Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
سورة الفجر
وأبي القاسمِ ابنِ عساكرٍ وغيرِهم.
وقد شرحَهُ القاضي أبو بكرِ ابنُ الباقلانيِّ.
وقد ذكرَ الأشعريُّ في بعضِ كتبِهِ أن طريقةَ المتكلمينَ في الاستدلالِ على
قدَمِ الصانعِ وحدوثِ العالَمِ بالجواهرِ والأجسامِ والأعراضِ محرمةٌ عندَ علماء
المسلمين .
وقد رُوي ذمُّ ذلك وإنكارُه ونسبتُه إلى الفلاسفة عن أبي حنيفةً.
وقال ابن سريج: توحيدُ أهلِ العلمِ وجماعةِ المسلمين: الشهادتان،
وتوحيدُ أهلِ الباطنِ من المسلمينَ: الخوضُ في الأعراضِ والأجسامِ، وإنَّما
بُعِث النبيِّ نَّ بإنكارِ ذلك.
خرَّجه أبو عبد الرحمن السلميّ.
وكذلك ذكره الخطابيَّ في رسالتهِ في ((الغنية عن الكلامِ وأهلِهِ)).
وهذا يدلُّ على أن ما يؤخذُ من كلامِهِ في كثيرٍ من كتبِهِ مما يخالفُ ذلك
ويوافقُ طريقةَ المتكلمينَ فقد رجعَ عنه، فإن نفيَ كثيرٍ من الصفاتِ إنما هو
مبنيٌ على ثبوتِ هذه الطريقة.
قال الخطابيّ في هذه الرسالةِ في هذه الطريقةِ في إثباتِ الصانعِ: إنما هو
شيءٌ أخذهُ المتكلمونَ عن الفلاسفةِ، وإنما سلكتِ الفلاسفةُ هذه الطريقةَ لأنهم
لا يُثبتون النبوَّتِ ولا يرون لها حقيقةً، فكان أقوى شيءٍ عندَهم في الدلالةِ
على إثباتِ هذه الأمورِ ما تعلَّقوا به من الاستدلال بهذه الأشياءِ، فأمَّا مثبتو
النبوَّاتِ، فقد أغناهم اللَّهُ عن ذلك، وكفاهم كلفةَ المؤنةِ في ركوبِ هذه
الطريقةِ المتعرِّجةِ التي لا يُؤْمَنُ العنتُ على مَن ركَبَها، والإبداعُ والانقطاعُ
٥٨٢
سورة الفجر
علی سالکها .
ثم ذكرَ أن الطريقَ الصحيحةَ في ذلك: الاستدلالُ بالصنعة على صانعها،
كما تضمَّنْه القرآنُ، وندب إلى الاستدلال به في مواضعَ، وبه تشهدُ الفطرُ
السليمةُ المستقيمةُ.
ثم ذكر طريقتَهم التي استدلَّوا بها، وما فيها من الاضطراب والفساد
٠
والتناقضِ والاختلافِ.
ثم قال: فلا تشتغلْ - رحمكَ اللَّهُ - بكلامهم، ولا تغترَّ بكثرةٍ مقالاتهم،
فإنَّها سريعةُ التهافتِ، كثيرةُ التناقضِ، وما من كلامٍ تسمعُهُ لفرقة منهم إلا
ولخصومِهِم عليه كلامٌ يوازيه ويفارقُه، فكلٌّ بكلِّ معارضٌ، وبعضُهم ببعضٍ
مقابلٌ.
قال: وإنَّما يكونُ تقدُّمُ الواحدِ منهم وفلجه على خصمِهِ بقدرِ حظّه من
الثباتِ والحذقِ في صنعةِ الجدالِ والكلامِ، وأكثرُ ما يظهرُ به بعضُهم على
بعضِ إنّما هو إلزامٌ من طريقِ الجدلِ على أصولِ مؤصلةٍ لهم، ومناقضات
على مقالات حفظُوها عليهم ([ ... ](١) تقودها وطردها، فمن تقاعدَ عن شيءٍ
منها سمَّوْه من طريقٍ [ ... ] (١) جعلوه مبطلاً، وحكموا بالفلج لخصمِه عليه،
والجدلُ لا يقومُ به حقٌّ [ ... ](١) به حجةٌ.
