Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥
سورة الجن
وقيلَ: إن المرادَ بالمساجد الأرضَ كلَّها، فإنها لهذه الأمة مساجدُ، وهي
كلُّها للَّه، فنهى اللَّهُ أن يُسجدَ عليها لغيرِهِ.
وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ أعضاء السجودِ نفسُهَا، وهي للَّه، فإنه هوَ خلقها
وجمعَها وألَّفها، فَمِن شُكْرِهِ على هذه النعمةِ أن لا يسجدَ بها لغيرِهِ.
وقد قيلَ: إنَّ قوله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدَا﴾ [الجن: ١٨]
يدلُّ - أيضًا - على أنَّه لا يجوزُ إضافةُ المساجد إلى مخلوقِ إضافةَ ملك
واختصاصٍ.
وأخذ بعضُ أصحابنا من ذلك كالوزير ابنِ هبيرةَ: أنه لا يجوزُ نسبةُ شيءٍ
من المساجدِ إلى بعضِ طوائفِ المسلمينَ للاختصاصِ بها، فيقالُ: هذه المساجدُ
للطائفةِ الفلانيةِ، وهذه للطائفة الأخرى، فإنَّها مشتركةٌ بينَ المسلمينَ عمومًا.
وذكرَ بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا في صحةِ اشتراطِ ذلك في وقفِهَا
و جهین .
وأما إضافةُ المسجدِ إلى ما يُعرِّفه به فليسَ بداخلٍ في ذلك، وقد كانَ النبيُّ
وَلَّ يضيف مسجدَهُ إلى نفسِهِ، فيقولُ: ((مسجدي هذا» ويضيفُ مسجدَ قُباء
إليه، ويضيفُ مسجدَ بيتِ المقدسِ إلى إيلياءَ، وكلُّ هذه إضافاتٌ للمساجد
إلى غيرِ اللَّه لتعريفِ أسمائها، وهذا غيرُ داخلٍ في النهي. والله أعلم (١).
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).

رو وتس
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحيمًا
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾
١٢
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا ﴿١٦﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾
[المزمل: ١٢، ١٣]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّ مِنْ ضَرِيعٍ {ـ®﴾ لا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن
جُوعِ﴾ [الغاشية: ٦، ٧].
روى الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ عن عكرمة عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: ﴿َطَعَامًا ذَا
غُصَّةٍ﴾ قال: شوكٌ يأخذُ بالحلقِ لا يدخلُ ولا يخرج(١).
ورَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿مِنِ ضَرِيعٍ﴾ قال:
شجرٌ في جهنمَ. وقال مجاهدٌ: الضريعُ: الشبرقُ اليابسُ، ورَوى أيضًا عن
عكرمة وقتادةَ، ورواهُ العوفيُّ عن ابنِ عباسٍ: الشبرقُ: نبتٌ ذو شوكٍ لاطيٍ
بالأرضِ، فإذا هاجَ سمِّيَ ضريعًا، وقال قتادة: من أضرعِ الطعامِ وأبشعِهِ.
وعن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿مِنِ ضَرِيعٍ﴾ قال: من حجارة، وعنه قال:
الزقومُ. وعن أبي الحواريِّ قال: الضريع: السَّلَى شوكُ النخلِ، وكيف يسمنُ
شوكُ النخلِ .
وخرَّج الترمذيُ (٢) من حديث أبي الدرداءِ عن النبيِّ وَّةِ: ((يُلْقَى على أهل
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣٠٩/٦) لعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥٨٦).

٥
٠٣
سورة المزمل
النار الجوعُ، فيعدلُ ما هم فيه من العذابِ فيستغيثونَ، فيُغاثُونَ بطعامٍ من ضريعٍ لا يسمنُ
ولا يُغني من جوعٍ، فيستغيثونَ بالطعام فيغاثونَ بطعام ذي غصة، فیذکرون أنهم كانُوا
يجيزون الغصص في الدنيا بالشرابِ، فيستغيثون بالشرابِ، فیدفعُ إلیھم الحميمُ كلاليب
الحديد، فإذا دنتْ من وجوهِهِم شوتْ وجوهَهُم، فإذا وصلتْ بطونَهُم قطعتْ ما في
بطونِهِم .. )) وذكر بقية الحديث. وقد رُوي الحديثُ موقوفًا على أبي الدرداءِ،
وقيلَ : وقفهُ أشبهُ.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾ وَلَا طَعَامٌ إِلَّ مِنْ غِسْلِينٍ
لا يَأْكُلُهُ إِلَّ الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٥ -٣٧] رَوَى عليّ بنُ أبي طلحة، عن ابن
(٣٦
عباسٍ من غسلين، قال: هو صديدُ أهل النارِ، وقال شبيبُ بنُ بشرٍ عن
عكرمة عن ابنِ عباسٍ: الغسلينُ: الدمُ والماءُ يسيلُ من لحومِهِم وهو طعامهم.
و و
وعن مقاتلٍ، قال: إذا سالَ القيحُ والدمُ بادرُوا إلى أكله قبلَ أن تأكله
النارُ.
وقال أبو جعفرٍ عن الربيعِ بنِ أنسٍ: الغسلينُ: شجرةٌ في جهنّم، وعن
الضحاك مثلُه.
ورَوَى خصيف عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أدري ما الغسلينُ،
ولكنِّي أظنُّه الزقومُ.
وقال أبو هلال عن قتادةَ: هو طعامٌ من طعامٍ جهنّم من شرِّ طعامِهِم.
وقال يحيى بنُ سلامٍ: هو غسالةُ أجوافهِم.
قال ابنُ قتيبةَ: هو فِعلين من غسلتُ، كأنَّه الغسالةُ.
قال شريحُ بنُ عبيد، قال كعبٌ: يقولُ لو دُلِّي من غسلينِ دلوٌ واحدٌ في

