Indexed OCR Text
Pages 301-320
ورو سورة ق K قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ قَعِيدٌ وقد قال كثير من السلف في قول الله عز وجل: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ · الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ [ق:١٧]: إن الذي عن اليمينِ كاتبُ الحسناتِ، والذي عن الشمالِ كاتبُ السيئاتِ، منهم: الحسنُ، والأحنفُ بنُ قِيسٍ، ومجاهدٌ، وابنُ جريجٍ، والإمامُ أحمدُ. وزادَ ابنُ جريجٍ، قالَ: إن قعدَ فأحدُهُما عن يمنِيهِ، والآخرُ عن شمالِهِ، وإن مَشَى فأحدُهُما أمامَهُ والآخرُ خلفَهُ، وإن رقدَ فأحدُهُما عندَ رأسه والآخرُ عند رجلیهِ . وعلى هذا، فقد يخلو اليمينُ عن الملكِ إذا مَشى أو رقدَ. وحديثُ أبي أمامةَ فيه أن الذي على الشمالِ هو القرينُ. يريد به: الشيطانَ الموكلُّ بالعبدِ، كما في ((صحيحِ مسلمٍ)) (١) عن ابن مسعود، عن النبيِّ وَّةِ، قالَ: ((ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينُهُ من الجنّ وقرينُهُ من الملائكة)). قالوا: وإياك يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((وإياي، ولكنَّ اللَّه أعانني علیه، فلا یأمرُني إلا بخيرِ)). (١) (١٣٩/٨). ٣٠٢ سـ سورة ق وقد وردَ في حديثٍ خرجهُ الطبرانيُّ(١) من حديثِ أبي مالكِ الأشعريِّ - مرفوعًا -: ((إنَّ القرينَ هو كاتبُ السيئاتٍ)). وإسنادُه شاميٌّ ضعيف ٢ٌ). قالَ اللَّهُ عز وجلَّ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]. ما وقد أجمعَ السَّلْفُ الصَّالِحُ على أنَّ الذي عن يمينه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شماله يكتبُ السيئات، وقد رُويَ ذلكَ مرفوعًا من حديث أبي أمامةَ بإسناد ضعيف(٣). وفي (الصحيحِ)) عن النبيِّ نَّ: ((إذا كانَ أحدُّكُمْ يُصلِّي، فإنه يُناجي ربَّ والملكُ عن يمينه)) (٤) . ورُويَ من حديثٍ حُذيفةَ مرفوعًا: ((إنَّ عن يمينه كاتبُ الحسنات))(٥). واختلفُوا: هل يكتبُ كلَّ ما تكلَّم به، أو لا يكتبُ إلا ما فيه ثوابٌ أو عقابٌ؟ على قولينِ مشهورینٍ. وقال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ: يُكتبُ كلَّ ما تكلمَ به من خيرٍ أو (١) في ((الكبير)) (٢٩٦/٣)، وفي ((مسند الشاميين)) (١٦٧٣)، ولفظه: ((إذا نام ابن آدم، قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان» - الحديث. (٢) ((فتح الباري)) (٣٤٠/٢ - ٣٤١). (٣) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (١٨٥/٨، ١٩١، ٢٤٧)، وفي ((مسند الشاميين)) (٤٦٨)، (٥٢٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٠٤٩)، (٧٠٥٠)، (٧٠٥١). (٤) أخرجه: البخاري (١١٣/١). (٥) أخرجه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/ ٣٦٤). : ٣٠٣ سورة ق شرٌّ حتى إنه ليكتبُ قولَهُ: أكلتُ وشربتُ، وذهبتُ وجئتُ، حتى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه، فأقرَّ منه ما كانَ فيه من خيرٍ أو شرِّ، وألقىَ سائرَهُ، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾(١) [الرعد : ٣٩ ]. وعن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قالَ: ركبَ رجلٌ الحمارَ، فعثرَ بهِ، فقال: تعسَ الحمارُ، فقالَ صاحبُ اليمينِ: ما هيَ حسنةٌ أكتُبُها، وقال صاحبُ الشمال: ما هي سيئةٌ فأكتبها، فأوحَى اللَّه إلى صاحبِ الشمالِ: ما تركَ صاحبُ اليمين من شيء، فاكتبهُ، فأثبتَ في السيئاتِ (تَعِسَ الحمارُ)(٢). وظاهرُ هذا أنَّ ما ليسَ بحسنةٍ، فهو سيئةٌ، وإن كانَ لا يُعاقبُ عليها، فإنَّ بعضَ السيئاتِ قد لا يُعاقبُ عليها، وقد تقعُ مكفَّرةً باجتنابِ الكبائرِ، ولكنّ زمانَها قد خسرهُ صاحبُها حيثُ ذهبتْ باطلاً فيحصلُ له بذلكَ حسرةٌ في القيامةِ وأسفٌ عليه وهو نوعُ عقوبةِ(٣) وروى عليّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قال: يُكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ، حتَّى إِنَّه لِيُكتبُ قولُه: أكلتُ، وشربتُ، وذهبتُ، وجئتُ، ورأيتُ، حتَّى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه فأُفِرُّ منه ما كانَ فيهِ من خيرٍ أو شرّ. (١) ذكره ابن كثير في ((التفسير)) (٣٧٧/٧). (٢) أخرجه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٧٥/١٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٦/٦). (٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٤١/١ - ٣٤٢). ٣٠٤ سورة ق وأُلقيَ سائرُه، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. خرَّجه ابنُ أبي حاتم وغيرُهُ. فهذا يدُلُّ على اختصاصِ يومٍ الخميسِ بعرضِ الأعمالِ لا يوجدُ في غيرِهِ. وكانَ إبراهيمُ النَّخعِيُّ يبكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقولُ: اليومَ تُعرضُ أعمالُنا على اللَّهِ عزَّ وجلَّ. فهذا عرضٌ خاصٌّ في هذين اليومينِ غيرُ العرضِ العامِّ كلَّ يومٍ، فإنَّ ذلكَ عرضٌ دائمٌ كلَّ يومٍ بكرةً وعشيًّا. ويدلُّ على ذلك ما في ((الصحيحين))(١) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ بَّهِ، قالَ: ((يتعاقبُونَ فيكُم ملائكةٌ باللَّيلِ، وملائكةٌ بالنَّهارِ، فيجتمعونَ في صلاةِ الصُّبْحِ، وصلاة العصرِ، فيسألُ الذينَ بأتواُ فِيكُم، وهو أعلمُ: كيفَ تركتُم عبادي؟ فيقولونَ: أتيناهُم وهم يُصُّون، وتركنَاهُم وهم يُصُّون)). وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٢) عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قامَ فينا رسولُ اللَّهِ وَ له بخمسِ كلماتٍ، فقالَ: ((إنَّ اللَّه لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعه، يُرفعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهارِ وعملُ النَّهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُه النُّورُ، لو كشفه لأحرقتْ سُبحاتُ وجههِ ما انتهَى إليه بصرُهُ من خلقهِ». ويُروى عن ابن مسعودٍ، قالَ: إنَّ مقدارَ كُلِّ يومٍ من أيامكم عند ربِّكم ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النَّهارِ اليومَ، فينظرُ فيها ثلاثَ ساعات، وذكر باقيهُ. كان الضحَّكُ ببكِي آخرَ النَّهَارِ، ويقولُ: لا أدري ما رُفعَ من عمِلِي. يا مَن عملُهُ معروضٌ على مَن يعلمُ السِّرَّ وأخفى، لا تُبهرجْ فإنَّ (١) أخرجه: البخاري (١٤٥/١ - ١٤٦)، ومسلم (١١٣/٢). (٢) مسلم (١/ ١١١). ٣٠٥ سورة ق النَّاقدَ بصيرٌ. السُّقمُ على الجِسمِ لهُ تردادُ والعُمرُ مضَى وزلَّتي تزدادُ ما أبعدَ شُقَّتِي وما لي زَادُ ما أكثرَ بهرجي ولي نقَّادُ (١) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لَّلْعَبِيدِ فقوله وَّ فيما يرويه عن ربِّه: ((يا عبادِي إِنِّي حرمتُ الظُّلمَ على نفسِي)»، يعني: أنَّه منعَ نفسَهُ من الظلمِ لعبادِهِ، كمَا قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَأَمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، وقالَ: ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًّا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لَّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةِ﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًّا وَلا H هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، والهضمُ: أن يُنقَصَ من جزاءِ حسناتِهِ، والظُلمُ: أن يُعاقب بذنوبِ غيرِهِ، ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ . ٠٠ وهو مما يدلُّ على أنَّ اللَّهَ قادرٌ على الظلم، ولكنَّهُ لا يفعلُه فضلاً منه وجُودًا، وكرمًا وإحسانًا إلى عبادِهِ. وقد فسرَ كثيرٌ من العلماءِ الظلمَ: بأنه وضعُ الأشياءِ في غيرِ موضِعِهَا. وأمَّا من فسَّرِه بالتَّصرُّفِ فِي ملك الغيرِ بغيرِ إذنِهِ - وقد نقلَ نحوه عن إياسِ ابنِ معاويةَ وغيرِه - فإنهم يقولون: إنَّ الظُّلْمَ مستحيلٌ عليه، وغيرُ متصوَّرٍ في حقِّه، لأن كلَّ ما يفعلُه فهو تصرُّفٌ في ملكه، وبنحو ذلكَ أجابَ أبو