Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة الجمعة كان يخطبُ جالسًا فقد كذبَ، فقد - والله - صليتُ معهُ أكثرَ من ألفَي صلاة . وخرَّج مسلمٌ(١) بإسنادِهِ من حديثٍ كعبِ بنِ عجرةَ، أنه دخلَ المسجدَ وعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكمِ يخطبُ قاعدًا، فقالَ: انظرُوا الخبيثَ، يخطبُ قاعدًا، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [ الجمعة : ١١]. وخرجَ ابنُ ماجه(٢) من حديثِ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، أنه سُئِلَ: أكانَ رسولُ اللَّهِ وَلَهِ يخطبُ قائمًا أو قاعدًا؟ قال: أمَا تقرأُ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]؟ وهذا إسنادُ جيدٌ. لكن رُوي، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ من قولهِ. وعن إبراهيمَ، عن عبد اللَّه منقطعًا. واستدلَّ بهذه الآيةِ على القيامِ في الخطبة جماعةٌ، منهم: ابنُ سيرينَ، وأبو عبيدةَ بن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ. وإنما احتاجوا إلى السؤالِ عن ذلك؛ لأنه كان في زمن بني أميةً من يخطبُ جالسًا، وقد قيلَ: إن أولَ منَ جلسَ معاويةُ -: قاله الشعبيُّ والحسنُ وطاوُسُ. وقال طاوسٌ: الجلوسُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ بدعةٌ. (١) (٣/ ١٠). (٢) ((السنن)) (١١٠٨). ٤٦٢ سورة الجمعة وقال الحسنُ: كان النبيُّ ◌َله وأبو بكر وعمر وعثمانُ يخطبون قيامًا، ثم إن عثمانَ لما رقَّ وكبرَ كان يخطبُ، فيدركُهُ ما يدركُ الكبيرَ فيستريحُ ولا يتكلّمُ، ثم يقومُ فيتمُّ خطبتَه . خرجه القاضي إسماعيلُ. وخرج - أيضًا - من رواية ابن جريجٍ، عن عطاءِ، أنه قال: أولُ من جعلَ في الخُطْبةِ جلوسًا عثمانُ، حين كبرَ وأخذته الرعدةُ جلس هنَّةً. قيل له: هل كان يخطبُ عمرُ إذا جلسَ؟ قال: لا أدري. وقد روي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كان يخطبُ الخطبةَ الأولَى جالسًا، ويقوم في الثانيةِ . خرجه ابنُ سعدٍ(١) . والظنُّ به أنه لم تبلغهُ السنةُ في ذلك، ولو بلغتّه كان أتبع الناسِ لها . وقد قيل: إن ذلكَ لم يصحَّ عنه؛ فإن الأثرمَ حكَى: أن الهيثمَ بنَ خارجةَ قال لأحمدَ: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجلسُ في خطبته؟ قال: فظهر منه إنكارٌ لذلك. وروايةُ ابنِ سعدٍ له عن الواقديِّ، وهو لا يعتمدُ. وقد رُوي عن ابنِ الزبيرِ - أيضًا - الجلوسُ في الخطبةِ الأولى - أيضًا. خرَّجه القاضي إسماعيلُ. واختلف العلماءُ في الخُطبةِ جالسًا: فمنهم مَن قالَ: لا يصحُّ، وهو قولُ (١) ((الطبقات)) (٢٦٦/٥). ٤٦٣ سورة الجمعة الشافعيِّ، وحكى روايته عن مالك وأحمدَ. وقال ابنُ عبد البرِّ: أجمعُوا على أن الخطبةَ لا تكونُ إلا قائمًا لمن قدرَ على القيامِ . ولعلَّه أراد إجماعهم على استحبابِ ذلك؛ فإن الأكثرينَ على أنها تصحٌّ من الجالسِ، مع القدرة على القيامٍ، مع الكراهةِ. وهو قولُ أبي حنيفةً ومالك، والمشهورُ عن أحمدَ، وعليه أصحابُه، وقولُ إسحاقَ - أيضًا(١). [قال البخاري](٢): حدثنا معاويةُ بنُ عمرو: ثنَا زائدةُ، عن حصينٍ، عن سالمٍ بنِ أبي الجعدِ: ثنا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: بينما نحنُ نُصلِّي معَ النبيِّ وَلَ﴿ إِذْ أقبلتْ عيرٌ تحملُ طعامًا، فالتفتُوا إليهَا حتَّى ما بقي مع النبيِّ وَّ إلا اثنا عشرَ رجلاً، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَاَ انفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قائما ﴾ [الجمعة: ١١]. وخرجه في ((التفسير))(٣)، عن حفصِ بنِ عمرَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أَبْنَا