٥٠٤
سورة المزمل
مطلعِ الشمسِ لغلت منه جماجمُ قومٍ في مغربِها. خرَّجه أبو نعيم.
وقد رُوي أن بعضَ أهلِ النارِ يأكلُ لحمه، وسنذكرُ الحديثَ في ذلك فيما
بعد إن شاء الله.
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وقد روي في حديث: ((إن أكلةَ الرِّبًا يبعثونَ
تتأججُ أفواهُهُم نارًا)) ثم تلا هذه الآية. خرَّجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(١) من
حديث أبي برزةَ عن النبيِّ وَةِ(٢)
(١) ((صحيح ابن حبان)) (٥٥٦٦).
. (٢) ((التخويف من النار)) (١١٥ - ١١٦).

ورؤ وسك
سورة المدثر
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
قال مجاهدٌ والشَّعْبيُّ وقتادةُ والضحاكُ والنخعيُّ والزُّهريُّ وغيرُهم - في
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]: إن المعنى: طهِّرْ نفسَك من الذنوب.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وقلبَك ونَيَّتَك فطهِّرْ.
وقريبٌ منه: قولُ مَنْ قال: وعملَك فأصلِحْ، رُوي عن مجاهدٍ وأبي رَوْقٍ
والضحاك.
وعن الحسنِ والقرظيِّ، قالا: خُلُقَك حسِّنْه.
فكنَّى بالثيابِ عن الأعمالِ، وهي الدِّينُ والتقوى والإيمانُ والإسلامُ
وتطهيرُهُ: إصلاحُهُ وتخليصُهُ من المفسدات له، وبذلك تحصلُ طهارةُ النفسِ
والقلبِ والنيةِ .
وبه يحصلُ حسنُ الْخُلُقِ، لأنَّ الدِّينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادةً ودَيْدِنًا
وخُلُقًا، قالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وفسَّهُ ابنُ عباسٍ بالدِّينِ (١) .
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٩٣).

سورة المدثر
قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْفِرُ﴾
وقوله وَّه: ((إنَّ أَمنَّ الناس عليَّ في صحبته ومالِهِ أبو بكر))(١).
قال الخطابيَّ: معنى قوله: ((أمَنّ))، أي: أَبْذَل لنفسه وأعْطَى لماله، والمنُّ:
العطاءُ من غير استثابة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾
[ص: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلا تَمْثُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعْطِ لتأخذ أكثر مما
أعْطَيتَ، ولم يرد به المنَّةَ؛ فإنها تُفسدُ الصَّنيعة، ولا منَّةً لأحدٍ على رسولِ الله
وَلَه بل له الِنَّهُ على جميع الأُمَّةَ(٢).
قوله تعالى: ﴿سَأَرْهِقُهُ صَعُودًا﴾
وروى درََّجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ بَّ قال في قوله
تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧] قال: ((جبلٌ من نار يكلفُ أن يصعدَهُ، فإذا
وضَعَ يدَهُ عليه ذابتْ، وإذا رفَعَها عادتْ، وإذا وَضعَ رِجِلَه عليه ذابتْ، فإذا رَفَعها
عادتْ، يصعدُ سبعينَ خرِيفًا، ثم هَوى مثلَها كذلك)) وهذا الحديثُ خرَّجه الإمامُ
أحمدُ وغيرُهُ بمعناه، وخرَّجه الترمذيُّ مختصراً ولفظُهُ: ((الصَّعود جبلٌ من نار
يصعدُ فيه الكافرُ سبعينَ خرِيفًا ويهوي فيه كذلك أبَدًا)) . وقال: حديثٌ غريبٌ لا
نعرفُهُ مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعةَ عن درَّاجِ، ولكنْ رواه أيضًا عمرُو بنُ
الحارثِ عن درََّجٍ به، خرَّجه من طريقه الحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ(٣).
(١) أخرجه البخاري (١٢٦/١) (٧٣/٥)، ومسلم (١٠٨/٧) من حديث أبي سعيد الخدري فرقته.
(٢) «فتح الباري» (٥٥٢/٢).
(٣) أخرجه أحمد (٧٥/٣)، والترمذي (٢٥٧٦ - ٣١٦٤ - ٣٣٢٦)، والحاكم (٥٩٦/٤).

