Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
سورة الإخلاص
خُبِيبٍ عنْ أبيِهِ عَنِ النبيِّ نََّ قالَ لهُ: ((قُلْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حينَ
تُمِسِي وحينَ تُصْبِحُ ثلاثًا تكفيكَ كُلَّ يومٍ) وصحَّحهُ الترمذيُّ .
ورواهُ النسائيُّ(١) مِنْ طريقٍ أُخْرَى عنْ معاذٍ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ خُبِيبٍ عنْ
أبيهِ عَنْ عقبةَ بنِ عامٍ فذكرهُ ولفظُهُ: (تَكْفِكَ كلَّ شيءٍ».
وقالَ البزارُ في ((مسنده))(٢): حدّثنا إبراهيمُ الجوهريُّ: ثَنا غسانُ بنُ عبيد،
عنْ أبي عمرانَ الجونيِّ، عنْ أنسِ بنِ مالكِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله: ((إذا
وضعْتَ جنبكَ على الفراشِ، وقرأتَ فاتحةَ الكتابِ، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقدْ أَمنتَ مِنْ
كلِّ شيءٍ إلا الموتَ)).
ومِنْهَا: أنَّها أفضلُ سورِ القرآنِ، فروى الدارميُّ في ((مسندِه))(٣) عِنْ أبي
المغيرةَ عَنْ صفوانَ عنْ أيفعَ بنِ عبيدِ الكلاعيِّ قالَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ
اللَّهِ، أيُّ سورِ القرآنِ أعظمُ؟ قالَ: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)).
وفي ((المسندِ))(٤) منْ طريقِ معاذِ بنِ رفاعةَ عنْ عليّ بنِ يزيدَ، عن القاسمِ،
عن أبي أمامةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ قالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ نَّهِ: ((ألا أَعلِّمُكَ
خيرَ ثلاثٍ سورِ أنزِلَتْ في التوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ والقُرآنِ العَظيم؟» قلتُ: بَلَى،
قالَ: (فَأَقْرَأَنِي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ﴾)) ثُمَّ قالَ لِي: (يا عقْبةُ، لا تَنْسَهُنَّ ولا تَبَتْ ليلةً حَتَّى تَقْرَاهُنَّ)، وروى
الترمذيُّ(٥) بعضَ هذا الحديثِ وحسَّنْهُ، ورواه أحمدُ(٦) أيضًا بطولِهِ منْ طريقِ
(١) ((السنن)) (٢٥١/٨).
(٢) (٣١٠٩ - كشف الأستار).
(٣) («السنن)) (٤٤٧/٢).
(٥) ((الجامع)) (٢٤٠٦).
(٤) (٤/ ١٤٨).
(٦) ((المسند)) (١٥٨/٤).

٦٦٢
سورة الإخلاص
أُسيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الخثعميِّ عنْ فروةَ بنِ مجاهدٍ عنْ عقبةَ بنِ عامٍ بِهِ.
ومنْهَا: أنَّ الدعاءَ بها مستجابٌ؛ ففي السنن الأربعة(١) عن عبدِ اللَّهِ بنِ
بريدةَ عنْ أبيهِ أنَّ النبيَّ بَّهِ سَمِعَ رجلاً يصلِّي يَدْعُو يقولُ: اللهُمَّ إني أسألُك
بأني أشهَدُ أن لا إله إلا أنتَ الأحَدُ الصّمدُ الذي لمْ يلدْ ولم يُولد، ولم يكن
له كفواً أحدٌ، قالَ: ((والّذي نفْسي بيدِهِ لقدْ سألَهُ باسمِهِ الأعظمَ، الَّذِي إذا سُئِلَ به
أعطى، وإذا دُعِيَ بهِ أجابَ))، وقال الترمذي: حسن غريب.
وفي «المسندِ)(٢) عن محجنِ بنِ الأدرعِ أنَّ النبيَّ ◌َّ دخلَ المسجدَ، فإذا هو
برجلٍ قدْ قَضَى صلاتَه وهوَ يتشهدُ وهُو يقولُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنّكَ
الواحدُ الأحدُ الصّمِدُ الَّذِي لَمْ يلدْ، ولمْ يولدْ، ولم يكنْ لهُ كُفُوا أحدٌ، أن
تغفر لي ذنوِي إِنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ.
فقالَ نبِيُّ اللَّهِ بَّه ثلاثَ مراتٍ: ((قدْ غُفِرِ لَهُ، قَدْ غُفِرِ لَهُ، قَدْ غُفِّرِ لَهُ).
وقدْ وردَ في تكرير قراءَتها خمسينَ مرةً أو أكثرَ منْ ذلكَ، وعشرَ مراتٍ
عقيبَ كُلِّ صلاة أحاديثُ كثيرةٌ فيهَا ضعفٌ، وكذلكَ حديثُ معاويةَ بنِ
معاويةَ الليثيِّ خرَّجَهُ الطبرانيُّ(٣)، وأبو يَعْلى من طرقِ كُلِّها ضعيفةٌ فلم
نذكُرْهَا .
وأمَّا سببُ نزولِهَا: ففي («المسندِ) والترمذيِ (٤) عن أبي سعيدِ الصَّاغَانِي
(١) أخرجه: أبو داود (١٤٩٣ - ١٤٩٤)، والترمذي (٣٤٧٥)، والنسائي في ((الكبري)) كما في ((تحفة
الأشراف» (٩٠/٢)، وابن ماجه (٣٨٥٧).
(٢) ((المسند)) (٣٣٨/٤).
(٣) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٤٢٨/١٩).
(٤) أخرجه: أحمد (١٣٣/٥ - ١٣٤)، والترمذي (٣٣٦٤).

