Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة الممتحنة
فخافَ على من معه، فقال لأصحابِهِ: تعالَوْا، نتبايعُ على أن لا نفرًّ، فبايعُوا
على ذلكَ؟ قال: ما أحسنَ هذا. قلتُ: فلو أن قومًا فعلوا ذلك بينهُم دونَ
الإمامِ؟ قال: لو فعلُوا ذلك بينهم شبه العقدَ في غيرِ بيعةٍ(١).
(١) ((الفتح)) (٦١/١ - ٧٩).

ورو
سُورَةُ الصّف
كَبُرَ
قوله تعالى: ﴿لَمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ
مَقْتَا عندَ اللَّه أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾
لَّا حاسَبَ المَتَّقُون أنفسَهم خافوا من عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ. قال رجلٌ لابن
عَبَّاسٍ: أريدُ أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكرِ. فقالَ لهُ: إنْ لم تخشَ أن
تفضحكَ هذه الآياتُ الثلاثُ فافعلْ، وإلا فابدأ بنفسكَ، ثم تلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ
كَبُرَ مَقْتَّا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]، وقوله حكايةً عن
شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [ هود: ٨٨].
ے
قال النَّخعيُّ: كانُوا يكرهُونَ القصص؛ لهذه الآياتِ الثلاثِ. قيل لمورِّق
العجلي: ألا تعظُ أصحابَكَ؟ قال: أكرهُ أن أقولَ ما لا أفعل.
تقدَّمَ بعضُ التابعينَ ليصلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فالتفتَ إلى المأهُومين يُعدِّلُ
الصُّفُوفَ، وقال: اسْتَوُوا، فُغشِيَ عليه، فسُئِلَ عن سَببِ ذلكَ، فقالَ: لَّا
قلتُ لهُم: استقيمُوا، فكَّرتُ في نفسِي، فقلتُ لهَا: فأنتِ، هل استقمتٍ مع
اللّهِ طرفةَ عينِ؟
مَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّواء يستعمِلُهُ ولا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الثُّقَى ذو تُقَى
وَصَفْتُ التُّقَى حَتَّى كأنّي ذو تُقَى ورِيحُ الْخَطَايَا مِنْ ثِيَابِي تَعْبَقُ
ومع هذا كلِّه فلا بُدَّ للناسِ من الأمرِ بالمعروفِ والنّهي عن المنكرِ، والوعظِ
٠

٤٢٣
سورة الصف
والتذكيرِ، ولو لم يِعِظِ النَّاسَ إلا مَعْصُومٌ مِن الزََّلِ، لم يعِظْ بعدَ رسولِ اللَّهِ
﴿َّ أحدٌ لأنَّه لا عِصْمَةَ لأحدٍ بعدَهُ.
لئن لم يَعَظِ العاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِبٌ
فَمَنْ يَعِظِ العَاصِينَ بَعْدَ مُحمَّد
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَّ
قال: ((مُروا بالمعروف وإن لم تعملُوا به كُلِّه، وانَهْوا عن المُنْكَرِ وإن لم تنتهوا عنه
كُلِّ)(١). وقيل للحسنِ: إنَّ فلانًا لا يَعِظُ، ويقولُ: أخافُ أنْ أقولَ ما لا أَفعلُ؟
فقال الحسن: وأُيُّنا يفعلُ ما يقولُ؟! ودَّ الشيطانُ أنَّه قد ظفِرَ بهذا، فلم يأمُرْ
أحدٌ بمعروفٍ ولم ينهَ عن مُنْكَرٍ. وقال مالكٌ، عن ربيعة: قال سعيدُ بن
جُبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهَى عن المنكرِ حتى لا يكونَ فيه
شيءٌ، ما أَمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهَى عن مُنْكرٍ. قال مالكٌ: وصدَقَ، ومَن ذا
الذي ليس فيه شيءُ؟!
مَنْ ذا الَّذي ما ساءَ قَطْ ومَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ
خطب عُمَرُ بنُ عبد العزيز - رحمه الله - يومًا، فقال في موعظته: إِنِّي
لأقُولُ هذه المقالَةَ وما أعلمُ عند أحدٍ من الذُّنُوبِ أكثرَ ممّا أعلمُ عنْدِي،
فأستغفرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه. وكتبَ إلى بعض نوَابِهِ على بعضِ الأمصار كتابًا
يعظُهُ فيه، فقال في آخره: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإِنِّي لكثيرُ الإسْرافِ على
نَفْسِي، غيرُ مُحكمٍ لكثيرٍ من أمْرِي، ولو أن المرءَ لا يعظُ أخاهُ حتى يُحكمَ
نفسهُ إذًا لتواكلَ الناسُ الخيرَ، وإذَا لِرُفِعَ الأمر بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المُنْكَرِ،
وإذَّا لاستُحلَّتِ المَحارِمُ، وقَلَّ الواعِظُونَ والسَّاعون للَّه بالنَّصِيحةِ في
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط))، و((الصغير)) كما ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٧/ ٢٧٧).

