Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة البقرة، الآيات: ١١٤ - ١١٧ الرّومي وأصحابه؛ وذلك إنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التّوراة وخرّبوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير وكان خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيّام عمر بن الخطّاب. قتادة والسّدي: هو بخت نصر وأصحابه غزوا اليهود وخرّبوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك النّصارى ططيوس وأصحابه من أهل الرّوم. قال السّدي: من أجل إنّهم قتلوا يحيى بن زكريّا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على معاونة بخت نصّر البابلي المجوسي فأنزل الله إخباراً عن ذلك: ﴿ومن أظلم﴾ أيّ أَكْفَر وأغثا ﴿ممن منع مساجد الله﴾ يعني بيت المقدس ومحاريبه. (أنّ يذكر) في محل نصب المفعول الثاني لأنّ المنع يتعدّى إلى مفعولين تقديره ممّن منع مساجد الله. الّذكر، وإن شئت جعلت نصباً بنزع حرف الصّفة أي: من أن يذكر. ﴿وسعى في خرابها﴾ أي في عمل خرابها. ﴿أُولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين﴾ وفي مصحف أُبي الآخيفاء. قال ابن عبّاس: لا يدخلها بعد عمارتها رومي إلاّ خائفاً لو علم به قُتل. قتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلاّ متنكراً مشارفه لو قدر عليه عوقب ونهك ضرباً . السّدي: أخيفوا بالجزية، وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى للأمر كقول: اجهضوهم بالجهاد كي لا يدخلها أحد منهم إلاّ خائفاً من القتل والسّبي نظيره قوله: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ... ﴾ إلى ﴿أبداً﴾(١) نهاهم عن لفظ الخبر فمعنى الآية: ما ينبغي لهم ولكم وهذا وجه الآية. ﴿لهم في الدّنيا خزي﴾ عذاب وهوان. قال قتادة: هو القتل للحربي والجزّية للذّمي. مقاتل والكلبي: فتح مدائنهم الثلاثة: قسطنطينية وروميّة وعمورية. السّدي: هو إنّه إذا قام المهدي [في آخر الزمان] فتحت قسطنطينية فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم فذلك خزيهم في الدّنيا . ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ وهو النّار. (١) سورة الأحزاب: ٥٣. ٢٦٢ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي إسماعيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: لا تقوم السّاعة حتّى تفتح مدينة هرقل ويؤذّنِ فيها المؤذنون ويقسّم فيها المال بالترضية فينقلبون بأكثر أموال رآها النّاس قط فبينا هم كذلك إذا أتاهم إنّ الدجّال قد خلفكم في أهليكم فيلقون ما في أيديهم ویجیئونه ويقاتلونه .. وقال عطاء وعبد الرّحمن بن عوف: نزلت هذه الآية في مشركي عرب مكّة وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا محمّداً وَير وأصحابه من حجّه والصّلاة فيه عام الحديبية وإذا منعوا من تعميره بذكر الله عزّ وجلّ فقد سعوا في خرابه يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾(١) الآية ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين﴾ يعني أهل مكّة يقول: أفتحها عليكم حتّى تدخلوها أو تكونوا أولى بها منهم ففتحها الله عليهم وأمر رسول الله وَل﴾: منادياً فِنادى: ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان فطفق المشركون يقولون: اللّهمّ إنّا قد منعنا أن نشرك بهذا لهم في الدّنيا خِزي الذّل والقتل والسّبي والنّفي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية: اختلفوا في سبب نزولها فقال ابن عبّاس: خرج نفر من أصحاب رسول الله ◌َ و في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فاصابهم الضّباب فحضرت الصّلاة فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم من صلّى إلى المشرق ومنهم من صلّى إلى المغرب. فلما ذهب الضّبابِ استبان لهم إنّهم لم يصيبوا. فلما قدموا سألوا رسول الله وَلّر عن ذلك فنزلت هذه الآية بذلك. وقال عبدالله بن عامر بن ربيعة: كنّا مع رسول الله وَلّ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرّجل يتّخذ أحجاراً فيعمل مسجداً يُصلّي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة فقلنا يا رسول الله: لقد صليّنا ليلتنا هذه إلى غير القبلة فأنزل الله هذه الآية .. قال عبد الله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلّي حيثما توجّهت به راحلته تطوعاً، وكان رسول الله والله يُصلّي على راحلته جائياً من مكّة إلى المدينة. وعن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: كان رسول الله وَ يُصلّي على راحلته في السّفر حیثما توجّهت به(٢) . .. .. قال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة لما حوّلت إلى الكعبة. فأنزل الله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب﴾. ﴿فأينما تولوا﴾ أيها المؤمنون في سفركم وحضركم. (١) سورة التوبة: ١٧ . (٢) كتاب الأُم للشافعي: ١١٨/١، ومسند أحمد: ٦٦/٢. ٢٦٣ سورة البقرة، الآيات: ١١٤ - ١١٧ ﴿فثمّ وجه الله﴾ قبلة الله التي وجهكم إليها فاستقبلوها يعني الكعبة، وقال أبو العالية: لما غيّرت القبلة إلى الكعبة عيّرت اليهود المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس. فأنزل الله تعالى هذه الآية جواباً إليهم. عطاء وقتادة: نزلت في النجاشي وذلك إنّه توفّي، فأتى جبرئيل النبيّ وَلّ فقال: إنّ أخاكم النجاشي قد مات فصلّوا عليه. فقال أصحاب رسول الله و له: كيف نُصلّي على رجل مات وهو يُصلي إلى غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يُصلّي إلى بيت المقدس حتّى مات. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مجاهد والحسن والضحّاك: لمّا نزلت: ﴿وقال ربّكم أدعوني أستجب لكم﴾(١) قالوا أين ندعوه؟ فنزلت ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ ملكاً وخلقاً ﴿فأينما تولّوا﴾ تحولّوا وجوهكم ﴿قثمَ﴾ هناك ﴿وجه الله﴾. وقال الكلبي والقتيبي: معناه فثمّ الله عليم يرى والوجه صلة كقوله تعالى. ﴿يريدون وجهه﴾ أيّ يريدونه بالدُّعاء، وقوله ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾(٢). أيّ إلّ هو، وقوله تعالى ﴿ويبقى وجه ربّك﴾(٣) أي ويبقى ربّك، وقوله ﴿إنّما نطعمكم لوجه الله﴾(٤) أيّ لله. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: فثمّ قبلة الله أضافها إلى نفسه تخصيصاً وتفصيلاً، كما يُقال: بيت الله، وناقة الله، والوجه والجهة والوجهة: القبلة. ﴿إنّ الله واسع﴾ قال الكلبي: واسع المغفرة لا يتعاظم مغفرته ذنب دليله قوله تعالى ﴿إنّ ربّك واسع المغفرة﴾(٥). أبو عبيدة: الواسع الغني يُقال: يُعطي فلان من سعة أي من غنى قال الله ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾(٦) قال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاءهُ كل شيء. دليله قوله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ﴾(٧) وقيل: الواسع العالم الذي يسع علمه كلّ شيء. قال الله ﴿وسع كرسيّه السَّموات والأرض﴾ (٨) أي علمه. ﴿عليم﴾ بنياتهم حيثما صلّوا ودعَوَا، وقال بعض السّلف: دخلت ديراً فجاء وقت الصّلاة فقلت لبعض من في الدّير: دُلني على بقعة طاهرة أُصلي فيها. فقال لي: طهّر قلبك عمّن سواه، وقف حيث شئت. قال: فخجلت منه. (١) سورة غافر: ٦٠ . (٢) سورة القصص: ٨٨. (٣) سورة الرحمن: ٢٧ . (٤) سورة الإنسان: ٩. ... (٥) سورة النجم: ٣٢. (٦) سورة الطلاق: ٧. (٧) سورة الأعراف: ١٥٦ . . (٨) سورة البقرة: ٢٥٥. ٢٦٤ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه﴾ نزلت في يهود أهل المدينة حيث قالوا: عُزيرا بن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح بن الله وفي مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. (سبحانه) نزّه وعظم نفسه . ﴿بل له ما في السّمُوات والأرض﴾ عبيداً وملكاً. ﴿كل له قانتون﴾ مجاهد وعطاء والسّدي: مطيعون دليله قوله تعالى ﴿والقانتين والقانتات﴾(١). عكرمة ومقاتل ويمان: مقرون بالعبوديّة. ابن كيسان: قائمون بالشهادة، وأصل القنوت: القيام، وسُئل رسول اللـه ◌َله أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) [١٠١](٢)، وقيل: مصلّون دليله قوله ﴿أمن هو قانت أناء الليل﴾(٣) وقال رسول الله وقلّ: ((مثل المجاهد في سبيل الله مثل القانت الصائم)) [١٠٢]. أيّ المُصلّي (٤). وقيل: داعون. دليله قوله تعالى ﴿قوموا لله قانتين﴾(٥) واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال بعضهم: هو خاص، ثمَّ سلكوا في تخصيصه طريقين: أحدهما هو راجع إلى عُزير والمسيح والملائكة، وهو قول مقاتل ويمان. القول الثاني قالوا: هو راجع إلى أهل طاعته دون النّاس أجمعين وهذا قول ابن عبّاس والفراء، وقال بعضهم: هو عام في جميع الخلق ثمَّ سلكوا في الكفّار الجاحدين طريقتين أحدهما: إنّ ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد دليله قوله عزّ وجلّ ﴿يتفيئوا ظلاله عن اليمين﴾(٦) الآية. قال الله تعالى ﴿وظلالهم بالغدوّ والآصال﴾(٧). والثاني: هذا يوم القيامة قاله السدي وتصديقه قوله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيّوم﴾ (٨). ﴿بديع السّموات والأرض﴾ أي مبتدعها ومنشُها من غير مثال سبق ﴿وإذا قضى أمراً﴾ أي بيده وأراد خلقه وأصل القضاء إتمام الشيء وإحكامه. قال أبو ذؤيب: داود أوصنع السوابغ تبّع وعليهما مسرودتان قضاهما (١) سورة الأحزاب: ٣٥. (٢) مسند أحمد: ٣٠٢/٣، وسنن الدارمي: ٢٣٩/١ ح ٣٨٥. (٣) سورة الزمر: ٩. (٤) مسند أحمد: ٤٣٨/٢، ومجمع الزوائد: ٢٧٥/٥. (٥) سورة البقرة: ٢٣٨. (٦) سورة النحل: ٤٨. (٧) سورة الرعد: ١٥. (٨) سورة طه: ١١١. / ٢٦٥ سورة البقرة، الآيات: ١١٨ - ١٢٣ ﴿فإنّما يقول له كن فيكون﴾ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَّةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبَّلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَا أَلْآَيَاتِ لِغَّوْمِ يُوقِنُونَ (١٨) إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيْرًا وَنَذِيرًّاً وَلَا ◌ُشْشَلُ عَنْ أَعْعَبِ اَلْمَحِيمِ (١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنَكَ أَلْيَهُوُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى ◌َ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَّكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلٍِ وَلَ نَصِيرٍ (١٤) الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبُ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَنِ، أُوْلَكَ يُؤمِنُونَ بِهٌِ وَمِنْ يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَكَ هُ الْخَبِرُونَ (١٦) يَبَنِىَ إِشْرَوِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَئِىَ الَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّ فَضَّلْتَكُمْ عَلَى الْعَلَّمِينَ (١٦) وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَخِى نَفْسِّ عَن نَّفْسِِ شَيْئَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَغَمُهَا شَفَعَهُ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ ﴿وقال الّذين لا يعلمونَ﴾ يعني اليهود قاله ابن عبّاس. مجاهد: هم النّصارى. قتادة: هم مشركو العرب. ﴿لولا﴾ هلاّ ﴿يكلّمنا الله﴾ عياناً بأنك رسوله . ﴿أو تأتينا آية﴾ دلالة وعلامة على صدقك. قال الله تعالى: ﴿كذلك قال الّذين من قبلهم﴾ أي كفّار الأمم الخالية ﴿مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ أشبه بعضها بعضاً في الكفر والفرقة والقسوة. ﴿قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون﴾ ﴿إنّا أرسلناك﴾ يا محمّد ﴿بالحق﴾ بالصدق من قولهم فلان محقّ في دعواه إذا كان صادقاً دليله قوله تعالى ﴿ويستنبئونك﴾(١) أحقٌّ هو؟ أي صدق. مقاتل: معناه لن نرسلك عبئاً بغير شيء بل أرسلناك بالحق، دليله قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السّمُوات والأرض وما بينهما إلاّ بالحق﴾(٢) وهو ضد الباطل. ابن عبّاس: بالقرآن دليله قوله تعالى: ﴿بل كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم﴾(٣). ابن كيسان: بالاسلام دليله قوله عزّ وجلّ: ﴿وقل جاء الحقّ وزهق الباطل﴾(٤) ﴿بشيراً﴾ مبشراً لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم. ﴿ونذيراً﴾ منذراً مخوفاً لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم. ﴿ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم﴾ عطاء وإبن عبّاس: وذلك إنّ النبيّ ◌ِّ، قال ذات يوم: ((ليت شعري ما فعل أبواي)) [١٠٣] فنزلت هذه الآية(٥). (١) سورة يونس: ٥٣. (٣) سورة ق: ٥. (٢) سورة الأحقاف: ٣. (٤) سورة الإسراء: ٨١. (٥) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ٥٩/١، وتفسير الطبري: ٧١٩/١. ٢٦٦ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي وقال مقاتل: هو إنّ النّبِيِ ◌ّير قال: ((لو أنزل الله بأسه باليهود لأمنوا)) [١٠٤](١). فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) وفيه قراءتان: بالجزم على النهي وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ويعقوب ووجهها القول الأول في سبب نزول الآية. وقرأ الباقون: بالرفع على النفي يعني: ولست بمسؤول عنهم دليلها قراءة ابن مسعود: ولن تسأل وقراءة أُبي: وما نسألك عن أصحاب الجحيم ولا تؤخذ بذنبهم والجحيم وهو الجحم والجحمة: معظم النّار. ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا التّصارى حتّى تتّبع ملّتهم﴾ وذلك إنّهم كانوا يسألون النبيّ ◌َيل الهدنة ويطمّعونه ويرون إنّه إن هادنهم إتّبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال إبن عبّاس: هذا في القبلة وذلك إنّ يهود أهل المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلّي النبيّ وَّ إلى قبلتهم فلمّا صرف الله القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتّى تتّبع﴾ دينهم وقبلتهم، وزعم الزجّاج: إنّ الملّة مأخوذة من التأثير في الشيء كما تؤثر الملّة في الموضع الّذي يختبز فيه. ﴿ولئن اتّبعت أهواءهم بعد الّذي جاءك من العلم﴾ البيان بأنّ دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم ◌ِلِّ هي الكعبة . ﴿مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وكانوا أربعين رجلاً وإثنا وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشّام منهم بحيرا . وقال الضحّاك: من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه وسعيّة بن عمرو ويمام بن يهودا وأسيد وأسد إينا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا . قتادة وعكرمة: هم أصحاب محمّد ◌َلّ. وقيل: هم المؤمنون عامّة . ﴿يتلونه حقّ تلاوته﴾ الكلبي: يصفونه في كتبهم حقّ صفته لمن سألهم من النّاس وعلى هذا القول الهاء راجعة إلى محمّد بَّه. وقال آخرون: هي عائدة إلى الكتاب ثمّ اختلفوا في معنى قوله ﴿يتلونه حقّ تلاوته﴾ سعيد عن قتادة قال: بلغنا عن ابن مسعود في قوله ﴿يتلونه حقّ تلاوته﴾ قال: يحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويقرأونه كما أُنزل، ولا يحرفونه عن مواضعه، وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم منه إلى عالمه. (١) أسباب النزول للواحدي: ٢٥، وزاد المسير لابن الجوزي: ١٢١/١، وراجع تفسير القرطبي: ٩٢/٢. ٢٦٧ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ مجاهد: يتبعونه حقّ اتباعه. ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون * يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّ فضلتكم على العالمين * واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم يُنصرون﴾ إلى قوله ﴿وإذ ابتلى إبراهم ربّه﴾. وَإِذْ أَبَّ إِزَهِمَ رَّئُّمُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَّمَّهُنَّ قَالَ إِّ بَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ وَمِن ذُرِيَّتِيْ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى اُلْظَّالِمِينَ ﴿َ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلُ وَهِدْنَاً إِلَى إِبْرُهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّطَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَاَلُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٤) وَإِذْ قَالَ إِبُهِعُ رَبِ أَجْعَلُ هَذَا بَلَدَّا ءَ إِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِلًا ثُمَّ أَضْطَرَّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِسَ الْمَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِعُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا لَقَبَّلُ مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴿ رَبَنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُنَّهَ مُسْلِمَّةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَّاسِكَا وَيُّبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِمُ (٧٨) وَبَنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَّةَ وَيُزَكِبِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قرأ أبو الشعثا جابر بن زيد: ﴿إبراهيم﴾ ربه إبراهيم رفعاً وربه نصباً على معنى سأل ودعا فقيل له ومن اين لك هذا؟ فقال: اقرأنيه ابن عباس. وهذا غير قوي لأجل الباء في قوله ﴿بكلمات﴾ وقرأ الباقون بالنصّب، وجعلوا معنى الأبتلاء الأختيار والامتحان في الأمر، وهو الصحيح، وفي ﴿إبراهيم﴾ أربع لغات: قرأ ابن الزبير: ابرهام بألف واحد بين الهاء والميم، وقرأ أبو بكر إبراهم وكان زيد بن عمر يقول في صلاته: إني عذت بما عاذ به إبراهيم، إذ قال: إني لك اللهم عان راغم(١) وقرأ عبد الله بن عامر اليحصبي: ابراهام بألفين، وقرأ الباقون: إبراهيم [ ... قال يحيى بن سعيد](٢) الأنصاري: أقرأ ابراهام وإبراهيم. فأن الله عزّ وجلّ أنزلهما كما أنزل يعقوب واسرائيل، وعيسى والمسيح ومحمّداً وأحمد. الربيع ابن عامر: مصحفة مكتوب في مصاحف أهل الشام إبراهام بالألف وفي غيرها بالياء . وإبراهيم إسم أعجمي ولذلك لا يجري وهو إبراهيم بن نازح بن ناحور بن ساروخ بن ارخوا بن فالغ بن منابر بن الشالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح. فاختلفوا في مسكنه، فقال بعضهم: كان [بكشكر،](٣) وقال قوم: حرّان؛ ولكن أباه نقله إلى بابل أرض نمرود بن كنعان (١) ومطلعه: مستقبل القبلة وهو قائم. (٣) كذا في المخطوط. (٢) مجموعة كلمات سقط في المخطوط. ٢٦٨ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي واختلفوا في الكلمات التي ابتلى إبراهيم النَّا: عن ابن عبّاس: هي ثلاثون سهماً، وهي شرائع الأسلام، ولم يبتل أحد بهذا الدّين كلّه فأقامه كلّه إلّ إبراهيم (عليه الصلاة والسلام). ﴿فأتمهن﴾ فكتب له البراءة. فقال: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ وهي عشرة في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ الآية وعشرة في الأحزاب ﴿إنّ المسلمين والمسلمات﴾ الآية، وعشرة في المؤمنين ﴿وسأل سائل﴾ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾، وقوله ﴿إلّ المصلين﴾. وروى طاووس عن ابن عبّاس قال: إبتلاه بعشرة أشياء هي من الفطرة والطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتّي في الرأس قصّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسّواك وفرق الرأس، والّتي في الجسد: تقليم الأظافر ونتف الأبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء. مجاهد: هي الأيات الّتي في قوله: ﴿قال إنّ جاعلك للنّاس إماماً﴾ إلى آخر القصّة. الربيع وقتادة: مناسك الحج. الحسن: ابتلاه بسبعة أشياء إيتلاه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن في ذلك وعلم أنّ ربّه دائم لا يزول وإبتلاه بالنّار فصبر على ذلك، وإبتلاه بذبح ابنه فصبر على ذلك وبالختانُ فصبر على ذلك وبالهجرة فصبر عليه . سعيد بن جبير: هي قول إبراهيم وإسماعيل حين يرفعان البيت ﴿ربنا تقبّل منّا﴾(١) فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. يمان: هي محاجّة قومه قال الله: ﴿وحاجّه قومه) إلى قوله تعالى ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾(٢). أبو روق: هي قوله التّلا ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ الآيات وقال بعضهم: هي إنّ الله ابتلاه في ماله وولده ونفسه فسلم ماله إلى الضيفان، وولده إلى القربان، ونفسه إلى النيران، وقلبه إلى الرّحمن فاتخذه خليلاً، وقيل: هي سهام الأسلام وهي عشرة: شهادة أن لا إله إلاّ الله وهي الملّة والصلاة وهي القنطرة .. قال: [والزكاة](٣) وهي الطهارة والصّوم وهو الجنّة والحج وهو الشريعة، والغزو وهو النّصرة، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة، والأمر بالمعروف وهو الوفاء والنهي عن المنكر وهو الحُجّة. فأتمهنّ. قال قتادة: أدّاهن. (١) سورة البقرة: ١٢٧ . (٣) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه. (٢) سورة الأنعام: ٨٣. ٢٦٩ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ الربيع: وفى بهنّ. الضّحاك: [ ... أيمانهن](١)، يمان: عمل بهن. قال الله ﴿إنّ جاعلك﴾ يا إبراهيم ﴿للناس إماماً﴾ ليقتدي بك وأصله من الأم وهو القصد. ﴿قال﴾ إبراهيم ﴿ومن ذرّيتي﴾ ومن أولادي أيضاً. فاجعل أئمّة يُقتدى بهم وأصل الذريّة الأولاد الصغار مشتق من الذر لكثرته، وقيل: من الذرر وهو الخلق فخفف الهمز وأدخل التشديد عوضاً عن الهمز كالبرّيّة. قيل: من الذرو وفيها ثلاث لغات: ذريّة بكسر الذال، وهي قراءة زيد بن ثابت، وذريّة بفتحها وهي قراءة أبي جعفر، وذريّة بضمها وهي قراءة العامّة . ﴿قال﴾ الله ﴿لاينال﴾ أي لا يصيب. ﴿عهدي الظالمين﴾ وفيه ثلاث قراءات: عهدي الظالمون، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة ابن مصرف، وعهدي الظالمين مرتجلة الياء، وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة، وعهدي الظالمين بفتح الياء وهي قراءة العامّة، واختلفوا في هذا العهد فقال عطاء بن أبي رباح: رحمتي. الضحّاك: طاعتي دليله قوله: ﴿وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم﴾(٢). السّدي: [التوفي] دليله قوله ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾(٣). مجاهد: ليس الظالم أن يطاع في ظلمه. أبو حذيفة: أمانتي دليله قوله ﴿وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم﴾(٤). أبو عبيد: أماني دليله قوله: ﴿فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم﴾(٥)، وقيل: إيماني دليله عزّ وجلّ ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾(٦). ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ يعني الكعبة. ﴿مثابةً﴾ مرجعاً والمثاب والمثابة واحد كالمقام والمقامة قال ابن عبّاس: يعني معاذاً وملجأ . مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك: [يَثِبون] إليه من كلّ جانب ويحجّون ولا يملّون منه فما من أحد قصده إلاّ وهو يتمنى العود إليه. (١) كلمة غير مقروءة. (٣) سورة البقرة: ٢٧. (٥) سورة التوبة: ٤ . (٢) سورة البقرة: ٤٠ . (٤) سورة النحل: ٩١. (٦) سورة يس: ٦٠. ٢٧٠ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي قتادة وعكرمة: مجمعاً، وقرأ طلحة بن مصرف: مثابات على الجمع. ﴿للنّاس وأمناً﴾ مأمناً يأمنون فيه. قال ابن عبّاس: فمن أحدث حدثاً خارج الحرم ثمّ التجأ إلى الحرم أمن من أن يهاج فيه ولكن لا يؤوى ولا يخالط ولا يبايع ويوكلّ به فاذا خرج منه أقيم عليه الحد ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحدّ فيه .. ﴿وإتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى﴾ قرأ شيبة وابن عامر ونافع والأعرج والحسن وابن أبي إسحاق وسلام: واتّخذوا بفتح الخاء على الخبر وقرأ الباقون: بالكسر على الأمر. قال ابن كيسان: ذكروا أن رسول الله ◌َ﴿ مّ بالمقام ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: ((بلى)) قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ قال: ((لم أؤمر بذلك)) [١٠٥](١). فلم تغب الشمس من يومهم حتّى نزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى﴾. وعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو أتخذت من مقام إبراهيم مصلّى فأنزل الله ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى﴾ وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب قال: وبلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبيّ وَل ◌ِ فاستنفرتهنّ فجعلت أقول لهنّ: لتكفنّ عن رسول الله أو استبدلته أزواجاً خيراً منكنّ حتّى أتيت على آخر أُمهات المؤمنين. وقالت أمّ سلمّة: يا عمر أما في رسول الله ما يغبط نساءه حتّى يعظهِن مثلك وأمسكت فأنزل الله تعالى: ﴿عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات﴾(٢) الآية. واختلفوا في معنى قوله ﴿من مقام إبراهيم﴾ قال إبراهيم النخعي: الحرم كلّه مقام إبراهيم. يمان: المسجد كلّه مقام إبراهيم. قتادة ومقاتل والسّدي: هو الصّلاة عند مقام إبراهيم أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله. وأمّا قصّتَهُ وبدءُ أمره. فروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكّة ولبث على ذلك مدة، ونزلها الجوهميّون وتزوج إسماعيل امرأة منهم، وماتت هاجر. فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر (١) مسند أبي الجعد: ٣٧، ة تفسير ابن كثير: ١٧٤/١. (٢) سورة التحريم: ٥. ٢٧١ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ فذهب إلى بيت إسماعيل. فقال لأمرأته: أين صاحبك؟ قال: ليس هاهنا. ذهب للصيّد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثمّ يرجع. فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ هل عندكِ طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي ولا عندي أحد. قال إبراهيم: إذا جاء زوجكِ فأقرئيه السّلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل ووجد ريح أبيه. فقال لامرأته: هل جاءكٍ أحدٌ؟. قالت: جاءني شيخ صفته كذا، كالمستخفة بصفته. قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لي أقرئي زوجك مني السّلام، وقولي له: فليُغير عتبة بابه. فطلّقها، وتزوج أُخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثمّ استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، وجاء إبراهيم حتّى أتى إلى بيت إسماعيل. فقال إبراهيم لا مرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيّد وهو يجيء الآن إنشاء الله فأنزل يرحمك الله. قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللّبن واللّحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر لكانت أرض الله برّاً وشعيراً وتمراً وقالت له: إنزل حتّى أغسل رأسك فلم ينزل فجاء بالمقام فوضعته تحت شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه وغسلت شقّ رأسه الأيمن ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فبقى أثر قدمه عليه فغسلت شقّ رأسه الأيسر فقال لها: إذا جاء زوجك فأقريه السّلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن النّاس شبهاً وأطيبهم ريحاً فقال لي كذا وقلت له كذا وغلست رأسه وهذا موضع قدميه على المقام فقال لها: ذلك إبراهيم عليلا(١). وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير إنّه أذهبه مسح النّاس بأيديهم. نافع بن شيبة يقول: سمعت عبدالله بن عمر يقول: أشهد ثلاث مرّات أنّ سمعت رسول الله ◌َلا يقول: ((الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنّة طمس الله نورهما ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب)) [١٠٦](٢). ﴿عهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ أي أمرناهما وأوصينا إليهما. (١) تاريخ الطبري: ١٨١/١ ط. الأعلمي بيروت. (٢) المجموع للنووي: ٣٦/٨، ومسند أحمد: ٢١٣/٢. ٢٧٢ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ﴿أن طهّرا بيتي﴾ الكعبة أي إبنياه على الطّهارة والتوحيد. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمر وعطاء ومقاتل: طهّرا بيتي من الأوثان والرّيب وقول الزور، وسمع عمر رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا أتدري أين أنت؟ الأوزاعي عن عهدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله : ((إنّ الله أوحى إليّ يا أخ المرسلين يا أخا المنذرين إنذر قومك ألّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلّ بقلوب سليمة وألسن صادقة وأيد نقيّة وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة فإنّي ألعنه ما دام قائماً بين يديّ يصلّي حتّى يردّ تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الّذي يسمع به وأكون بصره الّذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء والصالحين)) [١٠٧](١). وقال يمان بن رئاب: معناه بخّراه وخلقاه(٢). مكحول عن معاذ بن جبل عن رسول الله وسلم قال: ((جنّبوا مساجدكم غلمانكم(٣) - يعني صبيانكم ومجانينكم - وسلّ سيوفكم ورفع أصواتكم وحدودكم وخصومكم وبيعكم وشراءكم وحمرّوها يوم جمعتكم واجعلوا على أبوابها بظاهركم)) [١٠٨](٤). وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وجعفر وأهل المدينة: (بيتي) بفتح الياء وقرأ الاخرون: باسكانه واضافته تعالى إلى نفسه سبحانه تخصيصاً وتفضيلاً. ﴿للطائفين﴾ حوله وهم النزاح إليه من آفاق الأرض. ﴿والعاكفين﴾ أي المقيمين فيه وهم سكّان الحرم. ﴿والركْع﴾ جمع الرّاكع. ﴿السّجود﴾ جمع الساجد مثل قاعد وقعود. قال عطاء: إذا كان طائفاً فهو من الطائفين وإذا كان جالساً فهو من العاكفين وإذا كان مصلّياً فهو من الركّع السجود. الاوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ في كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا البيت فستون للطائفين وأربعون للمصلّين وعشرون للناظرين)) [١٠٩](٥). (١) كنز العمال: ٩٣٣/١٥، وتفسير القرطبي: ١١٥/٢. (٢) راجع تفسير القرطبي: ٢ / ١١٤. (٣) في المصادر لا يوجد غلمانكم وما هو موجود: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ... (٤) المجموع للنووي: ١٣٢/٢٠، وسنن ابن ماجة: ٢٤٧/١ ح ٧٥٠ ز (٥) تاريخ دمشق: ٣٨٨/٣٤. ٢٧٣ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ ﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا﴾ يعني مكّة أو الحرم. ﴿بلداً آمناً﴾ أي مأموناً فيه يأمن أهله. ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ قال الأخفش: من آمن بدل من أهله على البيان، كما يُقال: أخذت المال ثلثيه ورأيت القوم ناساً منهم، وهذا ابدال البعض من الكلّ كقوله: ﴿ولله على النّاس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾(١). ﴿قال﴾ الله. ﴿ومن كفر فأمتعه قليلاً﴾ فسأرزقه آلى منتهى أجله لأنه تعالى وعد الرزق للخلق كافة كافرهم ومؤمنهم وقيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل. قرأ معاوية وابن عامر: فامتعه بضم الألف وجزم الميم خفيفة، وقرأ أُبي: فنمتعه قليلاً ثمّ نضطره بالنون. ﴿ثمّ أضطره﴾ موصولة الألف مفتوحة الراء على عهد الدُّعاء من إبراهيم عليَّلا، وقرأ الباقون: فأَمتعه بضم الألف مشددّة ثمَّ اضطره على الخبر أيّ الجنة في الآخرة ﴿إلى عذاب النّار وبئس المصير﴾ أيّ المرجع تصير إليه. ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ روى الرواة من أسانيد مختلفة في بناء الكعبة جمعت حديثهم ونسقته ليكون أحسن في المنطق وأقرب إلى الفهم. قالوا: خلق الله عزّ وجلّ موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، فكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها. فلما أهبط الله عزّ وجلّ آدم إلى الأرض كان رأسه يمسّ السّماء حتّى صلع وأورث أولاده الصّلع ونفرت من طوله دواب الأرض فصارت وحشاً من يومئذ، وكان يسمع كلام أهل السّماء ودُعاءهم وتسبيحهم، يأنس إليهم فهابته الملائكة واشتكت نفسه. فنقصه الله عزّ وجلّ إلى ستين ذراعاً بذراعه. فلمّا فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش، وشكا ذلك إلى الله عزّ وجلّ. فأنزل الله ياقوتة من يواقيت الجنّة الكلام مقطوع له بابان من زمرّد أخضر باب شرقي وباب غربي فأنزل الله فيه قناديل من الجنّة. فوضعه على موضع البيت إلى الآن ثمّ قال: يا آدم إنّي أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتصلّ عنده كما يُصلّى عند عرشي. فأنزل عليه الحجر. فمسح به دموعه وكان أبيض فلما لمسته الحُيَّض في الجاهلية أسود. وقال النبيّ وَلّ: ((إنّما الحجر ياقوتة من يواقيت الجنّة ولولا ما مسه المشركون بأنجاسهم ما مسّهُ ذو عاهة إلاّ شفاه الله تعالى)) [١١٠](٢). فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكّة ماشياً وقيّض(٣) الله له ملكاً يدلّه على البيت. (١) سورة آل عمران: ٩٧. (٢) في هامش المخطوطة: قيض: تقدير . .. (٣) بتفاوت في الجامع الصغير: ٥٨٧/١ ح ٣٨٠٣، والعهود المحمدية: ٢٢٤ . ٢٧٤ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي قيل لمجاهد: يا أبا الحجّاج ألاّ كان يركب؟ قال: فأي شيء كان يحمله فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيّام وكلّ موضع وضع عليه قدمه عمران وما تعدّاه مفاوز وقفار فأتى مكّة وحجّ البيت وأقام المناسك فلمّا فرغ تلقّته الملائكة فقالوا: برّحجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عبّاس: حجّ آدم أربعين حجّة من الهند إلى مكّة على رجليه فهذا بدء أمر الكعبة فكانت على ذلك إلى أيّام الطّوفان فرفعه الله إلى السّماء الرابعة فهو البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وبعث الله جبرائيل حتّى خبّأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة عن الغرق فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم علّ ثمّ إنّ الله تعالى أمر إبراهيم ◌ُل ◌ِّل بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت له يعبد ويذكر فيه فلم يدر إبراهيم أين خبّيء فسأل الله تعالى أن يبيّن له موضعه فبعث الله إليه السكينه ليدلّه على موضع البيت وهي ريح جموح لها رأسان شبه الحيّة فتبعها إبراهيم إلى أن أتيا مكّة فطوّق الله السكينة على موضع البيت كتطويق الحيّة الحجفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السّكينة فبناه وهذا قول علي والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن عبّاس: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلمات إلى أن وافت مكّة ووقفت على موضع البيت، ونودي: أنْ يا إبراهيم إبني على ظلّها لا يزد ولا تنقص فبنى بخيالها . وقال بعضهم: أرسل الله جبرائيل ليدلّه على موضع فذلك قوله ﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت﴾(١) فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، جعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة. قال الثّعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن محمّد بن أحمد القطان البلخي وكان عالماً بالقرآن يقول: كان إبراهيم يفهم بالسريانية وإسماعيل بالعربيّة وكلّ واحد منهما يعرف ما يقول صديقه وما يمكن التفوّه به وكان إبراهيم يقول لإسماعيل: هبلي كنيا يعني: ناولني الحجر، ويقول إسماعيل: هاك الحجر خذه. قالوا: فبقي موضع الحجر فذهب إسماعيل إليه فجاء جبرئيل بحجر من السّماء فأتى إسماعيل وقد ركّب إبراهيم الحجر في موضعه فقال له: من آتاك بهذا؟ فقال: آتاني به من لم يتكّل على بناءك فأقاما البيت فذلك قوله: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾(٢) . قال ابن عبّاس: يعني أُصول البيت الّتي كانت قبل ذلك. (١) سورة الحج: ٢٦. (٢) سورة البقرة: ١٢٧. ٢٧٥ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ الكلبي وأبو عبيدة: أساسه واحدته قاعدة فبنياه من خمسة أجبل طور سيناء [ ... وطور سينا والجودي](١) وبنيا قواعده من حرّاء، فلّما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال الإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال له: جئني بحجر أحسن من هذا، فمضى إسماعيل بطلبه فصاح أبو قبيس(٢) يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه. وقيل: إنّ الله تعالى مدّ لإبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما على بناء البيت فلمّا فرغا من بنائه قالا: ﴿ربّنا تقبّل﴾ أي تقبل منّا بناءنا البيت. ﴿إنّك أنت السميع العليم) بنيّاتنا. ﴿رَبّنا واجعلنا مُسلمَين﴾ موحّدين مطيعين مخلصين ﴿لك﴾. وقرأ عون بن أبي جميلة: مسلمين بكسر الميم على الجمع. ﴿ومن ذرّيتنا﴾ أولادنا ﴿أمّة مسلمة وأرنا﴾ علمنا نظيره قوله ﴿لتحكم بين النّاس بما أراك الله﴾ أي: علّمك الله وفيه أربع قراءات: عبد الله بن مسعود: وأرهم مناسكهم ردّه إلى الأمّة. وقرأ عمر بن عبدالعزيز وقتادة وابن كثير ورويس بسكون الرّاء كل القرآن. وقرأ أبو عمرو: باختلاس كسره للواو. وقرأ الباقون: بكسر الرّاء والأصل فيها أرانا بالهمز فحذفت استخفافاً . فمن قرأ بالجزم قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الرّاء ساكنة على حالها واستدل بقول السدي: أَرْنَا أداوة عبدالله نملأها من ماء زمزم إنّ القوم قد ظمئوا. ومن كسر فأنّه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الرّاء. وأمّا أبو عمرو فطلب الخفّة. وأخبر القاسم بن سلام عن شجاع بن أبي نصر قال، وكان أميناً صدوقاً: إنّه رأى النبيّ وَلَيه في المنام فذكّره أشياء من حرف أبي عمرو فلم يردّ عليه إلاّ حرفين أحدهما هذا والأخر: ما ننسخ من آية أو ننسأها مهموزة. ﴿مناسکنا﴾ شرائح ديننا وإعلام حجّتنا . وقال مجاهد: مذابحنا والنسك: الذّبيحة، وأصل النسك: العبادة يقال للعابد ناسك قال (١) كلمات غير مقروءة. (٢) في هامش المخطوطة: وهو جبل بمكة. ٢٧٦ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي الشّاعر : فهتكت أستاري ولم يبق لي نسكاً وقد كنت مستوراً كثير تنسّك فأجاب الله دعاءهما وبعث جبرئيل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلمّا بلغ عرفات قال لإبراهيم: عرفت يا إبراهيم؟ قال: نعم فسمّي الوقت عرفه والموضع عرفات. ﴿وَتُبْ علينا﴾ تجاوز عنّا وارجع علينا بالرأفة والرحمة. ﴿إنّك أنت التّواب﴾ المتجاوز الرجّاع بالرحمة على عبادك. ﴿الرحيم). ﴿ربّنا وابعَثْ فيهم﴾ أي في الأمّة المسلمة من ذريّة إبراهيم وإسماعيل. وقيل: في أهل مكّة ﴿رسولاً﴾ أي مرسلاً وهو فعُول من الرسالة. وقال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم ناقة مرسال ورسله إذا كانت سهلة السّير ماضية أمام النواق. ويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسْل وجمعه أرسال. ويقال: جاء القوم ارسالاً أيّ: بعضهم في أثر بعض، ومنه قيل للّبن رُسلاً لأنّه يرسل من الضّرع(١). ﴿يتلوا﴾ يقرأ ﴿عليهم آياتك﴾ كتابك جمع الأية وهي العلامة. وقيل: الآية جماعة الحروف. وقال الشيباني: هي قولهم: خرج القوم بمافيهم أي بجماعتهم. ﴿ويعلّمهم الكتاب والحكمة﴾ فقال بعضهم: الآية هاهنا الكتاب فنسّق عليه خلاف اللفظين كقول الحطيئة : وهند تفصيل اتى من دونها النّأي والبعد ألا حبّذا هند وأرض بها هند مجاهد: يعني الحكمة فهم القرآن. مقاتل: هي مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام. ابن قتيبة: هي العلم والعمل ولا يسمّى الرّجل حكيماً حتّى يجمعهما . وعن أبي بكر محمّد بن الحسن البريدي: كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى (١) راجع تفسير القرطبي: ٢ / ١٣١. ٢٧٧ سورة البقرة، الآيات: ١٢٤ - ١٢٩ مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبيّ ◌َّ: ((إنّ من الشّعر لحكمة)) .(D)[١١] وعن أبي جعفر محمّد بن يعقوب: الحكمة كلّ صواب من القول ورّث فعلاً صحيحاً أو حالاً صحيحاً. يحيى بن معاذ: الحكمة جند من جنود الله يرسلها إلى قلوب العارفين حتّى يروّح عنها وهج الدّنيا، وقيل: هي وضع الأشياء مواضعها، وقيل: الحكمة والحكم كلّما وجب عليك فعله . قال الشّاعر : الصمت حكم وقليل فاعله قد قلت قولاً لم يعتّف قائله أي واجب العمل بالصمت. وقيل: هي الشرك والذّنوب، وقيل: أخذ زكاة أموالهم. وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا الأنبياء بالبلاغ، دليله قوله تعالى: ﴿كذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرسول عليكم شهیدا﴾(٢) ﴿إنّك أنت العزيز﴾ ابن عبّاس: العزيز الّذي لا يوجد مثله، بيانه قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾(٣). الكلبي: العزيز المنتقم ممّن يشاء بيانه قوله ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ (٤). الكسائي: العزيز الغالب بيانه قوله ﴿وعزّني في الخطاب﴾(٥): أي غلبني. وقيل في المثل: من عزيز. ابن كيسان: العزيز الّذي لا يعجزه شيء بيانه قوله: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض﴾(٦). المفضَّل بن سلمة: العزيز المنيع الّذي لا تناله الأيدي فلا يردّ له أمر ولا يغلب فيما أراد بيانه قوله ﴿إنّ ربّك فعال لما يريد﴾(٧). كنز العمال: ٨٦٥/٣، ولسان العرب: ١٤١/١٢. (١) (٢) سورة البقرة: ١٤٣. سورة الشورى: ١١ . (٣) (٤) سورة آل عمران: ٤. (٥) سورة ص: ٢٣. فاطر : ٤٤ . (٦) (٧) سورة هود: ١٠٧ . ٢٧٨ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي وقيل: بمعنى المعزّ فعيل بمعنى مفعل بيانه قوله ﴿وتعزّ من تشاء﴾(١). وقيل: هو القوي بيانه قوله ﴿فعززنا بثالث﴾(٢) أي قوّينا. فأصل العزّة في اللّغة الشدّة يقال تعزز لحم النّاقة إذا إشتدّ ويقال: عزّ عليّ أي شقّ عليّ وأشتد، وأنشد أبو عمرو: أجد إذا ضمرت تعزّز لحمها وإذا نشد بتسعها لا تيئس فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث فيهم محمّداً سيّد الأنبياء ولذلك قال رسول الله وَله: (إنّي عبدالله في أُمّ الكتاب لخاتم النبيّن وإنّ آدم لمجدل في طينة(٣) وسوف أنبئكم بذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى (عليهما السلام) قومه، ورؤيا أُمي التي رأت إنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمّهات النبيين)) [١١٢](٤). سعيد بن سويد عن العرياض بن سارية قال: قال رسول الله ﴿ في قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن مّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه﴾ الآية. وذلك إن عبد الله بن سلام دعا