائيل؟))
فقالوا: بل نقول سمعنا وأطعنا، فأنزل الله عزّ وجلّ ثناءً عليهم وإخباراً عنهم: ﴿آمن
الرسول﴾ أي صدّق ﴿بما أُنزل إليه﴾. من ربّه قال قتادة: لمّا أنزلت ﴿آمن الرسول﴾(١)، قال
النبيّ ◌َّر: ((وحق له أن يؤمن)).
﴿والمؤمنون). وفي قراءة عليّ وعبد الله: وآمن المؤمنون ﴿كلّ آمن بالله﴾. وحّد الفعل
على لفظ كلّ، المعنى: كلّ واحد منهم آمن، فلو قال: آمنوا، لجاز لأن (كلّ) قد تجيء في
الجمع والتوحيد، فالتوحيد قوله عزّ وجلّ: ﴿كلّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾ (٢) والجمع قوله ﴿كلّ
إلينا راجعون﴾(٣) ﴿وكلّ آتوه داخرين﴾ (٤).
﴿وملائكته وكتبه﴾ [قرأ](٥) ابن عباس وعكرمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي
وخلف ﴿وكتابه﴾. على الواحد بالألف. وقرأ الباقون: (كتبه) بالجمع، وهو ظاهر كقوله:
﴿وملائكته ورسله﴾ .
والتوحيد وجهان: أحداهما: إنّهم أرادوا القرآن خاصّة، والآخر: إنّهم أرادوا جميع
الكتب. يقول العرب: كثر اللبن وكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الألبان والدراهم
والدنانير. يدلّ عليه قوله: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب﴾(٦).
﴿ورسله﴾. جمع رسول.
وقرأ الحسن وابن سلمة بسكون السين لكثرة الحركات، وكذلك روى العباس عن ابن
عمرو، وروى عن نافع ﴿وكتبه ورسله﴾. مخفّفين، الباقون بالاشباع فيها على الأصل.
﴿لا تفرّق بين أحد من رُسله﴾. نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى،
وفي مصحف عبد الله لا نفرّقن.
قرأ جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويحيى بن يعمر
والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب: لا يفرّق بالياء على معنى لا نفرّق الكلّ، فيجوز أن يكون
خبراً عن الرسول.
(١) تفسير القرطبي: ٣ / ٤٢٨.
(٢) سورة النور: ٤١ .
(٣) سورة الأنبياء: ٩٣.
(٤) سورة النمل: ٨٨.
(٥) في المخطوط: قال.
(٦) سورة البقرة: ٢١٣.

٣٠٥
سورة البقرة، الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦
وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول تقديره: وقالوا لا نفرّق كقوله تعالى: ﴿والملائكة
يدخلون عليهم من كلّ باب سلام عليكم﴾(١) وقوله: ﴿وأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم﴾(٢)
يعني فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم ربّنا
أبصرنا وسمعنا﴾(٣) أي يقولون: ربّنا. ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾(٤) أي
يقولون: ما نعبدهم.
وما يقتضي شيئين فصاعداً، وإنّما قال (بين أحد) ولم يقل آحاد لأن الآحد يكون للواحد
والجميع(٥). قال الله ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾(٦). وقال النبيّ ◌َير: ((ما أحلّت الغنائم
لأحد سود الرؤوس غيركم)) [٢١٥](٧).
قال رؤبة :
لا يرهبون أحداً رواكاً
ماذا [أمور] الناس ديكت دوكاً
﴿وقالوا سمعنا﴾. قولك ﴿وأطعنا﴾. أمرك خلاف قول اليهود. وروى حكيم بن جابر أن
جبرائيل عليّ أتى النبيّ وَّل حين نزلت ﴿آمن الرسول﴾. فقال: إن الله عزّ وجلّ قد منَّ عليك
وعلى أمّتك فاسأل تعطى، فسأل رسول الله عزّ وجلّ فقال: غفرانك.
﴿غفرانك﴾. وهو نصب على المصدر أي أغفر غفرانك، مثل قولنا: سبحانك أي
نسبحك سبحانك.
وقيل معناه: نسألك غفرانك.
﴿ربّنا وإليك المصير * لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وسعها﴾. ظاهر الآية قضاء الحوائج،
وفيها إضمار السؤال والحاجة، كأنّه قال لهم: تكلّفنا إلاّ وسعنا، فأجاب الله فقال: ﴿لا يكلّف
الله نفساً إلاّ وسعها﴾.
والوسع: اسم لما يسع الإنسان وما [يشقّ] عليه. وقيل: [يشق] ويجهد.
وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: ﴿لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها﴾. بفتح الواو وكسر
(١) سورة الرعد : ٢٣ .
(٢) سورة آل عمران : ١٠٦ .
(٣) سورة السجدة : ١٢ .
(٤) سورة الزمر : ٣ .
راجع تفسير القرطبي: ٣ / ٤٢٩.
(٥)
(٦) سورة الحاقة : ٤٧ .
(٧) تفسير الطبري: ١٠ / ٥٩ وفيه : من قبلكم .