٥٠٧
سورة المدثر
ورَوَى هذا الحديثَ أيضًا شريكٌ عن عمارِ الدهنيِّ عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ
الخدريِّ عن النبيِّ وَّهِ. خرَّجه من طريقِهِ البزارُ، وقال: تفردَ برفعه شريكٌ،
ووقفه سفيانُ على عمارٍ - يعني أنه وقفَهُ على أبي سعيدٍ - ولم يرفعُهُ، ورواه
أيضًا عمرُو بنُ قيسِ الملائي عن عطيةً عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ ◌َله.
ورَوى سماك عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾
قالَ: جبلٌ في النارِ. ورويناهُ من طريقٍ فيه ضعفٌ عن الضحاكِ عن ابنٍ
عباسٍ، قال: هو جبلٌ من النارِ زلقٌ كلما صعدَهُ الفاجرُ زلقَ فهوى في النارِ .
وعن ابن السائبِ قال: هو جبلٌ من صخرةٍ ملساءَ في النارِ يكلفُ أن
يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها رُدَّ إلى أسفلها، ثم يكلفُ أيضًا أن يصعدَها
فذلك دأبُهُ أبدًا، ويجذبُ من أمامِهِ بسلاسلِ الحديدِ ويضربُ من خلفِه بمقامع
الحديدِ فيصعدُهَا في أربعين سنةٍ .
وقال أيوبُ بنُ بشيرِ عن شفي بن ماتعٍ قال: في جهنّم جبلٌ يُدْعَى صعودًا
يطلعُ فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يرقاهُ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا (١).
قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾
وذكر صاحب سيرة الوزير(٢) قال: وسمعته يقول في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا
إِلَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] قال: العرب لا تعرفُ ((ذا)) ولا ((هذا)) إلا في الإشارةِ
إلى الحاضرِ. وإنما أشارَ هذا القائلُ إلى هذا المسموع. فمن قال: إنَ المسموعَ
(١) ((التخويف من النار)) (١١٨، ١١٩).
(٢) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.

٥٠٨
سورة المدثر
عبارةٌ عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر.
قال مصنفُ سيرته: كثيراً ما سمعتُه يقول: ليس مذهبُ أحمد إلا الاتباع
فقط. فما قال السلفُ قاله: وما سكتُوا عنه سكتَ عنه؛ فإنَّه كان يكثُر أن
يقالَ: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق لأنه لم يقل. وكان يقولُ في
آيات الصفات: تمرّ كما جاءت.
قال: وسمعته يقول: تفكرتُ في أخبار الصفاتِ، فرأيتُ الصحابةَ
والتابعين سكتُوا عن تفسيرها، مع قوةٍ علمهم، فنظرتُ السببَ في سكوتِهم،
فإذا هو قوةُ الهيبة للموصوف، ولأنَّ تفسيرَها لا يتأتَّى إلا بضربِ الأمثالِ
للَّه، وقد قال عز وجل: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] قال: وكان
يقول: لا يفسرُ على الحقيقة ولا على المجاز؛ لأنَّ حملها على الحقيقة تشبيهٌ،
وعلى المجاز بدعةٌ (١).
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تسعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ
النَّارِ إِلَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عَدَّتَهُمْ إِلَّ فَتْنَةً لَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
قال اللَّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا تَسْعَةَ عَشَرَ ﴿٢﴾ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا
جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣٠، ٣١].
قال آدمُ بنُ أبي إياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا الأزرقُ بنُ قيسٍ عن
رجلٍ من بني تميمٍ: قال: كنّا عندَ أبي العوامِ فقرأ هذه الآية: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ
(١) ((طبقات الحنابلة)) (٣/ ٢٧٣).

٥٠
٩
سورة المدثر
عَشَرَ﴾ فقال: ما تقولون، تسعةَ عشرَ ملكًا؟ قلنا: بل تسعةَ عشرَ ألفًا، فقال:
ومن أينَ علمتَ ذلك؟ قال: قلتُ لأنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّ
فَتَّةً لَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال أبو العوام: صدقتَ وبيدِ كلِّ واحدٍ منهم مرزبةٌ من
حديدٍ لها شعبتانٍ، فيضربُ بها الضربةَ يهوي بها سبعينَ ألفًا، بين منكبي كلِّ
ملك منهم مسيرةَ كذا وكذا، فعلى قولِ أبي العوامِ ومن وافقه، الفتنةُ
للكفارِ، إنما جاء من ذكرِ العددِ الموهمِ للقلةِ حيثُ لم يذكرِ المميزَ له.
ويشبه هذا ما رَوى سعيدُ بن بشيرِ عن قتادةَ في قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ
إِلَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] أي: من كثرتِهِم (١).
وكذلك ما رَوى إبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانٍ وفيه ضعفٌ عن أبيه، عن
عكرمةَ قالَ: إنَّ أولَ من وصلَ من أهلِ النارِ إلى النارِ وجدُوا على البابِ أربع
مائة ألفٍ من خزنةٍ جهنّم مسودةٌ وجوهُهُم كالحةٌ أنيابُهم، قد نزعَ اللَّه الرحمة
من قلوبِهِم، ليسَ في قلبِ واحدٍ منهم مثقال ذرةٍ من الرحمة لو طارَ الطائرُ
من منكبِ أحدِهِم لطارَ شهرينِ قبلَ أن يبلغَ المنكبَ الآخرَ، ثم يجدونَ على
البابِ التسعةَ عشرَ، عرضُ صدرِ أحدِهِم سبعونَ خرِيفًا، ثم يهوونَ من بابٍ
إلى باب خمسمائةَ سنةٍ حتى يأتُوا البابَ؛ ثم يجدونَ على كلِّ بابٍ منها من
الخزنةِ مثلَ ما وجدُوا على البابِ الأولِ، حتى ينتهُوا إلى آخرِها. خرَّجه ابنُ
أبي حاتمٍ.
وهذا يدلُّ على أنَّ على كلِّ بابٍ من أبوابٍ جهنّم تسعةَ عشرَ خزانًا هُمْ
رؤساءُ الخزنة، تحتَ يدِ كلِّ واحدٍ منهم أربعمائة ألفٍ.
(١) أخرجه: ابن جرير في ((تفسيره)) (١٦٢/٢٩).

٥١٠
سورة المدثر
والمشهورُ بين السلف والخلف أنَّ الفتنةَ إنما جاءتْ من حيثُ ذكرِ عدد
الملائكة الذين اغترَّ الكفارُ بقلَّتهم، وظنُّوا أنهم يمكنُهُم مدافعتُهُم وممانعتُهُم،
ولم يعلمُوا أن كلَّ واحدٍ من الملائكةَ لا يمكنُ البشرُ كلُّهم مقاومتُهُ، ولهذا قال
اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّ فِتْنَةً لَلَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
قال السُّديُّ: إن رجلاً من قريشٍ يقالُ له أبو الأشدينِ قال: يا معشر قريشٍ
لا يهولنَّكم التسعةَ عشرَ أنا أدفعُ عنكُم بمنكبي الأيمنِ عشرةً من الملائكة،
وبمنكبي الأيسر التسعة الباقية ثم تمرونَ إلى الجنة - يقولُه مستهزئًا - فقال الله
عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ
كَفَرُوا ﴾ .
وقال قتادة: ذُكرَ لنا أنَّ أبا جهلِ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريش
أما يستطيعُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يأخذوا واحدًا من خزنة النارِ وأنتم الدّهم،
وصاحبُكم هذا يزعُمُ أنهم تسعة عشر(١) .
وقال قتادةُ: في التوراة والإنجيلِ: إنَّ خزنةَ النارِ تسعة عشر (٢).
ورَوَى حريثٌ عن الشعبيِّ عن البراءِ في قولِ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ
عَشَرَ﴾ قال: إن رهطًا من يهود سألُوا رجلاً من أصحابِ النبيِّ بَّ عن خزنةِ
جهنم، فقال: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ. فجاء رجلٌ فأخبرَ النبيَّ وَّهِ فأنزلَ اللَّه عليه
ساعةَ إذن ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فأخبر أصحابَهُ، وقال: ادعُهُم، فجاءوا فسألوه
عن خزنة جهنم، فأهْوَى بأصابع كفيه مرتين وأمسكَ الإبهامَ في الثانيةِ،
(١) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (١٦٠/٢٩).
(٢) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (١٦١/٢٩).

٥١
١
سورة المدثر
خرَّجْه ابن أبي حاتمٍ، وحريثٌ هو ابنُ أبي مطرٍ ضعيف.
وخرّجه الترمذيُّ(١) من طريقِ مجالدٍ عن الشعبيِّ، عن جابرٍ قال: قال
ناسٌ من اليهودِ لناسِ من أصحابِ النبيِّ نَّهِ: هل يعلمُ نبيِّكم عددَ خزنة
جهنَّم؟ قالُوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجلٌ إلى النبيِّ وَِّ فقالَ: يا
محمدُ غُلِبَ أصحابُك اليومَ، قال: ((وما غُلُبُوا؟)) قال: سألتُهُم يهودُ: هل يعلم
نبيُّكم عددَ خزنةٍ جهنّم، قال: ((فما قالوا؟)) قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيّنا
وَلَه، فقال: ((يغلبُ قومٌ سئلوا عمَّا لا يعلمون، فقالُوا: لا نعلمُ حتى نسأل نبيَّنَا،
لكنَّهم قد سألُوا نبيَّهم، فقالُوا: أرِنَا اللَّهَ جهرةً، عليَّ بأعداء اللَّه)) فلما جاءوا قالُوا: يا
أبا القاسمِ كم عددُ خزنةِ جهنم؟ قال: ((هكذا أو هكذا)» في مرةٍ عشرةٌ وفي مرةٍ
تسعةٌ، قالُوا: نعم، وهذا أصحُّ من حديثِ حريثِ المتقدمِ، قاله البيهقيّ
وو
وغيرُهُ.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ قال:
خرجَ علينا رسولُ اللّهِ وَ لَّهِ يومًا كالمودِّع، فقالَ: (أنا محمدٌ النبيُّ الأُمّيُّ) ثلاثًا،
((ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتحَ الكَلمِ وخواتِمه وجوامعَهُ، وعلمتُ كم خزنةُ النار وحملةُ
العرشِ)) وذكر بقيةَ الحديث(٣).
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غلاظٌ شدادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
(١) ((الجامع)) (٣٣٢٧).
(٢) ((المسند)) (١٧٢/٢ - ٢١٢).
(٣) ((التخويف من النار)) (١٧٣ - ١٧٥).