٤٢٤
سورة الصف
الأرض؛ فإنَّ الشيطان وأعوانَه يَودُّون أن لا يأمُرَ أَحدٌ بمعروفٍ ولا يَنْهَى عن
مُنْكَرِ، وإذا أمَرَهُم أحدٌ أو نَهاهُم، عَابُوه بما فیهِ وبما ليس فيه. كما قيل:
وَأُعْلِنَتِ الفواحِشُ في البوادِي وصارَ النَّاسُ أَعْوَنَ المريبِ
إذا ما عِبْتُهُم عَابُوا مَقَالِي لِما في القَوْمِ مِن تلكَ العُيوبِ
وَوَدُّوا لو كَفَفنا فاسْتَوَيْنَا فِصَارَ النَّاسُ كالشيءِ المشوبِ
وكنّا نَسْتَطِبُ إذا مَرِضْنَا فصارَ هلاكُنا بيدِ الطَّبِيبِ (١)
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ الثَّوْرَاةِ
وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ،
عيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا
بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي
مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف: ٦].
وقد كان المسيحُ - عليه السَّلامُ - يحُضُّ على اتِّباعه، ويقولُ: إنَّه يُبعَثُ
بالسَّيفِ، فلا يمنعنَّكُمْ ذلك منه. ورُوي عنه أَنَّه قالَ: سوف أذهبُ أنا ويأتِي
الذي بعدِي لا يَتَحمَّدُكُم بدعواهُ، ولكنْ يَسُلُّ السَّيفَ فتدخلُونَه طَوْعًا وكُرْهًا.
وفي (المسند))(٢) عن أبي الدَّرْدَاء ◌ِوَّه، عن النَّبِيِّ وَّهِ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ
أَوْحَى إلى عيسى عليه السَّلامُ: ((إنِّي باعثٌ بعدَكَ أُمَّةً، إن أصابهُمْ ما يُحُبُّونَ حَمِدُوا
(١) ((اللطائف)) (٥٤ - ٥٧).
(٢) (٦ / ٤٥٠).

٤٢٥
سورة الصف
وشكرُوا، وإنْ أصابهُم ما يكرهُونَ، احتسبُوا وصبرُوا، ولا حِلمَ ولا عِلمَ. قال: يا ربّ!
كيفَ هذا ولا حِلمَ ولا عِلم؟ قال: أُعْطِيهم مِن حِلْمِي وعِلْمِي)).
قال ابنُ إسحاق: حدَّثَني بعضُ أَهْلِ العلْمِ أنَّ عيسَى ابنَ مريمَ - عليه
السَّلام - قال: إنَّ أحبَّ الأُممِ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ لأُمَّةُ أحمدَ. قيلَ له: وما
فضلُهم الذي تذكرُ؟ قال: لم تُذلَّل (لا إلهَ إلا اللَّه)) على السُنِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ
تذليلَها على ألسنتِهِم (١).
(١) ((اللطائف)) (١٧٠ - ١٧١).

سُورَةُ الْجُمُعَة
سورة
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ
وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
مُبِينٍ لـ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ
مَّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ -٤].
ومعلومٌ أنَّه لم يُبعث في مكَّةَ رسولٌ منهم بهذه الصفةِ غيرُ محمَّدٍ بِّهِ،
وهو مِن ولدِ إسماعيلَ، كما أنَّ أنبياءَ بني إسرائيلَ مِن ولدِ إسحاق. وذكر
اللَّهُ تعالى أنَّه مَنَّ على المؤمنينَ بهذه الرِّسالةِ، فليسَ للَّهِ نعمةٌ أعظم من
إرسال محمدٍ نَّيهدِي إلى الحقِّ وإلى صراطٍ مستقيمٍ.
وقوله: ﴿فِي الأُمِّينَ﴾ - والمرادُ بهم العَرَبُ - تنبيهٌ لهم على قدرِ هذه النِّعمةِ
وعظمها، حيثُ كانوا أمِّيِّينَ لا كِتابَ لهم، وليسَ عندَهم شيء من آثارِ