الأسودِ (١) ((لطائف المعارف)) (٢٤٤ - ٢٤٥). ٣٠٦ سورة ټ الدؤليُّ لعمران بنِ حصينٍ حين سألهُ عن القدرِ (١). وخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجه من حديثِ أبي سنانِ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن وهبِ بنِ خالدِ الحمصيِّ، عن ابنِ الدَّيلميِّ أنَّه سمعَ أُبيَّ بنَ كعبٍ يقولُ: لو أنَّ اللَّهَ عذَّب أهلَ سماواتِهِ وأهلَ أرضهِ؛ لعذَّبُهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهُم، ولو رحمهُم، لكانتْ رحمتُهُ خيرًا لهم من أعمالِهِم. وأنه أتى ابنَ مسعودٍ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ، ثم أتى زيد بن ثابت، فحدَّثْه عن النبيِّ وَّهِ بمثل ذلك (٢). وفي هذا الحديثِ نظرٌ، ووهبُ بنُ خالدٍ ليسَ بذاكَ المشهورِ بالعلمِ، وقد يُحملُ على أنَّه لو أرادَ تعذيبَهُمْ لقدَّرَ لهم ما يعذّبُهم عليهِ، فيكونُ غيرَ ظالمٍ لهُم حينئذٍ. وكونه خلق أفعال العبادِ وفيها الظلمُ لا يقتضِي وصفَه بالظُّلمِ سبحانه وتعالى، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائرِ القبائحِ التي يفعلُها العبادُ، وهي خلقُه وتقريرُهُ، فإنَّه لا يُوصفُ إلا بأفعاله لا يُوصفُ بأفعالِ عبادِهِ، فإنَّ أفعالَ عبادِهِ مخلوقاتُهُ ومفعولاتُه، وهو لا يُوصفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قامَ بهِ من صفاتِهِ وأفعالِهِ، واللهُ أعلم (٣) . قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ٣٢ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُِّبٍ﴾ قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ (١) كما في ((صحيح مسلم)) (٤٨/٨ - ٤٩). (٢) أخرجه: أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧). (٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٧/٢ - ٩). ٣٠٧ سورة ق لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٠)﴾، مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُِّبٍ﴾ [ ق:٣٢، وُفُسِّرَ (الحفيظُ)) ههُنا بالحافظ لأوامرِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بالحافظِ لذنوبهِ حتّى يرجعَ عنها، وكلاهُما يدخلُ في الآية. ومن حفظَ وصية الله لعباده وامتثَلَهَا فهوَ داخلٌ أيضًا، والكلُّ يرجعُ إلى معنى واحدٍ. وقد وردَ في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ في الجنةِ، ((أن اللَّهَ تعالَى يقولُ الأهلِ الجنةِ، إذا استدعاهُم إلى زيارتِهِ وكشفَ لهم الحجَب: ((مرحبًا بعبادي الذين حفظُوا وصيَّي، ورعَوا عهدِي، وخافوني بالغيبِ، وكانُوا منِّي على كلِّ حال مشفقین)). فأمرُهُ وََّ لابنِ عباسٍ أن يحفظَ اللَّهَ، يدخلُ فيهِ هذا كلُّه. ومن أعظمٍ ما يجبُ حفظُه من المأمورات الصلواتُ الخمسُ. قالَ اللَّه [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىْ صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. وقال النبيُّ نَّ: ((من حافظَ عليها كانَ له عندَ اللَّه عهدًا أن يدخلَهُ الجنةَ)(١). الحدیث . وفي حديث آخرَ: ((من حافظَ عليهنَّ كنَّ له نوراً وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامة))(٢) . الحديث. (١) أخرجه: مالك ((الموطأ)) (٩٦)، وأحمد في ((المسند)) (٣١٥/٥، ٣١٩)، وأبو داود (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٤٠١) عن عبادة بن الصامت فيه . (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٦٩/٢)، والدارمي (٢٧٢٤) عن عبد الله بن عمرو. ٣٠٨ سورة ق وكذلكَ الطهارةُ، فإنها مفتاحُ الصلاة، وقالَ النبيُّ وَلَه: ((لا يحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ)(١) . ومما أمرَ اللَّهُ بحفظه الأيمانُ، لما ذكرَ كفارةَ اليمينِ قالَ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن الأيمانَ كثيرًا ما تقعُ من الناسِ وموجباتها مختلفةٌ. فتارة يجبُ فيها كفارةُ يمين، وتارةً يجبُ بها كفارةٌ مغلظةٌ، وتارةً يلزمُ بها المحلوفُ عليهِ من طلاقٍ ونحوِهِ. فمن حفظَ أيمانَهُ دلَّ على دخولِ الإيمانِ في قلبِهِ . وكانَ السلفُ كثيرًا يحافظونَ على الأيمانِ. فمنهم من كانَ لا يحلفُ بالله البتة، ومنهم من كانَ يتورعُ حتى يكفرَ فيما شكَّ فيه من الحنثِ. ووصى الإمامُ أحمدُ رحمه اللَّه عند موتِهِ أن يخرجَ عنه كفارةُ يمينٍ. وقال: أظنُّ أَنِّي حنثتُ في يمينٍ حلفتُها . وقد رُويَ عن أيوبَ عليه السلامُ أنه كان إذا مرَّ باثنينِ يحلفان باللَّهِ ذهب فكفرَ عنهُما، لئلا يأثمانِ وهما لا يشعرانِ. ولهذا لما حلفَ على ضرب امرأته مائةَ جلدة، أفتاهُ اللَّهُ بالرخصة لحفظه ٠٠ الأيمانه وأيمان غيره. وقد اختلف العلماءُ: هل تتعدَّى الرخصةُ إلى غيرِهِ أم لا؟ وقال يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ: بلغَنِي أنَّ من حملةِ العرشِ من يسيلُ من عينيهِ أمثالُ الأنهارِ من البكاءِ، فإذا رفعَ رأسَهُ قالَ: سبحانكَ ما تُخشَى حقَّ خشيتكَ، فيقولُ اللَّهُ تعالى: لكنَّ الذينَ يحلفونَ باسمي كاذبينَ لا (١) أخرجه: أحمد في («المسند» (٢٧٦/٥، ٢٨٢)، وابن ماجه (٢٧٧) من حديث ثوبان خِ شه. ٣٠٩ سورة ق يعلمونَ ذلكَ . وقد وردَ التشديدُ العظيمُ في الحلفِ الكاذبِ باللَّهِ، ولا تصدرُ كثرةُ الحلف باللّهِ إلا من الجهلِ باللَّهِ تعالَى، وقلةِ هيبتهِ في الصدورِ . ومما يلزمُ المؤمن حفظَهُ رأسهُ وبطنَهُ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ فُِّه المرفوع: ((الاستحياءُ من اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن يحفظَ الرأسَ وما وعَى، ويحفظَ البطنَ وما حوَى))(١) . خرجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ. وحفظُ البطنِ وما حَوَى: يتضمُن حفظَ القلبِ عن الإصرارِ على محرمٍ. وقد جمَعَ اللَّهُ ذلكَ كلَّه في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ويدخلُ في حفظِ البطنِ وما حَوى: حفظُه من إدخالِ الحرامِ إليهِ من المأكولات والمشروباتِ . ومما يجبُ حفظُه من المنهياتِ: حفظُ اللسانِ والفرجِ. وفي حديث أبي هريرةَ خِ ثُه: ((من حفظ ما بين لحيبه وما بينَ رجليهِ دخلَ الجنةَ)). خرجه الحاكم(٢). وخرجه البخاريُّ من حديثِ سهلٍ بنِ سعدٍ ◌ِّه عن النبيِّ ◌َّ ولفظه: ((من يضمنُ لي ما بينَ لحييهِ ورجليهِ، أضمنُ له الجنةَ)). وفي ((مسند الإمام أحمد))(٣) عن أبي موسى عن النبيِّوَّلَهِ قالَ: ((من حفظَ ما بین فقمیه وفرجیه دخل الجنة)). (١) أخرجه: أحمد في «المسند» (٣٨٧/١)، والترمذي (٢٤٥٨). (٢) أخرجه: أحمد في (المسند)) (٣٦٢/٥)، والترمذي (٢٤٠٩)، والحاكم (٣٥٧/٤). (٣) ((المسند)) (٣٩٨/٤). ٣١٠ سورة ق وقد أمرَ اللَّهُ بحفظِ الفرجِ خاصةً ومدحَ الحافظين له قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ ◌ْ إِلَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون: ٥، ٦]. وقد روى عن أبي إدريس الخولاني أن أول ما وصَّى اللَّهُ آدمَ عندَ إهباطه إلى الأرضِ بحفظِ فرجِهِ، وأن لا يضعَهُ إلا في حلال(١). وقوله وَله: ((يحفظكَ)) يعني: أنَّ من حفظَ حدودَ اللَّهِ، وراعَى حقوقَه، حفظَهُ اللَّهُ، فإنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، كمَا قالَ تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوف بعَهْدكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكَرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [ محمد: ٧]. وحفظُ اللَّهِ لعبدِهِ يدخلُ فيه نوعانِ : أحدُهما: حفظُه له في مصالحٍ دنياهُ، كحفظِهِ في بدنِهِ وولدِهِ وأهله وماله، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَهُ مُعَقِبَاتٌ مِّنْ بَيْنٍ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابنُ عباسٍ: هم الملائكةُ يحفظونَهُ بأمرِ اللَّهِ فإذَا جاءَ القدرُ خلَّوا عنهُ. وقال عليٌّ ◌ِثُه: إنَّ مع كلِّ رجلٍ ملكينِ يحفظانِهِ مما لم يقدَّر فإذا جاءَ القدرُ خلَّيا