إبني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله عزّ وجلّ قال في التوراة: إنّ باعث من ولد إسماعيل نبياً إسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجراً أن يسلم فأنزل الله تعالی. وَمَّنْ يَرْغَبُ عَنِ مِلَّةِ إِبْرَهِمْ إِلَّا مَن سَفِةَ نَفْسَهُ، وَلَقَدٍ أَسْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَّاً وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةْ لَمِنَ اُلْضَّلِحِينَ ﴿٣) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمٍ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴿١٦) وَوَضَّى بِهَا إِثْزَهِمُ بَنِهِ وَيَعْغُوبُ يَبِِّىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمِ مُسْلِمُونَ ﴿٣) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِيَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَّهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِرَّهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمٌ وَلَا تُنْشَلُونَ عَنَّا إِلَّهَا وَجِدًا وَنَحْرٌ لَهُ مُسْلِمُونَ كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه﴾ أي يترك دينه وشريعته. يقال: رغب في الشيء إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته. وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه، والأصل فيه الكرة فمعنى قوله تعالى ﴿ومن يرغب عن ملّة إبراهيم﴾ أي يرفع همّته عنها ﴿إلّ من سفه نفسه﴾. (١) سورة آل عمران: ٢٦. (٢) يس: ١٤. (٤) بتفاوت في مسند أحمد: ١٢٧/٤، وفتح الباري: ٤٢٦/٦. (٣) في المصادر: طينته. ٢٧٩ سورة البقرة، الآيات: ١٣٠ - ١٣٤ قال ابن عبّاس: حيّر نفسه. حيّان عن الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه(١). أبو روق: عجّز رأيه عن نفسه. يمان: حمق رأيه، ونفسه منصوب في هذه الأقاويل بنزع حرف الصّفة. وقال الفرّاء: نصب على التفسير، والأصل: سفهت نفسه فلمّا أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس مفسَّرة ليعلم موضع السفه كما يقال: ضقت به ذرعاً معناه: ضاق ذرعي به، ويقال: ألم زيدُ رأسه ووجع بطنه . وقال أبو عبيدة: سفه نفسه: أي أوبق نفسه وأهلكها . هشام وابن کیسان: جهل نفسه. وحكى المفضّل بن سلمة عن بعضهم سفه. حقّر نفسه. والنفس على هذه الأقوال نصب لوقوع الفعل عليه وهذا كما جاء في الخبر: ((من عرف نفسه فقد عرف ربّه)) [١١٣](٢). وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه. ﴿ولقد اصطفيناه﴾ اخترناه ﴿في الدنيا﴾ وأصل الطاء فيه تاء حوّلت طاء لقرب مخرجيها ولتطوع اللسان به . ﴿وإنّه في الآخرة لمن الصالحين﴾ الفائزين. قال الزجّاج وقال ابن عبّاس: يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة بيانه قوله: خطابه عن يوسف ﴿توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾(٣). وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد إصطفيناه في الدنيا والأخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل. ﴿إِذ قال له ربّه أسلم﴾ أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مُسلماً كقوله تعالى ﴿فاعلم إنّه لا إله إلّ الله﴾(٤) أي أثبت على علمك. وقال ابن عبّاس: إنّما قال له ذلك حين ألُقي في النّار، وعن ابن كيسان: أخلص دينك لله بالتوحيد. عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك لله، وقيل: إخضع وإخشع. (١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ١ / ١٣٢ ونسبه للزجاج. (٢) مناقب الخوارزمي: ٣٧٥، وفيض القدير: ٦٤/٥ ح ٦٤١٦ . (٣) سورة يوسف: ١٠١ . (٤) سورة محمد: ١٩. ٢٨٠ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ﴿قال أسلمت لربّ العالمين﴾ ﴿ووصى﴾ في مصحف عبد الله: فوّصى، وقال أهل المدينة والشام: وأوصى بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم. قال أبو عبيد: وكذلك رأيت في مصحف عثمان، وقرأ الباقون ((ووصّى)) مشدداً، وهما لغتان، يُقال: أوصيته قد وصيته به إذا أمرته به مثل: أنزل ونزّل. قال الله ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾(١)، وتصديق الأيصاء قوله ﴿يوصيكم الله﴾(٢)، وقوله ﴿يوصين﴾(٣)، ودليل التوصية قوله ﴿ووصّينا الأنسان بوالديه حسناً﴾(٤)، وقوله ﴿فلا يستطيعون توصية﴾(٥). الكلبي ومقاتل: يعني كلمة الأحاد لا إله إلاّ الله، وقال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملّة لأنّه ذكر ملّة إبراهيم وأن شئت رددتها إلى الوصية. وقال المفضل: بالطاعة كناية عن غير مذكور، كقوله ﴿حتّى توارت بالحجاب﴾(٦)، وقال طرفة : على مثلها الحواء إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك عنها وافتدي أي من الفلاة. ﴿بها إبراهيم بنيه﴾ التمنية: إسماعيل وأمّه هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارة، ومدين و [ ... سراين](٧) ونقشان، وآتون، ويشبق، وشوخ، وأمّهم جميعاً - قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوّجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وقوله تعالى ﴿ويعقوب﴾ وسُمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب على أثره فأخذ يعقبه. قاله ابن عبّاس وقد مضت القصّة. وقيل: سُمّي يعقوب لكثرة عقبه، وعن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((بُعثت على أثر ثمانية الآف نبيّ أربعة آلاف من بني إسرائيل)) [١١٤](٨). ومعنى الآية: ووصى بها أيضاً، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم روفيل أكبر ولده وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب(٩) ويوسف وابن يافين. (١) سورة الطارق: ١٧ . (٣) سورة النساء: ٠١٢ (٥) سورة يس : ٥٠ . سورة ص: ٣٢. (٦) (٢) سورة النساء: ١١ . (٤) سورة العنبكوت: ٨. كلمة غير مقروءة في المخطوط . (٧) (٨) كنز العمال: ٤٨٣/١١ ح ٣٢٢٨٠، والبداية والنهاية: ١٨٣/٢ . (٩) في تفسير الطبري (١ / ٧٩٠): لاوي ويهوذا وريالون ويشجر ونفثالي وجاد واشرب ويوسف ويعقوب وشمعون ودان وبنيامين.