Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
سورة الطلاق
الله، ومن تعدَّى ذلك فقد تعدَّى حدودَ اللَّه.
وقد تُطلقُ الحدودُ، ويُرادُ بها نفسُ المحارم، وحينئذٍ فيقال: لا تقربُوا
حدودَ اللَّه، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]،
والمرادُ: النَّهيُّ عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآيةِ من محظوراتِ الصِّيامِ
والاعتكافِ في المساجدِ، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارمِ حدودًا - قولُ
النبيِّ وَّ: ((مَثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والمُدْهِنِ فيها، كمثلٍ قوم اقتسموا سفينةً))
الحديثُ المشهور (١)، وأراد بالقائم على حدود اللَّه: المنكرُ للمحرَّمات والناهي
عنها .
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنِّي آخذٌ بحُجزِكُم، أقولُ: أنَّقوا
النَّارَ، اتَّقوا الحدودَ)) قالها ثلاثًا، خرَّجه الطبراني والبزار(٢)، وأراد بالحدودِ،
محارمَ اللَّهِ ومعاصيهِ، ومنه قولُ الرجلِ الذي قالَ للنبيِّ وَّةَ: إِنِّي أصبتُ حدًّا
فَأَقِمْه عليّ(٣) .
وقد تُسمى العقوباتُ المقدرةُ الرادعةُ عن المحارمِ المغلظةُ حدودًا، كما يقالُ:
حدُّ الزني وحدُّ السرقةِ وحدُّ شُربِ الخَمرِ، ومنه قولُ النبيِّ وَّ لأسامةَ:
(أتشفعُ في حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟)) (٤) يعني: في القَطع في السّرقةِ. وهذا هو
المعروفُ من اسم الحدودِ في اصطلاحِ الفقهاءِ.
(١) أخرجه: البخاري (١٨٢/٣).
(٢) أخرج: الطبراني (٣٣/١١)، والبزار (٣٤٨٠) من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن
ابن عباس فىالله .
(٣) أخرجه: البخاري (٢٠٦/٨)، ومسلم (١٠٢/٨).
(٤) أخرجه: البخاري (٢١٣/٤)، (٢٩/٥)، (١٩٩/٨)، (٢٠١/٨)، ومسلم (١١٤/٥).
٤٨٢
سورة الطلاق
وأمَّا قولُ النبيِّ وَهُ: (لايُجددُ فوقَ عشرِ جلدات إلا في حَدٍّ من حُدود اللَّه))(١)
فهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بهذه الحدود
المقدّرة، وقال: إنَّ التَّعزيرَ لا يُزادُ على عشرِ جلداتٍ، ولا يُزادُ عليها إلا في
هذه الحدود المقدَّرة، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ اللَّه، وقالَ:
٥
المرادُ أن مجاوزةَ العشرِ جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكابِ محرّمٌ مِن محارمِ
اللَّه، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غيرِ محرَّمٍ، فلا يتجاوزُ به عشر جَلْدات.
وقد حملَ بعضُهم قولَه نَظله: ((وحدَّ حُدُودًا فلا تعتدوها)) على هذه العقوباتِ
الزَّاجرةِ عَنِ المحرَّماتِ، وقال: المرادُ النَّهيُ عن تجاوزِ هذه الحدود وتعديها عندَ
إقامتِها على أهلِ الجرائمِ. ورجَّح ذلك بأنَّه لو كانَ المرادُ بالحدود الوقوف عند
الأوامرِ والنَّواهي، لكانَ تكريرًا لقولهِ: «فرضَ فرائضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحرَّم أشياءَ،
فلا تنتهكُوها)) وليس الأمرُ على ما قالَه، فإنَّ الوقوف عند الحُدودِ يقتضي أنَّه لا
يخرجُ عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نَهى عنه، وذلك أعمّ من كونِ المأذون فيه فرضًا أو
ندبًا أو مباحًا كما تقدَّم، وحينئذٍ فلا تكريرَ في الحديثِ، واللَّهُ أعلمُ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا
قال قتادةُ في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: ٢] قالَ:
مِن الكربِ عندَ الموتِ، ومن أفزاعِ يوم القيامةِ .
وقال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ ◌ِّها في هذه الآيةِ: ننجيه من کلِ
(١) أخرجه: البخاري (٢١٥/٨)، ومسلم (١٢٦/٥).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (١٥٨/٢ - ١٦٢).
٤٨٣
سورة الطلاق
کربِ فِي الدُّنيا والآخرةِ.
وقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
[الأحقاف: ١٣] قال: يُبشرُ في ذلك عند موتهِ، وفي قبرهِ ويومَ البعثِ، فإنه لفي
الجنة، وما ذهبت فرحةُ البشارة من قلبه.