٦٦٣
سورة الإخلاص
محمدِ بنِ مبشرٍ عن أبي جعفرِ الرازيُّ عَنْ الربيعِ بنِ أنسٍ عنْ أبي العاليةَ عَنْ
أبيِّ بنِ كعبٍ أنَّ المشركينَ قالُوا للنبيِّ وَِّ: انسبْ لِنَا رَبَّكَ يا محمدُ؟ فأنزلَ
اللَّهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ورواه الترمذيُ (١) من طريق عبيد اللَّه بن موسى، عن
أبي جعفر عن الرَّبِيعِ عن أبي العاليةِ مرسلاً. وقالَ: هذا أصحُّ من حديث
أبي سعید.
ورواه أبو يعْلَي الموصليُّ والطبرانيُّ وابن جرير(٢) من طريق شريح بن
يونسَ عن إسماعيل بن مجالدٍ عن مجالدٍ عن الشعبيِّ عن جابر: أنَّ أعرابيًّا
جاءَ إلى رسول اللَّهِ وَ لَه فقال: انسبْ لنا رَبَّكَ؟ فأنزلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى
آخرِهَا، ورُوِيَ مُرْسَلاً.
وروى عبيدُ بنُ إسحاقَ العطَّارُ عنْ قيسِ بنِ الربيعِ عنْ عاصمٍ عن أبي
وائلٍ عَن ابنِ مسعودِ قالَ: قالتْ قُريشٌ لرسول اللّهِ وَلَّهِ: انسُبْ لِنَا رَبِكَ
فنزلتْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قالَ الطبرانيُّ: ورواه الفريابيُّ وغيرُهُ عَنْ قيسٍ عنْ
عاصمٍ عنْ أبي وائلٍ مُرْسَلاً.
وروى ابنُ أبي حاتمٍ في ((تفسيرِه)): حدّثنا أبو زرعةَ: ثنا العباسُ بنُ
الوليدِ : ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ: ثنا عليٌّ بنُ الحسينِ: ثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحرشيُّ: ثنا
أبو خلفٍ عبدُ اللَّهِ بنِ عيسى: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عنْ عكرمةَ، عن ابنٍ
عَبَّاسِ أنَّ اليهودَ جاءتْ إلى النبيِّ نَّهِ منهم حُمَيُّ بنُ أخطبَ وكعبُ بنُ
الأشرف فقالوا: يا محمدُ، صفْ لنا الذي بَعَثَك؟ فأَنزلَ اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
18
﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ { لَمْ يَلِدْ﴾ فيخرجُ منه الولدُ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ فيخرجُ
أَحَدٌ
(١) ((الجامع)) (٣٣٦٥).
(٢) أخرجه: أبو يعلى في («مسنده)) (٢٠٤٤)، وابن جرير في «تفسيره)) (٣٤٢/٣٠).

٦٦٤
سورة الإخلاص
مِن شيءٍ.
وأما التفسيرُ :
فقوله: ﴿قُلْ﴾ هذا افتتاحٌ للسورةِ بالأمرِ بالقولِ، كما في المعوذتينِ وسورةٍ
الجنِّ.
وقدْ سُئِلَ النبيُّنَّهَ عنِ المعوذتينِ فقالَ: ((قِيلَ لي فقلتُ)(١) وذلكَ إشارةٌ منهُ
إلى أنَّهِهِ مُبلغٌ مَحْضٌ لِمَا يُوحَى إليهِ، ليسَ فيه تصرفٌ لِمَا أوحاهُ اللَّهُ إليه
بزيادة ولا نقصٍ، وإنَّما هُوَ مُبَلِّغٌ لكلامِ ربِّه كَمَا أوحاهُ إليهِ فإذا قالَ: ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كانَ امتثالاً للقولِ الذي قيلَ لهُ بلفظِهِ لا بمعناهُ، و﴿هُوَ﴾: اسمٌ
مضمرٌ قيل إنَّه: ضميرُ الشأن، وقيل: لا.
و﴿ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إنْ قِيلَ: هو ضميرُ الشأن، فالجملةُ مبتدأ وخبرٌ، وإنْ قيلَ:
لا، ففيه وجهان، أحدهما: أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ، و﴿اللّهُ أَحَدٌ﴾ مبتدأ وخبرٌ،
وهما خبرٌ للمبتدأ الأولِ، ولا حاجةَ فيه إلى رابطٍ لأنَّ الخبرَ هو المبتدأُ بعينه.
والثاني: أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأُ و﴿اللَّهُ﴾ خبرُهُ و﴿أَحَدٌ﴾ بدلٌ منه.
و﴿أَحَدٌ﴾: اسمٌ مِنْ أسماء اللَّه يُسمَّى اللَّهُ به، ولا يُسمَّى غيرُه من الأعيان
به .
فلا يسمَّى شيءٌ من الأشياءِ أحدًا في الإثباتِ إلا في الأعدادِ المطلقةِ.
وإنما يُسمَّى به في النفْي وما أشبهَهُ من الاستفهامِ والنهيِّ، والشرطِ كقوله:
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًّا أَحَدٌ﴾، وقولِهِ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، وقوله :
(١) أخرجه: البخاري (٢٢٣/٦) من حديث أبي بن كعب ضِىَّه.