وقد يكون الخصمانِ على مقالتينِ مختلفتينٍ، كلاهما باطلٌ، ويكونُ
الحقُّ في ثالث غيرهما، فمناقضةُ أحدهما صاحبه غيرُ مصحِّح
مذهبَه، وإن كان مفسدًا به قولَ خصمه، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ،
(١) بياض بالأصل.
٥٨٣
سورة الفجر
مشتركان فيه، كقول الشاعر:
حُجَجْ تَهَافَتُ كالزَّجاجِ(١) تخَالُها حقًّا وكُلٌّ وامِنٌ مَكْسُورُ
ومتى كان الأمرُ كذلك، فإنَّ أحدًا من الفريقينِ لا يعتمدُ في مقالِتِه التي
نصرَها أصلاً صحيحًا، وإنَّما هو أوضاعٌ وآراءُ تتكافأ وتتقابلُ، فيكثر المقالُ،
ويدومُ الاختلافُ، ويقلُّ الصوابُ، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فأخبر تعالى أنَّ ما كثرَ فيه الاختلافُ
فليسَ من عندِهِ، وهو من أدلِّ الدليلِ على أنَّ مذاهبَ المتكلمين مذاهبُ
فاسدةٌ، لكثرة ما يوجدُ فيها من الاختلافِ المفضي بهم إلى التكفيرِ
والتضليلٍ .
وذكرَ بقيةَ الرسالةَ، وهي حسنةٌ متضمِّنَةٌ لفوائدَ جليلةٍ، وإنما ذكرْنا هذا
القدرَ منها ليتبيّن به أنَ القواعدَ العقليةَ التي يدَّعي أهلُها أنه قطعياتٌ لا تقبلُ
الاحتمالَ، فتردُّ لأجلها - بزعمِهم - نصوصُ الكتابِ والسنةِ وتصرفُ عن
مدلولاتها، إنما هي عندَ الراسخينَ شبهاتٌ جهلياتٌ، لا تساوي سماعَها، ولا
قراءتَها، فضلاً عن أنْ يُردَّ لأجلها ما جاءَ عن اللَّه ورسوله، أو يحرفَ شيءٌ
من ذلك عن مواضعهِ.
وإنَّما القطعياتُ ما جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ من الآياتِ المحكماتِ البينات،
والنصوصِ الواضحاتِ، فتردُ إليها المتشابهاتُ، وجميعُ كتبِ اللَّه المنزلةِ متفقةٌ
على معنّى واحد، وإن ما فيها محكماتٌ ومتشابهاتٌ، فالراسخونَ في العلمِ
يؤمنونَ بذلك كلِّه، ويردونَ المتشابهَ إلى المحكم، ويكِلُون ما أُشْكِلَ عليهم
(١) الزَّجاج: رعاع الناس.
٥٨٤
سورة الفجر
فهمه إلى عالمهِ، والذين في قلوبِهِم زيغٌ يتبعونَ ما تشابَهُ منه ابتغاءَ الفتنة
وابتغاءَ تأويله، فيضربونَ كتابَ اللَّه بعضَه ببعضٍ، ويردُّون المحكمَ،
ويتمسكونَ بالمتشابهِ ابتغاءَ الفتنةِ، ويحرِّفون المحكمَ عن مواضعِه، ويعتمدونَ
على شبهاتٍ وخيالاتٍ لا حقيقةَ لها، بلْ هي من وساوسِ الشيطانِ
وخيالاتِهِ، يقذفُها في القلوبِ .
فأهلُ العلمِ والإيمانِ يمتثلون في هذه الشبهاتِ ما أُمرُوا به من الاستعاذة
باللّه، والانتهاء عما ألقاه الشيطانُ، وقد جعلَ النبيّ ◌َِّ ذلك من علاماتِ
الإيمان، وغيرُهم فيصغونَ إلى تلك الشبهاتٍ، ويعبِّرون عنها بألفاظ
مشتبهاتٍ، لا حرمةَ لها في نفسها وليس لها معنىً يصحّ، فيجعلون تلك
الألفاظ محكمةً لا تقبلُ التأويلَ، فيردُّون كلامَ اللَّهِ ورسولِهِ إليها، ويعرضونه
عليها، ويحرِّفونه عن مواضعه لأجلها.
