Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة لقمان
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيَنَزّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسبُ غَدًّا
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
وأما قولُ جبريلَ: ((أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ
السائل)».
فمعناه: أن الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ، وكلُّهم غيرُ عالمينَ به على
الحقيقة .
ولهذا قال: ((خمسٌ لا يعلمُهنَّ إلا اللَّهُ)، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
الآية [لقمان: ٣٤].
وهذه مفاتيحُ الغيبِ، الذي لا يعلمُها إلا اللَّهُ.
وقد جاءَ عن ابنِ مسعودٍ: ((أن نبيّنا أوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ سوى هذه الخمسِ)).
ورُوي ذلك مرفوعًا من حديثِ ابنِ عمرَ.
وكلاهما في ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(١).
وذُكرَ عندَ عَمرِو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهورهِ، فأنكرهُ
بعضُ مَن حضرَهَ، فقال عَمرُو: إنّمَا الغيبُ خمسٌ، ثم تلا هذه الآيةَ. قال:
وما سوى ذلك يعلمُه قومٌ ويجهلُه قومٌ.
خرجه حميدُ بنُ زنجویهِ .
وقد زعمَ بعضُهم كالقرطبيِّ، أن هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوقٍ إلى علمٍ بها
(١) ((المسند)) (٣٨٦/١، ٤٣٨، ٤٤٥) من حديث ابن مسعود، (٢٤/٢، ٢٥) من حديث ابن عمر.

٨٢
سورة لقمان
قاطعٍ، وأما الظنَّ بشيءٍ منها بأمارة قد يخطئُ ويصيبُ، فليسَ ذلكَ بممتنعٍ،
ولا نفيه مراد من هذه النصوص(١) .
(١) ((الفتح)) (١٩٦/١، ١٩٧).

سُورَةُ السَّجْدَةَ
قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴿٧]؛ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾
سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهینِ
وقولُه تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴿٣َ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّنِ مَّاءٍ
مَّهِينٍ ﴿لَيْهِ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ -٩]، والمرادُ بالإنسانِ: آدمُ -
عليه السلامُ -، ومعلومٌ أنَّ تسويتَهُ، ونفخَ الرُّوحِ فيهِ، كان قبلَ جعلِ نسِلِهِ من
سُلالةِ من ماءِ مهينٍ، لكنْ لما كانَ المقصودُ ذكرَ قدرةِ اللَّهِ عزَّ وجلّ في مبدأ
خلقِ آدمَ وخلقِ نسِلِهِ، عطفَ ذكرَ أحدهما على الآخرِ، وأخَّر ذكرَ تسويةِ آدمَ
ونفخ الرُّوحِ فيه، وإن كانَ ذلك متوسطًا بين خلقِ آدمَ من طينٍ وبينَ خلقِ
نسلِهِ. واللهُ أعلمُ (١).
قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبِّهَم
5 18 0/90
خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِيَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
عنْ مُعاذ ◌ِنَُّ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللّه، أخبرِنِي بعملٍ يُدخلُنِي الجنَّةَ
ويُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ١٥١).

٨٤
سورة السجدة
قالَ: ((لقدْ سألتَ عنْ عظيم، وإنَّهُ ليسيرٌ على من يسرهُ اللَّه عليه: تعبدُ اللَّه لا تُشركُ
بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتِي الزَّكَاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ)).
ثُمَّ قالَ: ((ألا أدُلكَ على أبواب الخير؟ الصَّومُ جنَّةٌ، والصدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما
يُطفئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جوفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]).
ثم قال: «ألا أُخبرُكَ برأسِ الأمرِ وعمودِهِ وذروةِ سنامِهِ؟)).
قُلتُ: بلى يا رسولَ اللَّه.
قال: ((رأسُ الأمر: الإسلامُ، وعمودُهُ: الصلاةُ، وذروةُ سنامه: الجهادُ)).
ثُمَّ قالَ: ((ألا أُخبركَ بملاك ذلكَ كُلِّه؟)).
قُلتُ: بلى يا رسولَ اللَّه.
فأخذَ بلسانهِ، قالَ: ((كُفَّ عليكَ هذَا)).
قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّه، وَإِنَّا لمؤاخذُونَ بما نتكلّمُ بِهِ؟.
فقال: ((ثكلتكَ أُمُّكَ، وهل يكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وجوهِهِم، - أو على
مناخرهِم -، إلا حصائد ألسنتهم)).
رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
هذا الحديثُ، خرّجه: الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه(١)،
من روايةِ معمرٍ، عن عاصمٍ بنِ أبي النجودِ، عن أبي وائلٍ، عن مُعاذِ بنِ
جبلٍ، وقالَ الترمذيُّ: ((حسنٌ صحيحٌ)).
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٣٧/٥، ٢٣٣)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).