٦٦٥
سورة الإخلاص
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
[التوبة: ٦]، ونحوه.
والأحدُ: هو الواحدُ في إلاهيتهِ ورُبُوبيته، وفسَّرهُ أهلُ الكلامِ، بما لا
يتجزأُ ولا ينقَسمُ، فإنْ أُرِيدَ بذلكَ أنَّه ليسَ مؤلفًا مركَّبًا منْ أجزاء متفرقة
فصحيحٌّ، أو أنَّه غيرُ قابلٍ للقسمةِ فِصحيحٌ، وإِنْ أُرِيدَ أنَّه لا يتميَّزُ منه شيءٌ
عن شيءٍ، وهو المرادُ بالمجسمِ عندهم فباطلٌ.
قال ابنُ عقيلٍ: الذي يَصِحُّ من قولِنا معَ إثباتِ الصفاتِ أنه واحدٌ في
إلاهيتِهِ لا غيرُ.
والأحدُ هو الواحدُ. قالَ ابنُ الجوزيِّ: قالَهُ ابنُ عباسٍ وأبو عبيدةَ، وفرَّقَ
قومٌ بينهما .
قال الخطابي: الفرق بين الأحد والواحد: أنَّ ((الواحد)): هو المتفرد بذاته
فلا يضاهيه أحدٌ.
و(الأحدُ»: المنفردُ بصفاتِهِ ونعوتِهِ فلا يشاركُهُ فيها أحدٌ.
وقيلَ: بينهما فرقٌ آخرُ، وهو أنَّ الأحدَ في النفي نصٌ في العمومِ،
بخلافِ الواحدِ فإنه محتملٌ للعمومِ وغيرِهِ فتقولُ: ما في الدارِ أحدٌ، ولا
يقالُ: بل اثنانٍ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ما في الدارِ واحدٌ، بل اثنانٍ.
وفرَّقَ بعضُ فقهاء الحنفية بينهُما وقالَ: الأحديَةُ لا تحتملُ الجزئيةَ والعدديةَ
بحال .
والواحدُ يحتملُها لأنَّه يقالُ: مائةٌ واحدةٌ وألفٌ واحدةٌ، ولا يُقالُ: مائةٌ
أحدٌ ولا ألفٌ أحدٌ.

٦٦٦
سورة الإخلاص
وبُنِيَ على ذلك مسألةُ محمدِ بنِ الحسنِ التي ذكرَهَا في ((الجامعِ الكبيرِ)):
إذا كان لِرجلٍ أربعُ نسوةٍ فقالَ: واللَّه لا أقربُ واحدةً منْكُنَّ صارَ مُوليًا منهنَ
جميعًا، ولم يَجُزْ أن يقربَ واحدةً منهن إلا بكفارة، ولوْ قالَ: والله لا أقربُ
إحداكُنَّ لم يصِرِ مُوليًا إلا منْ إحداهُنَّ والبيانُ إليهِ.
وقال العسكريُّ: أصلُ أحدٍ أوحَدُ مثلُ أكبرٍ، وإحْدى مثل كُبْرى، فلمَّا
وقَعَا اسمينِ وكانا كثيرَي الاستعمالِ هرَبُوا إلى الكسرةِ ليخفَّ، وحذفُوا الواوَ
ليفرقُوا بين الاسمِ والصفةِ، وذلك أنَّ أوحدَ اسمٌ وأكبر منه.
والواحدُ فاعلٌ منْ وحَدَ يَحِدُ وهو واحدٌ مثل: وَعَدَ يَعِدُ فهو واعدٌ.
سؤالٌ: قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولم يقل الأحد كما قال: ﴿الصَّمَدُ﴾؟
جوابه: أنَّ الصمدَ يُسمَّى به غيرُ اللَّهِ كما يأتِي ذكرُهُ، فأتى فيه بالألف
واللامٍ ليدلَّ على أنَّه - سبحانه - هو المستحقُ لكمالِ الصَّمَديّةِ، فإنَّ الألفَ
واللام تأتي لاستغراقِ الجنسِ تارةً، ولاستغراقِ خصائصَ أخرى، كقولِهِ: زيدٌ
هو الرجلُ أي: الكاملُ في صفاتِ الرجولةِ فكذلكَ قولُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أى:
الكاملُ في صفاتِ الصمدیّةِ .
وأما الأحدُ فلم يَتَّسِمْ به غيرُ اللَّهِ فلمْ يحتجْ فيه إلى الألفِ واللامِ.
قولُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أعادَ الاسمَ المبتدأ تأكيدًا للجملة وخبرُهُ الصمدُ.
وقيلَ: هو نعتٌ والخبرُ ما بعدَهُ.
والصمدُ: اختلفتْ عِباراتُ السَّلْفِ في معناه، وهي متقاربةٌ أو متفقةٌ
والمشهور منها قولان:
أحدُهما: أنَّ الصمدَ هو السَّيدُ الذي تصْمُدُ إليه الخلقُ في حوائجِهِم

٦٦٧
سورة الإخلاص
ومطالبِهِم وهو مرويٌ عَنْ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ من السلفِ.
قالَ ابنُ الأنباريِّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصمدَ: السيدُ الذي ليس
فوقَه أحدٌ، الذي يصمُدُ إليه الناسُ في حوائجِهِم وأمورِهِم.
وقالَ الزَّجَّاجُ: هو الذي ينتهي إليه السَّؤددُ، فقدْ صَمَدَ له كلَّ شيءٍ. أي:
قصدَ قصْدَهُ. وأنشدُوا:
لقدْ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بني أسَدْ بعمرو بنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيدِ الصَّمَدْ
وأنشدوا أيضًا:
عَلَوْتُهُ بُحسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ خُذْها حُذَيْفُ فأنتَ السَّيِّدُ الصَمَدُ
وفي ((تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ)) بإسنادِهِ عن عكرمةَ عنِ ابنِ عباسٍ قال:
الصمدُ: الذي تصمدُ إليه الأشياءُ إذا نزَلَ بهم كربةٌ، أو بلاءٌ.
وعن إبراهيمَ قال: الذي يَصْمُدُ إليه العبادُ في حوائجِهِم.
وعنْ عليّ بنِ أبي طلحةً عنْ ابنِ عباسٍ، قالَ: الصمدُ: السيدُ الذي قدْ
كَمُل في سؤدَدِهِ، والشَّرِيفُ الذي قدْ كَمُلَ في شرَفِهِ، والعظيمُ الذي قدْ كَمُلَ
في عظمتِهِ، والحليمُ الذي قدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعليم الذي قدْ كَمُلَ في
عِلْمِهِ، والحكيمُ الذي قدْ كَمُلَ في حكمتِهِ، وهو الذي قدْ كَمُلَ في أنواعٍ
الشرفِ والسُّؤدِدِ. وهو اللَّهُ - سبحانه - هذه صفْتُهُ لا تنبغِي إلا له، ليس له
كفوٌ وليسَ كمثلِهِ شيءٌ، سبحان اللَّهِ الواحدِ القهارِ(١) .
والقولُ الثاني: أنَّ الصمدَ الذي لا جوفَ له، وأنَّه الذي لا يأكلُ ولا يشربُ
(١) راجع ((تفسير ابن جرير)) (٣٤٦/٣٠).