هذه طريقةُ طوائف أهلِ البدعِ المحضةِ من الجهميةِ والخوارجِ والروافضِ
والمعتزلة ومن أشبَههُم، وقد وقعَ في شيءٍ من ذلك كثيرٌ من المتأخرينَ
المنتسبين إلى السنة من أهلِ الحديثِ والفقهِ والتصوفِ من أصحابنا وغيرِهم في
بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ .
وأمَّا السلفُ وأئمةُ أهلِ الحديثِ ، فعلى الطريقةِ الأولى، وهي الإيمانُ
بجميعِ ما أثبتَهُ اللَّهُ لنفسه في كِتابِهِ، أو صحَّ عن رسولِ اللَّهُ وَخِّ أنه أثبتَه له،
مع نفي التمثيلِ والكيفيةِ عنه، كُم قالَه ربيعةُ ومالكٌ وغيرُهما من أئمة الهدى
في الاستواء، ورُوي عن أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، وقال مثلَ ذلك غيرُهم من
العلماء في النزولِ، وكذلك القولُ في سائر الصفاتِ، واللَّهُ سبحانه وتعالى
الموفقُ.
٥٨٥
سورة الفجر
وقولُهُ وَّ: ((فأكون أولَ من يجوزُ بأُمَّتِه)) حتى يقطع الجسرَ بأُمَّتِّهِ،
ورُوي : ((يجيزُ)، وهما لغتان ، يقال: جُزتُ الوادي وأجزتُه، وهما
ء
بمعنىَ.
وعن الأصمعيِّ، قال: أجزتُه: قطعتُهُ، وجُزْتُه: مشيتُ عليه.
وقولُهُ: ((منهم الموبَقُ بعملِه)) أي: الهالكُ.
وقولُه: ((ومنهم المخردلُ))، هو بالدالِ المهملةِ والمعجمةِ - : لغتان مشهورتان،
والمعنى: المقطَّعُ، والمرادُ - والله أعلمُ ـ : أن منهم من يهلكُ فيقعُ في النارِ،
ومنهم من تقطّعه الكلاليبُ التي على جسرٍ جهنَّم، ثم لا ينجوُ ولا يقعُ في
النارِ.
وقيل: معناه أنه ينقطعُ عن النجاةِ واللحاقِ بالناجينِ.
والمقصودُ من تخريجِ الحديثِ بطولِهِ في هذا البابِ: أنَّ أهلَ
التوحيدِ لا تأكلُ النارُ منهم مواضعَ سجودِهِم ، وذلك دليلٌ على فضلٍ
السجودِ عندَ اللهِ وعظمتِهِ، حيث حرَّم على النارِ أن تأكل مواضعَ سجودِ أهلِ
التوحید.
واستدلَّ بذلك بعضُ من يقولُ: إنَّ تارك الصلاة كافرٌ، فإنَّه تأكلُه النارُ
كلَّه، فلا يبقى حاله حالَ عصاةِ الموحدينَ.
وهذا فيمَنْ لم يصلِّ للَّه صلاةً قطُّ ظاهرٌ.
وقولُهُ: ((امتُحِشُوا)) أي: احترقُوا، وضُبطت هذه الكلمةُ بفتح التاءِ والحاءِ.
وفي بعضِ النسخِ بضمُّ التاء وكسرِ الحاءِ.
٥٨٦
سورة الفجر
و(الحبَّةُ)) بكسر الحاء، قال الأصمعيُّ: كُلُّ نبتٍ له حبٌّ فاسْمُ جميع ذلك
الحبِّ الحبّةُ، وقال الفراء: الحِبةُ: بذور البقلِ، وقال أبو عمروٍ: الحِبَّةُ نبتٌ
ينبت في الحشيش صغارٌ.
وقال الكسائيُّ: الحِبَّةُ بذرُ الرياحين، واحدتها حبَّةٌ، وأما الحنطة فهو الحبُّ
لا غير، يعني الفتح.
و((الحميل)): ما حمله السيل من كل شيءٍ، فهو حميلٌ بمعنى محمول،
كقتيل بمعنى مقتول(١).
(١) ((فتح الباري)) (٩٥/٥ - ١٠٧).
وُ رُ
سُورَةُ الْبَلَد
قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
رَوَى عطيةُ عن ابنِ عمرَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقْبَةِ﴾ [البلد: ١١]،
قال: جبلُ زلزالٍ في جهنّمَ .
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب اللَّه
- يعني: قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] - سبعين درجة في النار.
وعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغني أن العقبة التي ذكر اللَّه في
كتابه: مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة(١) .
وعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: ((جبل في جهنم، أفلا أجاوزه
بعتق رقبة؟!))(٢) .
وعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟
قال: رقبة.
وفي ((الصحيحين))(٢)، ولفظه للبخاري عن ابن عمر قال: رأيت في المنام
أنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، ثم لقيني ملك
في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرَع، نِعْمَ الرجلُ أنت لو كنت
(١) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٢٠١/٣٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٦١/٢)، (٣٠/٥ - ٣١)، (٥١/٩)، ومسلم (١٥٨/٧).
٥٨٨
سورة البلد
تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا
هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده
مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رءوسهم أسفلهم،
وعرفت رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على
حفصة، فقصتها حفصة على رسول اللَّه علّمه، فقال: ((إن عبد اللّه رجلٌ
صالحٌ)(٣) .
٥٠٠٠٠
وَلَسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾
٨
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنِيْنِ
الَّذِي خَلَقَكَ
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.
، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ -٨]، وقال عزَّ وجلّ:
فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّ تَشْكُرُونَ﴾
[الملك: ٢٣]، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ
السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْتِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨-٩].
قال مجاهدٌ: هذه نعَمٌ من اللَّه متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها کیما تشكر.
وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسُثُلَ عن بكائِهِ، فقال: هل بِتَّ ليلةً
شاكرًا للَّه أن جعلَ لك عينينِ تُبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًاَ للَّه أنْ جعلَ
لك لسانًا تنطقُ به؟ وجعلَ يعدِّدُ من هذا الضَّرْبِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: إنَّ رجُلاً بُسطَ له
(١) ((التخويف من النار)) (ص/ ٧٦ - ٧٧ - ١١٩).
٥٨٩
سورة البلد
منَ الدنيا، فانتُزِعَ ما في يديه، فجعل يحمَدُ اللَّه عزَّ وجلَّ، ويُثني عليه،
حتَّى لم يكنْ له فراشٌ إلا بوري(١) فجعلَ يحمدُ اللَّهَ، ويُثني عليه، وبُسِطَ
لآخرَ من الدنيا، فقال لصاحبِ البُوري: أرأيتك أنتَ على ما تحمدُ اللَّهَ عزَّ
وجلَّ؟ قال: أحْمَدُهُ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أُعْطِيَ الخَلْقُ، لم أُعْطِهِمْ إِيَّاه،
قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيتَ لسانَك؟ أرأيتَ يديك؟ أرأيتَ
رجليك؟
وبإسناده عن أبي الدرداءِ أنه كان يقولُ: الصِّحَّةُ غِنى الجسدِ.
وعن يونسَ بنِ عبيدٍ: أنَّ رجلاً شكا إليه ضيقَ حاله، فقال له يونسُ:
أيسُرُّكَ أنَّ لك ببصرِك هذا الذي تُبْصِرُ به مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: لا .
قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكَّرَه نِعَمَ اللَّه عليه، فقال يونسُ: أرى
عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجةَ.
وعن وهبِ بنِ مُنبِّهِ، قال: مكتوبٌ في حكمة آل داودَ: العافيةُ المُلك
الخفي .
وعن بكرِ المزنيِّ، قال: يا ابنَ آدمَ، إنْ أردتَ أنْ تعلم قدرَ ما أنعم الله
علیك، فغمِّضْ عينيك.
وفي بعض الآثارِ: كم منْ نِعمَةٍ للَّه في عرقٍ ساكنٍ .
وفي (صحيحِ البخاريِّ) عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((نعْمتان
مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصِّحَّةُ والفراغُ)(٢) (٣).
(١) البوري: هو الحصير المنسوج.
(٢) أخرجه: البخاري (١٠٩/٨).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٥٧ - ٥٩).
سورة الشمس
قال الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
٧
- قَدْ أَفْلَحَ مَن
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾
زَکَّاهَا
والمعنى قد أفلحَ من زكَّى نفسَهُ بطاعةِ اللَّه، وخابَ من دسَّها بالمعاصي،
فالطاعةُ تُزُكِّي النفسَ وتُطهرُها، فترتفعُ، والمعاصي تُدسِِّ النَّفْسَ، وتقمعُها،
فتنخفضُ، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب(١).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٥٨٤/١).