حصينٌ، عن سالمٍ بنِ أبي الجعدِ - وعن أبي سفيانَ، عن جابرِ ابنِ عبدِ اللهِ - فذكره بمعناه. وفي هذه الروايةِ: متابعةُ أبي سفيانَ لسالمٍ بنِ أبي الجعدِ على روايته عن جابرٍ، وإنما خرَّج لأبي سفيان متابعةً. وقد خرَّجه مسلم (٤) بالوجهين - أيضًا. (١) ((فتح الباري)) (٤٧٢/٥ - ٤٧٤). (٣) البخاري (١٨٩/٦). (٢) البخاري (١٦/٢). (٤) (٣/ ١٠). ٤٦٤ سورة الجمعة وفي أكثرِ رواياتهِ: أن النبيِّ بَّ كَانَ يخطبُ يومَ الجُمُعَة. وفي روايةٍ له: أنَّ النبيَّ ◌َّ كانَ يخطبُ قائمًا يومَ الجُمُعَة - فذكرَه بمعناه. وفي رواية له: فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً، أنا فيهم. وفي روايةٍ له - أيضًا -: فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - لِ﴾ . وقولُه في الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ: بَيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ وَّ) لم يرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - واللهُ أعلمُ - أنهم كانوا مجتمعينَ للصلاةِ، فانفضُّوا وتركُوه. ويدلُّ عليه: حديثُ كعبِ بنِ عجرةً (١) ، لما قال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطبُ قاعِدًا، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمَا﴾ [الجمعة: ١١]. وكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٍ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في الخطبة . وروى عليّ بنُ عاصمِ هذا الحديثَ عن حصينٍ، فقال فيه: فلم يبقَ معه إلا أربعونَ رجلاً، أنا فِيهِمْ. خرَّجه الدار قطنيُّ والبيهقي (٢) . وعليّ بنُ عاصمٍ، ليس بالحافظِ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقات. وقد استدلَّ البخاريُّ وخلقٌ من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ وهو يخطبُ للجمعَةِ، وصلَّى الجمعةَ بمن بَقي، جازَ ذلك، وصحَّت جمعتُھم. (١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٠)؛ وتقدّم قريبًا. (٢) الدار قطني (١٤/٢)، البيهقي (١٨٢/٣). ٤٦٥ سورة الجمعة وهذا يرجع إلى أصلٍ مختلَفٍ فيه، وهو: العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ، وقد اختُلِفَ في ذلك: فقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلاً، رُوي ذلك عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ، وروايةٌ عن مالكِ. وقالت طائفةٌ: تنعقد بخمسينَ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا - وهو روايةٌ عن أحمدَ. وقالت طائفةٌ تنعقد بثلاثة، منهم: ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ، وأبو ثورٍ، ورُوي عن أبي يوسفَ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ. وقالت طائفةٌ: تنعقد بأربعة، وهو قولُ أبي حنيفة وصاحبيه - في المشهور عنهما - والأوزاعيِّ ومالكِ والثوريِّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ . وحُكي قولاً قديمًا للشافعيِّ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثة. وقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ، صحَّحَها بعضُ المتأخِرِينَ مِن أصحابهِ . وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، وروايةً عن أحمدَ. وقالت طائفةٌ: تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً، حُكِيَ عن ربيعةَ. وقد قالَ الزهريُّ: إن مصعبَ بنَ عميرِ أولُ ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني عشرَ رجلاً(١). (١) ((المراسيل)) لأبي داود (٥٣). ٤٦٦ سورة الجمعة وتعلَّق بعضُهَم لهذا الحديثِ بحديثِ جابرِ المخرجِ في هذا البابِ . وقال طائفةٌ: تنعقدُ الجمُعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ، وهو رجلان، وهو قولُ الحسنِ بنِ صالحٍ وأبي ثورٍ - في روايةٍ - وداودَ، وحُكيَ عن مكحول. وتعلَّقَ القائلونَ بالأربعينَ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جَمَّع بهم أسعدُ بنُ زرارةَ، كانوا أربعينَ، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ ((كتابِ الجمُعةِ)). وقد ذكرَ القاضي أبو يعلَى وغيرُهُ وجهَ الاستدلال به: أنَّ الجمعةَ فُرضت بمكةَ، وكان بالمدينة من المسلمينَ أربعةٌ وأكثرُ ◌َمَّن هاجر إليها وثمّن أسلم بها، ثم لم يصلُّوا كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ، فدلَّ على أنها لا تجبُ على أقل منهم، ولم يُثبتْ أبو بكرِ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراطِ الأربعينَ. قال: وإنما يُحْكَى عن غيرِهِ، أنه قال بثلاثة، وبأربعة، وبسبعة، ولم يذهبْ إلى شيءٍ من ذلك، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ. واللهُ أعلمُ. وفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، لا يصحُّ فيها شيءٌ، فلا معنى لذكرها . وإذا تقرَّر هذا الأصلُ، فمَن قالَ: إن الجمعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً أو بدونِهم، فلا إشكالَ عنده في معنى حديث جابرٍ؛ فإنه يحملُه على أن النبيّ وَ صِلَّى الجمُعَة بَمَن بقي معَه، وصحتْ جمعتُهم. ومَن قال: لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ. وقد أجاب بعضُهم: بأن الصحيحَ أنهم انفضَّوا وهو في الخطبةِ. قال: فيحتملُ أنهم رجعُوا قبلَ الصلاةِ، أو رجعَ مَن تمَّ به الأربعونَ، فجمّع بهم. قال: والظاهرُ أنهم انفضَّوا ابتداءً سوى اثني عشرَ رجلاً، ثم رجعَ منهم تمامُ ٤٦٧ سورة الجمعة أربعينَ، فجمَّع بهم، وبذلك يُجمعُ بين روايةِ عليٍّ بنِ عاصمٍ وسائرِ الروايات . وهذا الذي قاله بعيدٌ، وروايةُ عليٍّ بنِ عاصم غلطٌ محضٌ، لا يُلتفتُ إليها . وسلكَ طائفةٌ مسلكًا آخرَ، وظاهرُ كلامِ البخاريِّ هاهنا وتبويبه يدلُّ عليه، وهو: أن انفضاضهم عن النبيِّ وَّ كان في نفسِ الصلاةِ، وكان قد افتتحَ بهم الجُمُعَةَ بالعددِ المعتبرِ، ثم تفرَّقوا في أثناءِ الصلاةِ، فأتمَّ بهم صلاةَ الجمعة؛ فإنَّ الاستدامَةَ يغتفرُ فيها ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ . وهذا قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، منهم: أبو حنيفةَ وأصحابهُ والثوريُّ ومالكٌ والشافعيَّ - في القديم - وإسحاقُ، وهو وجهٌ لأصحابِنا. وعلى هذا؛ فمنهم مَن اعتبرَ أن يبقى معه واحدٌ فأكثرُ؛ لأن أصلَ الجماعةِ تنعقدُ بذلك، ومنهم مَن شرطَ أن يبقى معه اثنانٍ، وهو قولُ الثوريِّ وابن المباركِ، وحُكيَ قولاً للشافعيِّ. وقال إسحاقُ: إن بقيَ معه اثنا عشرَ رجلاً جَمَّع بهم وإلا فلا؛ لظاهر حدیثٍ جابٍ . وهو وجهٌ لأصحابِنا. ولأصحابِنا وجهٌ أخرُ: يتمُّها الإمامُ جمُعةً، ولو بقيَ وحدَه. وهذا بعيدٌ جدًّا. وفرَّق مالكٌ بينَ أن يكون انفضاضُهم قبلَ تمامِ ركعةٍ فلا تصحّ جمُعتُهم ويصلُّون ظهرًا، وبينَ أن يكونَ بعد تمامٍ ركعةٍ فيتمُّونَها جمعةً. (٤٦٨ ـسـ سورة الجمعة ووافقَه الْمُزَنَيُّ، وهو وجهٌ لأصحابِنا. وقالَ أبو حنيفةَ: إنِ انفَضُّوا قبلَ أن يسجدَ في الأولى فلا جمُعَةً لهم، وإِنْ كان قد سجَدَ فيها سجدةً أتُّوها جمعةً. وقال صاحباه: بل يتمونَها جمعةً بكلِّ حالٍ، ولو انفضَّوا عقبَ تكبيرةٍ الإحرامِ. ومذهبُ الشافعيِّ - في الجديد - وأحمدَ والحسنِ بنِ زياد: أنه لا جمعة لهم، حتى يكملَ العددُ في مجموعِ الصلاةِ . قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: لم يختلفْ قولُ أحمدَ في ذلك. وقد وجدتُ جوابًا آخرَ عن حديثٍ جابرٍ، وهو: أن النبيّ وَّهِ كانَ قد صلَّى بأصحابه الجمعةَ، ثم خطبَهم فانفضَّوا عنه في خطبته بعدَ صلاة الجُمُعَةِ، ثم إنَّ النبيَّنَّ بعدَ ذلكَ قدَّم خطبة الجمُعَة على صلاتِها. فخرج أبو داودَ في ((مراسيلِه))(١) بإسنادِهِ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ وَّهِ يصلِّي الجمُعَةَ قبل الخطبةِ مثلَ العيدِ، حتَّى إذا كان يومُ جمُعة والنبيَّ نَّهِ يخطبُ، وقد صلَّى الجمعةَ، فدخلَ رجلٌ، فقالَ: إن دِحيةَ بنَ خليفةَ قد قدمَ بتجارتهِ - وكان دحيةُ إذا قدمَ تلقَّاه أهلُه بالدفافِ -، فخرجَ الناسُ، لم يظنُّوا إلا أنه ليس في تركِ الخطبةِ شيءٌ، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا رَأَوْا تِجَارَةُ أَوْ لَهْوَا﴾ [الجمعة: ١١]، فقدَّمَ النبيِّ بَّ الخطبةَ يومَ الجمُعةِ، وأخرَ الصلاةَ . وهذا الجوابُ أحسنُ مما قبلَه. (١) ((المراسيل)) (٦٢). ٤٦٩ سورة الجمعة ومن ظنَّ بالصحابةِ أنهم تركوا صلاةَ الجمُعَةِ خلفَ النبيِّ وَّ بعد دخولِهم معه فيها، ثم خرجُوا مِنَ المسجدِ حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشرَ رجلاً، فقد أساءَ بهم الظنَّ، ولم يقعْ ذلك بحمدِ اللَّهِ تعالى(١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [قال البخاري](٢): بابُ قول اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ: ثنَا أُبُو غسَّانَ: حدَّثَنِي أَبُو حازمٍ، عن سهلِ بنِ ۵ سعد، قالَ: كانتْ فينَا امرأةٌ تجعلُ على أربعاءَ فِي مزرعَةٍ لهَا سلقًا، فكانتْ إذَا كانَ يومُ الجِمُعةِ تنزعُ أصولَ السِّقِ، فتجعلُهُ فِي قدرٍ، ثمَّ تجعلُ عليهِ قبضةً مِن شعيرِ تطحنُها، فتكونُ أصولُ السِّقِ عرقهُ، وكنَّا ننصرفُ مِن صلاةٍ الجمعةِ فنسلِّمُ عليهَا، فتُقَرِّبُ ذلكَ الطعامَ إلينا، فنلعقُهُ، فكنّا نتمنَّى يومَ الجمُعةِ لطعامِهَاَ ذلكَ. حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مسلمةَ: نَا ابنُ أبي حازمٍ، عن أبيهِ، عن سهلِ بنِ 0 سعد - بهذَاً، وقالَ: مَا كُنَّا نقيلُ ولا نتغدَّى إلا بعدَ الجمعَةِ. المقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الصحابة لم يكونوا يجلسونَ بعدَ صلاة الجمعة في المسجدِ إلى العصرِ لانتظارِ الصلاةِ - كما ورد في الحديث المرفوعِ أنه يعدلُ [عمرةً](٣) وقد خرَّجه البيهقيَّ بإسنادٍ ضعيف، وقد سبقَ ذكرُه ـ (١) «فتح الباري» (٥٢٣/٥ -٥٢٨). (٢) البخاري (١٦/٢). (٣) مكانها في الأصل طمس، والحديث عند البيهقي (٢٤١/٣)، وكذا عند ابن عدي (٢٦٢/٦) = ٤٧٠ سورة الجمعة وإنما كانوا يخرجون من المسجدِ ينتشرُون في الأرضِ، فمنهم مَن كان ينصرفُ لتجارة، ومنهم مَن كان يزورُ أصحابَه وإخواتَه، وكانوا يجتمعُون على ضيافةِ هذه المرأة. وقد ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الأمرَ بالانتشارِ بعدَ الصلاةِ للاستحبابِ . كان عراكُ بنُ مالكٍ إذا خرجَ من المسجدِ يومَ الجمعةِ قالَ: اللهمُّ، أجبتُ دعوتَكَ، وقضيتُ فريضتَك، وانتشرتُ كما أمرتني، فارزقني من فضلكِ، وأنتَ خيرُ الرازقِينَ. خرَّجْه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه. وهذا يدلُّ على أنه رأى قولَه تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أمرًاً على ظاهرهِ. وخرجَ - أيضًا - بإسنادهِ، عن عمرانَ بنِ قيسٍ، قال: من باعَ واشترَى يومَ الجمعة باركَ اللَّهُ له سبعينَ مرةً. قال بعضُ رواتِهِ: وذلك بعدَ صلاةِ الجمُعَةِ؛ لهذه الآيةِ . وذهبَ الأكثرونَ إلى أنه ليس