Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة البقرة، الآيات: ٣٠ - ٣٩ سُمّي بذلك لأدمته لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر. سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ليس في الجنة أحد يُكنّ إلاّ آدم فإنّه يُكنى أبا محمد. وقرأ العامة: ﴿للملائكة﴾ بخفض التاء، وقرأ أبو جعفر بضم التاء تشبهاً لتاء التأنيث بألف الوصل في قوله: ﴿اسجدوا﴾ لأنّ ألف الوصل يذهب في الوصل ولأنّها زائدة غير أصلية، وكذلك تاء التأنيث زائدة غير أصلية، ولا ثابت جواب ألف اسجدوا . وقيل: كره ضمّة الجيم بعد كسرة التاء؛ لأنّ العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها، وهي قراءة ضعيفة جداً وأجمع النحاة على تغليطه فيها . ﴿فسجدوا﴾ يعني الملائكة، ﴿الاّ إبليس) وكان اسمه عزازيل، فلمّا عصى غيّرت صورته وغيّر اسمه فقيل إبليس؛ لأنّه أُبلس من رحمة الله، كما يقال: يا خبيث ويا فاسق، وهو منصوب على الاستثناء، ولا يصرف لاجتماع العجمة والمعرفة . ﴿أبى﴾ أي امتنع ولم يسجد. ﴿واستكبر﴾ أي تكبّر وتعظّم عن السجود ﴿وكان﴾ أي فصار ﴿من الكافرين﴾ ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾(١). وقال أكثر المفسّرين: معناه فكان في علمه السابق من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّه: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان عنه يبكي فيقول: يا ويلتي أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنّة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النّار)) [٨٢](٢). زياد بن الحصين عن أبي العالية قال: لمّا ركب نوح السفينة إذا هو بابليس على كوثلها(٣) فقال له: ويحك قد شقّ أناس من أجلك، قال: فما تأمرني؟ قال: تب، قال: سل ربّك هل لي من توبة؟ قال: فقيل له أنّ توبته أن يسجد لقبر آدم، قال: تركته حيّاً واسجد له ميّتاً. ﴿وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة﴾ وذلك أن آدم عليهإلا كان في الجنّة وحِشاً ولم يكن له من يُجالسه ويؤانسه، فنام نومة فخلق الله تعالى زوجته من قصيراه من شقّه الأيسر من غير أن يحسّ آدم بذلك ولا وجد له ألماً ولو ألم من ذلك لما عطف رجلٌ على امرأة، فلمّا هبّ آدم من نومه إذا هو بحواء جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟ قالت أنا زوجتك خلقني الله لك لتسكن إليّ وأسكن إليك. فقالت الملائكة عند ذلك امتحاناً العلم آدم: يا آدم ما هذه؟ قال: امرأة، قالوا: ما اسمها؟ قال: حوّاء، قالوا: لمَ سمّيت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من حيّ، قالوا: تحبّها يا آدم؟ قال: نعم، فقالوا لحوّاء: أتحبّينه؟ قالت: لا، (١) سورة هود: ٤٣. (٣) الكَوْثَل: مؤخّر السفينة. (٢) مسند أحمد: ٢ / ٤٤٣. ١٨٢ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حُبّه، قالوا: فلو صدقت امرأة في حبّها لزوجها لصدقت حوّاء. مسألة : قالت القدرّية: إنّ الجنّة التي أسكنها الله آدم وحوّاء لم تكن جنّة الخلد وإنما كان بستاناً من بساتين الدنيا، واحتجّوا بأن الجنة لا يكون فيها إبتلاء وتكليف. والجواب: إنّا قد أجمعنا على أنّ أهل الجنّة مأمورون فيها بالمعرفة ومكلّفون بذلك. وجواب آخر: إنّ الله تعالى قادر على الجمع بين الأضداد، فأرى آدم المحنة في الجنّة وأرى إبراهيم النعمة في النار لئلاّ يأمن العبد ربّه ولا يقنط من رحمته وليعلم أنّ له أن يفعل ما يشاء. واحتجّوا أيضاً بأنَّ من دخل الجنة يستحيل الخروج منها، قال الله تعالى: ﴿وما هم عنها بمخرجين﴾(١). والجواب عنه: إنّ من دخلها للثواب لا يخرج منها أبداً، وآدم لم يدخلها للثواب، ألا ترى أنّ رضوان خازن الجنة يدخلها ثم يخرج منها، وإبليس أيضاً كان داخل الجنّة وأُخرج منها . ﴿وكلا منها رغدا﴾ واسعاً كثيراً. ﴿حيث شئتما﴾: كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما. ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ قال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: بل وقع على شجرة مخصوصة واختلفوا فيها، فقال علي بن أبي طالب(كرم الله وجهه): هي شجرة الكافور. وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كل شيء. ومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة . وقيل: هي الحَبْلَة وهي الأصلة من أصول الكرم. أبو روق عن الضحاك: أنها شجرة التين. ﴿فتكونا﴾ فتصيرا ﴿من الظالمين) لأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ﴿فأزْلّهما﴾ يعني [استمال] آدم وحوّاء فأخرجهما ونحّاهما. وقرأ حمزة: (فأزالهما الشيطان) وهو إبليس، وهو فيعال من شطن أي بعد. (١) سورة الحجر: ٤٨. ١٨٣ سورة البقرة، الآيات: ٣٠ - ٣٩ وقيل: إنه من شاط والنون فيه غير أصلية [ونودي] شيطان سمّي بذلك لتمرّده وبعده عن الخير وعن رحمة الله تعالى. ﴿عنها﴾ عن الجنة وقيل عن الطاعة. ﴿وأخرجهما مما كانا فيه﴾ من النعيم، وذلك إن إبليس أراد أن يدخل الجنّة ويوسوس لآدم ولحواء فمنعته الخزنة، فأتى الحيّة وكانت من أحسن الذّواب لها أربع قوائم كقوائم البعير وكان من خزّان الجنّة وكان لأبليس صديقاً، فسألها أن تدخله في فمها فأدخلته في فمها ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وكان آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة قال: لو أن خلداً، فأغتنم الشيطان ذلك منه وأتاه من قبل الخلد، ولما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحوّاء لا يعلمان إنه إبليس، فناح عليهما نياحةً أحزنهما وبكى وهو أوّل من ناح فقالا لِمَ تبكي قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعيم والكرامة، فوقع ذلك في أنفسهما وإغتمّا، ومضى ثم أتاهما بعد ذلك وقال: ﴿يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾(١)، فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فأغترّا وما كانا يظنّان أنّ أحداً يحلف بالله كاذباً، فبادرت حوّاء الى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها . وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسط قال: سمعت سعيد بن المسيّب يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حوّاء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته اليها فأكل، فلمّا أكلا تهافتت عنهما ثيابهما وبدت سوءاتهما وأخرجا من الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وقلنا﴾ يعني لآدم وحوّاء وابليس والحية ﴿اهبطوا﴾ أي أنزلوا الى الأرض ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نودة، وقيل: واشم، وحوّاء بجدّة، وإبليس بالأبّة وقيل بميسان، والحيّة بأصفهان. ﴿ولكم في الأرض مستقرٌّ ومتاع﴾ بلغة ومستمتع. ﴿الى حين﴾ الى حين اقتضاء أجالكم ومنتهى أعماركم. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلا. ﴿فتلقّى﴾ فُقّن. ﴿آدم﴾ حفّظ حين لقّن، وأُفهم حين ألْهِمَ. وقرأ العامّة: آدمُ برفع الميم، كلمات بخفض التّاء. وقرأ ابن كثير: بنصب الميم، بمعنى جاءت الكلمات لآدم ﴿من ربّه كلمات﴾ كانت سبب قبول توبته، واختلفوا في تلك الكلمات: (١) سورة طه: ١٢٠. ١٨٤ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي قال ابن عباس: هي أنّ آدم قال: يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك بي غضبك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى، قال: فلِمَ أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال: أي ربّ أرأيت لو تبت [وأصلحت] أراجعي أنت الى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو الكلمات. قال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليَّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيّ قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليَّ فأغفر لي(١) . همام بن منبّه عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّ قال: «تحاجّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنّة إلى الأرض؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله علم كلّ شيء واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ أن أفعله من قبل أن أخلق. قال: فحجّ آدم موسى)) [٨٣](٢). وقال محمد بن كعب القرظي: هي قوله: لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك قد عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنّك أنت التواب الرحيم، لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك قد عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرحيم، لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك ربّ عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني انّك أنت أرحم الراحمين. عكرمة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فتلقّى آدم من ربه كلمات﴾ قالا: قوله: ﴿رَبّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين﴾(٣)، وكذلك قاله الحسن ومجاهد. وقال بعضهم: نظر آدم ظلّ إلى العرش فرأى على ساقه مكتوباً لا اله الا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له. وقيل: هذا التأويل ما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول اللـه ◌َا﴾(٤): عرّج بيّ الى السماء رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلّ الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق(٥). (١) تفسير الدر المنثور: ١ / ٥٩. (٣) سورة الأعراف: ٢٣ . (٢) المصنف (عبد الرزاق الصنعاني): ١١ / ١١٣. (٤) ذكره ابن الجوزيفي المزضوعات: ٣٢٨/١. (٥) روي المتقي الهندي عن علي قول آدم: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوءً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم. كنز العمال: ٣٥٩/٢ ح ٤٢٣٧ مورد الآية، والدر المنثور: ٦٠/١ ذيل الآية. وأخرج السيوطي عن أبن عباس قال: سألت النبي وَلّ عن الكلمات فقال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلَّا تبت على. الدر المنثور: ٦٠/١. ١٨٥ سورة البقرة، الآيات: ٤٠ - ٤٨ وقيل: هي ثلاثة أشياء: الخوف، الرجاء، البكاء. أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب قال: بلغني أنّ آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياءاً من الله تعالى. وقال ابن عباس: بكاء آدم وحوّاء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ولم يقرب آدم [حواء] مائة سنة. ﴿فتاب عليه﴾ فتجاوز عنه ﴿إنّه هو التوّاب) يقبل توبة عباده ﴿الرّحيم) بخلقه. ﴿قلنا اهبطوا منها﴾ يعني آدم وحواء، وقيل: آدم وحوّاء وابليس والحيّة ﴿فإمّا يأتينكم﴾ یا ذرّية آدم ﴿مني هدىٍ﴾ كتاب ورسول. ﴿فمن تبع﴾ هداي. ﴿هداي فلا خوفٌ عليهم﴾: فيما يستقبلهم ﴿ولا هم يحزنون﴾: على ما خلّفوا. ﴿والذين كفروا﴾ جحدوا. ﴿وكذّبوا بآياتنا﴾ يعني القرآن. ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. يَِّ إِسْرَّ يلَ أَذْكُرُوا نِعْمَعِىَ أَلَبِّيَّ أَمْتُ عَلَّكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىَّ أُوْفٍ بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّنِيَ فَأَرْهَبُونِ (٢٥) وَءَامِنُواْ بِمَّ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِ بِّ وَلَا نَشْتَرُواْ بَِابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِذَنَ فَنَّقُونِ (١) وَلَا تَلْبُِواْ الْحَقَّ بِالْتَطِلِ وَتَكْنُواْ أَلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ ٥ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّيْرِ وَالضَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ إِلَّ عَلَىِ لْخَشِينَ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مَُّقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (١٦) يَبَنِىّ إِسْرَءِيلَ أَذْكُرُواْ نِعَتِيَّ أَلَِّيّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (﴿ وَأَنَّقُواْ بَوْمَا لَّا تَخْرِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ ٢٤٨ شَْكَا وَلَا يُقْبَّلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنَصَرُونَ ﴿يا بني إسرائيل﴾ أولاد يعقوب، ومعنى إسرائيل: صفوة الله، وإيل هو الله عزّ وجلّ، وقيل: معناه: عبدالله، وقيل: سمّي بذلك لأنّ يعقوب وعيصا كانا توأمين واقتتلا في بطن أُمهما، فأراد يعقوب أن يخرج فمنعه عيص وقال: والله لئن خرجت قبلي لأعترضنّ في بطن أمّي، فلأقتلنّها، فتأخّر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب يعقب عيص فخرج عيص قبل يعقوب. وسمّي عيص لما عصى فخرج قبل يعقوب، وكان عيص أحبّهما إلى أبيه وكان يعقوب أحبّهما إلى أُمة، وكان عيص [ويعقوب أبناء] إسحاق وعميَ، قال لعيص: يا بنّي أطعمني لحم صيد واقترب مني أُدعُ لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلا أشعر وكان [يعقوب] رجلاً أمرد، فخرج عيص بطلب الصيد، فقالت أُمّه ليعقوب: يا بنّي إذهب الى الغنم فاذبح منه شاةً ثمّ اشوه والبس جلدها وقدمها الى أبيك فقل له: أنّك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلمّا جاء قال: يا أبتاه كل، قال: من أنت، قال: ابنك عيص [قال: خمسه فقال: المس مسّ عيص والريح ريحة ١٨٦ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي يعقوب، قالت أُمه: هو ابنك، فادع له، قال: قدم طعامك فقدّمه فأكل منه، ثم قال: أُدن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك. وقام يعقوب وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به. فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنه، قال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فهلم أدع لك بها، فدعا له فقال: تكون ذريتك عدداً كثيراً كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم ... ](١). ﴿اذكروا﴾ .... روى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَلاير: ((من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والمحدث بنعمة الله شاكر وتاركها كافر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب)) [٨٤](٢). ﴿نعمتي﴾ أراد نعمي أعطها وهي واحد [بمعنى الجمع] وهو قوله تعالى ﴿وإنْ تعدّوا نعمة الله لا تحصوها﴾(٣) والعدد لا يقع على الواحد. ﴿التي أنعمت عليكم﴾ أي على أجدادكم، وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عليهم الغمام في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عليهم المنّ والسّلوى، وفجّر لهم اثني عشرة عيناً [وأنزل](٤) عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى. ﴿أوفوا بعهدي﴾ الذي عهدت اليكم ﴿أوف بعهدكم﴾ أدخلكم الجنّة وأنجز لكم ما وعدتكم. فقرأ الزهري: أوفّ بالتّشديد على التأكيد يقال: وفّى وأوفى كلّها بمعنى [واحد] وأصلها الاتمام. قال الكلبي: عهد الى بني إسرائيل على لسان موسى: إنّي باعث من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً. فمن إتّبعه [وآمن](٥) به عفوت عن ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين إثنين، وهو قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّته للناس ولا تكتمونه﴾(٦) يعني أمر محمد ول. (١) في المخطوط بياض وأكملنا القصة من تاريخ الطبري: ١ / ٢٤٤ - ٢٢٥. (٢) مسند أحمد: ٤ / ٢٧٨؛ والشكر لله لابن أبي الدنيا: ٧. (٣) سورة إبراهيم: ٣٤. (٤) بياض في المخطوط وما أثبتناه هو الظاهر. (٥) سقط في أصل المخطوط وما أثبتناه منا . (٦) سورة آل عمران: ١٨٧. ١٨٧ سورة البقرة، الآيات: ٤٠ - ٤٨ قتادة: هو العهد الذي أخذ الله عليهم في قوله: ﴿ولقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل﴾(١) وقوله تعالى: ﴿قرضاً حسناً﴾(٢) فهذا قوله: ﴿أوفوا بعهدي﴾ ثم قال: ﴿لأكفرنّ عنكم سيئاتكم﴾(٣) الآية. فهذا قوله ﴿أوف بعهدكم﴾. فقال: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون الآ الله﴾(٤) الآية. الحسن: هو قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطّور﴾(٥) الآية. إسماعيل بن زياد: ولا تفرّوا من الزحف أدخلكم الجنة، دليله قوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار﴾(٦). وقيل: أوفوا بشرط العبوديّة، أوفِ بشرط الربوبيّة. وقال أهل الاشارة: أوفوا في دار محنتي على بساط خدمتي، [أوفِ عهدكم] في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربي ورؤيتي. ﴿وإيّايّ فارهبون﴾ فخافوني في نقض العهد [وسقطت الياء بعد النون في] هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط إتّباعاً للمصحف. ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدّقاً﴾ موافقاً ﴿لما معكم﴾ يعني التوراة في التوحيد والنبوة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم. ﴿ولا تكونوا أوّل كافر به﴾ يعني أوّل من يكفر بالقرآن(٧) وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامکم وآثامهم. ﴿ولا تشتروا بآياتي﴾ أي ببيان صفة محمد ونعته. ﴿ثمناً قليلا﴾ شيئاً يسيراً، وذلك أنّ رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم يأخذون منهم شيئاً معلوماً كلّ عام من زروعهم [فخافوا أن تبينوا] صفة محمد بن * وبايعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرّياسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة. ﴿وإياي فاتقون﴾ فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل. ﴿ولا تلبسوا الحق﴾ ولا تخلطوا، يقال: [لبست عليهم الأمر ألبسه لبساً إذا خلطته عليهم](٨) أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل إليكم من صفة محمد اَطر. (١) سورة المائدة: ٧٠ . (٢) سورة البقرة: ٢٤٥. ٠ (٣) سورة المائدة: ١٢. (٤) سورة البقرة: ٨٣. (٥) سورة البقرة: ٦٣ . (٦) سورة الأحزاب: ١٥. (٧) تفسير الطبري: ١ / ٣٦٠. (٨) زيادة عن تفسير الطبري ١ / ٣٦٢. ١٨٨ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ﴿بالباطل﴾، الذي تكتمونه، وهو تجدونه في كتبكم من نعته وصفته. وقال مقاتل: إنّ اليهود أقرّوا ببعض صفه محمد وسل ﴿ وكتموا بعضاً واختلفوا في ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿ولا تلبسوا الحق﴾ الذي تقرّون به وتبيّنونه بالباطل، يعني بما تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم. وقيل: معناه ولا تلبسوا الحقّ [ .... من الباطل] صفة أو حال. ﴿وتكتموا الحقّ﴾ يعني ولا تكتموا الحق كقوله تعالى: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾(١). ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنّه نبيٌّ مرسل. ﴿وأقيموا الصلاة﴾ يعني وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها . ﴿وآتوا الزكاة﴾ يعني وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة، وأصل الزكاة: الطهارة والنّماء والزيادة. ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه، يخاطب اليهود فعبّر بالركوع عن الصلاة إذا كان ركناً من أركانها كما عبّر باليد عن العطاء كقوله: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾(٢) وقوله: ﴿فيما كسبت أيديكم﴾(٣) وبالعنق عن البدن في قوله: ﴿ألزمناه طائره في عنقه﴾(٤) والأنف عن [. [﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ الطاعة والعمل الصالح، ﴿وتنسون أنفسكم﴾ تتركون ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ توبيخ عظيم ﴿أفلا تعقلون﴾ أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم] (٦). ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ ﴿وإنها لكبيرة﴾ [عليهما ولكنه كنّى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله]: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ وقوله: ﴿إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها﴾ فرد (١) سورة الأنفال: ٢٧. (٢) سورة آل عمران: ١٨١. (٣) سورة الشورى: ٣٠. (٤) سورة الإسراء: ١٣. (٥) سقط في المخطوط. (٦) بياض في المخطوط، وتفسير الآيات من تفسير القرطبي: ١ / ٣٦٥. ١٨٩ سورة البقرة، الآيات: ٤٠ - ٤٨ الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والأهم ... ﴿وإنها﴾ واحد منهما، أراد بأن كل خصلة منهما ﴿الكبيرة﴾ وقيل: رد الكناية إلى كل واحد منهما قال تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمّه آية﴾(١) ولم يقل: آيتين، أراد: جعلنا كل واحد منهما آية. حسن من علم يزينه حلم ومن ناله قد فاز بالفرج أي من نال كل واحد منهما . وقال آخر: لكل همّ من الهموم سَعة والمسى والصبح لا فلاح معه(٢) وقيل: ردّ الهاء إلى الصلاة لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: ﴿والله ورسوله أحقّ أن يرضوه﴾(٣) ولم يقل يرضوهما؛ لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله. وقال الشاعر وهو حسّان: إنّ شرخ الشباب والشعر الأسـ سود ما لم يُعاص كان جنونا (٤) ولم يقل يُعاصَيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه. وقال الحسين بن الفضل: ردّ الكناية إلى الاستعانة، معناه: وأن الإستعانة بالصبر والصلاة لكبيرة ثقيلة شديدة ﴿إلّ على الخاشعين﴾ يعني المؤمنين، وقال ابن عباس: يعني المصلّين. الوراق: العابدين المطيعين. مقاتل بن حيان: المتواضعين، الحسن: الخائفين. قال الزجاج: الخاشع الذي يُرى أثر الذل والخنوع عليه، وكخشوع الدار بعد الاقواء، هذا هو الأصل(٥). وقال النابغة : ونؤي كجم الحوض أثلم خاشع رماد ككحل العين ما أن تبينه ﴿الذين يظنون﴾ يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾(٦) أي أيقنت به . وقال دريد بن الصمة : سراتهم في الفارسي المسرّد (٧) فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج (١) سورة المؤمنون: ٥٠. شرح الرضي على الكافية: ٤ / ٤٩٤ وفيه: لا بقاء معه. (٢) (٣) سورة التوبة: ٦٢. (٤) الصحاح: ١ / ٤٢٤. (٥) تفسير القرطبي: ١ / ٣٧٤. (٦) سورة الحاقة: ٢١. (٧) الصحاح: ٦ / ٢١٦٠. ١٩٠ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي يعني أيقنوا . والظن من الأضداد يكون شكّاً ويقيناً كالرّجاء يكون أملاً وخوفاً . ﴿أنّهم ملاقوا ربّهم﴾ معاينوا ربّهم في الآخرة ﴿وأنّهم إليه راجعون﴾ فيجزيهم بأعمالهم. ﴿يا بني إسرائيل إذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين﴾ يعني عالمي زمانكم. ﴿واتقوا يوماً﴾ أي واحذروا يوماً واخشوا يوم. ﴿لا تجزي﴾ أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني. ومنه الحديث عن أبي بردة بن ديّان في الأضحية: لا تجزي عن أحد بعدك. وقرأ أبو السماك العدوي: لا تجزي مضمومة الّاء مهموزة الياء من أجزأ يجزي إذا كفي. قال الشاعر: وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ليجزي إلاّ كامل وابن كامل(١) وقال الزجاج: وفي الآية إضمار معناه: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ من الشدائد والمكاره. وأنشد الشاعر: ويوم شهدناه سليماً وعامرا أي شهدنا فيه. وقيل: معناه: ولا تغني نفس مؤمنة ولا كافرة عن نفس كافرة. ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ إذا كانت كافرة. قرأ أهل مكّة والبصرة: بالّاء التأنيث الشفاعة. وقرأ الباقون: بالياء لتقديم الفعل. وقرأ قتادة: (ولا يقبل منها شفاعة) بياء مفتوحة، ونصب الشفاعة أي لا يقبل الله. ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ فداءاً كانوا يأخذون في الدنيا، وسمّي الفداء عدلاً لأنّه يعادل المفدّى ويماثله قال الله عزّ وجلّ: ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾(٢). ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي يمنعون من عذاب الله. (١) تفسير القرطبي: ١ / ٣٧٨. (٢) سورة المائدة: ٩٥. ١٩١ سورة البقرة، الآيات: ٤٩ - ٥٤ قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أنّ آباءها الأنبياء تشفع لهم عند الله عزّ وجلّ، فأيأسهم الله من ذلك. وَذَ فَتَكُم مِّنْ عَالِ فِرْعُونَ تَشُوَمُوْلَكْ سُوءَ الْتَّبِ لَّ عُونَ أَبْنَ كُمْ وَيَتَعْيُونَ بِسَاءَكٌّ وَلِ ذَلِكُمِ بَلَاءً فِي زيكم عاء (9) وَا رَقًا بكم العَرَ فَقَكُمْ وَقَرْنَا الَ زَقْوَنَ وَأَنتُمْ نَعُقبة (@) وراً وَعْدَ مِنَّ أَزَبِنَ لِلَهُ لُمْ أَخَذَأُمُ الْبِهْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْمَ عَِمُوْتَ (١)»َ لَمَّ غَفَرَ عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَمْكُمْ تَشَكَّرُونَ (َ وَإِذَّ ◌َتَيْنَا نُرِمَى الْكِتَبُ وَالْقُرْءَانُ أَعْلَّكُمْ تَبِتَذُونَ (َ) وَإِذْ قَالَّ مُوَتَّى إِقَوِهِ، يُغَوْمِ إِنَكُمُ اللَّيْثُ أَمْتَظَمِ إِخَارَكُمُ الْبِبْلَ دْكُرُوا إِلَى تَارِيكُمْ فَتَلَوَ أَلَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْدَ ارِبَأَمْ تَبَ ﴿وإذ نجّيناكم﴾ يعني أسلافكم وآباءكم فأعتدّها منّة عليهم؛ لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء. وقوله: ﴿فأنجيناكم﴾(١): أصله ألقيناكم على النّجاة وهو ما ارتفع واتّسع من الأرض هذا، هو الأصل، ثم سمّي كلّ فائز ناجياً كأنّه خرج من الضيق والشدة الى الرخاء والراحة. وقرأ إبراهيم النخعي: وإذ نجّيناكم على الواحد. ﴿من آل فرعون﴾: أي أشياعه وأتباعه وأسرته وعزّته وأهل دينه، وأصله من الأول وهو الرجوع كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعّوضت من إحداهما مدّ وتخفيف. وفرعون: هو الوليد بن مصعب بن الريّان، وكان من العماليق. ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ يعني يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه، وذلك أنّ فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وعبيداً وصنّفهم في أعمالهم. فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمون، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية. ﴿يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ . وقرأ ابن محيصن: بالتخفيف فتح الياء والباء من الذبح، والتشديد على التكثير، وذلك أنّ فرعون رأى في منامه كأنّ ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فهاله ذلك، ودعا بالسحرة والكهنة وسألهم عن رؤياه فقالوا: إنّه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل من أهل مملكته فقال لهنّ: لا (١) سورة البقرة: ٥٠. ١٩٢ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي يسقطنّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قتل ولا جارية إلّ تركت، ووكّل بهنّ من يفعلن ذلك، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم [ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها]. ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم﴾ في إنجائكم منهم نعمة عظيمة، والبلاء تنصرف على وجهين: (١) النعماء والنقماء [ (٢) ﴿وإذ فرقنا بكم﴾ ﴿البحر﴾: وذلك إنّه لما دنا هلاك فرعون أمر الله عزّ وجلّ موسى أن يسري ببني إسرائيل، وأمرهم أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله عزّ وجلّ كل ولد زنا في القبط من بني اسرائيل إليهم وأخرج [من بني إسرائيل كل ولد زنا منهم](٣) إلى القبط حتى رجع كل واحد منهم الى أبيه، وألقى الله عزّ وجلّ على القبط الموت فمات كل بكراً، فاشتغلوا بدفنهم [عن طلبهم حتى] (٤) طلعت الشمس وخرج موسى ◌ُلّل في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يتعدّون ابن العشرين أصغرهم، ولا ابن الستين أكبرهم، سوى الذرية. فلما أرادوا السير ضُرب عليهم التّيه فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى علا مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك. فقالوا: إنّ يوسف ظلّلا لما حضرته الوفاة أخذ على إخوته عهداً أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم؛ فلذلك أنسدّ علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا. فقام موسى يُنادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف إلاّ أخبرني به، ومن لم يعلم فصمّت أذناه عن قولي. فكان يمرّ بين الرّجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعتهُ عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كلّما سألتك، فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربّي، فأمره الله عزّ وجلّ بايتاء سؤلها، فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر هذا في الدُّنيا، وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل بغرفة من الجنة إلّ نزلتها معك، قال: نعم، قالت: إنّه في جوف الماء في النيل، فادعُ الله حتى يحبس عنه الماء. فدعا الله فحبس عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من المرمر فحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق. (١) بياض في المخطوط. (٢) كلام غير مقروء. (٣) استدراك عن الدر المنثور: ٥ / ٨٤ والمخطوط بياض. (٤) استدراك عن تفسير الطبري: ١ / ٣٩٦. ١٩٣ سورة البقرة ، الآيات: ٤٩ - ٥٤ فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدّمتهم، وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الدّيك. فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة. فخرج فرعون في طلب بني اسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألف من دهم الخيل سوى سائر الشّيات، وسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر، والماء في غاية الزيادة. نظروا فإذا هم بفرعون وذلك حين أشرقت الشمس، فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وما الحيلة؟ فرعون خلفنا والبحر أمامنا. قال موسى: ﴿كلا أن معي ربي سيهدين﴾(١) فأوحى إليه: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾(٢) فضربه فلم يُطعه، فأوحى الله إليه أن كنّه، فضربه موسى بعصاه وقال: انفلق أبا خالد بإذن الله، ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾(٣) وظهر فيها اثنا عشر طريقاً لكلّ سبط طريق، وأرسل الله عزّ وجلّ الريح والشمس على مقر البحر حتى صار يبساً . وقال سعيد بن جبير: أرسل معاوية الى ابن عباس فسأله عن مكان لم تطلع فيه الشمس إلاّ مرة واحدة؟ فكتب إليه: إنه المكان الذي انفلق منه البحر لبني إسرائيل (٤). فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبه الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً، فخافوا وقال كل سبط قد غرق كل إخواننا. فأوحى الله إلى حال الماء أن تشبّكي، فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين. فذلك قوله تعالى ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ أي فلقنا وميّزنا الماء يميناً وشمالا. ﴿فأنجيناكم﴾ من آل فرعون والغرق. ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ وذلك إنّ فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقاً، قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا وأقتلهم، أدخلوا البحر، فهاب قومه أن يدخلوه ولم يكن في خيل فرعون أنثى، وإنما كانت كلها ذكور، فجاء جبرائيل التَّالة على فرس أنثى وديق فتقدّمهم فخاض البحر، فلما شمّت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلهم في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويقول لهم: إلحقوا بأصحابكم، حتى إذا خرج جبرائيل من البحر وهمَّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى البحر أن يأخذهم والتطم عليهم فأغرقهم أجمعين؛ وذلك بمرأى من بني إسرائيل، وذلك قوله: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ . (١) سورة الشعراء: ٦٢. (٢) سورة الشعراء: ٦٣ . (٣) سورة الشعراء: ٦٣ . (٤) البداية والنهاية: ٨ / ٣٣٤، وذكر تمام القصة. ١٩٤ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وأنتم تنظرون﴾ إلى مصارعهم. ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلةً﴾ وذلك أنّ بني إسرائيل لما أمِنوا من عدوهم، ودخلوا مصر، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله عزّ وجلّ موسى أن ينزّل عليهم التوراة، فقال موسى لقومه: إنّي ذاهب إلى ميقات ربي، وآتيكم بكتاب فيه تبيان ما تأتون وما تذرون، فواعدهم أربعين ليلة - ثلاثين من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة - واستخلف عليهم أخاه هارون. فلما أتى الوعد جاء جبرئيل على فرس يُقال لها فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلاّ حييّ؛ ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري وكان رجلاً صائغاً من أهل باجرو واسمه ميخا - وقال ابن عباس: إسمه موسى بن ظفر، وكان رجلاً منافقاً قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل قلبه حبُّ البقر - فلما رأى جبرئيل على ذلك الفرس، قال: إنّ لهذا شأناً، وأخذ قبضةً من تربة حافر فرس جبرئيل، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لغلة عرس لهم فأهلك الله عزّ وجلّ قوم فرعون فبقيت تلك الحلي في يد بني إسرائيل. فلما وصل موسى. قال السامري: إنّ الأمتعة والحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة، ولا تحلّ لكم. فاحفروا حفرةً وادفنوها فيها حتى يرجع موسى، ويرى فيها رأيه، ففعلوا ذلك. فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري، ثم ألقى القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرئيل فيه، فخرج عجلا من ذهب مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون وخار خورة. قال السّدي: كان يخور ويمشي [ويقول:] هذا آلهكم واله موسى فَنسي، أي تركه ها هنا وخرج بطلبه. وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوماً ولم يرجع موسى الا ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا علیه یعبدونه من دون الله عزّ وجلّ. ﴿وإذ واعدنا موسى﴾: قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب: (وعدنا) بغير ألف في جميع القرآن، وقرأ الباقون: (واعدنا) بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. فمن قرأ بغير ألف قال: لأنّ الله عزّ وجلّ هو المتفرد بالوعد والقرآن ينطق به كقوله تعالى: ﴿وعد الله﴾(١) وقوله: ﴿إنّ الله وعدكم وعد الحق﴾(٢)، ومن قرأ بالالف قال: قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل. (١) سورة النساء: ٩٥. (٢). سورة إبراهيم: ٢٢. ١٩٥ سورة البقرة، الآيات: ٤٩ - ٥٤ قال الزجاج: (واعدنا) جيد لأن بالطاعة والقبول بمنزلة المواعدة فكان من الله الوعد ومن موسى القبول . وموسى: هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. ﴿أربعين ليلة﴾ وقرأ زيد بن علي: (أربعين) بكسر الباء وهي لغة، و(ليلة) نصب على التمييز والتفسير، وإنّما قرن التاريخ بالليل دون النهار؛ لأن شهور العرب وضعت على مسير القمر، والهلال إنّما يهلّ بالليل، وقيل لأنّ الظلمة أقدم من الضوء، والليل خُلق قبل النهار. قال الله عزّ وجلّ: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾(١) الآية. ﴿ثمَّ اتخذتم العجل﴾ يقول أبو العالية: إنّما سمّي العجل لأنّهم تعجّلوه قبل رجوع موسى البَلاء. ﴿من بعده﴾ من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد. ﴿وأنتم ظالمون﴾ مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها. ﴿ثمَّ عفونا عنكم﴾ أي ترکاکم فلم نستأصلکم، من قول له ظلّا: أحفوا الشّوارب واعفوا اللحي، وقيل: محونا ذنوبكم، من قول العرب: عفت الرّيح المنازل فعفت. ﴿من بعد ذلك﴾ أي من بعد عبادتكم العجل. ﴿لعلكم تشكرون﴾ لكي تشكروا عفوي عنكم، وصنيعي إليكم. واختلف العلماء في ماهيّة الشكر، فقال ابن عباس: هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ الخلائق في السر والعلانية. وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها، قال الله تعالى: ﴿وأمّا بنعمة ربك فحدّث﴾(٢). الفضل: شكر كل نعمة ألاّ يُعصى الله بعد تلك النعمة. أبو بكر بن محمد بن عمر الوراق: حقيقة الشكر: معرفة المُنعم، وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظّاً بل تراها من الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾(٣) يدل عليه ما روى سيف بن ميمون عن الحسين: إنّ رسول الله وَ لا قال: ((قال موسى علَّلاَ: يا ربّ كيف استطاع آدم أن يؤدي شكر ما أجريت عليه من نعمك، خلقته بيدك واسجدت له ملائكتك واسكنته جثّتك؟ فأوحى الله إليه: إنّ آدم علم إنّ ذلك كله منّي ومن عندي فذلك شكر)) [٨٥](٤). (١) سورة يس: ٣٧. (٢) سورة الضحى: ١١ . (٣) سورة النحل: ٥٣. (٤) روضة الواعظين (الفتال النيسابوري): ص: ٤٧٣، الشكر لله - ابن أبي الدنيا - ص: ٧٠. ١٩٦ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي وعن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء الخرساني عن وهب بن منبه قال: قال داود ◌ِالَّا: إلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِلُ إلى شكرك إلاّ بنعمتك؟ فأوحى الله تعالى إليه: ألست تعلم أنّ الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى يا ربّ، قال: أرضى بذلك لك شكراً. وقال وهب: وكذلك قال موسى: يا ربّ أنعمت عليّ بالنعم السوابغ وأمرتني بالشكر لك عليها، وإنما شكري لكل نعمة منك عليّ، فقال الله: يا موسى تعلّمت العلم الذي لا يفوته علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو منّ ومن عندي. قال الجنيد: حقيقة الشكر: العجز عن الشكر. وروى ذلك عن داود غلَّلا إنّه قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكراً، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. وقال بعضهم: الشكر أن لا يرى النعمة البتة بل يرى المنعم. أبو عثمان الخيري: صدق الشكر: لا تمدح بلسانك غير المنعم. أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي بكر الرازي عن الشبلي: الشكر: التواضع تحت رؤية المنّة . وقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات، والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات، وبذل الطاعات، ومراقبة ربّ السموات. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سُئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم القناد في الجامع بحضرة أبي بكر بن عدوس وأنا حاضر: من أشكر الشاكرين؟ قال: الطاهر من الذنوب، يعدُّ نفسه من المذنبين، والمجتهد في النوافل بعداد الفرائض، يعدُّ نفسه من المقصّرين، والراضي بالقليل من الدُّنيا، يعدُ نفسهُ من المفلسين، فهذا أشكر الشاكرين. بكر بن عبد الرحمن عن ذي النّور: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال. ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ قال مجاهد والفراء: هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه على التوهم، وأنشد الفراء: وقدّمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذباً وميْنَا(١) (١) تاج العروس: ٩ / ٣٥٥. ١٩٧ سورة البقرة، الآيات: ٤٩ - ٥٤ وقال عنترة: حيّيت من طلل تقادم(١) عهده أقوى(٢) وأقفر بعد أمّ الهيثم(٣) وقال الزجاج: وهذا هو القول؛ لأنّ الله عزّ وجلّ ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع فقال: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان﴾ (٤). وقال الكسائي: الفرقان: نعت للكتاب، يريد: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ فرّق بين الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والوعد والوعيد. فزيدت الواو فيه كما يُزاد في النعوت من قولهم: فلان حسن وطويل، وأنشد: (٥) وليث الكتيبة في المزدحم إلى الملك العزم وابن الهمام ودليل هذا التأويل قوله: ﴿ثَّ آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء﴾(٦). وقال قطرب: أراد به الفرقان، وفي الآية إضمار، ومعناه: وإذا آتينا موسى الكتاب ومحمّد الفرقان. ﴿لعلكم تهتدون﴾ لهذين الكتابين، فترك أحد الإسمين، كقول الشاعر: (٧) وعينيه إن مولاه بات له وفر تراهُ كأن الله يجدع أنفه وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء، نصر الله عزّ وجلّ موسى وأهلك فرعون وقومه، يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: ﴿وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾(٨) يوم بدر. يمان بن رباب: الفرقان: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم﴾ . ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ الذين إتخذوا العجل. ﴿يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم﴾ أي ضررتم أنفسكم ﴿باتخاذكم العجل﴾ إلهاً، فقالوا: فأي شيء نصنع وما الحيلة؟ قال: ﴿فتوبوا﴾. (١) كذا في القرطبي (٢) كذا في تفسير القرطبي. (٣) تفسير القرطبي: ١ / ٣٩٩. سورة الأنبياء: ٤٨ . (٤) تفسير القرطبي: ١ / ٣٨٥. (٥) (٦) سورة الأنعام: ١٥٤ . (٧) لسان العرب: ٨ /٤١. (٨) سورة الأنفال: ٤١ . ١٩٨ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي فأرجعوا. ﴿إلى بارئكم﴾ أي خالقكم، وكان أبو عمرو يختلس الهمزة إلى الجزم في قوله: ﴿بارئكم) و(يأمركم) وينصركم طلباً للخفة (١) كقول امرؤ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل (٢) وأنشد : (٣) وإذا أعوججن قلت صاحب قوّم. بالدوّ أمثال السفين العوم قال: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ ليقتل البريء المجرم. ﴿ذلكم﴾ القتل. ﴿خيرٌ لكم عند بارئكم﴾ قال ابن جرير: فأبى الله عزّ وجلّ أن يقبل توبة بني إسرائيل إلاّ بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل. وقال قتادة: [جعلّ عقوبة] عبدة العجل القتل؛ لأنّهم إرتدّوا، والكفر يبيح الدّم. وقرأ قتادة: (فأقيلوا أنفسكم) من الأقالة أي استقيلوا العثرة بالتوبة، فلما أهمّ موسى بالقتل قالوا: نصير لأمر الله تعالى فجلسوا بالأفنية مختبئين وأصلت القوم عليهم الخناجر وكان الرّجل يرى ابنه وأباه وعمّه وقومه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله وقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً وقيل لهم من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو إتّقى بيد أو رجل فهو طعون مردود توبته، فكانوا يقتلونهم الى المساء، فلمّا كثر فيهم القتل دعا هارون وموسى وبكياً وجزعاً وتضرّعاً وقالا: يا ربّ هلكت بنو اسرائيل البقيّة البقيّة، فكشف الله عزّ وجلّ السحاب وأمرهم أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفّوا عن القتل. فتكشّفت عن ألوف من القتلى، فاشتدّ ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنّة، وكان من قُتل منهم شهيداً ومن بقي منهم نكفّر عنه ذنوبه، فذلك قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ يعني ففعلتم بأمره فتاب عليكم وتجاوز عنكم. ﴿إنّه هو التواب الرحيم﴾. وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّ نَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ اَلْضَّنَصِفَّةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ بَعَشْتَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلِّلْنَا عَلَيْكُمُ الْنَّمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَعِّ حُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمَّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٦) وَإِذْ قُلْنَا أَمْخُلُواْ هَذِهِ الْقَربيَةَ نَكُلُواْ مِنْهَا حَيْتُ بِئْتٌ رَفَدًا وَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِلَةٌ تَغْفِرْ لَكْ خَطَبَّنْكُمْ وَسَلَزِيدُ الْمُحْيِينَ. To (١) أي باختلاس الحركة، وروي عنه السكون وقرأ الباقون بغير اختلاس. (٢) لسان العرب: ١٠ / ٤٢٦. (٣) شرح شافية ابن الحاجب: ٤ / ٢٢٥، ولسان العرب: ١٢ / ٤٣٢. ١٩٩ سورة البقرة، الآيات: ٥٥ - ٥٩ كَذَلَ الَهَ مثلوا ؤه غير الدِى قَلَ لَهُمِ الثَّلَهَا عَنْ أَِّنَ كَتَهُواْ رِجْرَ بِنَ الشَمَاء بما كانوا يَنشترى (@) أ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً﴾ الآية، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم، ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى الى طور سيناء لميقات ربّه، فلمّا وصل ذلك الموضع قالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربّنا، فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشّى الجبل كلّه فدخل في الغمام وقال القوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجّدا، وسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه، وأسمعهم الله تعالى: إنّ أنا الله لا اله إلاّ أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر فأعبدوني ولا تعبدوا غيري. فلمّا فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ وهي نارٌ جاءت من السماء فأحرقتهم جميعاً. وقال وهب: أرسل الله عزّ وجلّ عليهم جنداً من السماء فلما سمعوا بحسّها ماتوا يوماً وليلة. والصاعقة: المهلكة، فذلك قوله: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن﴾ لن نصدّقك ﴿حتى نرى الله جهرة﴾(١). قرأه العامّة بجزم الهاء، وقرأ ابن عباس: (جهرة) بفتح الهاء وهما لغتان مثل زُهْره وزَهَره. ﴿جهرة﴾ أي معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف. قال الشاعر: يجهر أجواف المياه السّدم(٢) [وانتحابها على الحان] ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ قرأ عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم): (الصعقة) بغير ألف، وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وهما لغتان. ﴿وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ وذلك أنهم لما هلكوا جعل [موسى](٣) يبكي (١) بتفاوت في قصص الأنبياء لابن كثير: ٢ / ١٢٦. (٢) سيرة النبي وَل ــ ابن هشام الحميري -: ٢ / ٣٧٧، والسدم: الندم. (٣) سقطت في أصل المخطوط والظاهر ما أثبتناه. صے ٢٠٠ الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي ويتضرّع ويقول: يا ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولو شئت أهلكتهم من قبل، ويا ربّي ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا﴾(١) فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله تعالى جميعاً رجلا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فذلك قوله تعالى: ﴿ثمّ بعثناكم﴾ أحييناكم ﴿من بعد موتكم﴾ لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم، وأصل البعث: إثارة الشيء من [مكمنه]. يقال: بعثت البعير، وبعثت النائم فانبعث. ﴿لعلكم تشكرون وظّلنا عليكم الغمام﴾ في التيه تقيكم حرّ الشمس، وذلك أنّهم كانوا في التّيه ولم يكن لهم كنّ يسترهم فشكوا ذلك الى موسى، فأنزل الله عليهم غماماً أبيضاً رقيقاً وليس بغمام المطر بل أرقّ وأطيب وأبرد - والغمام: ما يغمّ الشيء أي يستره - وأظلّهم فقالوا: هذا الظّل قد جعل لنا فأين الطعام، فأنزل الله عليهم المنّ. واختلفوا فيه، فقال مجاهد: وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد. الضحّاك(٢): هو الطرنجبين(٣). وقال وهب: الخبز الرّقاق. السدي: عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه. عكرمة: شيء أنزله الله عليهم مثل الزّيت الغليظ، ويقال: هو الزنجبيل. وقال الزجاج: جملة المنّ ما يمنّ الله مما لا تعب فيه ولا نصب. وروي عن النبي ◌َّر: ((الكماة من المنّ وماءوها شفاء للعين))(٤) [٨٦]. وكان ينزل عليهم هذا المنّ كل ليلة تقع على أشجارهم مثل الملح، لكلّ إنسان منهم صاع كل ليلة قالوا يا موسى: مللنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم، فدعا عليه السلام، فأنزل الله عليهم السلوى. واختلفوا فيه، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السماني. أبو العالية ومقاتل: هو طير أحمر، بعث الله سحابة فمطرت ذلك الطير في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض. (١) سورة الأعراف: ١٥٥. (٢) نسبه في زاد المسير (١ / ٧١): الى ابن عباس ومقاتل، وذكر بقية الأقوال. (٣) ويصح بالتاء ( الترنجبين) راجع لسان العرب: ١٠ / ٩٦، وهو طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وقيل: هو ندى شبيه العسل جامد متحبب ينزل من السماء، وقيل: يشبه الكمأة. أقول: ولعله ما يجنيه النحل من الشجر وهو ما يسمى بـ(غبار الطلع) إلى صغارها على شكل حبوب صغيرة بأرجلها، وهو غير العسل وغير الهلام الملكي. (٤) مسند أحمد: ١ / ١٨٧.