بينهُ وبينهُ، وإنَّ الأجل جُنّةٌ حصينةٌ. (١) (الاقتباس)) (ص ٢٤ - ٢٧). ٣١١ سورة ق وقال مجاهدٌ: ما من عبد إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظته من الجنّ والإنسِ والهوامٌّ، فما من شيءٍ يأتيهِ إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا أذنَ اللَّهُ فيه و و فیصیبه. وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(١) من حديثِ ابنِ عمرَ، قَالَ: لم يكنْ رسولُ اللّهِ وَهِ يدِعُ هؤلاءِ الدَّعواتِ حين يُمسي وحين يُصبحُ: ((اللهمّ إني أسألُكَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إني أسألك العفو والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأهلِي ومالِي، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقِي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغتَالَ من تحتِي)). ومَن حفظَ اللَّهَ في صباهُ وقوّتِه، حفظَهُ اللَّهُ في حالِ كبرِهِ وضعفِ قوّته، ومتَّعهُ بسمعِهِ وبصرِهِ وحوله وقوَّتَه وعقله. كان بعضُ العلماءِ قد جاوزَ المئةَ سنةٍ وهو ممتَّعٌ بقوَّتَه وعقلِهِ، فوثب يومًا وثبةً شديدةً، فعُوتبَ في ذلكَ، فقالَ: هذه جوارحُ حفظناها عن المعاصِي في الصِّغْرِ، فحفظَهَا اللَّهُ علينا في الكبرِ . وعكسُ هذا: أنَّ بعضَ السلف رأى شيخًا يسألُ الناسَ، فقالَ: إِنَّ هذا ضيَّعِ اللَّهَ في صغرِهِ، فضيَّعهُ اللَّهُ في كبرِهِ. وقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ بعدَ موتِهِ في ذريَّته، كَما قِيل في قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: ٨٢]: إنَّهما حُفُظا بصلاحٍ أبيهما . قال سعيدُ بن المسيب لابنِهِ: لأزيدنَّ في صلاتِي مِن أجلكَ، رجاءَ أن (١) أخرجه: أحمد في «المسند)) (٢/ ٥٢)، وأبو داود (٥٠٧٤)، والنسائي (٢٨٢/٨). ٣١٢ سورة ق أُحفظَ فيكَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما منْ مؤمنٍ يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ في عقبِهِ وعقبِ عقبِهِ . وقال ابنُ المنكدرِ: إنَّ اللَّهَ ليحفظُ بالرجلِ الصالحِ ولدَه وولدَ ولده والدويراتِ التي حولَهُ، فما يزالونَ في حفظٍ من اللَّهِ وسترٍ . ومتى كانَ العبدُ مشتغلاً بطاعة اللَّه، فإنَّ اللَّهَ يحفظُهُ في تلكَ الحالِ، وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ) عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((كانتِ امرأةٌ في بيتٍ، فخرجتْ في سريّة من المسلمينَ، وتركتْ ثنتي عشرة عنزًاً وصيصيتها كانتْ تنسجُ بِهَا، قالَ: ففقدتْ عنزًا لها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ إنَّكَ قد ضَمنتَ لمنْ خرجَ في سبيلكَ أن تحفظَ عليهِ، وإِنِّي قد فَقدتُ عنزاً من غنمِي وصيصيتِي، وإِنِّي أَنشُدُكَ عنزِي وصيصيتي)). قالَ: وجعلَ رسولُ اللَّهِ وَ لَه يذكر شدَّةً مناشدتهَا رَبَّها تباركَ وتعالَى، قالَ رسولُ اللَّهِ بِالّ: ((فأصبحتْ عنزُها ومثلُها، وصيصيتُها ومثلُها))(١). والصيصيةُ: هي الصِّنَّارةُ التي يُغزلُ بها ويُنسجُ. فمن حفظَ اللَّهَ حفظهُ اللَّهُ من كلِّ أذى. قال بعضُ السلفِ: من اتقى اللَّهَ، فقد حفظَ نفسَهُ، ومن ضيَّع تقواهُ، فقد ضيَّع نفسَهُ، واللَّهُ الغنيُّ عنهُ. ومن عجيب حفظِ اللَّه لمن حفظَهُ أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةِ بالطبعِ حافظةً له من الأذَى، كما جرى لسفينةَ مولَى النبيِّ وَلّ حيث كُسرَ به المركبُ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسدَ، فجعلَ يمشي معهُ حتَّى دلَّه على الطريقِ، فلمَّا أوقفَهُ عليها، جعلَ يُهمهِمُ كأنَّه يُودِّعُهُ، ثم رجعَ عنه(٢). (١) أخرجه: أحمد في («المسند» (٦٧/٥). (٢) أخرجه: الحاكم (٦٠٦/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٧/ ٨٠ - ٨١). ٣١٣ سورة ق ورُوي أنَّ إبراهيمَ بنَ أدهم كانَ نائمًا في بستانٍ وعنده حيَّةٌ في فمها طاقةٌ نرجسٍ، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ. وعكسُ هذا، أن من ضيعَ اللَّه، ضيَّعهُ اللَّهُ، فضاع بين خلقهِ حتى يدخلَ عليه الضررُ والأذى ممنَ كانَ يرجُو نفعَهُ من أهلِهِ وغيرِهم، كما قالَ بعضُ السلفِ: إني لأعصِي اللَّهَ، فأعرِفُ ذلكَ في خُلُقِ خادمِي ودابتي. النوعُ الثاني من الحفظ: وهو أشرفُ النوعينِ: حفظُ اللَّهِ للعبدِ في دينِهِ وإيمانهِ، فيحفظُه في حياتِه من الشبهاتِ المُضِلَّةِ، ومن الشهواتِ المحرّمةِ، ويحفظُ عليه دينه عند موتِهِ، فيتوفّاه على الإيمان. قال بعض السلف: إذا حضرَ الرجلُ الموتَ يقالُ للملكِ: شمَّ رأسَهُ، قالَ: أجدُ في رأسِهِ القرآنَ، قالَ: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبهِ الصيامَ، قال: شمّ قدميهِ، قالَ: أجد في قدميه القيامَ، قالَ: حفظَ نفسَه، فحفظهُ اللَّهُ. وفي ((الصحيحينِ))(١) عن البراء بن عازبٍ عن النبيِّ وَّ أنه أمرَهُ أن يقولَ عندَ منامِهِ: ((إن قبضتَ نفسي، فارحمْهَا، وإنْ أرسلتَها، فاحفظها بما تحفظُ به عبادَك ٠ الصالحين)). وفي حديث عمرَ أنَّ النبيَّ نَّهِ عَلَّمَهُ أن يقولَ: ((اللَّهمَّ احفظِنِي بالإسلامِ قائمًا، واحفظِنِي بالإسلامِ قاعِدًا، واحفظنِي بالإسلامِ راقِدً، ولا تُطعْ فيَّ عدوًّا ولا حاسدًا)). خرّجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٢). وكان النبيُّ نَّه يودِّع من أرادَ سفراً، فيقولُ: ((أستودعُ اللَّه دينكَ وأمانتَكَ (١) أخرجه: البخاري (٧٨/٨)، ومسلم (٧٩/٨) من حديث أبي هريرة وشه وليس من حديث البراء، أما حديث البراء، فهو بلفظ آخر، أخرجه: البخاري (٧١/١)، ومسلم (/٧٧٨). (٢) أخرجه: ابن حبان (٩٣٤). ٣١٤ سورة ق ءِ وخواتيمَ عملك))(١)، وكان يقولُ: ((إن اللَّهَ إذَا استُودعَ شيئًا حفظهُ)). خرّجهُ النسائيّ وغيرُه(٢). وفي الجملةِ، فإنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يحفظُ على المؤمنِ الحافظِ لحدودِ دینِهِ، ويحُولُ بينه وبين ما يُفسدُ عليه دينَه بأنواعٍ منَ الحفظ، وقد لا يشعرُ العبدُ ببعضها، وقد يكونُ كارِهًا له، كما قالَ في حقِّ يوسُفُ عليه السلام: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: ٢٤]. قال ابنُ عباسٍ في قوله تعالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: يحولُ بين المؤمنِ وبين المعصيةِ التي تجرهُ إلى النارِ. وقال الحسنُ - وذكرَ أهلَ المعاصِي -: هانُوا عليهِ، فعَصوْه، ولو عزُّوا عليه رو لعصمھُم. وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّ العبدَ ليهمَّ بالأمرِ من التجارةِ والإمارةِ حتى يُسر لهُ، فينظرُ اللَّهُ إليه فيقولُ للملائكة: اصرفوه عنهُ، فإنهُ إن يسرتُهُ له أدخلتُه النارَ، فيصرفه اللَّهُ عنهُ، فيظلُّ يتطيَّرُ يقولُ: سبقني فلانٌ دهانِي فلانٌ، وما هو إلا فضلُ اللهِ عزَّ وجلَّ. وخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ بََّ: ((يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: إن من عبادِي من لا يُصلحُ إِيمانَهُ إلا الفقرُ، وإن بسطتُ عليه أفسدَهُ ذلكَ، وإن من عبادي من لا يصلحُ إيمانَه إلا الغنى، ولو أفقرتُه، لأفسدَهُ ذلكَ، وإنّ من عبادي من لا يصلحُ إيمانَهُ إلا الصِّحَّةُ، ولو أسقمتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادِي مَن لا يصلحُ إيمانُه إلا السقمُ، ولو (١) أخرجه: الترمذي (٣٤٤٢)، (٣٤٤٣)، وابن ماجه (٢٨٢٦)، وأحمد (٧/٢، ٢٥، ٣٨، ١٣٦، ٣٥٨)، والحاكم (٩٧/٢). (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢/ ٨٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة)) (٥٢٠). ٣١٥ سورة ق أصححتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادي من يطلبُ بابًا من العبادة فأكُفُّه عنهُ، لكيلا يدخلهُ العُجبُ، إني أدبرُ عبادِي بعلمِي بما في قلوبِهِم، إنِّي عليمٌ خبير))(١).