بأمرٍ حقيقةً، وإنما هو إذنٌ وإباحةٌ، حيث كان بعدَ النهي عن البيعِ، فهوَ إطلاقٌ من محظورٍ، فيفيدُ الإباحةَ خاصةً. وكذا قالَ عطاءٌ ومجاهدٌ والضحاكُ ومقاتلُ بنُ حيان وابنُ زيدٍ وغيرُهم. ٤٧٥ وروى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتاب ((الشافي)) بإسنادٍ لا يصحّ، عن أنسٍ - مرفوعًا - في قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾، قال: ((ليسَ = بلفظ: ((أن لكم في كل جمعة حجة وعمرة: الحجة الهجير إلى الجمعة، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة)) . ٤٧١ سورة الجمعة بطلب دنيا، ولكن عيادةُ مريض، وتشييعُ جنازة، وزيارةُ أخ في اللَّه)) . وفي حديث سهلٍ: دليلٌ على زيارةِ الرجالِ للمرأةِ، وإجابتِهم لدعوتِها، وعلى استحبابِ الضيافَةِ يومَ الجمُعَةِ خصوصًا لفقراءِ المسلمينَ، فإطعامُ الفقراء فيه حسنٌ مُرغَّبٌ فيه. وفيه: أن فرحَ الفقيرِ بوجودِ ما يأكلُ وتمنِّيه لذلك غيرُ قادحِ في فقرِهِ، منافٍ لصَبْرِه، بل ولا لرضاه. وفي الحديث ألفاظٌ تُستغرب: فـ ((الأربعاء)): جداولُ الماءِ في الأرض، واحدُها: ((ربيعٌ)). وقولُهُ: ((فيكون أصولُ السِّقِ عرقَهُ» - وفي رواية: ((عراقَهُ)) -، وهو بالعين المهملةِ والقافِ، والعِرقُ والعِرَاقُ: اللحمُ. والمعنَى: أن أصولَ السَِّقِ تصيرُ في هذا الطعامِ كاللحمِ لَّا يطبخُ باللحمِ الأطعمة . ورواه بعضُهم: ((غرفه)) - بالغين المعجمة والفاء -، وفسر بـ ((المرقة)) فإنها تُغْرَفُ بالید. وهذا بعيدٌ؛ فإن أصولَ السِّلْقِ لا تصير بغرفٍ . وقولُهُ: (فنلعقُه)) أي: نلحسُهُ، وهذا يدلُّ على أنه كان قد ثَخنَ. وقيل: الفرقُ بين اللحسِ واللعْقِ: أن اللحسَ يختص بالأصبَعِ، واللعقَ يكون بالأصبعِ وبآلةٍ يلعقُ بها كالملْعَقة(١) (١) «فتح الباري» (٥٤٥/٥ - ٥٤٧). سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ و رو ور قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ وقد رُوي عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظيِّ أنَّه استنبطَ ما في هذا الحديثِ - أعني: حديثَ: ((آيةُ المنافقِ ثلاثٌ) - من القرآنِ، فقالَ: مصداقُ ذلك في كتابِ اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقالَ تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ -٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قولِه: ﴿لُعَذِّبِ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٢ -٧٣]. ورُوي عن ابن مسعودٍ نحوُ هذا الكلامِ، ثُمَّ تلا قولَه تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ ◌ِفَاقًّا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية(١) [التوبة: ٧٧]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ. وقد وردَ في القرآنِ تشبيهُ المنافقينَ بالْخُشُبِ المسندةِ فنظرهم فقالَ: ﴿وَإِذَا (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٥٤٦/٢). ٤٧٣ سورة المنافقون رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشَبٍ مُّسَنَّدَةَ﴾ [المنافقون: ٤]. فوصفَهُم بحسنِ الأجسامِ وتمامِهَا، وحسنِ المقامِ والفصاحةِ حتَّى وإعجاب به، ومع هذا فبواطِنُهم خرابٌ ومعائنُهم فارغةٌ. فلهذا مثَّلَهم بالخشبِ المسندةِ التي لا روحَ لها ولا إحساسَ وقلوبُهم مع هذا ضعيفةٌ في غايةِ الضعفِ . ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهَمْ﴾ [المنافقون: ٤]. وهكذا كلُّ مريبٍ يُظْهرُ خلافَ ما يضمرُ يخافُ من أدْنى شيءٍ ويتحسُّ عليه . وأما المؤمنونَ فبعكسِ هذه الصفاتِ حالُهم مستضعفونَ في ظاهرِ أجسامِهم وكلامهم لأنَّهم اشتغلُوا بعمارةٍ قلوبهِم وأرواحِهم عن عمارةِ أجسادِهم. وبواطنُهم قويةٌ ثابتةٌ عامرةٌ فيكابدونَ بها الأعمال الشاقة في طاعةِ اللَّهِ من الجهادِ والعباداتِ والعلومِ وغيرِها ممّا لا يستطيعُ المنافقُ مكابدتَه لضعفٍ قلبِهِ، لا يخافونَ من ظهورِ ما في قلوبهِم إلا خشيةَ الفتنةِ على نفوسِهم وإنّ بواطِنَهُم خيرٌ من ظواهرِهِم وسرَّهم أصلحُ من علانيتِهِم. قال سليمانُ التيميُّ: أتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فقالَ: يا سليمانُ إنَّ قُوتَ المؤمنِ في قَلبْهِ)). فالمؤمنُ لَّا اشتغلَ بعمارةِ قلبِهِ عن عمارةِ قالبِهِ استُضْعِفَ ظاهرُهُ وربما أُوذي، ولو علمَ الناسُ ما في قلبهِ لما فعلُوا ذلكَ. قال عليٌّ لأصحابه: ((كونوا في النَّاسِ كَالنَحْلِ في الطَّيْرِ يستضعفُهَا ولوْ علمُوا مَا في جَوفهَا مَا فعلُوا)). من قوةِ قلبِ المؤمنِ وثباتِهِ على الإيمانِ. فالإيمانُ الذي في قلبِهِ مَثَلُه كمثَلِ شجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ فيعيشُ على الإيمان ويموتُ ويُبعثُ عليهِ، وإنَّما الرياحُ وهي بلايا ٤٧٤ سورة المنافقون الدُّنْيا تقلّبُ جسْمَهُ يمنةً ويسرةً، وكذلك قلبُهُ لا تصلُ إليه الرياحُ لأنَّه محروسٌ بزبرِ الإيمانِ . والكافرُ والمنافقُ والفاجرُ بعكس ذلكَ: جسمُه قويٌّ لا تقلّبُّه رياحُ الدنيا، وأما قلبُه فإنَّه ضعيفٌ تلاعبُ به الأهواءُ المضِلَّةُ فتقلبُه يمنةً ويسرةَ، فكذلكَ كانَ مَثَلُ قلبهِ كشجرةٍ خبيثةِ اجتثتْ من فوقِ الأرضِ ما لها من قرارٍ، كَما شجرةُ الحنضلِ ونحوهِ مما ليسَ له أصلٌ ثابتٌ في الأرضِ . وقال عليَّ فِّه في صفةِ الهمجِ الرعاعِ: ((أتباعُ كلِّ ناعقِ يميلونَ مَعَ كلِّ ريحٍ لمْ يستضيتُوا بنورِ العلْم ولم يلجأوا إلى رُكُنِ وثيقٍ))(١). بهذا يظهرُ الجمعُ بين حديثِ تمثيل المؤُمِنِ بالنَّخلةِ. فإن التمثيلَ بالزرعِ لجسدِهِ لتوالى البلاءِ عليه. والتمثيلُ بالنخلةِ لإيمانِهِ وعملِهِ وقولِهِ. يدلُّ عليه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَّ كَلِمَةً طَيَِّةً كَشَجَرَةٍ طَيَِّةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. فجعلها مثلاً لكلمةِ الشهادتينِ التي هي أصلُ الإسلامِ في قلبِ المؤمنِ، كثبوتِ أصلِ النخلةِ في الأرضِ، وارتفاعٍ عملِ المؤمنِ إلى السماءِ كارتفاعٍ النخلةِ، وتجددِ عملِ المؤمنِ كإتيانِ النخلةِ أكلَها كلَّ حينٍ. وقد رُوي عن أبي هريرة ◌ِثُه: ((إنَّ المؤمنَ الضَّعِيفَ قلبُهُ كزرعٍ والقويَّ مثلُهُ كمثلِ النَّخلةِ)). وخرجه البزار وغيره. ولأن ثمرةَ الزرع - وهو السنبلُ - (١) جزء من حديث كميل بن زياد مع علي بن أبي طالب فراشه. أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٩/١، ٨٠). ٤٧٥ سورة المنافقون يستضعفُ ويطمعُ فيه كلُّ أحدٍ لقربِ تناولهِ فيطمعُ الآدمي في الأكلِ منهُ، وفي قَطْعِه وسرقتِهِ، والبهائمُ في رعيهِ، والطيرُ في الأكلِ منهُ. وكذلك المؤمنُ يُستضعفُ فيعادِيه عمومُ النَّاسِ لأنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا ويعودُ غريبًا كما بدأ فطوبَى للغرباءِ. فعمومُ الخلقِ يستضعفُه ويستغربُه ويؤذيه لغربتهِ بينَهم وأمَّا الكافرُ والمنافقُ أو الفاجرُ الذين كالصنوبرِ فإنَّه لا يُطمعُ فيه فلا الرياحُ تزعزعُ بدنَه ولا يُطمعُ في تناوله ثمرتهِ لامتناعِها(١) . قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالْكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فكثرةُ العيالِ مما يوجبُ تعلقَ القلبِ بهم، فيُشغِلُ ذلك عن محبَّتَه وخدمته