٦٦٨
سورة الإخلاص
والذي لا حشوَ له، وأَنَّه الذي لا يدْخلُ فيه شيءٌ، ولا يخرجُ منه شيءٌ،
ونحوُ هذه العباراتِ المتقاربةِ في المعنى، ورُوي ذلك عنْ ابنِ مسعودٍ، وقدْ
سبقَ في حديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في أوَّلِ تفسيرِ السورةِ: والصمدُ الذي
ليسَ بأجوفَ.
وروى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ منْ طريقِ عبيدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ - قائد
الأعمشِ -: حدَّثني صالحُ بنُ حيانَ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ بريدةَ عنْ أبيه، قال: لا
أعلمُ إلا أنَّه قدْ رفعَهُ: قال: ((الصمدُ الذي لا جوفَ له)).
وعنْ أبي عبدِ الرحمنِ السَّلَمِيِّ عن ابنِ مسعودٍ قال: الصمدُ ليسَ له
حشاءٌ.
ورُوي عن ابن عباسٍ أيضًا وعكرمةَ: الصمدُ الذي لا يَطْعَمُ.
وعنه: الصمدُ: الذي لم يخرجْ منه شيءٌ.
وعنِ الشعبيِّ: الصمدُ: الذي لا يأكلُ ولا يشربُ.
وعن مجاهد: هو المصْمَتُ الذي لا جوفَ له.
وقال طائفةٌ: الصمدُ: الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، كأنَّهم جَعَلُوا ما بعدَهُ
تفسيرًا له، وهو مما تقدَّم أنَّه الذي لم يَنْفَصِلْ منه شيءٌ. ورويَ ذلك عن أبيِّ
بنِ كعبٍ والربيعِ بنِ أنسٍ(١).
وتوجيهُ ذلك: الولادةُ والتوليدُ إنما يكونُ من أصلينٍ، وما كانَ عينًا قائمًا
بنفسه منَ المتولداتِ فلا بدَّ له من مادةٍ يخرجُ منها، وما كانَ عرَضًا قائمًا
بغيرِهِ فلا بدَّ له منْ محلٌّ يقومُ به، فالأولُ: نفاهُ بقولِهِ: ((أحدٌ) فإنَّ الأحدَ هو
٠٠
(١) أخرجه: ابن جرير في «تفسيره)) (٣٤٥/٣٠) وغيره من أقوال أهل العلم.

٦٦٩
سورة الإخلاص
الذي لا كفوَ له ولا نظيرَ فيمتنعُ أنْ يكونَ له صاحبةٌ.
والتولُّدُ إنما يكونُ بين شيئينٍ، وكونُه تعالى أحَدًا، ليسَ أحدٌ كفواً له
يستلزمُ أَنَّه لم يلد ولم يولدْ، لأنَّ الوالدَ والولدَ متماثلانِ متكافئانِ، وهو
تعالى أحدٌ لا کفوَ له.
وأيضًا فالتولّد يحتاجُ إلى زوجةٍ وهي مكافئةٌ لزوجِهَا مِن وجه، وذلك
أيضًا متنعٌ.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقد
فَسَّرِ مجاهدٌ ((الكفوَ)) هَاهُنَا بالصَّاحبةِ.
وأما الثاني؛ وهو: انفصالُ المادة فنفاهُ - سبحانه - بأنَّه الصمدُ، وهُوَ المتولدُ
مِنْ أصلينٍ، ربما يتكونُ منْ جزئينِ يَنْفصلانِ منْ الأصلينِ، كتولّدِ الحيوانِ منْ
أبيه وأمِّه بالمنيِّ الذي ينفصلُ منهُما، وكالنَّارِ المتولدةِ منْ بينِ الزَّدينِ سواءٌ
كانا خشبينٍ أو حجَرَيْنٍ أو حَجَرًا وحديدًا.
وهو - سبحانه - صمدٌ لا يخرجُ منهُ شيءٌ منفصلٌ عنه.
والحيوانُ نوعانِ: متوالدٌ: وهوَ ما وَلَدُهُ منْ جنسِهِ، وهو الإنسانُ وما يُخلقُ
من أبوينٍ منَ البهائمِ والطيرِ وغيرِهِما.
ومتولّدٌ: وهوَ ما يُخْلَقُ منْ غيرِ جنسِهِ كدودِ الفاكِهَةِ والخلِّ، وكالقَمْلِ
المتولدِ من الوَسَخِ، والفارِ والبراغيثِ وغيرِ ذلكَ مَمَّا يُخلَق منَ التَّراب والماء،
وإنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا كما خُلِقَ آدم من ترابٍ وماءٍ .
وإلا فالترابُ المحضُ الذي لم يَخْتَلِطْ به ما لا يُخلقُ منه شيءٌ لا حيوانَ
ولا نباتَ، والنباتُ جميعُه إنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا.