٤٢٧
سورة الجمعة
النَّبَوَاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتابِ، فمنَّ اللَّه عليهم بهذا الرسولِ وبهذا
الكتاب، حتى صاروا أفضلَ الأمم وأعلمَهم، وعرفُوا ضلالةَ منْ ضلَّ من
الأمم قبلهم. وفي کونِهِ منهم فائدتان:
إحداهما: أنَّ هذا الرَّسولَ كان أيضًا أُميَّا كأمَّتَهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأ كتابًا
قطُّ، ولم يخُطُهُ بيمينه، كما قالَ اللَّه تعالى: ﴿ مَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ
وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآيات [العنكبوت: ٤٨]، ولا خرجَ عن ديارِ قومهِ فأقامَ عندَ
غيرِهم حتَّى تعلَّم منهم شيئًا، بلْ لم يزلْ أُميًّا بين أمَّة أمَِّّةِ، لا يكتُبُ ولا يقرأُ
حتى كمَّلَ الأربعينَ من عُمرِهِ، ثمَّ جاءَ بعد ذلكَ بهذا الكتابِ الُبين، وهذه
الشريعةِ الباهرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّمِ، الذي اعترفَ حُذَّاقُ أهل الأرضِ
ونُظَّارُهُم أنَّه لم يقرعِ العالمَ ناموسٌ أعظمُ منه. وفي هذا بُرهانٌ ظاهرٌ على
صدقه .
والفائدة الثانية: التنبيهُ على أنَّ المبعوثَ فيهم - وهم الأمِيُّون خُصوصًا أهل
مكَّةَ - يعرِفُونَ نسبهُ، وشرفهُ، وصدقهُ، وأمانتهُ، وعفَّتَهُ، وأَنَّه نشأ بينهم
معروفًا بذلك كلِّه، وأنَّه لم يكذبْ قطُّ؛ فكيفَ كان يدعُ الكذبَ على النَّاسِ
ثم يفترِي الكذبَ على اللَّه عزَّ وجلَّ، وهذا هو الباطلُ، ولذلك سأَلَ هِرقلُ
عن هذه الأوصاف، واستدلَّ بها على صدقه فيما ادَّعاهُ من النَّبَّوة والرِّسالة.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، يعني: يتلُو عليهم ما أنزلَ اللَّهُ عليه
من آياتهِ المتلوةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظمُ الكُتُبِ السَّماويَّةِ، وقد تضمَّنَ من
العلومِ والحكمِ، والمواعظِ، والقصصِ، والترغيبِ والترهيبِ، وذكرِ أخبارٍ منْ
سبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البعثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لم يشتملُ عليه
كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماء: لو أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في

٤٢٨
سورة الجمعة
مُصحَفٍ في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعلمْ منْ وضعهُ هناك، لشهدت العُقُولُ
السَّليمةُ أنَّه منزلٌ مِن عند اللَّهِ، وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهم على تأليفِ ذلك،
فكيف إذا جاءَ على يديْ أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وأتقاهُم، وقال: إنَّه كلامُ
اللَّه، وتحدَّى الخلقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةٍ من مثلِهِ، فعجزُوا. فكيف يبقى مع
هذا شكٌّ فيه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابِ يَتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
فلو لم يكنْ لمحمدٍ وَ لَّ مِنَ المعجزاتِ الدالةِ على صدقهِ غيرُ هذا الكتاب
لكفاهُ، فكيفَ ولهُ من المعجزاتِ الأرضيةِ والسماويةِ ما لا يُحصَى. وقوله:
﴿يُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢]: يعني أنَّه يُزكِّي قلوبَهم ويطهرُها من أدناسِ الشركِ
والفُجورِ والضَّلال؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طهرتْ من ذلك كلِّه، ومن زكتْ
نفسُهُ فقد أفلحَ، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، وقال: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، يعني بالكتابِ القرآنَ، والمرادُ:
ويعلِّمُهم تلاوةَ ألفاظِهِ. ويعني بالحكمةِ فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيه.
فالحكمةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى
يُعلمَ معناهُ ويُعملَ بمقتضاهُ، فمن جُمعَ له ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحكمةَ. قال
تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[ البقرة : ٢٦٩].
قال الفضيلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ. وقال: الحكماءُ ورثةُ الأنبياء.
فالحكمةُ هي العلمُ النافعُ الذي يتبعُهُ العملُ الصالحُ. وهي نورٌ يقذفُ في

٤٢٩
سورة الجمعة
القلبِ يُفهمُ بها معنى العلم المنزَّل من السَّماءِ، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ
به. ومَن قال: الحكمةُ السنةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنَّ السنةَ تفسِّرُ القرآنَ وتبينُ معانيه
وتحُضُّ على اتباعِهِ والعملِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائقِ العلمِ
المنتفعِ بعلمهِ بالعمل بهِ. ولأبي العتاهية:
وكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حَكِيمًا وأَنْتَ لِكُلِّ مَا تَهْوَىَ رَكُوبَ
وتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنِ وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلا تَتُوبُ
وقوله: ﴿إِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه
قبلَ إنزالِ هذا الكتابِ من الضلالِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ
الأرضِ، فمقتهُم، عربهُم وعجمهم، إلا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينِهِمَ
الذي لم يُبدَّلْ ولم يُغيرْ، وكانوا قليلاً جدًّا.
فأمَّا عامَّةُ أهل الكتابِ فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيّرُوها وحرفُوها، وأدخلُوا
في دينهم ما ليسَ منه فضلُّوا وأضلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على
ضلال مُبينٍ؛ فالأمُّون أهلُ شرك يعبدَونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبدُونَ النيرانَ
ويقولون بإلهينِ اثنينٍ، وكذلك غيرهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبدُ
النُّجومَ، ومنهم مَن كان يعبدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى اللَّه المؤمنينَ بإرسال
محمَّدٍ نَّه إلى ما جاءَ بهِ منَ الهُدى ودينِ الحقِّ؛ وأظهرَ اللَّهُ دينهُ حتى بلغَ
مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظهرتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعدْلِ بعد أن
كانتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةً من ظُلمةِ الشِّركِ والظُّلم. فالأمُّون هم العربُ،
والآخرون الذين لم يلحقُوا بهم هم أهلُ فارسَ والرُّوم، فكانتْ أهلُ فارسَ
مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللَّهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالةِ محمَّدٍ وَله
إلى التوحيد .