ورو هر
سورة الضحى
K
مَا وَدَّعَكَ
وَاللَّيْلِ إِذَا سَجى
قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى {
رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿َ﴾ وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَىِ ﴿﴿ وَلَسَوْفَ
، وَوَجَدَكَ
· أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمَّا فَاوَى.
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
ضَالاً فَهَدَى
﴿﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى
٠٠٠٠
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
وَأَمَّا بنعْمَةِ رَبّكَ فَحَدَثْ﴾
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ: ١)
وقال في سورةِ الضَّحى: لما توالى فيها قسَمانِ، وجوابَان مثبتان، وجوابان
نافيان، فالقسمان: ﴿وَالضُّحَى: ﴿﴿﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢]، والجوابان
النافيان: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، والجوابان المثبتان: ﴿وَلَلَآَ خِرَةٌ
خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَىْ ﴿﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥،٤].
ثم قررَ بنعمٍ ثلاثٍ، وأتبعهنَّ بوصايا ثلاث: كلُّ واحدة من الوصايا شكرُ
النعمةِ التي قوبِلَتْ بها.
فإحداهنَّ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وجوابها: ﴿فَأَمَّا الْيَتِمَ فَلا تَقْهَرْ !
والثانية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ فقابلها بقولِهِ: ﴿وَأَمَّ السَّائِلَ فَلا تَنْهِرْ
وهذا لأنَّ السائلَ ضالٌّ يبغي الهُدى.
والثالثةُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ فقابلها بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
وإنَّما قال: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ولم يقلْ: وما قلاكَ؛ لأنَّ القلَى بغضُ بعدَ حبِّ،
٥٩٢
سورة الضحى
وذلك لا يجوز على اللَّه تعالى. والمعنى: وما قلى أحدًا قط، ثم قال:
﴿وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾ ولم يقلْ: خيرٌ على الإطلاقِ، وإنَّما المعنى خيرٌ
لك ولمن آمن بك.
وقوله: ﴿فَوَى﴾ ولم يقل: فآواك؛ لأنه أرادَ: آوى بك إلى يومِ القيامةِ(١).
قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَی
وقال لنبيه وَ له: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، والمرادُ وجدَك غيرَ
عالمٍ بما علَّمَك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، فالإنسانُ يُولدُ
مفطورًا على قبول الحقِّ، فإنْ هداه اللَّهُ سَبَّبَ له منْ يعلمُهُ الهُدى، فصارَ
مهتديًا بالفعلِ بعدَ أن كان مهتديًا بالقوَّةً، وإنْ خذَلَهُ قيَّضَ له من يعلمُهُ ما
يُغيرُ فطرتَه، كما قال ◌َّ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه ويُنْصِّرانه
ويمجِّسانه))(٢). (٣)
٠ ٠
(١) ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٢٧٨/٣ - ٢٧٩).
(٢) أخرجه: البخاري (١١٨/٢)، ومسلم (٥٢/٨).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١٣/٢).
٩
سورة الشرح
٠ ٠٥
إِنَّ مَعَ الْعَسْرِ يَسْرًا﴾
قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ معَ العسر يسرا
وقولُهُ فَلَهُ: ((فإنَّ مع العسرِ يُسرًا)) هو مُنتزَعٌ من قولِهِ تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ
بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وقولُه عزَّ وجلّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿لْ﴾ إِنَّ مَعَ
الْعُسْرِ يَسْرَا﴾ [الشرح: ٥، ٦].
وخرَّج البزارُ في ((مسندِه)) وابنُ أبي حاتمٍ - واللفظُ له - من حديث أنسٍ
عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((لو جاءَ العُسْرُ، فدخلَ هذا الْجُحْرِ، لجاءَ الیسرُ حتَّى يدخلَ
عليه فيُخْرِجَه))، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا﴾(١) [الشرح:٥، ٦].
وروى ابنُ جريرٍ وغيرُهُ من حديثِ الحسنِ مرسلاً نحوَه، وفي حدثِهِ:
فقال النبيُّنَّ: (لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرينٍ)(٢) .