وقال ثابتٌ البناني في هذه الآية: بلغنا أنَّ المؤمنَ حينَ يبعثُه اللَّهُ من قبره
يتلَقاه ملكَاه اللذان كانا معه في الدُّنيا فيقولان له: لا تخفْ ولا تحزنْ، فيؤمِّنُ
اللَّهُ خوفَه ويقرُّ عينَه، فما من عظمة تغشى الناسَ يومَ القيامةِ إلا وهي
للمؤمنِ قرةُ عينٍ، لما هداه اللَّه ولما كانَ يعملُ في الدنيا. خرَّج ذلك كلَّه ابنُ
أبي حاتمٍ وغیرِهِ.
وأمَّا من لم يتعرف إلى اللَّهِ في الرخاءِ، فليسَ له أنْ يعرفَه في الشدةِ لا
في الدَّنيا ولا في الآخِرة.
وشواهدُ هذا مشاهدةُ حالِهِم في الدُّنْيًا، وحالهُم في الآخرةِ أشدُّ، وما لهم
من وليٍّ ولا نصيرِ(١) .
قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا
يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقد قرأَ النبيّ وَخلال هذه
الآيةَ على أبي ذَرٍّ، وقالَ له: ((لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أَخَذوا بها لكفَتهم))(٢).
يعني: لو أنَّهم لو حقَّقوا التَّقوى والتوكلَ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهِم
(١) ((نور الاقتباس)) (٤٩ - ٥٠).
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٧٨/٥ - ١٧٩)، وابن ماجه (٤٢٢٠).
٤٨٤
سورة الطلاق
ودنیاهُم.
قال بعضُ السلف: بِحَسِكَ من التوسلِ إليه أن يعلَمَ من قلبكِ حُسنَ
توكُّلك عليه، فكَمْ من عبد من عبادِه قد فَوَّضَ إليه أمرَه فكفاه منه ما أهمَّه،
ثمَّ قرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿٣﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾،
وحقيقةُ التوكُّلِ: هو صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ في استجلابِ
المصالحِ، ودفعِ المضارِّ من أمور الدنيا والآخرةِ كُلِّها، وكلَةُ الأمورِ كُلِّها إليه،
وتحقيقُ الإيمانِ بأَنَّه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يضرُّ ولا ينفعُ سِواه.
قال سعيدُ بنُ جُبير: التوكُلُ جماعُ الإيمانِ .
وقال وهبُ بنُ مُنَبِّه: الغايةُ القُصوى التوكلُ.
قالَ الحسنُ: إن توكُّلَ العبدِ على ربِّه: أنْ يعلمَ أنَّ اللَّه هو ثقتُه.
وفي حديث ابن عباسٍ عن النبيِّ بَّ، قال: ((مَنْ سرَّ أن يكونَ أقوى النَّاسِ
فليتوكل على اللَّهِ)(١) .
ورُوي عنه نَِّ أَنَّه كانَ يقولُ في دعائهِ: ((اللهمَّ إنِّي أسألُك صدْقَ التوكُّل
عليك))(٢)، وأنّه كان يقولُ: (اللهمَّ اجعلني مِمَّنْ توَكَّلَ عليك فكفيْتَه)(٣).
واعلمْ أنَّ تحقيقَ التوكلِ لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قَدَّرِ اللَّهُ سبحانَه
المقدوراتِ بها، وجرت سُّتَه في خَلْقِهِ بذلك، فإنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بتعاطي
الأسباب مع أمرهِ بالتوكُّلِ، فالسَّعيُ في الأسبابِ بالجوارحِ طاعةٌ له، والتوكُّلُ
بالقلبِ عليه إيمانٌ به، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
(١) أخرجه ابن عدي (١٠٦/٧)، والبيهقي في ((الزهد)) (٩٨٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٨/٣)،
و((أخبار أصبهان)) (٢/ ٣٦٣).
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٤/٨).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التوكل)) (٤).
٤٨٥
سورة الطلاق
[النساء: ٧١]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّ اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾
[الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾
[الجمعة: ١٠].
قالَ سهلٌ النُّستري: مَنْ طعنَ في الحركةِ - يَعْني: في السَّعَيِّ والكَسْبِ -
فقد طعنَ في السُّنَّةَ، ومن طَعَنَ في التوُّلِ فقد طَعَنَ في الإيمانِ.
فالتوكُّلُ حالُ النبيِّ وَّهِ، والكَسْبُ سنَُّه، فمن عَمِلَ على حاله، فلا
يَتْرُكَنَّ سنته(١).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢ / ٥٥٤ - ٥٥٦).