اللَّه، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. قالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شغلَكَ عنِ اللَّهِ من مالٍ أو ولدٍ فهو عليك شؤم(١ ٠ ( ٢) (١) ((غاية النفع)) (٢٥ -٢٩). (٢) ((شرح حديث: إنَّ أغبط أوليائي)) (ق ٣/ ب). ورز شـ ـ سُورَةُ التَّغَابُنِ قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قالَ علقمةُ: هي المصيبةُ تصيبُ الرَّجلَ، فيعلمُ أنَّها من عند الله، فيسلِّمُ لها ویَرضَى . وخرَّج الترمذيُّ من حديث أنسٍ عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّ اللَّهَ إذا أحبّ قومًا وَه يقولُ ابتلاهم، فمن رَضِي، فله الرِّضَا، ومن سَخط فله السَّخَطُ)(١)، وكانَ النبيّ في دعائهِ: (أسألكَ الرِّضا بعدَ القضاء))(٢). وثمّا يدعو المؤمنَ إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قولِ النبيِّ وَلَهُ: ((لا يقضي اللَّهُ للمؤمنِ قضاءً إلا كانَ خيراً له: إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإنْ أصابتُهُ ضرَّاءُ صبرَ، فكان خيراً له، وليسَ ذلك إلا للمؤمنِ» (٣) . وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَِّ، فسألَه أن يُوصيه وصيّةً جامعةً موجَزَةً، فقال: (١) أخرجه: الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١). (٢) أخرجه: النسائي (٥٤/٣ - ٥٥)، وابن حبان (١٩٧١)، والحاكم (٥٢٤/١ _ ٥٢٥). (٣) هذا الحديث على الصواب حديثان، أدمجهما المؤلف. فقوله: ((لا يقضى اللَّه للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له)) أخرجه: أحمد (١١٧/٣ - ١٨٤)، (٢٤/٥)، وأبو يعلى (٤٢١٧)، (٤٢١٨)، وأما الجزء الباقي: ((إن أصابته .. )) فأخرجه مسلم (٢٢٧/٨). ٤٧٧ سورة التغابن (لا تَتَّهِم اللَّهَ في قضائِهِ))(١). قالَ أبو الدرداء: إنَّ اللَّه إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به. وقال ابنُ مسعود: إنَّ اللَّهَ بقسطهِ وعدلهِ جعلَ الرَّحَ والفرحَ في اليقينِ والرِّضَا، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في الشكِّ والسَّخَطِ؛ فالرََّضي لا يتمنَّى غيرَ ما هو عليه من شدَّةِ ورخاءٍ. كذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرِهما. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أصبحتُ ومالي سرورٌ إلا في مواضعِ القضاءِ والقدرِ . فمن وصلَ إلى هذه الدرجةِ، كان عيشُه كلُّه في نعيمٍ وسرورِ، قالَ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِبَةَ﴾ [النحل: ٩٧] قال بعضُ السَّلَفِ: الحياةُ الطيبةُ: هي الرِّضا والقناعةُ. وقال عبدُ الواحد بنُ زيدٍ: الرِّضا بابُ اللَّهِ الأعظمِ وجنةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدين. وأهلُ الرِّضا تارةً يلاحظون حكمةَ المبتلي وخيرتَه لعبدهِ في البلاءِ، وأَنَّه غيرُ متّهم في قضائهِ، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاءِ، فيُنسيهم ألمَ المقضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقُونَ في مشاهدة ذلك، حتَّى لا يشعرُونَ بالألم، وهذا يصلُ إليه خواص أهل المعرفة والمحبَّة، حتَّى رَبَّما تلذَّذوا بما أصابَهم لملاحظتهم صدُوره عن حبيبهم، كما قالَ بعضُهم: أوجدَهم في عذابهِ عذوبةً. وسُئُلَ بعضُ التابعينَ عن حالهِ في مرضهِ، فقالَ: أحبُّه إليَّ. وسُئِلَ السريُّ: هل يجدُ المحبُّ ألمَ البلاءِ؟ فقالَ: لا. وقال بعضُهم: (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣١٨/٥ - ٣١٩) من حديث عبادة، بلفظ: ((لا تتهم اللَّه تبارك وتعالى في شيء قضی به)). (٤٧٨ سورة التغابن عذابُه فيكَ عَذْبُ وبُعدُهُ فِيكَ قُرْبُ وأَنْتَ عِندي كرُوُحي بل أَنْتَ مِنها أَحَبُّ حسْبي مِنَ الحُبِّ أَنِّي لِمَا تُحِبُّ أُحِبُ(١) (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٥١٢/١ - ٥١٥). سُورَةُ الطَّلاق ورو قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّه وَمَن يتعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ! وأمَّا حدودُ اللَّه التي نَهى عَن اعتدائها، فالمرادُ بها جُملةُ ما أَذِنَ في فعلهِ، سواءٌ كانَ على طريقِ الوجوبِ، أو الندْبِ، أو الإباحةِ، واعتداؤُها: هو تجاوزُ ذلك إلى ارتكاب ما نَهى عنه، كما قالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والمرادُ: مَنْ طلَّقَ على غيرِ ما أمرَ الله به وأذنَ فيه، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والمراد: مَنْ أمسَكَ بَعدَ أَنْ طَلَّق بغيرٍ معروفٍ، أو سرَّح بغيرِ إحسان، أو أخَذَ مَمَّ أعْطَى المرأةَ شيئًا على غيرِ وجِهِ الفديةِ التي أذِنَ اللَّهُ فيها . وقالَ تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [ النساء: ١٣ - ١٤ ]. والمرادُ: مَنْ تجاوزَ مَا فرضَهَ اللَّهُ للورثةِ، ففضَّلَ وارثًا، وزاد على حقه، أو نقصَهَ منه، ولهذا قال النبيُّ ◌َّهِ فِي خُطبتِهِ في حجَّةِ الوَدَاعِ: ((إنَّ اللَّه قد أعْطَى كلَّ ذِي حَقِّ حَقَّه فلا وصية لوارث))(١). (١) راجع: (التاريخ الكبير)) (٣٠٤/٢/٣)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٦٤/٦). ٤٨٠ سورة الطلاق وروى النَّوَّاسُ بنُ سمعانَ عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((ضرب اللَّه مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتيِّ الصِّرَاطِ سُورَانِ فيهما أبوابٌ مُفُتحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراطِ داع يقول: يا أيُّها النَّاسُ، ادخُلُوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تُعرِّجوا. وداعٍ يدعو من جوفِ الصِّراط، فإذا أراد أن يفتحَ شيئًا من تلك الأبواب، قال: وَيَحكَ لا تفتحه، فإِنَّك إنْ تفتحْه تلجْه، والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حدودُ اللَّه، والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصِّرَاطِ: كتابُ اللَّه، والدَّاعي من فوقُ: واعظُ اللَّهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ)) خرَّجه الإمامُ أحمدَ، وهذا لفظُه، والنسائيًّ في ((تفسيرِه))، والترمذيُّ وحسَّنه(١) . فضربَ النبيُّ ◌َّهِ مثلَ الإسلامِ في هذا الحديثِ بصراطٍ مستقيمٍ، وهو الطريقُ السَّهلُ، الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلوبهِ، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولَته، وعلى جنبتي الصِّراطِ يَمْنَةً ويسرَةً سُورَانٍ، وهما حدودُ اللَّه، فكما أنَّ السَّورَ يمنع مَنْ كان داخله مِنْ تعدِّيه ومجاوزته، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخلَه من الخُروج عن حدودهِ ومجاوزتها، وليس وراءَ ما حدَّ اللَّهُ من المأذون فيه إلا ما نَهى عنه، ولهذا مدحَ سبحانَه الحافظينَ لحدودِه، وذمَّ من لا يعرفُ حَدَّ الحلالِ من الحرامِ، كمَا قال تعالى: ﴿الأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. وقد تقدَّم حديثُ القرآن وأنَّه يقولُ لمن عَمِل به: حَفِظَ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حدودي. والمرادُ: أنَّ مَنْ لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه فقد حِفِظَ حدودَ (١) أخرجه: أحمد (١٨٢/٤ - ١٨٣)، والترمذي (٢٨٥٩)، والنسائي في ((التفسير)) من ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١١٧١٤).