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ، قال: لو أنَّ العسرَ دخلَ في
جحرٍ لجاءَ اليسرُ حتَّى يدخل معه، ثم قال: قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يَسْرَا ﴿3﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(٣) [الشرح: ٥، ٦].
وبإسناده أنَّ أبا عبيدةَ حُصرَ فكتبَ إليه عمرُ يقول: مهما ينزلُ بامرئ شدَّةٌ
٠٠
(١) أخرجه: البزار (٢٢٨٨ - كشف)، وابن أبي حاتم - كما في ((التفسير)) لابن كثير (٤٥٣/٨).
(٢) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٢٣٦/٣٠).
(٣) السابق.
٥٩٤
سورة الشرح
يجعلُ اللَّه له بعدَها فرجًا، وإنَّه لن يَغْلِبَ عسرٌ يسرينٍ، وإنه يقول: ﴿أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(١) [آل عمران: ٢٠٠].
ومن لطائف أسرارِ اقترانِ الفرجِ بالكربِ واليُسرِ بالعسرِ: أنَّ الكربَ إذا
اشتدَّ وعَظُمَ وتناهى، حصلَ للعبدِ الإياسُ من كَشْفِهِ من جهةِ المخلوقين،
وتعلَّقَ قلبُهُ باللَّه وحدَهُ، وهذا هو حقيقةُ التوكُّل على الله، وهو من أعظمٍ
الأسبابِ التي تُطلَبُ بها الحوائجُ، فإنَّ اللَّهَ يكفي من توكَّل عليه، كما قال:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)) بإسنادِهِ عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال:
جاء مالكٌ الأشجعيُّ إلى النبيِّ وَّهِ، فقال: أُسِرَ ابْنِي عوفٌ، فقالَ له: ((أرسل
إليه: إن رسول اللَّه ◌َ له يأمرُكَ أن تُكثِرَ من قول: لا حول ولا قوة إلا باللّه))، فأتاه
الرسولُ فأخبرَه، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانوا قد
شدُّوه بالقدِّ فسقطَ القدُّ عنه، فخرجَ فإذا هو بناقةٍ لهم فركبَها، فأقبلَ فإذا هو
بسَرَحِ القومِ الذي كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبعَ آخرُها أوَّلها، فلم يفجأ
أبويه إلا وهو ينادي بالبابِ، فقال أبوه: عوفٌ وربّ الكعبة، فقالتْ أُمُّه:
واسوأتاه، عوفٌ كئيبٌ يألمُ لما فيه منَ القدِّ، فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه، فإذا
عوفٌ قدْ ملأ الفناءَ إبلاً، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبلِ فأتى أبوهُ رسولَ اللَّه
حَلَه فأخبره بخبرِ عوفٍ وخبرِ الإبل، فقال له رسولُ اللَّه وَّى: ((اصنع بها ما
أحببتَ، وما كنتَ صانعًا بإبلك))، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية [الطلاق: ٢، ٣].
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٥/٥)، والحاكم (٣٣٠/٢ - ٣٠١).
٥
١٥
سورة الشرح
قال الفضيلُ: والله لو يئستَ من الخلقِ حتَّى لا تريدَ منهم شيئًا، لأعطاكَ
مولاكَ كُلَّ ما تُريد.
وذكرَ إبراهيمُ بنُ أدهم عن بعضِهم ، قال: ما سألَ السائلون مسألةً هي
ألحفُ منْ أن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ، قال: يعني بذلك التَّفويضَ إلى الله
عزَّ وجلَّ.
وقال سعيدُ بنُ سالم القداح: بلغني أنَّ موسى عليه السلامُ كانتْ له إلى
اللَّه حاجةٌ، فطلبَها ، فأبطأتْ عليه، فقال: ما شاء اللَّه ، فإذا حاجتُه بيْنَ
يديه، فعجبَ، فأوحى اللَّهُ إليه: أما علمتَ أنَّ قولك: ((ما شاءَ اللَّهُ)) أنجحُ ما
طُلِبتْ به الحوائجُ.