سورة التحريم
٥
◌ُ ر۶ ٣
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غلاظٌ
شدادٌ لَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
روى شريكٌ، عن عاصمٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ،
قال: ((أُوقدَ على النَّارِ ألفُ سنة حتَّى ابيضتْ، ثم أُوقِدَ عليها ألفُ سنة حتَّى احمرَّتْ،
ثُمَّ أُوقد عليها ألفُ سنةٍ حتَّى اسودَّتْ، فهي سوداءُ كالليلِ المُظْلمِ، خرَّجَه ابنُ ماجه
والترمذيُّ(١) وقال: حديثُ أبي هريرةَ في هذا موقوف أصح، ولا أعلمُ أحدًا
رفَعه غيرُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن شريكِ ،
وروى معنٌّ، عن مالكِ، عن أبي سهيلٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبي وَّل
قالَ: ((أترونَها حمراءَ كنارِكم هذه لهى أشدُّ سوادًا من القارِ)) خرَّجه البيهقيّ(٢)؛
وخرَّجه البزارُ ولفظُه: ((لهي أشدُّ من دخانِ نارِكُم هذه سبعينَ ضعفًا)) ورُوي موقوفًا
ءِ
على أبي هريرة وهو أصحّ، قالَه الدارقطنيّ.
وقالَ الجوزجانيُّ: حدثنا عبيدُ اللَّه الحنفي، حدثنا فَرْقَدُ بنُ الحجاجِ،
سمعتُ عقبةَ اليماني يقولُ: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَّه:
(إِنَّ نَارَ جهنمَ أشدُّ حراً من نارِكم هذه بتسعة وتسعينَ جزءًا، وهي سوداءُ مظلمةٌ لا
ضوءَ لها، لهي أشدُّ سوادًا من القطران)) غريبٌ جدًّا.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٤٣٢٠)، والترمذي (٢٥٩١).
(٢) أخرجه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٥٠١).
٤٨٧
سورة التحريم
وروى الكُديميَّ عن سهلِ بنِ حمادٍ، عن مباركِ بنِ فضالةَ، عن ثابتٍ، عن
أنسٍ قال: تلا رسولُ اللَّهِ وَلَه ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال:
(أُوقِدَ عليها ألفُ عامِ حتَّى ابيضتْ، ثمَّ أُوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَّى احمرَّتْ، ثم أُوقِدَ
عليها ألفُ عامِ حتَّى اسودَّت، فهي سوداءُ لا يضئُ لهُبُها)) خرَّجه البيهقيُّ(١)،
والگُديميُّ ليس بحجةٍ.
وخرَّج البزارُ (٢) من حديثِ زائدةَ بنِ أبي الرقادِ عن زيادِ النميريِّ، عن
أنسٍ، عن النبيِّ نََّ أنَّه ذكر ناركم هذه فقالَ: «إنها لجزءٌ من سبعينَ جزءًا من
نارٍ جهنم، وما وصلتْ إليكُم - حتَّى أحسبه قال -: حتَّى نُضحتْ بالماءِ مرتينِ لتضئَّ
لگُم، ونارُ جهنمَ سوداءُ مظلمةٌ».
وفي حديثٍ عديٍّ بن عديٍّ عن عُمَرَ مرفوعًا ذكرَ الإيقادَ عليها ثلاثةَ آلاف
عامٍ أيضًا، وقال: ((فهي سوداءُ مظلمةٌ لا يضئُ جمرُها ولا لهبُها)» خرَّجِه ابنُ أبي
الدَّنيا والطبرانيُّ، وقد سبقَ إسنادُه والكلامُ عليه.
ورَوَى ابنُ أبي الدُّنْيا من طريقِ الحكمِ بنِ ظهيرٍ - وهو ضعيفٌ-، عن
عاصم، عن زرِ، عن عبدِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] قال:
سُعِرَت ألفَ سنةٍ حتَّى ابيضت، ثمَّ ألفَ سنةٍ حتى احمرَّتْ، ثمَّ ألفَ سنة
حتى اسودَّت، فهي سوداءُ مظلمةٌ.
الحكمُ بنُ ظهيرِ ضعيفٌ، والصحيحُ روايةُ عاصمٍ عن أبي هريرةَ كما سبق.
وروى الأعمشُ، عن أبي ظبيانَ، عن سلمانَ، قال: النَّارُ سوداءُ مظلمةٌ لا
يُطفأُ جمرُها ولا يضيءُ لهبُها، ثمَّ قرأَ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]،
(١) في ((البعث والنشور)) (٥٠٦).
(٢) ((كشف الأستار)) (٣٤٨٩).
(٤٨٨
سورة التحريم
خرَّجه البيهقي من طريقِ أحمد بنِ عبدِ الجبارِ، عن أبي معاويةً، عن الأعمشِ
مرفوعًا وقال: رفْعُه ضعيفٌ.
وقالَ أبو جعفرِ الرازيَّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةَ، عن أُبيِّ بنِ
كعب: ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً للكافرينَ قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيَ﴾ [النور: ٤٠]،
فهو يتقلبُ في خمسٍ من الظلم: كلامُهُ ظلمةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومدخلُه
ظلمةٌ، ومخرجُهُ ظلمةٌ، ومسيرُهُ إلى الظلماتِ إلى النَّارِ.