٣٠٦
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
السين على الفعل، يريد: إلاّ وسعها أمره، أو أراد إلاّ ما وسعها فحذف (ما).
واختلفوا في تأويله، فقال ابن عطاء والسدي وأكثر المفسّرين: أراد به حديث النفس،
وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل: ﴿وإن تبدوا مافي أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾. جاء
المؤمنون [عامة] وقالوا: يارسول الله هذا لنتوب من عمل الجوارح، فكيف نتوب من الوسوسة
و کیف نمتنع من حديث النفس؟
فأنزل الله: ﴿لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها﴾. أي طاقتها، وكان حديث النفس مما لم
یطیقوا .
قال ابن عباس في رواية أخرى: [ ... ](١) المؤمنون خاصّة وسّع الله عليهم أمر دينهم.
ولم يكلّفهم إلاّ ماهم له مستطيعون، فقال: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾(٢)، وقال: ﴿ما جعل عليكم
في الدين من حرج﴾(٣)، وقال: ﴿فأتّقوا الله ما استطعتم)(٤).
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع
السجري بهراة قال: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعت عبد الجبّار بن العلاء
العظّار يقول: سُئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: ﴿لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها﴾.
فقال: إلاّ يسرها لا عسرها، ولم يكلّفها طاقتها ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود منها.
قال الثعلبي: وهذا قول حسن لأنّ الوسع ما دون الطاقة، فقال بعض أهل الكلام: يعني
إلّ ما يسعها ويحل لها، كقول القائل: ما يسعك هذا الأمر؟ أي ما يحلّ الله لك؟ فبيّن الله
تعالى أن ما كلّف عباده فقد وسعه لهم والله أعلم.
﴿لها ماكسبت﴾. أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه
﴿وعليها ما اكتسبت﴾. من الشرّ بالعمل السيء عليها وزره.
﴿ربّنا لا تؤاخذنا﴾. لا تعاقبنا.
قال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد؛ لأنّ المسيء قد أمكر
وَطَرَق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه مَنْ يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه ﴿إن نسينا﴾.
جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو.
(١) غير مقروءة في المخطوط.
(٢) سورة البقرة: ١٨٥.
(٣) سورة الحج: ٧٨.
(٤) سورة التغابن: ١٦.

٣٠٧
سورة البقرة، الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦
قال الكلبي: كانت نبو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممّا أُمروا به وأخطأوا، عجّلت لهم العقوبة
فيحرّم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله تعالى نبيّه والمؤمنين
أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.
وقال بعضهم: هو من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: ﴿نسوا الله
فنسیھم﴾. والأوّل أجود.
﴿أو أخطأنا﴾. جعله بعضهم من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأً
وخطأ .
قال الله: ﴿إن قتلهم كان خطأً كبيراً﴾. وأنشد [أمية بن أبي الصلت](١):
عبادك يخطئون وأنت ربّ
يكفّيك المنايا والحتوم(٢)
وجعله الآخرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو وهو الأصح؛ لأن ما كان عمداً من
الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى مالم يكن كفراً.
قال عطاء: ﴿إن نسينا أو أخطأنا﴾. يعني إن جهلنا أو تعمّدنا له.
وقال ابن زيد: إن نسينا شيئاً ممّا أفترضته علينا، أو أخطأنا شيئاً ممّا حرّمته علينا .
وقال الزهري: سمع عمر رجلاً يقول: اللّهمّ [اغفر] لي خطاياي، فقال: إن الخطايا
مغفور ولكن قل: اللّهمّ أغفر لي عمدي.
قال النبطي: وحدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن شنبة قال: حدّثنا عبد
الله بن المصفّى السكري قال: حدّثنا محمد بن المصلّى المحمدي، قال: حدّثنا الوليد قال:
حدّثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ بَّه قال: ((رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا
علیه)).
﴿ربنا ولا تحمل علينا أصراً﴾. قال بعضهم: يعني عهداً وعقداً وميثاقاً لا نطيق ذلك ولا
نستطيع القيام به فتعذبنا بنقصه ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾. يعني اليهود فلم يقوموا به
فأهلكتهم وعذّبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل والسدي والكلبي
وابن جريج والفراء، ورواية عطيّة وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: ﴿وأخذتم
على ذلكم إصري﴾(٣) أي عهدي.
(١) بياض في المخطوط وما أثبتناه من المصادر.
(٢) تفسير الطبري: ٢٥٨/١٢، وكتاب العين للفراهيدي: ١٩٥/٣.
(٣) سورة آل عمران : ٨١.