٤٣٠
سورة الجمعة
وقد رُتَّي الإمامُ أحمدُ بعد موتهِ في المنامِ، فسُثُلَ عن حاله، فقال: لولا
هذا النبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما قال، فإنَّ أهل العراقِ لولا رسالةُ محمد
مَله لكانوا مجوسًا، وأهلُ الشام ومصرَ والرومُ لولا رسالة محمد بَّه لكانوا
نصارَى، وأهلُ جزيرة العرب لولا رسالةُ محمد لكانوا مشركينَ عبادَ أوثان.
ولكن رحمَ اللَّهُ عبادهُ بإرسال محمدٍ لَّهِ فأنقذَهُم مِن الضَّلال، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولهذا قال اللَّه تعالى:
﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]، فمن حصلَ له
نصيبٌ من دين الإسلامِ فقد حصلَ له الفضلُ العظيمُ، قد عظمتُ عليه نعمةٌ
اللَّه، فما أحوجهُ إلى القيامِ بشكرِ هذه النعمةِ وسؤالهِ دوامَها والشَّباتَ عليها
إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ.
فإبراهيمُ - عليه السلامُ - هو إمامُ الحنفاء، المأمورُ محمَّدٌ وَّهِ ومن قبلُه منَ
الأنبياءِ - عليهم السلام - بالاقتداء به، وهو الذي جعلهُ اللَّهُ للنَّاسِ إمامًا، وقدْ
دعا هو وابنُهُ إسماعيلُ - عليه السَّلام - بأن يبعثَ اللَّهُ في أهلِ مكَّةَ رسولاً
منهُم موصوفًا بهذه الأوصاف، فاستجابَ اللَّهُ لهما وجعلَ هذا النَّبِيَّ المبعُوثَ
فيهم من ولدِ إسماعيلَ بن إبراهيمَ كما دعيا بذلك، وهو النَّبِيُّ الذي أظهرَ
دينَ إبراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالِهِ وخفائهِ على أهلِ الأرضِ فلهذا كان أولَى
النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَِّيُّ
وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨].
وقال وَّه: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ وليًّا مِن النَّبِينَ وإنَّ ولبي إبراهيم))(١)، ثم تلا هذه الآية.
(١) أخرجه: الترمذي (٢٩٩٥)، وأحمد في ((المسند)) (٤٠١/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٩٢/٢).

٤٣١
سورة الجمعة
وكان وَّ أشبهَ ولد إبراهيمَ بهِ صُورةً ومعنّى، حتى أنَّه أشبههُ في خُلَّة اللّه
تعالى، فقال: ((إنَّ اللَّه انَّخذنِي خليلاً كما اتَّخِذَ إِبراهيمَ خليلاً)(١) .
قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
٠ ٠ ٠ ١٠٥٠
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
[قال البخاري](٢): قَوْل اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ الآية [الجمعة: ٩].
صلاةُ الجمعة فريضةٌ من فرائض الأعيانِ على الرجالِ دونَ النساءِ، بشرائطَ
أُخَرَ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، ومنهم من حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ .
وشذَّ من زعمَ أنها فرضُ كفايةٍ من الشافعيةِ، وحكاهُ بعضُهم قولاً
للشافعيِّ، وأنكر ذلك عامةُ أصحابه حتى قال طائفةٌ منهم: لا تحلُّ حكايتُه
عنه .
وحكاية الخطابي(٣) لذلك عن أكثرِ العلماءِ وهمٌ منه، ولعله اشتبهَ عليه
الجمعةُ بالعيدِ .
وحكي عن بعضِ المتقدمينَ: أن الجمعةَ سنةٌ.
وقد روى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أن الجمعةَ سنةٌ.
وحملَها ابنُ عبد البرِّ على أهل القرى المختلَفِ في وجوب الجمعةِ عليهم
(١) ((اللطائف)) (١٦٤ - ١٧٠).
(٢) البخاري (٢/٢).
(٣) في ((معالم السنن)) (٦٤٤/١ - هامش أبي داود)).