وأيضًا فإنَّ المؤمنَ إذا استبطأ الفرَجَ، وأيسَ منه بعدَ كثرةٍ دعائه، وتضرَّعه،
ولم يظهرْ عليه أثرُ الإجابةِ يرجعُ إلى نفسِهِ باللائمةِ، وقال لها: إنَّما أُتْيتُ من
قِبَلِكِ، ولو كان فيكِ خيرٌ لأُجِبتُ، وهذا اللومُ أحبُّ إلى اللَّه من كثيرٍ من
الطَّاعات، فإنَّه يُوجِبُ انكسارَ العبد لمولاهُ واعترافَهُ له بأنَّه أهلٌ لما نزلَ به من
البلاءِ، وأنه ليسَ بأهلٍ لإجابةِ الدعاءِ، فلذلك تُسرعُ إليه حينئذ إجابةُ الدعاء
وتفريجُ الكربِ، فإنه تعالى عندَ المنكسرةِ قلوبُهم من أجلِه.
قال وهبٌ: تعبَّدَ رجلٌ زمانًا، ثمَّ بدت له إلى اللَّهِ حاجةٌ، فصامَ سبعينَ
سبتًا، يأكلُ في كُلِّ سبتٍ إحدى عشرةَ تمرةً، ثم سألَ اللَّهَ حاجَتَهُ فلم يُعطَها،
فرجعَ إلى نفسِهِ فقال: منكِ أُتَيتُ، لو كان فيكِ خيرٌ أعطيتِ حاجتَك، فنزلَ
إليه عندَ ذلك ملَكٌ، فقال: يا ابنَ آدمَ ساعتُك هذه خيرٌ من عبادتك التي
مضت، وقد قضى اللَّه حاجتَك. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
٥٩٦
سورة الشرح
ولبعضِ المتقدمين في هذا المعنى:
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى له فرجًا لَمَّا ألحَّ به الدَّهرُ
عسى فرَجٌ يأتي به اللَّهُ إِنَّه لهُ كُلَّ يومٍ في خَليقتِهِ أَمْرُ
إذا لاح عسرٌ فَارْجُ يسرًا فإنَّه قضى اللَّهُ أنَّ العُسرَ يتبعُهُ الَّيُسرُ (١)
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ٥٢٠ - ٥٢٤).
K
ورؤ ى
سُورَةُ التِّين
قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِينَ
وفي ((الصحيحِ)): ((أنَّ إبراهيمَ عليه السلامُ إذا شفَعَ في أبيه، قيل له: يا
إبراهيمُ انظرْ ما وراءَك، فإذا هو بذيخٍ ملطَّخ فيُؤْخَذُ بقوائِمِهِ ويُلقى في
النَّارِ))(١)، والذيخُ: الضبعُ الذكرُ.
وقال أبو العالية في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] قال:
في النَّارِ في صورةِ خنزيرٍ، خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.
قال ابنُ مسعود: إذا أرادَ اللَّه تعالى أنْ لا يُخْرِجَ منها أحدًا غيّرَ صورَهم
وألوانَهم فلا يُعرفُ منهم أحد(٢) .
(١) أخرجه: البخاري (١٦٩/٤).
(٢) ((التخويف من النار)) (١٣٨ - ١٣٩).
ورو
سُورَةُ الْعَلَقِ
K
عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى
[ قال البخاريُّ](١): قال ابنُ عباسٍ: حدثني أبو سفيانَ في حدیثِ هرقلَ،
فقال: يأمرنا - يعني: النبيَّ وََّ ـ بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعفافِ.
حديث أبي سفيانَ هذا قد خرَّجه البخاريُّ بتمامِهِ في أولِ كتابِهِ، وهو يدلَّ
على أنَّ النبيَّ مَِّ كان أهمُّ ما يأمرُ به أُمَّتَه الصلاةَ، كما يأمرُهم بالصدق
والعفافِ، واشتهر ذلك حتى شاعَ بين الملَلِ المخالفينَ له في دِينه، فإنَّ أبا
سفيان كان حينَ قال ذلك مُشْرِكًا، وكان هِرفْلُ نَصْرانيًا، ولم يزلْ مَِّ منذ
بُعث يأمر بالصدقِ والعفافِ، ولم يزلْ يصلي - أيضًا - قبل أن تُفْرَض
الصلاةُ.
وأولُ ما أُنزل عليه سورةُ: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي آخرها:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿﴾، عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لا تُطعْهُ وَاسْجُدْ
وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
وقد نَزَلَتْ هذه الآياتُ بسببِ قولِ أبي جَهْلٍ: لئن رأيتُ محمدًا ساجداً
عندَ البيتِ لأطأنَّ على عنُقُهِ .