٣٠٨
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
وقال بعضهم: الأصر: الثقل، أي لا تشقق علينا ولا تشدد ولا تغلظ الأصر علينا كما
شددت على مَنْ كان قبلنا من اليهود، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم
بأداء ربح أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، ومن أصاب منهم ذنباً أصبح وذنبه
مكتوب على بابه، ونحوها من الأثقال [والأغلال] التي كانت عليهم. وهذا معنى قول عثمان بن
عطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة والمؤرخ والقتيبي وابن الأنباري يدلّ عليه قوله: ﴿ويضع عنهم
إصرهم والأثقال التي كانت عليهم﴾(١).
وقال ابن زيد: معناه: لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفّارة وإلاّ يفعل في هذه كلّها
العقد والأحكام، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء: الأصر، ويقال: بينه وبين فلان أصرة
رحم، وما تأصرني، أي ما [يعطفني عليه عهد ولا قرابة](٢).
وقال: أنشدني أبو القاسم السدوسي، قال: أنشدني السميع بن محمد الهاشمي، قال:
أنشدنا أبو الحسن العبسي، قال: أنشدنا العباس بن محمد الدوري الشافعي:
لدي ولا بيننا آصره
إذا لم تكن لأمرىء نعمةٌ
ولا نفع في الدنيا ولا الآخرة
[ولا لي] في ودّه حاصل.
فتلك إذاً صفقة خاسرة(٣)
وأفنيت عمري على بابه
﴿ربّنا ولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به﴾. أي لا تكلّفنا من الأعمال مالا نطيق، هذا قول قتادة
والضحاك والسدي وابن زيد. وقال بعضهم: هو حديث النفس والوسوسة. وعن أبي ثوبان عن
أبيه عن مكحول في قوله تعالى: ﴿ولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به﴾. قال [ ... ](٤) وعن أبي
القاسم عن مالك الشامي أن أبا إدريس الحولاني كان يأتي أصحابه ويقول: اللّهمّ أعدني
و[ ... ](٥) جرف إلى جهنم.
سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم في قوله تعالى ﴿ولا تحملنا مالا طاقة لنا به﴾.
قال: المشقة .
وعن أبي القاسم عبد الله بن يحيى بن عبيد قال: سمعت أبا القاسم عبد الله بن أحمد
قال: سمعت محمد بن عبدالوهاب ﴿ولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به﴾. قال: يعني العشق. قال
(١) سورة الأعراف: ١٥٧.
(٢) راجع ممعاني القرآن للنحاس: ١ / ٣٣٥، ولسان العرب: ٤ / ٢٢.
(٣) تاج العروس: ٣ / ١٧٦.
(٤) بياض في المخطوط.
(٥) بياض في المخطوط.