وقال أيضًا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: إنَّ اللَّهَ جعلَ هذه النَّار - يعني
نارَ الدُّنيا - نُورًا وضياءً ومتاعًا لأهلِ الأرضِ، وإِنَّ النَّارَ الكُبْرى سوداءُ مظلمةٌ
مثلُ القيرِ - نعوذُ بِاللَّهِ منها.
وعن الضحاكِ قالَ: جهنمُ سوداءُ وماؤُها أسودُ وشجرُها أسودُ وأهلُها
سودٌ.
وقد دلَّ على سوادٍ أهلها قولُه تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ
مُظْلِمَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ يونس: ٢٧]، وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ
تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦].
وقد ثبتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنَّ مِن عصاةِ الموحدينَ مَنْ يحترقُ في
النارِ حتَّى يصيرَ فحمًا (١) .
وقدْ وصفَ اللَّهُ الملائكةَ الذينَ على النَّارِ بالغلظِ والشدة قالَ اللَّهُ تعالى:
﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
(١) ((التخويف من النار)) (٦٨ - ٧٠).
٤٨٩
سورة التحريم
وروى أبو نعيم بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ الخازنَ من خُزَّانِ جهنمَ مسيرةٌ
ما بينَ مَنْكِبيه سنةٌ؛ وإنَّ معَ كل واحدٍ منهم لعمودٌ له شعبتان من حديد.
يدفعُ به الدفعة فيكبُّ به في النارِ سبعمائةَ ألفٍ.
وروى عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادِهِ عن أبي عمرانَ الجونيِّ قالَ: بلغنا
أنَّ الملَكَ مِن خزنةٍ جهنمَ ما بين مَنْكِبَيَه مسيرةُ خريفٍ، فيضربُ الرجلَ من
أهلِ النارِ الضربةَ فيتركُه طحينًا من لدن قرنِهِ إلى قدمهِ.
وفي روايةٍ أخرى له قالَ: بلغنا أنَّ خزنةَ النارِ تسعةَ عشرَ ما بينَ مَنْكِبِي
أحدهم مسيرة خريفٍ؛ وليسَ في قلوبهم رحمةٌ إنَّما خُلقُوا للعذابِ.
ورَوَى الْجُوَزَجانِيُّ بإسنادِهِ عن صالحٍ أبي الخليل قالَ: ليلةَ أُسري بالنبيِّ
﴿َلَه بَعثَ اللَّهُ إليه نَفرًا مِن الرُّسْلِ فتلقَّوه بالفرحِ والبشرِ. وفي ناحيةِ المسجدِ
مصلٍ يصلي لا يلتفتُ إليه؛ فقام إليه، فقال النبي ◌َّ: ((ما منكُم من أحد إلا
قد رأيتُ منه البشرَ والفرحَ غيرَ صاحبِ هذه الزاويةِ)) فقالوا: أمَا إنَّه قد فرحَ بك
كما فرحْنا. ولكنَّه خازنٌ من خزَّانِ جهنمَ.
ورَوَى بكرُ بنُ خنيسٍ، عن عبدِ الملكِ الجسري، عن الحسنِ أنَّ جبريلَ قال
للنبيِّ وَّهِ: ((لو أنَّ خازنًا من خرَّانِ جهنمَ أشرفَ على أهلِ الأرضِ لماتَ أهلُ الأرضِ
مما يرونَ من تشويه خلقه)) مرسلٌ ضعيفٌ(١)
(١) ((التخويف من النار)) (١٧٦).
سُورَةُ المُلك
و رو و
قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً:
وقال الفضيلُ في قولهِ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢]، قال:
أخلصُه وأصوبُه. وقالَ: إنَّ العملَ إذا كانَ خالصًا، ولم يكنْ صوابًا، لم
يقبلْ، وإذا كانَ صوابًا، ولم يكنْ خالصًا، لم يقبلْ حتَّى يكونَ خالصًا
صوابًا، قالَ: والخالصُ إذا كانَ للَّه عزَّ وجلَّ، والصَّوابُ إذا كانَ على السَّنَّةِ.
وقد دلَّ على هذا الَّذِي قاله الفضيلُ قولُ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١١٠].
وقالَ بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإراداتِ، ولم يتفاضَلُوا بالصّومِ
والصَّلاةِ(١).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٦/١).
سُورَةُ الْقَلَمِ
٩٤٠
قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾
وفي ((الصحيحين)) (١) عن حارثةَ بنِ وهبٍ، عن النبيِّ ◌ِّهِ، قال: ((ألا
أخبركم بأهلِ الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعف لو أقسم على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ
النَّار كلُّ عتلِّ جواظٍ مستكبرِ)).