٥١٢
سورة المدثر
[التحريم: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿لَهُم
مِنِ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌّ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادٍ فَاتَّقُونِ﴾
[الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣٠١]» كَلاَّ وَالْقَمَرِ {لَهُ وَاللَّيْلِ
إِذْ أَدْبَرَ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٤﴾ إِنَّهَا لِإِحْدَى الْكُبَرِ ﴿٣٥» نَذِيرًا لِلَبَشْرِ
٣٦
لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣١-٣٧].
قال الحسنُ في قوله تعالى: ﴿نَذِيرًاً لِلْبَشَرِ﴾ قال: ((واللَّه ما أنذرَ العبادَ
بشيءٍ قط أدْهَى منها)) خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ (١) .
وقال قتادةُ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهَا لِإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعْني النارَ (١)
وروى سماكُ بنُ حربٍ، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ بشيرِ يخطبُ، يقولُ:
سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((أنذرتُكُم النارَ أنذرتُكُمُ النارَ)) حتى لو أنَّ رجلاً
كان بالسوقِ لسمعَهُ من مقامِي هذا. حتَّى وقعتْ خميصةٌ كانتْ على عاتقه
٠٠
عند رجليه، خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢)، وفي رواية له أيضًا عن النعمان بن
بشير، قالَ: قال رسول اللَّه وَله: ((أنذرتُكُمُ النارَ، أنذرتُكُمُ النارَ) حتَّى لو كانَ
رجلٌ في أقْصى السوقِ لسمعَهُ وسمعَ أهلُ السوقِ صوتَهُ، وهو على المنبرِ،
وفي روايةٍ له عن سماكِ، قال: سمعتُ النعمانَ يخطبُ وعليه خميصةٌ،
فقال: لقد سمعتُ رسولَ اللّهِ وَلِلّه يقولُ: ((أنذرتُكُمُ النارَ، أنذرتُكُمُ النارَ)) فلو أنَّ
(١) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٢٩/ ١٦٣).
(٢) (المسند)» (٢٦٨/٤ - ٢٧٢).

٥١٣
سورة المدثر
رجلاً بموضعٍ كذا وكذا، سمعَ صوتَهُ.
وعن عديٍّ بنِ حاتم قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلّ: ((انَّقوا النارَ) قال: وأشاحَ،
ثم قال: (أَّقوا النارَ))، ثم أعرَض وأشاحَ ثلاثًا جِتَّى ظنًّا أنه ينظرُ إليها، ثم
قالَ: (اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجدْ فبكلمة طيبةٍ)) خرَّجاه في
((الصحيحينٍ))(١).
وخرَّج البيهقيُ(٢) بإسناد فيه جهالةٌ عن أنس عن النبيِّ وَلّ: (يا معشر
ےے
المسلمينَ ارغبُوا فيما رغَبكم اللَّه فيه، واحذرُوا، وخافُوا ما خوََّكُمُ اللَّهُ به من عذابِهِ
وعقابه، ومن جهَّم، فإنَّها لو كانتْ قطرةٌ من الجنةِ معكُم في دنياكم التي أنتم فيها حلَّتها
٠٠
لكُم، ولو كانتْ قطرةٌ من النارِ معكُم في دنياكم التي أنتُم فيها خبثتْها عليكُم)).
وفي (الصحيحين))(٣) عن أبي هريرة فراشه، عن النبيِّ بَّ قالَ: ((إنَّما مثلي
ومثلُ أُمَّتي كمثلِ رجلٍ استوقدَ نارً، فجعلت الدوابُّ والفراشُ يقعْنَ فيها، فأنا آخذٌ
بحَجُزْكُم عن النارِ وأنْتُم تقتحمون فيها)» وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((مثلي كمثلِ رجلٍ استوقدَ
نارًاً، فلمَّا أضاءتْ ما حولَها جعلَ الفراشُ وهذه الدوابُ التي في النارِ يقعنَ فيها ،
وجعلَ يحجزُهُنَّ ويغلبْنَهُ فيقتحمنَ فيها)) قال: ((فذلكم مَثَلي ومثلُكُم أنا آخذ بِحجُزِكُم
عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، فتغلبُوني وتقتحمون فيها)).
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ (٤): ((مَثَلي ومثلُكُم أيتها الأُمَّةُ كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا بليلٍ،
فأقبلتْ إليها هذه الفراشُ والذبابُ التي تغشى النارَ، فجعل يذبُّها ويغلبْنَهُ إلا تقحُّمًا في
(١) أخرجه: البخاري (١٣٩/٨ - ١٤٤)، (١٦٢/٩ - ١٨١)، ومسلم (٨٦/٣).
(٢) ((البعث والنشور)) (٥٤٦).
(٣) أخرجه: البخاري (١٩٨/٤)، (١٢٦/٨)، ومسلم (٦٣/٧).
(٤) ((المسند)» (٥٣٩/٢).
٠