٦٧٠
سورة الإخلاص
والمسيحُ - عليه السلامُ - خُلِقَ من مريمَ ونفخة جبريلَ، وهيَ حملتْ به
كمَا تحملُ النساءُ وولدتْه، فلهذا يقالُ لهُ: ابنُ مريمَ، بخلافِ حواءَ فإنَّها
خُلِقَتْ من ضِلْع آدَمَ، فلا يُقالُ: إنَّه أبوهَا ولا هيَ ولدُهُ. وكذلك سائرُ
المتولداتٍ من غيرِهِما.
كما أنَّ آدمَ لا يُقالُ: إنَّه ولدُ الترابِ ولا الطينِ، والمتولِّدُ منْ جنسِهِ أكملُ
من المتولدِ من غيرِ جنْسِهِ، ولهذا كان خلقُ آدَمَ أعجبَ مِنْ خَلْقِ أولادِهِ.
فإذا نُزِّهَ الربُّ عنِ المادةِ العَلَقِ وهيَ التولدُ منْ النظيرِ، فتنزَّهُهُ عنْ تولده
٠٠
من غيرِ نظيرٍ أولى، كما أنَّ تنزيهَهُ عنِ الكفوِ تنزيهٌ له عنْ أنْ يكونَ غيرُهُ
أفضلَ منه بطريقِ الأولى.
فتبيَّنَ أنَّ ما يُقالُ: إنَّه متولدٌ من غيرِهِ منَ الأعْيانِ القائمة بنفسِهَا لا يكونُ
إلا منْ مادةٍ تخرجُ منْ ذلكَ الوالدِ، ولا تكونُ إلا منْ أصلينٍ، والربُّ تعالى
صمَدٌ، فيمتنعُ أنْ يخرجَ منه شيءٌ وهو - سبحانه - لمْ يكنْ له صاحبةٌ فيمتنعْ
أن يكون له ولدٌ.
وأمَّا تولدُ الأعْراضِ كتولدِ الشعاعِ، وتولدِ العِلْمِ عنِ الفكرةِ والشبعِ عنِ
الأكْلِ، والحرارةِ عن الحركةِ ونحوِ ذلك.
فهذا ليسَ من تولدِ الأعْيانِ معَ أنَّ هذا لا بدَّ لهُ مِنْ محلٌّ، ولا بدَّ له من
أصلينِ كالشعاعِ فإِنَّه يحتاجُ إلى محاذَاةِ جسمٍ نُوريٍّ لجسمٍ آخرَ يقابلُهُ فينعكِسُ
ـ ـ
عليه شعاعه .
فقد تَضَمَّنَتْ هذه السورةُ العظيمةُ نفْيَ نوعينِ عنِ اللَّهِ تعالی:
أحدُهُما: المماثلةُ، ودلَّ على نفيها قولُهُ تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ مع

٦٧١
سورة الإخلاص
دلالةِ قولِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على ذلكَ؛ لأنَّ أحَدِيَّتَهُ تقتضي أنَّه متفردٌ
بذاته، وصفاتِهِ، فلا يشاركُهُ في ذلكَ أحدٌ.
والثاني: نفّيُ النقائصِ والعيوبِ،، وقد نفَى منها التولُّدَ منَ الطرفين.
وتضَمَّنَتْ إثباتَ جميعَ صفاتِ الكمالِ بإثباتِ الأحديّةِ، فالصمديّةُ تُثبتُ
الكمالَ المنافيَ للنقائصِ، والأحديّةُ تُثْبِتُ الانفرادَ بذلك. فإنَّ الأحديةَ تَقْتَضِي
انفرادَهُ بصفاتِهِ وامتيازَهُ عَنْ خَلْقِهِ بذاتِهِ وصفاتِهِ، والصمديةُ إثباتُ جميعِ
صفاتِ الكمالِ ودوامِهَا وَقِدَمَهَا، فإنَّ السيدَ الذي يُصْمَدُ إليه لا يكونُ إلا
مُتَّصِفًا بجميع صفات الكمالِ الَّتي استحقَّ لأجْلِهَا أنْ يكونَ صَمَدًا، وأنَّه لمْ
يزلْ كذلك ولا يزالُ، فإنَّ صمديتَهُ مِنْ لوازمٍ ذاتهِ لا تنفكُ عنهُ بحال.
ومنْ هُنَا فُسِّرِ الصمدُ بالسيدِ الذي قَدْ انتهى سؤُدُدُه، وفَسَّرَهُ عكرمةُ: بالذي
لَيْسَ فوقَهُ أحدٌ.
ورُويَ عَنْ عَلَيٍّ وعنْ كَعْبٍ أَنَّهِ: الَّذِي لا يكافِتُهُ أحدٌ فِي خَلْقِهِ.
وعنْ أبي هريرةَ قالَ: هو الْمُسْتَغِنِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، المحتاجُ إليه كُلُّ أحدٍ.
وعنْ سعيد بن جبيرٍ قالَ: هو الكاملُ في جميعِ صفاتِهِ وأفعالِهِ.
وعَنِ الربيعِ قالَ: هوَ الذي لا تَعْتْرِيهِ الآفاتُ.
وعن مقاتلِ بنِ حيانَ قالَ: هوَ الذي لا عَيْبَ فِيهِ.
وعنْ ابنِ كيسانَ: هوَ الذي لا يُوصفُ بصفَتِهِ أحدٌ.
وعنْ قتادةَ: الصمدُ: البَاقِ بَعْدَ خَلقِهِ، وعَنْ مجاهدٍ ومَعْمَرِ: هُوَ الدائمُ.
وعَنْ مُرَّةً الهمدانيِّ: هَوَ الَّذِي لا يَبْلِى ولا يَفْنى.