و ((العتلُ)) قال مجاهدٌ وعكرمةُ: هو القوىُّ؛ وقالَ أبو رزينٍ: هو الصحيحُ،
وقال عطاءُ بن يسارِ عن وهبِ الذماريِّ قالَ: تبكى السماءُ والأرضُ من رجلٍ
أَتَمَّ اللَّهُ خلقَه وأرحبَ جوفَه وأعطاه معظمًا من الدُّنيا، ثم يكونُ ظلومًا
غشُومًا للناسِ، فذلك العتلُّ الزنيمُ.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: العتلُّ: الفاجرُ، والزنيمُ: اللئيمُ في أخلاقِ الناسِ .
ورَوى شهرُ بنُ حوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَتِهِ
قالَ: ((لا يدخلُ الجنةَ جواظٌ ولا جعظريٌ ولا العتلُّالزنيمُ)) فقال رجلٌ من
المسلمين: ما الجواظُ الجعظريُّ، والعتلُ الزنيمُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ وَلّ:
((الجواظُ: الذي جمعَ ومنعَ، وأما الجعظريُّ: فالفظُّ الغليظُ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]))(٢).
(١) أخرجه البخاري (١٩٨/٦) (٢٤/٨)، ومسلم (١٥٤/٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٧/٤) مختصرًا.
٤٩٢
سورة القلم
وأما العتلُ الزنيمُ: فشديدُ الخلقِ رحيبُ الجوفِ مصححٌ أكولٌ شروبٌ،
واجدٌ للطعامِ، ظلومٌ للأنامِ.
ورَوَى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرٍ بن الحارثِ عن القاسمِ مولى معاويةَ،
قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ وَ له عن العتلِّ الزنيمِ قال: ((هو الفاحشُ اللئيمُ).
وقال معاويةُ: وحدثني عياضُ بنُ عبدِ اللَّه الفهريِّ عن موسى بنِ عقبةَ،
عن النبيِّ وَّهِ بذلك خرَّجِه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ.
وأمَّا المستكبرُ فهو الذي يتعاطَى الكبرَ على الناسِ والتعاظمَ عليهم، وقد
قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَبِرِينَ﴾(١) [الزمر:٦٠].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ.
ـه
ورُوي عن أبي سنانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ
تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] قال: نزلت في
صلاةِ الرجل يسمعُ الأذانَ فلا يجيبُ.
ورُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ من قولِهِ(٢). (٣)
(١) ((التخويف من النار)) (٢١٨ - ٢١٩).
(٢) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٤٣/٢٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٩/٤- ١٠).
سُورَةُ الْحَاقَّةِ
سور
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (١)» فِي
وءُ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
٢٢
جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
کُلُوا
٢٣
ء
وَاشْرَبُوا هَنِيْئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
فالأشقياءُ في البرزخِ في عيشٍ ضنكٍ، قال اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤].
وقد رُوي عن أبي سعيد الخدري، مرفوعًا وموقوفًا: أن المعيشةَ الضنكَ
عذابُ القبرِ. يضيقُ عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُه، ويسلَّط عليه تسعةٌ
وتسعونَ تنيئًا .
وأمَّا عيشُهم في الآخرة فأضيقُ وأضيقُ فأمَّا من طاب عيشُهُ بعدَ الموت فإنَّ
طيبَ عيشِهِ لا ينقطع بلْ كلَّما جاء تزايدَ طيبُه. ولهذا سُئِلَ بعضُهم: منْ أنعمُ
الناس؟ فقال: أجسامٌ في الترابِ قد أَمِنَت العذابَ فانتظرت الثوابَ فهذا في
البرزخِ في عيشٍ طيبٍ
ورُئي معروف في المنام بعد موتِهِ وهو ينُشد:
م
قد ماتَ قومٌ وهم في الناسِ أحياءً
موتُ التقيِّ حياةٌ لا نفادَ لها
وكان إبراهيم بنُ أدهم ينشدُ:
ما أحدٌ أنعم منْ مُفرد في قبرِهِ أعمالُه تؤنسُه
منعَّم الجسمِ وفي روضةٍ زيَّها اللَّهُ فهي مجلسُه
٤٩٤
سورة الحاقة
رئي بعضُ الصالحين في المنامِ بعدَ موتِهِ، فقال: نحنُ بحمدِ اللَّه في برزخِ
محمود، نفترشُ فيه الريحانَ ونوسدُ فيه السندسَ والإستبرقَ إلى يوم النشور.
رئي بعضُ الموتى في المنامِ فسُثُلَ عن حالِ الفضيل بن عياضٍ، فقال: كُسي
حلَّةً لا تقومُ لها الدنيا بحواشيها .