٥١٤
سورة المدثر
النار، وأنا آخذ بحجُزِكُم أدعوكُم إلى الجنةِ وتغلبونِي إلا تقحُّمًا في النار)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) أيضًا من حديث ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ بَ لَه قال: ((إنَّ
اللَّه لم يحرمُ حرمةً إلا وقدْ علمَ أَنَّه سيطلعها منكم مطلعٌ، ألا وإنّي آخذُ بحجُزِكُم أن
تهافتُوا في النارِ، كتهافُتِ الفراشِ والذبابِ».
وخرَّج البزارُ والطبرانيُّ(٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ وَّ قال: ((أنا
آخذ بحجُزِكُمْ فاتقوا النارَ، اتقوا النارَ، اتقوا الحدودَ، فإذا مِتُّ تركْتُم، وأنا فرطُكُم على
الحوضِ، فمن ورَدَ فقد أفْلَحَ، فيؤْتَى بأقوامٍ ويؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: ربِّ أمتي،
فيقولُ: إِنَّهم لم يزالوا بعدَكَ يرتدونَ على أعقابِهِم)) وفي روايةٍ للبزارِ، قال: ((وأنا
آخذ بحجُزِكُم أقولُ: إِنَّكُمْ وجهنم، إِنَّكُم والحدودَ، إِيَّاكُمْ وجهنم، إِيَّاكُم والحدودَ،
إِيَّاكُمْ وجهنمَ، إِيَّكم والحدودَ)) وذكر بقية الحديثِ .
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٣) عن أبي هريرة قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسولُ اللَّه ◌َله قريشًا فاجتمَعُوا، فعمَّ
وخصَّ، فقال: ((يا بني كعبِ بنِ لؤيٍّ أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا بني مُرَّةَ بنِ كعب،
أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني عبدَ شمسٍ، أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني عبد مناف،
أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب،
أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا فاطمةُ بنتُ محمد، أنقذِي نفسك من النارِ، فإِنِّي لا أملك
لکم من اللَّه شيئًا)).
وخرّج الطبرانيُّ(٤) وغيرُهُ من طريقِ يعلى بن الأشدقِ عن كليبِ بنِ حزنٍ،
(١) ((المسند)) (٤٢٤/١).
(٢) أخرجه: البزار (١٥٣٦ - كشف)، والطبراني في «الكبير» (٣٣/١١)، (٧١/١٢).
(٤) ((المعجم الكبير)) (٢٠٠/١٩).
(٣) (١٣٣/١).

٥١٥
سورة المدثر
قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَه يقولُ: ((اطلبُوا الجنةَ جهدَكُم واهربُوا من النارِ
جهدكم، فإن الجنة لا ينامُ طالبها، وإنَّ النارَ لا ينامُ هاربها، وإن الآخرةَ اليوم محفوفٌ
بالمكاره، وإن الدنيا محفوفةٌ باللذاتِ والشهوات، فلا تلهينَّكُم عن الآخرة)) ويُروى هذا
الحديثُ أيضًا عن يعلى بن الأشدقِ عن عبدِ اللهِ بن جرادٍ عن النبيِّ وَّ،
وأحاديثُ يعلى بنِ الأشدقِ باطلةٌ منكرةٌ.
وخرَّج الترمذيُّ(١) من حديثٍ يحيى بن عبدِ اللَّه عن أبيه، عن أبي
هريرة، عن النبيِّ بَّهِ قالَ: ((ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربُها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ
طالبُها)) ويحيى هذا ضعفُوه، وخرَّجه ابنُ مردويه من وجه آخرَ أجودَ من هذا
إلى أبي هريرة، وخرَّج الطبرانيُ (٢) نحوَه بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أنس عن النبيِّ
وَّه، وخرَّجه ابنُ عديٌّ بإسنادِ ضعيفٍ عن عمرَ بِثُه عن النبيِّ ◌َِّ.
وقال يوسفُ بنُ عطيةً عن المعلى بنِ زيادٍ: كانَ هرمُ بنُ حياذَ يخرجُ في
بعضِ الليالي وينادِي بأعلَى صوتِهِ: عجبتُ من الجنةِ كيفَ نامَ طالبُها،
وعجبتُ منَ النارِ كيف نامَ هاربُها، ثم يقول: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا
بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ الآية [الأعراف: ٩٧].
وقال أبو الجوزاءِ: لو وليتُ من أمرِ الناس شيئًا اتخذتُ منارًا على الطريقِ
وأقمتُ عليها رجالاً ينادون في الناس: النارَ النارَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ في
كتابِ ((الزهدِ)).
وخرَّج ابنُه عبدُ اللَّه في هذا الكتابِ أيضًا بإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ،
قال: لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالليلِ: النارَ النارَ، ثم قال:
(١) ((الجامع)) (٢٦٠١).
(٢) ((المعجم الأوسط)) (١٦٣٨).