٣٠٩
سورة البقرة، الآيات: ٢٨٣ - ٢٨٦
خباب: حضرت مجلس ذي النون المصري في فسطاطه، فتكلّم ذلك اليوم في محبّة الله فمات
أحد عشر نفساً في المجلس، فصاح لا يحل من المزيد بر فقال: يا أبا القيس ذكرت محبة الله
فاذكر محبّة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّها شديداً ومدّ يده إلى وجهه ووقف منتصباً وقال له:
خلقت قلوبهم واستعبرت عيونهم وتألّفوا السهاد، وفارقوا الرقاد فليلهم طويل نومهم وقليل
أحزانهم لا تعد وهمومهم لا تعقد، أمورهم عسيرة ودموعهم غزيرة باكية عيونهم قريحة جفونهم.
[عاداهم] الرفاق والأهل والجيران. وقال يحيى: لو تركت العقوبة بيداي يوم القيامة ما عذّبت
العشّاق؛ لأن ذنوبهم اضطراراً لا اختياراً.
قال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير، وقال بعضهم: هو شماتة الأعداء. وروى عبد
المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال: قيل لأيّوب ظلّلا: ما كان أشق عليك في طول
بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. وأنشد ابن الأعرابي:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى
فتهون غير شماتة الحُسّاد
إنّ المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الأعداء بالمرصاد
وقيل: هو القطيعة والفرقة نعوذ بالله منها. وقيل: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال،
وقال النظام: لو كان للبين صورة لما (راع] الذنوب ولهدّ الجبال ولجمر الغضا أقل من
[ ... ](١) ولو عذّب الله سبحانه أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى [حرّ العذاب].
﴿وأعف عنّا﴾. أي تجاوز واصفح عن تقصيرنا وذنوبنا. ﴿وأغفر لنا﴾. واستر علينا
ذنوبنا وتجاوز عنها ولا [تعاقبنا] ﴿وأرحمنا﴾. فإنا لا ننال العمل لطاعتك ولا ترك معصيتك إلاّ
برحمتك، وقيل: واعف عنّا من المسخ، واغفر لنا عن السيئات، وارحمنا من القذف. وقيل:
واعف عنّا، من الأفعال، واغفر لنا من الأقوال، وأرحمنا من العقود والأضمان. وقيل: واعف
عنّا الصغائر، وأغفر لنا الكبائر، وأرحمنا بتثقيل الميزان مع إفلاسنا. وقيل: وأعف عنّا في
سكرات الموت، وأغفر لنا في ظلمة القبر، وارحمنا في ظلمة القبر.
﴿أنت مولانا﴾. أي ناصرنا وحافظنا ووليّنا ووال بنا ﴿فأنصرنا على القوم الكافرين﴾.
عطاء عن سعيد عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿آمن الرسول﴾. إلى قوله: ﴿وإليك
المصير﴾. قال: قد غفرت لكم ﴿لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت
ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. قال: لا أواخذكم ﴿ربّنا ولا تحمل علينا أصراً﴾. قال:
لا أحمل عليكم. ﴿ولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به﴾. قال: لا أُحمّلكم ﴿واعف عنّا واغفر لنا
وأرحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم
(١) كلمة غير مقروءة.

٣١٠
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين .
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ بن جبل أنّه كان إذا ختم البقرة قال:
آمین.
يتلوه سورة آل عمران.
والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد خير الأوّلين والآخرين وعلى آله الطيّبين
الطاهرين أجمعين وسلّم.
قال مسروق: نعم كنز الصعلوك سورة البقرة وآل عمران يقرأهما من آخر الليل.
وقال وهب بن منّه: من قراء ليلة الجمعة سورة البقرة وآل عمران كان له نور مابين عجيباً
إلى غريباً. وعجيباً الأرض السابعة وغريباً العرش ..
وقال مسروق: مَنْ قرأ سورة البقرة في ليلة توّج بها .
وفي الحديث السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن.
سؤال: فإنّ قيل: أيجوز أن يحمّل الله أحداً مالا يطيق؟.
قال الزجاج: قيل له: إن أردت ماليس في قدرته، فهو محال، وإن أردت ما يثقل عليه،
فلله تعالى أن يفعل من ذلك ما شاء لأن الذي كلّفه بني اسرائيل من قتل أنفسهم ثقل عليهم.
وهذا كقولك: ما أُطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتك ولكن معناه أن يثقل عليك.
فإن قيل: هل يجوز على العادل أن يكلّف فوق الوسع؟ .
قيل: قد أخبر عن سعته ورحمته وعطفه على خلقه كما نفى الظلم عن نفسه، وإن كان لا
يتوهّم منه الظلم بحال. وقال قوم: لو كلّف فوق الوسع لكان له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره،
ولكنّه أخبر أنّه لا يفعله والسلام.

٣١١
محتوى الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
محتوى الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
تكملة سورة البقرة
فصل في معنى الإخلاص
٦
ذكر حكم الآيات
٥٤
حكم الآية .
٥٥
فصل في حكم الآية
٦٦
حکم الآية
٩٦
في افراد الحج
٩٧
٩٨
في القران
١٠٤
تفصيل حكم الآية
صفة قتل داود جالوت
٢١٧
ذكر حكم الآية
٢٨٦
في فضل إنظار المعسر
٢٨٧
فصل في الدَّين
٢٨٨
فصل في تفصيل آخر ما نزل من القرآن
٢٨٩
٠٠
حكم الآية
١٩١

طِبِعَ عَلَى مَطِابْع
دَارُ العمياء التراث العربيّ