(٢). قوله تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال الفضيلُ في قولِهِ تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣] قال: ((هو الرجلُ يذكرُ ذنوبَهُ في الخلاءِ فيستغفرُ اللَّهَ منهَا))(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسََّا مِنْ لُغُوبٍ﴾ وقال الحكمُ: سُئِل أبو مجلز عن الرجلِ يضعُ إحْدَى رجليهِ على الأُخْرَى؟ فقالَ: لا بأسَ بِهِ، إنَّما هذا شيءٌ قالهُ اليهودُ: إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلقَ السماوات والأرضَ استراحَ، فجلسَ هذه الجلسةَ، فأنزلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. خرَّجه أبو جعفر ابنُ أبي شيبةَ في ((تاريخِهِ))(٤). وقد ذكرَ غيرُ واحدٍ من التابعينَ: أنَّ هذه الآيةَ نزلت بسببٍ قولِ اليهود: إِنَّ اللَّهَ خلق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم استراحَ في اليومِ السابعِ، منهُم: عكرمةُ وقتادةٌ. (١) أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/٨ -٣١٩)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص١٢١)، والطبراني في «الأوسط)) (٩٣٥٢) مختصرًا. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٨٧/١ - ٤٩٤). (٣) ((شرح حديث شداد بن أوس)) (٦٨). (٤) وكذا أبو بكر بن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٨/٥). ٣١٦ سورة ق فهذا كلامُ أئمةِ السلفِ في إنكارِ ذلكَ ونسبتهِ إلى اليهودِ، وهذا يدلُّ على أنَّ الحديثَ المرفوعَ المرويُّ في ذلكَ لا أصلَ لرفعِهِ، وإنما هو متلقى عن اليهودِ، ومَن قالَ: إنَّه على شرطِ الشيخينِ فقدْ أخطأً . وهو من روايةِ محمدِ بنِ فُليح بنِ سليمانَ، عن أبيهِ، عن سعيدِ بنِ الحارثِ، عن عُبيدِ بنِ حُنين: سمعَ قتادةَ بنَ النعمانِ يحدثُهُ، عن النبيِّ ◌َِّ - بمعنى قولِ أبي مُجلز. وفي آخرِهِ: وقالَ عزَّ وجلَّ: ((إنها لا تصلحُ لبشر)). وعُبيد بنُ حُنين، قيلَ: إنه لمْ يسمعْ من قتادةَ بنِ النعمانِ -: قالَهُ البيهقيُّ(١) . وفُليحٌ، وإن خرَّج له البخاريُّ فقد سبقَ كلامُ أئمةِ الحفاظِ في تضعيفِهِ، وكان يحيى بنُ سعيدِ يقشعِرُّ من أحاديثِهِ، وقال أبو زُرعةَ - فيما رواه عنه سعيد البرذعيُّ -: فُلِيحٌ واهي الحديثِ، وابنُهُ محمدٌ واهي الحديثِ . ولو كان النبيَّ وَّ يروي عن ربِّه أنه قالَ: ((إنها لا تصلحُ لبشرٍ)) لم يفعله رسول اللَّه وَّة، ولو كان قد انتسخ فِعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلمُ أصحابه به، وأتبعهم لهديه وسنته. وقد رُوي عن قتادة بنِ النعمانِ من وجهٍ آخر منقطعٍ، من روايةٍ سالمٍ أبي النضر، عن قتادةَ بنِ النعمانِ - ولم يدركْهُ -، أنه رَوَى عن النبي ◌َِّ، أنه نهى عن ذلكَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢). وهذا محتملٌ، كما رواه عنه جابرٌ وغيرُه. فأما هذه الطَّامةُ، فلا تحتملُ أصلاً . (١) (الأسماء والصفات)) (ص ٣٥٦). (٢) ((المسند)» (٤٢/٣). ٣١٧ سورة ق وقد قيلَ: إن هذا مما اشتبهَ على بعضِ الرواةٍ فيه ما قالَهُ بعضُ اليهود، فظنه مرفوعًا فرفَعَهُ، وقد وَقَعَ مثلُ هذا لغيرِ واحدٍ من متقدمِي الرواةِ، وأُنكرَ ذلك عليهِم، وأنكرَ الزبيرُ على من سَمِعَهُ يحدثُ عن النبيِّوَجَِّ، وقالَ: إنَّما حكاه النبي ◌َّ عن بعضِ أهلِ الكتابِ. فرَوَىَ مسلمُ بنُ الحجاجِ في ((كتابِ التفصيلٍ)) والبيهقيَّ في ((المدخلِ))(١) من روايةِ ابنِ أبي الزِّناد، عن هشامٍ بن عُروةَ، عن عبدِ اللَّهِ عُروةَ، عن عُروةَ، أن الزبيرَ سمع رجلاً يحدثُ حديثًا عن النبيِّ وَِّ، فاستمعَ الزبيرُ له، حتَّى إذا قَضَى الرجلُ حديثَه قال لهُ الزبيرُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ وَّ؟ قال الرجلُ: نعم. فقالَ الزبيرُ: هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نحدثَ عن رسول اللّهِ وََّ، قد - لعمرِي - سمعتُ هذا من رسولِ اللَّهِ وَّهِ وأنا يومئذٍ حاضرٌ، ولكنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَّ ابتدأَ هذا الحديثَ، فحدثناهُ عن رجلٍ من أهلِ الكتابِ حدَّثْه إياه، فجئتَ أنتَ بعد أن تقضَّى صدرُ الحديثِ وذكرُ الرجلِ الذي من أهلِ الكتابِ، فظننتَ أنه من حديث رسول اللَّه وَداخله. وروى مسلمٌ - أيضًا - في ((كتابِ التفصيلٍ))(٢) بإسنادٍ صحيحٍ، عن بُکیرِ ابنِ الأشَجِ، قالَ: قال لنا بُسر بنُ سعيد: أيها الناسُ، اتقوا اللَّه، وتحفظُوا في الحديثِ، فواللّهِ لقد رأيتُنَا نجالسُ أبا هريرةَ، فيحدثنا عن رسول اللَّهِ وَلَّه ويحدثُنا عن كعبٍ، ثم يقومُ، فأسمعُ بعضَ من كانَ معنا يجعلُ حديثَ رسول اللّهِ وَّهِ عن كعب، ويجعل حديثَ كعب عن رسولِ اللَّهِ وَخله. (١) و((الأسماء والصفات)) (ص ٣٥٧). (٢) وكذا في ((التمييز)) (ص ١٧٥). ٣١٨ سورة ق ولو ذكرنا الأحاديثَ المرفوعةَ التي أُعلَّبْ بأنها موقوفة: إمَّ على عبد اللَّه ابن سلام، أو على كعبٍ، واشتبهت على بعضِ الرواةِ فرفَعَها، لطالَ الأمرُ(١). (١) «فتح الباري)) (٥٧٥/٢ - ٥٧٧). ٣١٩ سُورَةُ الدَّارِيَاتِ و رُ .. قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ وقال سفيانُ الثوريُّ: قرأ واصِلٌ الأحدبُ هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فقالَ: ألا إنَّ رزقي في السماءِ وأنا أطلبُه في الأرضِ؟ فدخل خَربةً، فمكث ثلاثًا لا يُصيب شيئًا، فلمَّا كان اليومُ الرابعُ، إذ هو بدوخَلَّةٍ من رُطَبٍ، وكانَ له أخٌ أحسن نيةً منه، فدخلَ معه فصارتًا دوخَلَّتَيْنِ، فلم يزلْ ذلك دأبُهما حتَّى فرَّق الموتُ بينهما(١). قوله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لَيَعْبَدُون إن اللَّهَ تعالى خلقَ الخلقَ وأوجدَهُم لعبادَتِهِ الجامعةِ لخشيتهِ ورجائه ومحبته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنَّما يُعبدُ اللَّهُ سبحانه بعد العلمِ به ومعرفتهِ، فبذلكَ خلقَ السمواتِ والأرضَ وما فيهما للاستدلال بهمَا على توحيده وعظمته كما قالَ تعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ ٠٠ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقد عُلِمَ أنَّ العبادةَ إنما تُبنى على ثلاثةِ أصولٍ: الخوفِ، والرجاءِ، (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٥٦١). ٣٢٠ سورة الذاريات والمحبة. وكلٌّ منهما فرضٌ لازِمٌ، والجمعُ بين الثلاثة حتمٌ واجبٌ، فلهذا كانَ السلفُ يذمونَ من تعبَّدَ بواحدٍ منها وأهملَ الآخَرَينِ، فإنَّ بدعَ الخوارجِ ومن أشبهَهُم إنما حدثتْ من التشديدِ في الخوفِ والإعراضِ عن المحبةِ والرجاءِ، وبدعُ المرجئةِ نشأتْ من التعلقِ بالرجاءِ وحدَهُ والإعراض عن الخوفِ، وبدعُ كثيرٍ من أهلِ الإباحةِ والحلولِ ممن يُنسبُ إلى التعبدِ نشأتْ من إفرادِ المحبةِ والإعراضِ عن الخوفِ والرجاءِ. وقد كثُرَ في المتأخرينَ المنتسبينَ إلى السلوكِ تجريدُ الكلامِ في المحبةِ وتوسيعُ القول فيها بما لا يُساوي على الحقيقةِ مثقالَ حبةٍ، إذ هو عارٍ عن الاستدلالِ بالكتابِ والسنةِ، وخالٍ من ذكرِ كلامٍ مَنْ سلفَ من سلفِ الأمةِ وأعيانِ الأئمة، وإنَّما هو مجردُ دعاوى، قد تُشرِفُ بأصحابِهَا على مَهَاوِي، وربما استشهدُوا بأشعارِ عشاقِ الصورِ، وفي ذلكَ ما فيه من عظيمِ الخطرِ، وقد يحكونَ حكاياتِ العشاقِ، ويشيرونَ إلى التأدبِ بما سلكُوه من الآدابِ والأخلاق، وكلُّ هذا ضررُه عظيمٌ، وخطرُهُ جسيمٌ، وقد يُكثِر ذكرَ المحبةِ، ويعيدُها ويبديها مَنْ هو بعيدٌ عن التلبسِ بمقدماتِها ومبادِيها، وما أحسنَ قولَ ذي النونِ رحمه اللَّهُ تعالى وقد ذُكِرَ عنده الكلامُ في المحبةِ فقال: ((اسكُتُوا عن هذه المسألة لا تسمعُهَا النفوسُ فتدَّعيها))، فإنَّ النفوسَ ممتلئةٌ من الكبرِ والفخرِ والغرورِ، ((والمتشبعُ بما لم يُعطَ كلابسِ ثوبي زور))(١)، وكثيرٌ ما تقترنُ دعوى المحبةِ بالشطحِ والإدلالِ وما ينافي العبوديةَ من الأقوال والأفعال(٢). (١) البخاري (٤٤/٧ - ٤٥)، ومسلم (١٦٩/٦) من حديث أسماء فر قتها. (٢) ((استنشاق نسيم الأنس)) (ص ٢٥ - ٢٧).