٨٥
سورة السجدة
وفيما قالهُ - رحمه اللَّهُ - نظرٌ من وجهينِ :
أحدهما: أنَّه لم يثبتْ سماعُ أبي وائلٍ من معاذٍ، وإن كان قد أدركهُ بالسِّنِّ،
وكانَ معاذٌ بالشَّام، وأبو وائلٍ بالكوفةِ، وما زالَ الأئمةُ - كأحمدَ وغيرِه -
يستدلُّون على انتفاءِ السّماعِ بمثلِ هذا، وقد قال أبو حاتمِ الرازىُّ في سماعٍ أبي
وائلٍ من أبي الدرداءِ: قد أدركهُ، وكان بالكُوفة، وأبو الدُّردَاءِ بالشامِ - يعني:
أنه لم يصحَّ له سماعٌ منهُ. وقد حكَى أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ عن قومِ أنَّهم توقَّفُوا
في سماعٍ أبي وائل من عمرَ، أو نفوه، فسماعُه من معاذ أبعدُ.
والثاني: أنَّه قد رواهُ حمَّادُ بنُ سلمةَ عن عاصمٍ بنِ أبي النَّجودِ عن شهرِ
ابن حوشب عن معاذ، خرَّجه الإمامُ أحمدُ مختصرًا، قال الدار قطني:
وهو أشبهُ بالصَّوابِ؛ لأنَّ الحديثَ معروفٌ من رواية شهرٍ على اختلافٍ عليه
فيه .
قلت: ورواية شهرٍ عن معاذ مرسلةٌ يقينًا، وشهرٌ مختلفٌ في توثيقهِ
وتضعيفه. وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةِ شهرٍ عن عبد الرحمنِ بن غنمٍ
عن معاذ. وخرَّجه الإمامُ أحمدَ - أيضًا - من روايةٍ عُروة بن النزال - أو النزال
ابنِ عروةَ -، وميمونِ بنِ أبي شبيبٍ، كلاهما: عن معاذٍ. ولم يسمع عروةُ
ولا ميمونُ من معاذٍ. وله طرقٌ أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفةٌ.
وقولُه: ((ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفَا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {[٢١]، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[السجدة: ١٦ - ١٧]، يعني: أن النبيَّ ◌ََّلَّ تلا هاتينِ الآيتينِ عندَ ذكرِه فضلَ صلاة
ے
الليلِ، ليبيِّنَ بذلكَ فضلَ صلاةِ الليلِ .