٦٧٢
سورة الإخلاص
وعنه أيضًا: هو الذي يحكمُ ما يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ؛ لا مُعَقِّبَ لحكمه
٠٠
ولا رادَّ لقضائِهِ.
فقد تَضَمَّنَتْ هذه السورةُ العظيمةُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ، ونفيَ النقائصِ
والعيوب مِنْ خصائصِ المخلوقينَ مِنْ التولدِ والمماثلةِ.
وإذا كانَ منزَّهًا عنْ أنْ يخرجَ منهُ مادةُ الولدِ الَّتي هي أشرفُ الموادِ فَلأنْ نُزِّ
عَنْ خروجٍ مادةٍ غَيرِ الولدِ أَوْلَى.
وكذلكَ تنزيهُهُ نفسَهُ عَنْ أنْ يُولَدَ فلا يكونُ مِنْ مثله تنزيهٌ لهُ عَنْ أنْ يكونَ
مِنْ سائرِ الموادِ بطريقِ الأَوْلَى.
فمنْ أثبتَ للَّهِ ولدًا فقدْ شَتَمهُ وقدْ ثبتَ في ((صحيح البخاريِ) (١) عن أبي
هريرةَ عنِ النبيِّ نَ ◌ِّ قالَ: ((يقولُ اللَّهُ - عزَّ وجلَ - كَذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولم يكنْ له ذلكَ،
وشَتَمني ولم يكنْ لهُ ذلكَ، فأمَّا تكذيبُهُ إِيَّيَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بدأني وليسَ أولُ
الخلق بأهَونَ عليَّ من إعادته، وأمَّا شَتَمُهُ إيايَ فقوله: أنَّخذ اللَّه ولدًاً، وأنا الأحدُ الصمدُ،
لم أَلِدْ ولم أُولَدْ ولم يكن لي ◌ُفُوا أَحد)».
وفي ((صحيح البخاري))(٢) أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّنَّ قالَ: ((قَالَ
اللَّهُ عزَّ وجلّ: كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ وَلَم يكنْ له ذلكَ، وشتمني ولم يكنْ لَه ذلك، فأمَّ تكذيبُهُ
إيايَ فزعَم أنَّي لا أقدرُ أَن أُعيدَهُ كما كان، وأمَّا شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولد، فسُبحاني أن
أنَّخذَ صاحبةً أَو ولدًا».
وقد ردّ اللَّهُ عَلَى منْ زعمَ أنَّه لا يعيدُ الخلقَ، وعلَى منْ زعمَ أنَّ لهُ ولدًا
(١) (٦ / ٢٢٢) .
(٢) (٦/ ٢٤).

٦٧٣
سورة الإخلاص
كما تَضَمَّنَهُ هذا الحديثُ في قولهِ: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ
حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]، إلى قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩].
وفي ((صحيح البخاريّ)(١) أيضًا عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا أحَدَ أصبرُ على أذيّ
سمعهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُم يجعلونَ لهُ ولَدًا وهو يرزقُهُم ويُعافِيهم)).
فهذه السورةُ الكريمةُ تَضَمَّنَتْ نَفْيَ مَا هوَ من خصائصِ آلهةِ المشركين عنْ
رب العالمينَ؛ حيثُ جاءَ في سببِ النزولِ أَنَّهُمُ سألُوا النبيَّ ◌َّهِ عِنْ رَبِّه منْ
أيِّ شيءٍ هوَ؟ أمِنْ كذا، أم من كَذَا؟ أو ممّن وَرِثَ الدنيا؟ ولمن يُوَرِّثُها؟ حيثُ
كانوا قد اعتادُوا آلهةً يلدونَ، ويولدونَ، ويرِثُون ويُوَرِّثُونَ، وآلهةً من مواد
مصنوعةٍ منها، فأنزلَ اللَّهُ هذه السورةَ.
وفي ((المسندِ))(٢) من حديث أبيِّ بنِ كعبٍ بعدَ ذكرِ نزولها: لأنَّه ليسَ أحدٌ
يولدُ لا يموتُ ولا أحدٌ يرِثُ إلا يُورَث، يقولُ: كلُّ مَنْ عُبدَ منْ دونِ اللَّه وقدْ
وُلُد مثلُ المسيحِ والعزيرِ وغيرِهما من الصالحينَ، ومثلُ الفراعنة المدعين
الإلهية، فهذا مولودٌ يموت وهو وإنْ كانَ قد ورثَ من غيرِه ما هو فيه فإذا
ماتَ وَرِثَهُ غيرُهُ واللَّه سبحانه حيٌّ لا يموتُ ولا يُورَثُ سبحانه وتعالى، واللَّهُ
م
أعلمُ.
سؤالٌ: نفى سبحانهُ الولادةَ قبلَ نفي التولدِ، والتولد أسبقُ وقوعًا من
الولادِ في حقٍّ مَنْ هو متولدٌ؟
وجوابه: أنَّ الولادةَ لم يَدَّعها أحدٌ في حقِّه سبحانه وإنَّما ادْعَوا أنَّهِ وَلَدَ،
فلذلكَ قَدَّمَ نفيَه لأنَّه المهمُّ المحتاجُ إِلى نَفْيِهِ.
(١) (٣١/٨)، (١٤١/٩) من حديث أبى موسى الأشعري خطه.
(٢) («المسند» (١٣٣/٥ - ١٣٤).