٥١٦
سورة المدثر
لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالليلِ: النارَ النارَ، ثم قال: لو
وجدتُ أعوانًا لفرقتهم في منارِ الدنيا: يا أيها الناس النارَ النارَ (١).

سُورَةُ الْقَيَامة
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
[قال البخاريُ]: حدثنا الْحُميديُّ: ثنا مروانُ بن مُعاويةً: ثنا إسماعيلُ عن
قَيْسٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: كُنَّا عندَ النبيِّ ◌ََّ، فنظر إلى القمرِ لَيْلَةَ
البدْرِ، فقالَ: ((إنَّكم سترونَ ربَّكُم كما تروْنَ هذا القمَرَ، لا تُضامُون في رُؤْيَتِه، فإن
استطعْتُم أن لا تُغْلُبُوا على صلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهِا فافْعَلُوا)) ثمَّ قرأ:
﴿ وَسَبَحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾))(٢) [ق: )
قال إسْماعيلُ: افْعَلُوا لا تفُوتَنَّكُمْ.
هذا الحديثُ نصٌّ في ثبوتِ رؤيةِ المؤمنينَ لربِّهم في الآخرةِ، كما دلَّ على
ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]،
ومفهومُ قولِهِ في حقِّ الكفارِ: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾
[المطففين: ١٥].
قال الشافعيّ وغيرُهُ: لما حَجَبَ أعداءَهُ في السخط دلَّ على أنَّ أولياءَه
یرونَهُ في الرِّضا.
والأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ جدًا، وقد ذَكَرَ البخاريُّ بعضَها في أواخرٍ
(الصحيحِ)) في ((كتاب التوحيد)) وقد أجمعَ على ذلكَ السَّلفُ الصالحُ مِنَ
الصَّحابة والتَّابعينَ لهُم بإحسانٍ من الأئمةِ وأتباعِهِم.
(١) ((التخويف من النار)) (٨ - ١١).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤٥/١ - ١٥٠)، (١٧٣/٦)، (١٥٦/٩)، ومسلم (١١٣/٢).

(٥١٨
سورة القيامة
وإنَّما خالفَ فيه طوائفُ أهلِ البدعِ، من الجهميّةِ والمعتزلةِ ونحوِهِم مَمَّن
يردُّ النصوصَ الصحيحةَ لخيالاتِ فاسدةٍ وشبهاتِ باطلةٍ، يخيلُهَا لهمُ
الشيطانُ، فيُسرعونَ إلى قَبولِهَا منه، ويوهمُهُم أنَّ هذه النصوصَ الصحيحةَ
تستلزمُ باطلاً، ويسميه تشْبيهًا أو تجْسيمًا، فينفرونَ منه، كما خيَّل إلى
المشركينَ قبلَهُم أنَّ عبادة الأوثانِ ونحوِها تعظيمٌ لجنابِ الربِّ، وأَنَّه لا يُتوصلُ
إليه من غيرِ وسائط تعبدُ فتقربُ إليه زُلفَا، وأنَّ ذلك أبلغُ في التعظيم
والاحترام، وقاسَهُ لهم على ملوكِ بني آدم، فاستجابُوا لذلكَ، وقبلوه منه.
وإنَّما بعثَ اللَّهُ الرسل وأنزلَ الكتبَ لإبطالِ ذلكَ كلِّه، فمن اتَبع ما جاءوا
به فقد اهتدى، ومنْ أعْرَضَ عنه أو عن شيءٍ منه واعترضَ فقد ضلِّ .
وقولهُ: ((كما ترون هذا القمَرَ) شبَّه الرؤية بالرؤيةِ، لا المرئي بالمرئي سبحانه
وتعالى .
وإنَّما شبَّه الرؤية برؤية البدر، لمعنيين:
أحدهما: أنَّ رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ لا يُشك فيه ولا يُمترى.
والثاني: يتسوى فيه جميعُ الناسُ من غير مشقة.
وقد ظنَّ المريسيُّ ونحوُهُ ممن ضلَّ وافترى على اللَّه، أنَّ هذا الحديثَ يُرد؛
لما يتضمن من التشبيه، فضلًّ وأضلَّ. واتفقَ السلفُ الصالحُ على تَلَقِّي هذا
الحديث بالقبولِ والتصديقِ .
قال يزيدُ بنُ هارونَ: من كذَّب بهذا الحديثِ فهو بريءٌ من اللَّهِ ورسولِهِ.
وقال وكيعُ: مَنْ ردَّ هذا الحديثَ فاحسبوه من الجهميّةِ.
وكان حسينٌ الجعُفيُّ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: زَعَمَ المريسي.