٤٣٢
سورة الجمعة
خاصةً، دون أهلِ الأمصارِ .
ونقلَ حنبلٌ، عن أحمدَ، أنه قال: الصلاةُ - يعني: صلاةَ الجمعة -
فريضةٌ، والسعيُ إليها تطوعٌ، سنةٌ مؤكدةٌ.
وهذا إنما هو توقفٌ عن إطلاقِ الفرضِ على إتيانِ الجمعة، وأما الصلاةُ
نفسُها، فقد صرَّح بأنها فريضةٌ، وهذا يدلُّ على أن ما هو وسيلةٌ إلى الفريضة
ولا تتمُّ إلا به لا يطلقُ عليه اسمُ الفريضة؛ لأنه وإنْ كان مأمورًا به فليس
مقصودًا لنفسهِ، بل لغيرِهِ.
وتأوَّلَ القاضي أبو يعلَى كلامَ أحمدَ بما لا يصحُّ.
وقد دلَّ على فرضيتها: قولُ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ
لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
والمرادُ بالسعي: شدةُ الاهتمامِ بإتيانِها والمبادرةُ إليها، فهو من سَعْي
القلوبِ، لا من سعي الأبدان، كذا قالَ الحسنُ وغيرُهُ، وسيأتي بسطُ ذلك
فيما بعدُ - إن شاء اللَّهُ سبحانه وتعالى.
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن عبد اللَّهِ بنِ عمرَ وأبي هريرةَ، أنهما سمعا
رسول اللَّهِ وَ لَه يقولُ على أعوادِ منبرهِ: ((لينتهينَّ أقوامٌ عنْ ودعهمُ الجمعات، أو
اليختمِنَّاللَّهُ على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ منَ الغافلين)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه(٢) من حديث
(١) (٣/ ١٠).
7
(٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٢٤/٣)، وأبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي
(٨٨/٣)، وابن ماجه (١١٢٥).

٤٣٣
سورة الجمعة
أبي الجعدِ الضَّمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ -، عن النبيِّ ◌َ، قال: ((مَن تركَ
الجمعةَ تهاونًا ثلاثَ مراتِ طُبعَ على قلبهِ)).
وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وخرجهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحه)(١).
ورُوي معناهُ من وجوهِ كثيرةٍ .
وفي (صحيحِ مسلمٍ))(٢) عن ابن مسعودٍ، أن النَّبِي ◌َّرِ هَمَّ أن يحرقَ على
مَن يتخلفُ عن الجمعةِ بيوتَهم. وقد سبقَ ذکرُه.
وخرَّج أبو داودّ(٣) بإسنادٍ صحيحٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن النبيِّ وَّه
قالَ: ((الجمعةُ حقٌّ واجبٌ في جماعة، إلا أربعة: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو
مریضٌ)).
قال أبو داودَ: طارقُ بنُ شهابٍ رَأَى النبيَّ وَّةِ، ولمْ يسمَعْ منه شيئًا.
قال البيهقيَّ: وقد وصلَه بعضُهم عن طارقٍ، عن أبي موسى الأشعرِي،
عن النبيِّ بَّهِ، وليس وصلُه بمحفوظ.
وخرجَ النسائيُّ(٤) من حديثِ حفصةَ، عن النبيِّ بَِّ، قالَ: ((رواحُ الجمعةِ
واجبٌ على كلِّ محتلمٍ)).
وخرَّج ابنُ ماجه(٥) من حديث جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أن النبيِّ وَّ خطبَهم،
فقالَ في خطبته: ((إن اللَّهَ فرضَ عليكمُ الجمعةَ في مقامي هذا، في يومي هذا، في
(١) ابن حبان (٢٥٨)، (٢٧٨٦).
(٢) (١٢٣/٢).
(٣) («السنن)) (١٠٦٧).
(٤) ((السنن)) (٨٩/٣).
(٥) («السنن)) (١٠٨١).

٤٣٤
سورة الجمعة
شهري هذا، من عامٍي هذا إلى يومِ القيامةِ، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمامٌ
عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمعَ اللَّهُ شملَه، ولا باركَ له في أمره،
ألا ولا صلاةَ له، ولا زكاةً له، ولا حجَّله، ولا صومَ له، ولا بركةَ حتَّی یتوب، فمن تابَ
تابَ اللَّهُ عليه)).
وفي إسناده ضعفٌ واضطرابٌ واختلافٌ، قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم
في ((أبواب الإمامة)).
وفيه: دليلٌ على أن الجمعةَ إنما فُرضتْ بالمدينة؛ لأن جابراً إنما صحبَ
النبيَّ بَّهِ وشهدَ خطبتَه بالمدينةِ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ.
ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن سورةَ الجمعةِ مدنيةٌ، وأنه لم يثبتْ أنَّ النبيَّ
صَلى الله
وَسِم
كان يصلِّي الجمعةَ بمكةَ قبلَ هجرتهِ.
ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أنَّ أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ في الإسلامِ هي التي
جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ .
وكذا قالَ عطاءٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما.
وزعم طائفةٌ من الفقهاء: أن الجمعةَ فرضتْ بمكةً قبلَ الهجرةِ؛ وأن النبيّ
وَّه كان يصلِيها بمكةَ قبل أن يهاجرَ.
واستدلَّ لذلكَ: بما خرَّجه النسائيُّ في (كتاب الجمعة) من حديث الْمُعَافَى
ابنِ عمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ،
قال: إن أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ - بعدَ جمعةٍ جُمِّعَت معَ رسول اللّه ◌َله بمكةَ -
بِجُواثاءَ بالبحرينِ - قريةٍ لعبدِ القيسِ .
وقد خرّجه البخاريُّ - كما سيأتي في موضعه(١) - من طريق أبي عامر
(١) البخاري (٦/٢).