فأمَّا عيشُ المتقين في الجنَّة فلا يحتاج أنْ يسألَ عن طيِهِ ولذتِهِ، ويَكْفِي في
ذلك قولُهُ تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴿٢٠١» فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٤].
ومعنى راضية: أي: عيشةٌ يحصلُ بها الرِّضی.
وفسَّرَ ابنُ عباسٍ: هنيئًا: بأنه لا موتَ فيها يُشيرُ إلى أنَّه لم يهنهم العيشُ
إلا بعد الموتِ والخلودِ فيها.
قال يزيدُ الرقاشيُّ: أمِنَ أهلُ الجنةِ الموتَ فطابَ لهم العيشُ، وأمنُوا من
الأسقامِ فهنيئًا لهم في جوارِ اللَّه طولُ المقام.
وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعْيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ إلى آخرها [القمر: ٥٤، ٥٥] أدنى أهلِ الجنةِ
منزلةً من ينظرُ في ملكِهِ وسُررِهِ وقصورِهِ مسيرةَ ألفي عام، يرى أقصَاه كما
يرى أدناه، وأعلاهُم من ينظرُ إلى وجهِ ربِّه بكرةً وعشيا.
وقال طائفةٌ من السلف: إن المؤمن له بابٌ في الجنة من دارِهِ إلى دارِ
السلامِ، يدخلُ على ربِّه إذا شاء بلا إذن.
قال أبو سليمان الدارانيَّ: وإذا أتاه رسولٌ من ربِّ العزَّةَ بالتحية واللُّطف
فلا يصل إليه حتى يستأذنَ عليه يقول للحاجبِ: استأذنْ لي على وليِّ اللَّه،
فإني لستُ أصلُ إليه. فيُعلم ذلك الحاجبُ حاجبًا آخر حتى يصل إليه فذلك
٤٩٥
سورة الحاقة
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُّلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
فللَّه ذاك العيشُ بينَ خيامِها وروضاتِها والثغرُ في الروضِ ببسمُ
وللَّه كَمْ من خِيرة إنْ تَبَسَّمتْ أضاءَ لها نورٌ من الفجرِ أعظمُ
وللَّه واديها الذي هو موعدُ الـ مزيدٍ لوفد الحبِّ لو كنتَ منهمُ
بذيالكَ الوادي يهيمُ صبابةً محبٌ يرى أنَّ الصبابةَ مغنمُ
وللَّهِ أفراح المحبين عندَما يخاطبُهم مولاهُم ويُسلِّمُ
ولله أبصارٌ ترى اللَّهَ جهرةً فلا الغيمُ يغشاها ولا هي تسأمُ
فيا نظرة أهدت إلى القلب نظرةً أمِنْ بعدِها يسلو المحب المتيمُ
فما غلبتْ نظرةٌ تشري بروحِكَ منهمُ
فما فاز باللَّذاتِ منْ ليس يُقْدِمُ
فروحَك قرِّبْ إن أردتَ وصالَهم
وأقدِمِ ولا تقنعْ بعيشٍ منغَّصٍ
تفوزُ بعيدِ الفِطْرِ والنَّاسُ صوَّمُ
فصُمْ يومَك الأدْنى لعلَّك في غدٍ
فيا بائعًا هذا ببخسِ معجَّلِ كأنكَ لا تدري بلى سوف تعلمُ
فإن كنتَ لا تدري فتلكَ مصيبةٌ وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظم (١)
الصائمون على طبقتين:
إحداهما: من ترك طعامَه وشرابَهُ وشهوتَه للَّه تعالى، يرجو عنده عوض
ذلك في الجنة، فهذا قد تاجَرَ مع اللَّه وعامَلَهُ، واللَّهُ تعالى لا يُضيع أجْرَ من
أحسن عملاً، ولا يخيبُ معه من عامَلَهُ، بل يربحُ عليه أعظمَ الرِّبْح، وقال
رسولُ اللَّه وَلَه لرجلٍ: ((إنَّك لن تدعَ شيئً انَّقَاءَ اللَّه إلا آتاك اللَّهُ خيراً منه)) خرَّجه
الإمامُ أحمدُ (٢) ، فهذا الصَّائمُ يُعطى في الجنة ما شاء اللّه من طعامٍ وشرابٍ
(١) ((شرح حديث لبيك اللهم لبيك)) (٧٦ - ٨٢).
(٢) («المسند» (٧٩/٥).
٤٩٦
سورة الحاقة
ونساء، قال اللّه تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
[الحاقة: ٢٤] قال مجاهدٌ وغيرُهُ: نزلَتْ في الصائمين.
قال يعقوبُ بن يوسُفُ الحنفيّ: بلغنا أن اللَّه تعالى يقولُ لأوليائهِ يوم
القيامة: يا أوليائي طالما نظرْتُ إليكم في الدُّنْيا وقد قلَصَتْ شفاهُكم عن
الأشربة، وغارت أعينُكم وخفقتْ بطونُكم؛ كونوا اليوم في نعيمكم،
وتعاطَوا الكأس فيما بينكم، و﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ .
وقال الحسنُ: تقولُ الحوراءُ لولي اللَّه وهو متكئ معها على نهر العَسَلِ
تُعاطيه الكأسَ: إِنَّ اللَّه نظرَ إليك في يومٍ صائفٍ بعيدٍ ما بين الطرفين، وأنت
في ظمأ هاجرةٍ من جهدِ العطشِ، فباهَى بك الملائكةَ، وقال: انظروا إلى
عبدِي تَرَكَ زوجتَه وشهوته ولذَّته وطعامَه وشرابَه من أجلي، رغبةً فيما
عندي، اشْهَدُوا أَنِّى قد غفرتُ لَهُ؛ فغفر لك يومئذٍ وزوجنيكَ.
وفي ((الصحيحين)) (١) عن النبيِّ نَّه قال: ((إن في الجنة باباً يقال له: الرَّيَان،
يدخل منه الصائمون، لا يدخلُ منه غيرُهُم)) وفي روايةٍ: ((فإذا دخلوا أُغْلِقٍ))، وفي
روايةٍ: ((من دخلَ منه شرِبَ، ومن شرِبَ لم يظْمَأ أبدً)) ، وفي حديثٍ عبد
الرحمن ابن سَمُرَةَ، عن النبيِّ بَّ في منامِهِ الطويل، قال: ((ورأيتُ رجلاً من
أُمَّتِي يَلْهَثُ عطشًا، كلَّما ورد حوْضًا مُنْعَ منه، فجاءَه صيامُ رمضان، فسقاه وأرواه))
ـنُ (٢) وغيرُهُ.
خرَّجه الطبرانيّ("
وروى ابن أبي الدنيا (٣) بإسنادٍ فيه ضعف، عن أنسٍ مرفوعًا: ((الصَّائمون
(١) أخرجه البخاري (٣٠٢/٣) (١٤٥/٤)، ومسلم (١٥٨/٣)، من حديث سهل بن سعد فِالّته.
(٢) راجع («مجمع الزوائد» (١٧٩/٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الجوع)) (١٣٩).
٤٩٧
سورة الحاقة
يُنْفَحُ من أفواههم ريحُ المسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدةٌ تحتَ العرشِ، يأكلونَ منها والناسُ
في الحسابِ)).
وعن أنسٍ موقوفًا: ((إنَّ للَّه مائدةً لم ترَ مثلَها عينٌ، ولم تسمع أذُنٌ، ولا
خطرَ على قلبٍ بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلا الصَّائمون)).
وعن بعضِ السلفِ، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصّوَّامِ مائدةٌ يأكلون عليها
والناسُ في الحسابِ، فيقولونَ: يا ربِّ، نحن نحاسبُ وهُم يأكلون؟ فيقال:
إنهم طالما صامُوا وأفطرتُم، وقامُوا ونمتم.
رأى بعضُهم بشرَ بنِ الحارثِ في المنامِ وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال
له: كُلْ يا من لم يأكُلْ، واشرَبْ يا من لم يشرَبْ.
كان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطعَ صوتُه، فماتَ فَرُئي
بعضُ أصحابه الصالحين في المنام فُسْئِلَ عن حالِهِ، فضحكَ وأنشد :
قد كُسي حُلََّ البهاءِ وطافَتْ بأباريقَ حولَهُ الْخُدَّامُ
ثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقَى فَلَعَمْري لقد براك الصِّيامُ (١)
(١) ((لطائف المعارف)) (٢٩٥ - ٢٩٧).
ورو
سُورَةُ الْجِنِّ
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ
مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا:
[ قال البخاريُّ]: حدثنا مُسدَّدٌ: ثنا أبو عوانةَ، عن أبي بِشْرِ - هو: جعفرٌ
ابنُ أبي وحْشِيَّةَ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلقَ النبيُّ
صَلىالله
وَسَلم
في طائفةٍ من أصْحَابِه، عامدينَ إلى سُوقِ عُكَاظِ، وقدْ حِيلَ بَيْنَ الشياطينِ
وبَيْنَ خبرِ السماءِ، وأُرْسلتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعَتِ الشياطينُ إلى قومِهِم ،
فقالوا: ما لكُمْ؟ فقالُوا: حِيلَ بَيْتَنَا وبِيْنَ خبرِ السماء، وأُرْسلتْ عليْنا
الشُّهُبُ، قالُوا: ما حالَ بَيْنَكُم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَثَ، فاضرِبُوا
مشارقَ الأرضِ ومغارِبَهَا، فانظروا ما هذا الذي حالَ بينكُمْ وبَيْنَ خبرِ السماءِ،
فانصرفَ الذين توجَّهُوا نحوَ تِهامَةَ إلى النبيِّ بِّهِ وَهُوَ بنخْلَةَ - عامدينَ إلى
سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصلِّي بأصْحَابِهِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سمِعُوا القرآن استمعُوا
له، فقالوا: هذا - واللَّهِ - الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السماءِ، فهنالكَ حينَ
رَجَعُوا إلى قومِهِمْ، فقالُوا: يا قوْمَنَا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، يهْدِي إلى الرُّشدِ
فآمنا به، ولن نُشْرِكَ بربِّنا أحدًا، فأنزل اللَّهُ على نبيِّه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾
[الجن: ١]، وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنِّ (١).