٥١٩
سورة القيامة
وقوله: ((لا تضامُّون في رؤيتِهِ)) .
قال الخطابيُّ: ((لا تضامون)) رُوي على وجهين:
مفتوحةُ التاء، مشددةُ الميم، وأصلُهُ تتضامُون، أي لا يضامُ بعضُكم
بعضًا، أي: لا يُزَاحم ، من الضمِّ، كما يفعلُ الناسُ في طلبِ الشيء
الخفي، يريدُ أنكم ترونَ ربَّكم وكلُّ واحدٍ منكم وادِعٌ في مكانِهِ، لا ينزاعه
فیه أحدٌ.
والآخرُ: مخفف: تُضامُون - بضمِّ التاءِ - من الضَّيْمِ، أي: لا يضيم
بعضكم بعضًا فيه. انتھي.
وذكرَ ابنُ السمعاني فيه روايةً ثالثةً: ((تُضامُون)) - بضم التاء، وتشديدِ الميمِ -
قال: ومعناها: لا تزاحمُون، قال: ورواية - فتح التاء مع تشديدِ الميم -
معناها: لا تزاحَمُون.
وقولُه: ((كما تروْن القمرَ ليلةَ البدر)) يقوِّي المعنى الأولَ.
وجاء التصريحُ به في روايةِ أبِي رَزينِ العُقيليِّ، أنّه قال: يا رسولَ اللَّه،
أكلُّنَا يَرَى رَبَّه يومَ القيامة؟ وما آيَةُ ذلك في خَلْقِه؟ قال رسولُ اللَّهِ وَه :
((أليس كُلُّكُمْ ينظرُ إلى القمرِ مُخْلِيًا به؟)) قال: بلى، قال: ((فاللَّه أعظمُ)).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ(١) .
وخرَّجه ابنُهُ عبدُ اللَّه في ((المسندِ))(٢) بسياق مطول جدا، وفيه ذكرُ البعث
والنشورِ، وفيه: ((فتخرُجُون من الأصواء - أو: من مصَارِعِكُم - فننظرُون إليْهِ وينظُرُ
(١) ((المسند)) (١١/٤ - ١٢).
(٢) (٤ /١٣ - ١٤).

٥٢٠
سورة القيامة
إليكُمْ) قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، وكيفَ ونحْنُ مِلْء الأرضِ وهُو شخصٌ
واحدٌ، ينظُرُ إلينا ونْظُرُ إليه؟ قال: ((أُنْبئك بمثلِ ذلك، الشَّمْسُ والقَمَرُ، آيَةٌ مِنْهُ
صغيرةٌ، تَرَوْنَهُما ويريانكُمْ ساعةً واحدةً، لا تضارون في رُؤْيَتِهما، ولَعَمْرُ إلهكَ لَهُوَ
أَقْدرُ على أنْ يرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ من أنْ تَرَوْنَهُما ويرَيَانِكُم، لا تُضارَّون في رؤيتهما)) وذكر
بقيةَ الحدیثِ .
وخرّجه الحاكم(١) وقال: صحيحُ الإسناد.
وقد ذكَرَ أبو عبد الله بنُ منده إجماعَ أهلِ العلمِ على قبولِ هذا الحديثِ
ونَقَلَ عبَّاسُ الدُّوري، عن ابن معينِ أنَّه استحسنه.
وقولُهُ: ((فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أن لا تُغْلُبُوا على صلاة قبْلَ طلُوعِ الشَّمْسِ وقبْلَ غُرُوبِها
فافْعَلُوا)) أمر بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتين، وهما صلاةُ الفجرِ وصلاةُ
العصرِ، وفيه إشارةٌ إلى عظمٍ قدْرِ هاتينِ الصلاتينِ، وأَنَّهُما أشرفُ الصلوات
الخمسِ، ولهذا قيل في كلٌّ منهُما: إنّها الصلاةُ الوسطى، والقولُ بأنَّ
الوسْطَى غيرُهما لا تعويلَ عليه.
وقد قيل في مناسبةِ الأمرِ بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِ
الرؤية: أنَّ أعلى ما في الجنَّةِ رؤيةُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وأشرفُ ما في الدنيا من
الأعمال هاتان الصلاتان، فالمحافظةُ عليهما يُرجى بها دخولُ الجنة ورؤيةُ اللَّهِ
عزَّ وجلَّ فيها.
كما في الحديث الآخر: ((منْ صلَّى البردين دخل الجنَّةُ))(٢) وسيأتي - إن شاء
(١) ((المستدرك)) (٤ / ٥٦٠ - ٥٦٤).
(٢) أخرجه: البخاري (١/ ١٥٠)، ومسلم (١١٤/٢) من حديث أبي موسى الأشعري فِرْتُه.