٤٣٥
سورة الجمعة
العَقديِّ، عن إبراهيمَ بن طهمان، عن أبي جمرةً، عن ابنِ عباسٍ، أن أولَ
جمعة جمعت - بعدَ جمعةٍ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ وَلَّه - في مسجدِ عبدِ
القيسِ بجُواثى من البحرينِ.
وكذا رواه وكيعٌ، عن إبراهيمَ بن طهمان، ولفظُه: إن أولَ جمعة جمعتْ
في الإسلامِ - بعد جمعة جمعتْ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ بَ ◌ّهِ بِالمدينةِ - لَجُمُعَةٌ
جمعتْ بجواثاءَ - قرية من قرى البحرينِ.
خرجه أبو داودً(١) .
وكذا رواه ابنُ المباركِ وغيرُهُ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.
فتبيَّن بذلكَ: أنَّ المعافى وهمَ في إسنادِ الحديثِ ومتنهِ، والصوابُ: رواية
الجماعةِ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.
ومعنى الحديثِ: أن أولَ مسجدٍ جمع فيه - بعدَ مسجدِ المدينةِ -: مسجد
جواثاءَ، وليس معناه: أنَّ الجمعةَ التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعةِ الثانيةِ
من الجمعةِ التي جمعت بالمدينةِ، كما قد يُفْهَمِ من بعضِ ألفاظِ الروايات؛ فإن
عبدَ القيسِ إنما وفَد على رسولِ اللَّهِ وَ لَّ عامَ الفتحِ، كما ذكرهَ ابنُ سعدٍ(٢)،
عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِهِ.
وليس المرادُ به - أيضًا - أن أولَ جمعةٍ جمعتْ في الإسلام في مسجدٍ
ے
المدينة، فإن أول جمعة جمعتْ بالمدينةِ في نقيعِ الخَضَماتِ، قبل أن يقدمَ
٠
النبيِّ وَّ المدينةَ، وقبل أن يبنيَ مسجدَه.
(١) ((السنن)) (١٠٦٨).
(٢) ((الطبقات)) (٥٤/٢/١).

٤٣٦
سورة الجمعة
يدلُّ على ذلك: حديثُ كعبِ بنِ مالك، أنه كان كلَّما سمع أذانَ الجمعة
استغفرَ لأسعدَ بنِ زرارةَ، فسأله ابنُه عن ذلكَ، فقال: كانَ أولَ مَن صلَّى بنا
صلاة الجمعةِ قبل مقدمٍ رسولِ اللَّهِ بِّله من مكةَ في نقيعِ الخضماتِ، في هَزْم
النَبيتِ، من حرَّةٍ بني بياضةَ. قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلاً.
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه - مطوًّ(١) .
وروى أبو إسحاق الفزاريُّ في ((كتاب السِّيَر)) له، عن الأوزاعيِّ، عمّن
حدثَه، قال: بعثَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ مصعَب بنَ عميرِ القرشيَّ إلى المدينةِ، قبل
أن يهاجرَ النبيِّ وَّ، فقالَ: ((اجمعْ مَنْ بها من المسلمين، ثم انظرِ اليومَ الذي تجمُرُ فيه
اليهودُ لسبتها، فإذا مالَ النهارُ عن شطرهِ فقم فيهمْ، ثم تزلَّفوا إلى اللَّهِ بركعتينٍ)).
قال: وقالَ الزهرِيُّ: فجمع بهم مصعبُ بنُ عميرٍ في دارٍ من دُورِ
الأنصارِ، فجمع بهم وهُم بضعةَ عشرَ.
قال الأوزاعيُّ: وهو أولُ من جمعَ بالناسِ .
وقد خرج الدار قطنيَّ - أظنه في ((أفرادِه)) - من روايةِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ
غالبِ الباهليِّ: نا محمدُ بن عبدِ اللَّهِ أبو زيدِ المدنيُّ: ثنا المغيرةُ بنُ
عبدِ الرحمنِ: ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنٍ
عباسٍ، قالَ: أذِنَ رسولُ اللّهِ وَلَّ بالجمُعةِ قبلَ أن يهاجرَ، ولم يستطعْ
رسولُ اللّهِ وَجِّ أَن يجمّعَ بمكةَ ولا يبيِّن لهم، وكتبَ إلى مصعبِ بنِ عميرٍ:
((أما بعدُ، فانظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه اليهودُ لسبتِهم، فاجمعُوا نساءَكُم وأبناءَكم، فإذا
مال النهارُ عن شطرهِ عندَ الزوالِ من يومِ الجمُعةِ فتقرَّبُوا إلى اللَّهِ بركعتين)).
(١) أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابن خزيمة (١٧٢٤)، والبيهقي (١٧٦/٣)، ولم
أجده في ((المسند)).