٦٧٤
سورة الإخلاص
سؤالٌ آخرُ: كيفَ نَفَى أنْ يكونَ مولودًا ولم يعتقدْه أحَدٌ؟
جوابُهُ: مِنْ وجهينٍ، أحدُهُما: أَنَّهم سألوا عَمَّن وَرِثَ الدنيا ولِنَ يوِّرِثُها،
وهذا يُشعرُ بأنَّ منهُم منْ اعتقدَ ذلكَ.
والثاني: أَنّه نفى عَنْ نفسِهِ سبحانه خصائصَ آلهة المشركينَ فإنَّ منْهِمُ مَنْ
عبدَ المسيحَ، ومِنْهُمْ منْ عَبَدَ العزيزَ وهُمَا مولودانٍ، ومِنْهُم مَنْ عبدَ الملائكةَ
والعجلَ وهيَ متولداتٌ، وقد تقدَّم أنَّ نفيَ الولادةِ تدلُّ علَى نفي المتولدِ بطريقِ
الأَوْلى.
فائدةٌ: قالَ ابنُ عطيةَ: ﴿كُفُوًا﴾ خبرُ كانَ، واسمُهَا ﴿أَحَدٌ﴾، والظرفُ
مَلغي، وسيبويه يستحسن أنْ يكونَ الظرفُ إذا تقدَّم خبرًاً.
ولكنْ قَدْ يجيءُ مُلْغى في أماكنَ يقتَضِيَها المعنى كهذِهِ الآيةِ، وكقولٍ
الشاعرِ أنشدَهُ سيبويه:
ما دامَ فيهنّ فَصِيلٌ حيًّا
ويُحتملُ أن يكونَ: ﴿كُفُوا﴾ حالاً لما قُدِّمَ مِنْ كونِهِ وصفًا للنكرةِ كَمَا قالَ
كثيرٌ لعزَّةَ:
لميةَ موحِشًا طَلَلُ
قالَ سيبويه: وهذا نَقْلٌ في الكلامِ وبابُهُ الشِّعرُ.
فهذه السورةُ تتضمنُ انفرادَهُ ووحدانيتَهُ، وأَنَّه منقطعُ النظيرِ، وأَنَّهُ إنما نُزِّهَ
عن أنْ يكونَ من أجناسِ المخلوقاتِ، لأنَّ أفرادَ كُلِّ جنسٍ مِنْ هذهِ الأجناسِ
متكافئةٌ مماثلةٌ، فالذهبُ يكافيءُ الذهبَ، والإنسانُ يكافيءُ الإنسانَ ويزاوجُهُ،
ولهذا قالَ تعالَى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنٍ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فمَا مِنْ مخلوق

٦٧٥
سورة الإخلاص
إلا وله كفوٌ، هو زوجُهُ، ونظيرُهُ، وعدلُهُ، ومثيلُهُ، فلوْ كانَ الحقَّ مِنْ جنسِ
شيءٍ منْ هذهِ الأجناسِ لكانَ له كفوٌ وعدلٌ، وقدْ عُلِمَ انتفاؤُهُ بالشرعِ
والعقلِ.
فهذه السورةُ هِيَ نسبُ الرحمنِ وصفتُه، وهيَ الَّتي أنزلَهَا اللَّهُ في نفي مَا
أضافَ إليه المبطلونَ من تمثيلٍ ، وتجسيمٍ، وإثباتِ أصلٍ وفرعٍ، فدخَلَ فيها ما
يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ، والصابئةِ، وأهلِ الكتابِ، ومن دخلَ فيهم من
منافِقِي هذهِ الأمةِ من تولدِ الملائكةِ أوِ العقولِ، أوِ النفوسِ، أوِ بعضِ الأنبياءِ،
أو غيرِ الأنبياءِ .
ودخلَ فيها ما يقولُهُ مَنْ يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من تولدِهِ عن
غيرِهِ كالذينَ قالُوا في المسيحِ: إِنَّ اللَّهُ، والذينَ يقولونَ في الدجال: إنَّهُ اللَّهُ،
والذين يقولون ذلك في عليٌّ وغيرِهِ.
ودخلَ ما يقولُه من يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من إثباتِ كفوٍ له في
شيءٍ من الأشياءِ، مثل من يجعلُ له بتشبيهِهِ، أو بِتَجْسيمِهِ، كفواً له أو يجعلُ
لَهُ بعبادة غيرِه كُفُوًا، أو يجعلُ لَهُ بإضافةِ بعضِ خلقِهِ إلى غيرِهِ كُفُوًا فلا كفوَ
لهُ في شيءٍ من صفاتِهِ، ولا في ربوبيتِهِ ولا في إلاهيته.
فتضمنتْ هذه السورةُ تنزيهُهُ، وتقديسُهُ، عَنِ الأصولِ والفروعِ، والنظراءِ،
والأمثال.
وليسَ في المخلوقاتِ شيءٌ ألا ولا بدَّ أنْ يُنسبَ إلى بعضِ هذهِ الأعيانِ
والمعانِي، فالحيوانُ من الآدمي وغيرِه لا بدَّ أنْ يكونَ له إما والدٌ، وإمَّا مولودٌ،
وإمَّا نظيرٌ هو كفؤُهُ، وكذلك الجنُّ، والملائكةُ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ

٦٧٦
سورة الإخلاص
شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٩].
قالَ بعضُ السلفِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلمونَ أنَّ خالقَ الأزواجِ واحدٌ،
قالَ تعالَى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] قالَ مجاهدٌ: كلُّ شيءٍ خلَقَهُ اللَّهُ فهو
شفعٌ قالَ تعالَى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]
الكفرُ والإيمانُ، والهدى والضلالة، والشقاوةُ والسعادةُ، والليلُ والنهارُ،
والسماءُ والأرْضُ، والبرُّ والبحر، والشمسُ والقمرُ، والجنُّ والإنسُ، والوترُ
اللَّهُ تباركَ وتعالَى.
وهو الذي ذكرهُ البخاريُّ في ((صحيحه)) فإنَّه يعتمدُ قولَ مجاهد لأنَّه أصَحَّ
التفسيرِ، قالَ الثوريُّ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عَنْ مُجاهدٍ فحسبُكَ به، واختارَهُ
الشيخُ مجدُ الدينِ بنِ تيميةَ.
وحقيقةُ الكفؤ: هُوَ الْمُسَاوِي والمُقَاومُ؛ فلا كفوَ لَهُ تعالَى في ذاتِهِ، ولا في
صِفَاتِهِ، ولا في أسمائِهِ، ولا في أفعالِهِ، ولا في ربوبيتِهِ، ولا فِي إلاهيتِهِ،
ولهذا كانَ الإيمانُ بالقدرِ نظامَ التوحيدِ، كَمَا قالَ ابنُ عَبَّاسٍ، لأنَّ القدريةَ
جعلُوا له كُفُوّم في الخلقِ .
وأمَّا توحيدُ الإِلَهيةِ فالشركُ فيهِ تارةٌ يوجبُ الكفرَ والخروجَ مِنَ الملةِ،
والخلودَ في النارِ، ومنهُ مَا هُو أصغرُ كالحلف بغيرِ اللَّهِ والنذرِ لهُ، وخشيةٍ غيرِ
اللَّهِ ورجائِهِ والتوكلِ عليهِ والذلِّ لَهُ وقولِ القائلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشئْتَ.
ومنهُ ابتغاءُ الرزق مِنْ عندٍ غيرِ اللَّه، وحَمْدُ غيرِهِ عَلَى ما أعْطَى، والغنيةُ
بذلكَ عَنْ حمدِهِ، ومنهُ العملُ لغيرِ اللَّهِ وهو الرياءُ، وهوَ أقسامٌ.
ولهذا حرَّم التَّشَبَهَ بأفْعَالِهِ بالتصويرِ، وحرَّمَ التسمي بأسمَائِهِ المختصةِ به