هذه القصةُ كانت في أول البعثةِ .
(١) البخاري (١٩٥/١ - ١٩٦).
٤٩٩
سورة الجن
وهذا الحديثُ ممَّا أرسله ابنُ عباسٍ، ولم يسمّ من حدَّثه به من الصحابة،
ويحتملُ أنه سمعه من النبيِّ بَّ يحكي عن نفسِهِ، واللهُ أعلم.
وسوقُ عُكَاظِ نحو نخلة، كان يجتمعُ فيه العربُ، ولهم فيه سوقٌ، فكان
النبيُّ نَّهِ يخرجُ إليهم، فيدعُوهم إلى الله عزَّ وجلَّ، وقد كانتِ الشهبُ
يُرمَى بها في الجاهلية، وإنَّما كثرتْ عندما بعث النبيُّ
عبد الله
وسلم.
وقد قال السُّدِيُّ وغيرُهُ: إنَّ السماءَ لم تحرسْ إلا حيث كان في الأرضِ نبيِّ
أو دينٌ للَّه ظاهرٌ.
والمقصودُ من هذا الحديث هاهنا: أن الشياطينَ لما مرَّوا بالنبيِّ وَلِّ وهو
يصلِّي بأصحابه صلاةَ الصبحِ، وقفُوا واستمعُوا القرآنَ. وهذا يدلُّ على أنَّه
وَّ كان يجهرُ بالقراءة في صلاة الصبح، فلمَّا سمعُوا عرفوا أنَّه هو الذي
حال بينهم وبين خبرِ السماءِ.
وظاهرُ هذا السياقِ: يقتضي أن الشياطينَ آمنُوا بالقرآنِ، وكذا قال السُّدِيُّ
و
وغيره .
وقد اختُلِفُ في الجنِّ والشياطينِ: هل هم جنسٌ واحدٌ، أو لا؟
فقالت طائفةٌ: الجنُّ كلُّهم ولدُ إبليسَ، كما أن الإنسَ كلَّهم ولدُ آدمَ.
رُوي هذا عن ابن عباسٍ من وجهٍ فيه نظرٌ. وأنّهم لا يدخلون الجنةَ.
ورُوي - أيضًا - عن الحسنِ، وأَنَّه قال: مؤمنُهم وليٌّ للَّه وله الثوابُ
ومشركُهُم شيطانٌ له العقابُ.
وقالت طائفةٌ: بلِ الشياطينُ ولدُ إبليسَ، وهم كفارٌ ولا يموتون إلا معَ
سورة الجن
و
إبليسَ، والجنُّ ولد الجانِّ، وليسوا شياطينَ، وهم يموتون، وفيهم المؤمن
والكافرُ.
رُوي هذا عن ابن عباسٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ - أيضًا.
وقولُه: ((وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنّ) يشيرُ ابنُ عباسٍ إلى أنَّ النبيَّ ◌ٍَّ لم
يرَ الجنَّ، ولا قرأ عليهم وإنما أُوحي إليه استماعُهم القرآنَ منه وإيمانهم به.
وقد رُويَ ذلك صريحًا عنه، أنه قال في أولِ هذا الحديثِ: ما قرأ
رسولُ اللَّه ◌َ له على الجنِّ ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدَا﴾﴾
[ قال البخاريُّ]: ((بابٌ هل يُقَالُ: مَسْجِدُ بني فُلانٍ)):
ابتدأ البخاريُّ - رحمه اللَّهُ - من هنا في ذكرِ المساجدِ وأحكامِها، فأولُ ما
ذكرهُ من ذلك: أنه يجوزُ نسبةُ المساجدِ إلى القبائلِ، لعمارٍتِهم إِيَّها، أو
مجاورتِهِم لها .
وقد كرهَ ذلك بعضُ المتقدمين، وتعلَّق بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للَّه فَلا
تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
والصحيحُ: أن الآيةَ لم يُرَدْ بها ذلك، وأَنَّها نزلتْ في النهي عن أنْ يُشرك
باللّه في المساجدِ في عبادتهِ غيره، كما يفعلُ أهلُ الكتابِ في كنائسِهِم
وبیعھم .
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٤٦٠ - ٤٦٢).