٤٣٧
سورة الجمعة
قال: فهوَ أولُ من جمَّع مصعبُ بنُ عميرٍ، حتى قدمَ رسولُ اللَّه ◌َ له
المدينةَ، فجمَّع عند الزوالِ من الظهرِ، وأظهرَ ذلكَ.
وهذا إسنادٌ موضوعٌ، والباهليُّ هو: غلامُ خليلٍ، كذابٌ مشهورٌ بالكذب،
وإنما هذا أصله من مراسيلِ الزهريِ (١)، وفي هذا السياق ألفاظٌ منكرةٌ.
وخرج البيهقيُّ(٢) من رواية يونسَ، عن الزهريِّ، قال: بلغَنا أنَّ أولَ ما
جُمِّعت الجمعةُ بالمدينة قبلَ أن يقدمَها رسولُ اللَّهِ وَّهِ، فجمَّع بالمسلمينَ
مصعبُ بنُ عميرٍ(٣).
وروى عبد الرزاق في ((كتابه))(٤) عن معمر، عن الزهريِّ، قال: بعث
رسول اللّهِ وَّهِ مصعبَ بنَ عميرٍ إلى أهلِ المدينة ليقرتَهمُ القرآنَ، فاستأذن
رسولَ اللَّهِ رَ له أنْ يجمِّع بهم، فأذِنَ له رسولُ اللَّهِ وَّهِ، وليس يومئذٍ بأميرٍ،
ولكنه انطلقَ يعلِّمُ أهلَ المدينةِ .
وذكر عبدُ الرزاقِ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: مَن أولُ من جمَّعَ
قال: رجلٌ من بني عبدِ الدارِ - زعموا -، قلتُ: أفبأمر النبيِّ وَّهِ؟ قال:
فَمَهْ؟!
وخرَّجه الأثرمُ من روايةِ ابنِ عيينَةَ، عن ابن جريجٍ، وعندَه. قال: نعم،
فمَه؟! قال ابن عيينةَ: سمعتُ مَن يقولُ: هو مصعبُ بنُ عميرٍ .
(١) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٥٣).
(٢) البيهقي (١٧٩/٣).
(٣) ووصله صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
عن ابن مسعود.
أخرجه الطبراني في ((الكبير)» (٢٦٧/١٧). والصواب: المرسل.
(٤) ((المصنف)) (٣ / ١٦٠).

٤٣٨
سورة الجمعة
وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ في - رواية أبي طالبٍ - على أنَّ النبيِ وَلَّه هو
وسلم
أمر مصعبَ بنَ عميرٍ أن يجمِّعَ بهمْ بالمدينةِ .
ونصَّ أحمدُ - أيضًا - على أنَّ أولَ جمعةٍ جمِّعتْ في الإسلامِ هي الجمعة
التي جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ .
وقد تقدَّم مثلُه عن عطاءٍ والأوزاعيِّ.
فتبينَ بهذا: أنَّ النبيَّ ◌َّ أمرَ بإقامةِ الجمُعةِ بالمدينةِ، ولم يُقُمْها بمكةً، وهذا
يدلُّ على أنه كان قد فُرِضَت عليه الجمعةُ بمكةً.
ءِ
وَمَّن قالَ: إن الجمعةَ فُرضَت بمكةَ قبلَ الهجرةِ: أبو حامدِ الإسفرايينيّ من
الشافعيةِ، والقاضي أبو يعلَى في ((خلافه الكبير)) من أصحابِنا، وابنُ عقيلِ
في ((عمد الأدلة))، وكذلك ذكرهَ طائفةٌ من المالكيةِ، منهم: السهيليَّ وغيرُه.
وأما كونه لم يفعلْه بمكةً، فيُحمَل أنه إنما أُمرَ بها أنْ يقيمَها في دارِ
الهجرةِ، لا في دارِ الحربِ، وكانت مكةُ إذ ذاكَ دارَ حربٍ، ولم يكنِ
المسلمونَ يتمكَّنونَ فيها من إظهارِ دينهم، وكانُوا خائفينَ على أنفسهم؛
ولذلك هاجرُوا منها إلى المدينة، والجمعةُ تسقطُ بأعذارِ كثيرة منها الخوفُ
على النفسِ والمالِ .
وقد أشار بعضُ المتأخرينَ من الشافعيةِ إلى معنًى آخرَ في الامتناع من
إقامتها بمكةَ، وهو: أن الجمعةَ إنما يُقصدُ بإقامتها إظهارُ شعارِ الإسلامِ، وهذا
إنما يُتُمكنُ منه في دارِ الإسلامِ.
ولهذا لا تقامُ الجمعةُ في السجنِ، وإن كان فيه أربعونَ، ولا يعلمُ في ذلك
خلافٌ بينَ العلماءِ، وَمَّنْ قالَه: الحسنُ، وابنُ سيرينَ، والنخَعِيُّ، والثوريُّ،
٢