وقد خرَّج هذا الحديثَ مسلمٌ في ((صحيحه))(٢)، وقد ذَكَرنا في أولِ كتابٍ:
(١) أخرجه: البخاري (١ / ٩٧)
(٢) أخرجه: مسلم (١٣٠/٨).
٥٩٩
سورة العلق
((الوضوء)) حديثَ أسامةَ، أن جبريلَ نزَل على النبيِ نَّ في أولِ الأمرِ،
فعلَّمه الوضوءَ والصلاة(١).
وذكر ابنُ إسحاقَ: أنَّ الصلاةَ افتُرضتْ عليه حينئذ، وكانَ هو
صَلى الله
وشميله
وخديجةُ يُصلِّیان.
والمرادُ: جنسُ الصلاة، لا الصلواتِ الخمسِ.
والأحاديثُ الدالةُ على أنَّ النبيَّ وَّهِ كانَ يصلي بمكةَ قبلَ الإسراءِ كثيرةٌ.
لكن قد قيلَ: إنَّه كان قد فُرض عليه ركعتانِ في أولِ النَّهارِ وركعتان في
آخرِه فقط، ثم افتُرِضَتْ عليه الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراءِ، قاله مُقاتلٌ
وغیرُه.
وقالَ قتادةُ: كان بدءُ الصلاةِ ركعتينِ بالغَداةِ، وركعتينِ بالعَشيِّ.
وإنَّما أرادَ هؤلاء: أنَّ ذلك كان فرضًا قبل افتراضِ الصلواتِ الخمسِ ليلةَ
الإسراءِ.
وقد زعم بعضُهم: أنَّ هذا هو مُرادُ عائشةَ بقولها: فُرضَت الصلاةُ ركعتين
ركعتين(٢)، وقالوا: إنَّ الصلوات الخمس فُرضَتْ أوَّلَ ما فُرضَتْ أربعًا
وثلاثًا وركعتين على وجهها.
وضعَّفَ الأكثرون ذلك، وقالُوا: إنما أرادتْ عائشةُ فرضَ الصلواتِ الخمس
ركعتينِ ركعتينِ سِوى المغربِ .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٠٣/٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٩٨/١)، ومسلم (١٤٢/٢).
٦٠٠
سورة العلق
وقد ورد من حديث عَفيفِ الكنْدِيِّ، أَنَّه رأى النبيَّ وَِّ يُصلي بمكةَ حين
زالت الشمسُ ومعه عليٌّ وخديجةُ، وأنَّ العباسَ قال له: ليس على هذا
الدِّينِ أحدٌ غيرُهم.
وقد خرّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ في ((خصائص عليّ) (١).
وقد طعن في إسناده البخاريُّ في ((تاريخه)) والعُقيليُّ وغيرُ واحدٍ .
وقد خرَّج الترمذي(٢) من حديث أنسٍ، قال: بُعثَ النبيّ ◌َُِّلّ يومَ
الاثنينِ، وصلى عليٌّ يومَ القُّلاثاءِ.
وإسناد ضعيف.
وقد خرَّجه الحاكم(٣) من حديث بُريدةَ، وصحَّحَه.
وفيه دليلٌ على أنَّ الصلاةَ شُرعت من ابتداء النبوة، لكنَّ الصلواتِ الخمسِ
لم تُفرض قبلَ الإسراء بغيرِ خلافٍ .
وروى الرَّبيعُ، عن الشافعي، قال(٤) : سمعتُ ممن أثق بخبره وعلمه يذكر
أنَّ اللَّهَ تعالى أنزل فرضًا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني
بالفرضِ في الصلواتِ الخمسِ .
قال الشافعي: كأنَّه يعني قولَ اللَّه عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُؤَّمِّلُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ
هُ نَصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ -٤] ثم نسخه في
إِلاَّ قَليلاً
(١) أخرجه: النسائي في ((الخصائص)) (٥)، وأحمد في ((المسند)) (٢٠٩/١ - ٢١٠).
(٢) («الجامع)) (٣٧٢٨).
(٣) (١١٢/٣).
(٤) ((الأم)) (٥٩/١).