٦٧٧
سورة الإخلاص
كاللَّهِ والرحمنٍ والرَّبِّ.
وإنما يجوزُ التسميةُ بِهِ مُضَافًا إلى غَيرِ مَنْ يعقلُ، وكذلك الجبّارُ والمتكبرُ
والقهارُ ونحوُ ذلكَ كالخلاقِ والرزّاقِ والدائمِ، ومنه ملكُ الملوكِ، وقدْ جَعَلَ
ابنُ عقيلِ التسميةَ بهذا مكروهَةً.
قال ابنُ عقيلٍ: كُلُّ ما انفردَ بِهِ اللَّهُ كَ: ((اللَّهِ و((رحمانِ) و((خالقٍ) لا
يجوزُ التَّسمي بِهِ، وكلَّما وُجِدَ معنَاهُ في الآَدَمِي فإنْ كانَ يوجدُ تكبرًا، كالملك
العظيمِ والأعظمِ، وملكِ الملوكِ والجبارِ فمكروهٌ، والصوابُ الجزمُ بتحريمه.
فأمَّا مَا يتسمَّى بِهِ المخلوقونَ مِنْ أسمائِهِ كالسميعِ والبصيرِ والقديرِ والعليمِ
والرحيم، فإنَّ الإضافةَ قاطعةُ الشركةَ، وكذلكَ الوصفيةُ، فقولنا: زيدٌ سميعٌ
بصيرٌ لا يُفيدُ إلا صفةَ المخلوقِ وقولُنا: اللَّهُ سميعٌ بصيرٌ يفيدُ صفتَهُ اللائقةَ
به، فانقطعتْ المشابهةُ بوجه من الوجوهِ، ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ
سمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
وفيه قولان: أحدُهُما: نَفْيُ التسميةِ.
والثاني: نَفْىُ المساواةِ وقدْ نَفَى سبحانه عن نفسهِ المثلية بقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِه
شيءٍ ﴾ [الشورى: ١١]، ونفى عنه العدلَ والتسويةَ بقولِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي
يَعْدَلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾
﴿ إِذْ نُسَوِّيَكُم بِرَبِ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨]، ونَفَى عنه النَِّ
٩٧
ضلال مبين
ء
بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنِدَادَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادَا﴾ [فصلت: ٩].

٦٧٨
سورة الإخلاص
وفي الحديثِ: أيَّ الذَّنْبِ أعظمُ؟ قالَ: ((أن تَجعل للَّه ندًا وَهُوَ خلقك))(١)،
وقالَ للذي قالَ لهُ: ما شاءَ اللَّه وشئتَ: ((أجعلتني للَّه ندا؟))، وفي رواية:
((أَجعلتني للَّه عدلاً))(٢) .
وقالَ كعبٌ: السماواتُ السبعُ، والأرضونَ السبعُ، أُسِّسَتْ عَلَى هذه
السورةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ومعنى هذا - واللَّهُ أعلمُ - أنَّ السماواتِ، والأرضَ، إنما خلقت بالحقِ،
والعدل، والتوحيد؛ كما قالَ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
٣٨
ومِن شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلتِ :
وسبحانَ ربيِّ خالقِ النورِ لم يلد ولم يكُ مُولُودًا بذلكَ أَشْهَد
وسبحانَهُ مِنْ كُلِّ إفكِ وباطلٍ وكيفَ يلدْ ذو العرشِ أمْ كيفَ يُولَد
هو اللَّهُ بارِيء الخلقِ والخلقُ كُلُّهم إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جميعًا وَأَعْبَد
هو الصمدُ اللَّهُ الذي لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الخلقِ كفوٌ قَدْ يُضَاهِيهِ مخلد
وأَنَّى يكونُ الخلقُ كالخالقِ الَّذي يدومُ ويَبْقَى والخليقةُ تَنْفَد
وليسَ بمخلوقٍ على الدَّهْرِ جده ومَنْ ذا عَلَى مَرِّ الحوادثِ يَخْلُد
وَتَفْنَى ولا يَبْقَى سِوى القاهرِ الَّذي يُميتُ ويُحيي دائِبًا ليس يَمْهَد
آخرُه والحمدُ لله ربِّ العالمينَ(٣).
(١) أخرجه: البخاري (٢٢/٦ - ١٣٧)، (٩/٨ - ٢٠٤)، (٢/٩ - ١٨٦ - ١٩٠)، ومسلم (١ / ٦٣)
من حديث عبد الله بن مسعود فضِ.
(٢) أخرجه: أحمد (٢١٤/١ - ٢٢٤ - ٢٨٣ - ٣٤٧)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩٥).
(٣) ((تفسير سورة الإخلاص)).

الفهارس
١ - فهرس الآيات القرآنية
٢ - فهرس الموضوعات والفوائد