٤٣٩
سورة الجمعة
ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ وغيرُهم.
وعلى قياسِ هذا: لو كانَ الأسارى في بلدِ المشركينَ مجتمعينَ في مكانٍ
واحدٍ؛ فإنهم لا يصلُّون فيه جمعةً، كالمسجونينَ في دارِ الإسلامِ وأولَى؛ لا
سيما وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ يرونَ أن الإقامةَ في دارِ الحربِ - وإن طالت -
حكمُها حكمُ السفرِ، فتقصر فيها الصلاةُ أبدًا، ولو أقامَ المسلمُ باختيارِهِ،
فكيف إذا كانَ أسيرًا مقهوراً؟
وهذا على قولِ مَن يرى اشتراطَ إذنِ الإمامِ لإقامةِ الجمعةِ أظهرُ، فأمَّا على
قولٍ مَن لا يشترطُ إذنَ الإمامِ، فقد قال الإمامُ أحمدُ في الأمراءِ إذا أخَّروا
الصلاةَ يومَ الجمُعةِ: فيصلِيها لوقتِها ويصليها مع الإمامِ، فحملَه القاضي أبو
يعلى في ((خلافه)) على أنهم يصلونها جمعةً لوقتِها.
وهذا بعيدٌ جدًّا، وإنما مرادهُ: أنهم يصلون الظهرَ لوقتِها، ثم يشهدونَ
الجمعةَ مع الأمراءِ .
وكذلك كانَ السلفُ الصالحُ يفعلونَ عند تأخيرِ بني أميةَ للجمعةِ عن
وقتِها، ومنهم مَن كانَ يومئُ بالصلاةِ وهو جالسٌ في المسجدِ قبلَ خروجٍ
الوقتِ، ولم يكن أحدٌ منهم يصلِّي الجمعةَ لوقتِها، وفي ذلك مفاسدُ كثيرةٌ
تسقطُ الجمعةُ بخشيةِ بعضِها.
وفي ((تهذيبِ المدونةِ))(١) للمالكيةِ: وإذا أتى من تأخيرِ الأئمةِ ما يُسْتَنكَرُ
جمَّعَ الناسُ لأنفسِهم إن قدرُوا، وإلا صلَّوا ظهرًا، وتنفلُوا بصلاتِهم معَهم.
قال: ومَن لا تجبُ عليه الجمعةُ مثلُ المرضَى والمسافرينَ وأهلِ السجنِ
(١) انظر: ((المدونة)) (٦٨/١).

٤٤٠
سورة الجمعة
فجائزٌ أن يجمِّعُوا.
وأراد بالتجميعِ هنا: صلاةَ الظهرِ جماعةً، لا صلاةَ الجمعة؛ فإنه قال
قبلَه: وإذا فاتتِ الجمعةُ من تجبُ عليهم فلا يجمِّعوا.
والفرقُ بين صلاة الظهرِ جماعةً يومَ الجمعةِ، ثَمَّن تجبُ عليه وَمَّن لا تجبُ
عليه: أن من تجبُ عليه يُتَّهمُ في تركِها، بخلاف من لا تجبُ عليه فإن عذرَهُ
ظاهرٌ.
وقد رُويَ عن ابنِ سيرينَ، أن تجميعَ الأنصارِ بالمدينةِ إنما كان عن رأيهم،
من غيرِ أمرِ النبيِّ نَّهِ بالكلّيَّةِ، وأن ذلكَ كان قبلَ فرضِ الجمعةِ .
قال عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ في ((مسائله)): ثنا أبي: ثنا إسماعيلُ - هو:
ابنُ عليَّةٍ -: ثَنا أيوبُ، عنْ محمدِ بنِ سيرينَ، قال: نُّبِّئتُ أنَّ الأنصارَ قبلَ
قدومِ رسولِ اللَّهِ وَجله عليهم المدينةَ قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنا
هذا الأمرَ الذي أنعمَ اللَّهُ علينا بهِ، فقالُوا: يوم السبتِ، ثمَّ قالوا: لا نجامعُ
اليهودَ في يومِهِم. قالوا: يوم الأحدِ، قالوا: لا نجامعُ النصارَى في يومِهِم.
قالُوا: فيوم العروبةِ. قال: وكانُوا يسمُّون يومَ الجمعةِ: يوم العروبةِ،
فاجتمعوا في بيتِ أبي أمامةَ أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاةٌ، فكفتّهُم.
وروى عبدُ الرزاق في ((كتابِه))(١) عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابن سیرین،
قال: جمَّعَ أهلُ المدينةِ قبلَ أن يقدمَ رسولُ اللَّهِ وَ لِهِ، وقبلَ أن تنزلَ الجمعةُ،
وهم الذين سمَُّها الجمعةَ، فقالتِ الأنصارُ: لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيه كلَّ
ستةِ (٢) أيامٍ، وللنصارَى - أيضاً - مثلُ ذلك، فهلُمَّ فلنجعلْ يومًا نجتمعُ فيه،
(١) («المصنف)) (١٥٩/٣).
(٢) في ((المصنف)): ((سبعة))، وكذا هو في ((الفتح)) لابن حجر (٣٥٥/٢) نقلاً عن «المصنف)).
٠