٨٦
سورة السجدة
وقد رُويَ عن أنسِ أنَّ هذه الآيَةَ نزلتْ في انتظارِ صلاة العشاء، خرّجه
الترمذيُّ وصححه(١)، ورُويَ عنه أنه قالَ في هذه الآيةِ: كانُوا يستنفلونَ بينَ
المغرب والعشاء. خرَّجه أبو داودً(٢). ورويَ نحوُهُ عن بلال، خرَّجِه البزارُ
بإسناد ضعيف(٣).
وكلَّ هذا يدخلُ في عمومٍ لفظِ الآيةِ، فإنَّ اللَّهَ مدحَ الذين تتجافى جنوبُهم
عن المضاجعِ لدعائهِ، فيشملُ ذلكَ كلَّ من تركَ النَّومَ بالليلِ لذكرِ اللَّهِ ودعائهِ،
فيدخلُ فيه مَن صلَّى بينَ العشاءينِ، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم ينَمُ حتَّى
يُصلِّيَهَا، لاسيَّما مع حاجتِهِ إلى النومِ ومجاهدةِ نفسِهِ على تركهِ لأداءِ
الفريضةِ، وقد قالَ النبيُّ نَّه لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاءِ: ((إِنَّكم لن تزالوا في صلاة
ء
ما انتظرتُمُ الصَّلاةَ)(٤) .
ويدخلُ فيه من نامَ ثمَّ قامَ مِن نومه باللَّيْلِ للتهجُّد، وهو أفضلُ أنواعٍ
التطوُّع بالصلاةِ مطلقًا .
وربما دخلَ فيهِ من تركَ النوم عندَ طلوعِ الفجرِ، وقامَ إلى أداء صلاة
الصَّبْح، لاسيما مع غلبةِ النَّوم عليهِ، ولهذا يُشرعُ للمؤذِّن في أذانِ الفجرِ أن
يقولَ في أذانهِ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ .
ءِ
وقوله {وَجله: ((وصلاةُ الرَّجُلِ من جوفِ الليلِ)) ذكرَ أفضلَ أوقاتِ التهجّد
بالليلِ، وهو جوفُ الليلِ، وخرَّج النسائيُّ والترمذيَّ من حديث أبي أمامةَ،
(١) الترمذي (٣١٩٦).
(٢) أبو داود (١٣٢١).
(٣) البزار (٢٢٥٠ - كشف).
(٤) قطعة من حديث، أخرجه: البخاري (١/ ١٥٠، ١٦٨، ٢١٤)، ومسلم (١١٦/٢).

٨٧
سورة السجدة
قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الدُّعاء أسمعُ؟ قال: ((جوفُ اللَّيلِ الآخرِ، ودُبُرُ
الصَّلَواتِ المكتوباتٍ)»(١).
وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، ولفظُه: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَّةِ، قال: أيُّ
الصلاة أفضلُ؟ قال: ((جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ))، قالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: ((دُبِرُ
المکتوبات)).
وخرَّج النسائيُّ من حديث أبي ذرٍّ قالَ: سألتُ النبيَّ ◌َّهِ: أَيُّ الليلِ خيرٌ؟
قال: ((خيرُ الليلِ: جوفُه))(٢).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث أبي مسلمٍ قالَ: قلتُ لأبي ذرٍّ: أيُّ قيام
الليلِ أفضلُ؟ قال: سألتُ النبيَّ ◌َِّ كما سألْتَنَي، فقالَ: ((جوفُ اللَّلِ الغابرِ أو
نصفُ اللَّيْلِ، وقليلٌ فاعلُه))(٣) .
وخرجهُ البزارُ، والطبرانيُّ(٤) من حديثِ ابنِ عمرَ، قالَ: سُئِلَ النبيُّ ◌َلَّ:
أيُّ الليلِ أجوبُ دعوةً؟ قالَ: ((جوفُ الليلِ،)) زادَ البزارُ في روايتهِ: ((الآخرِ).
وخرَّجَ الترمذيُّ(٥) من حديثِ عمرو بنِ عبسةَ سمِعَ النبيَّ ◌َه يقولُ: ((أقربُ
ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ: في جوفِ الليلِ الآخِرِ، فإنْ استطعتَ أن تكونَ ثَمَّن يذكرُ اللَّهَ
في تلكَ الساعة فكنْ))، وصححهُ.
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ، ولفظُه: قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الساعات
(١) أخرجه: الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٨).
(٢) أخرجه: النسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١١٩٠٢).
(٣) أحمد في ((المسند)) (١٧٩/٥).
(٤) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٣٤٢٨)، والبزار (٣١٥١ - كشف).
(٥) أخرجه: الترمذي (٣٥٧٩)، وأحمد (١١٢/٤، ١١٤، ٣٨٥، ٣٨٧)، وكذا ابن ماجه
(١٢٥١)، (١٣٦٤).

٨٨
سورة السجدة
أفضل؟ قالَ: ((جوفُ الليلِ الآخرِ)) وفي روايةٍ لهُ - أيضًا -: قالَ: ((جوفُ الليل
الآخرِ أجوبُه دعوةً»، وفي رواية له: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ
إلى اللَّه من أُخرى؟ قال: ((جوفُ الليلِ الآخرِ)). وخرَّجه ابنُ ماجه، وعندَهُ:
١
((جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ))، وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ عن عمرٍو بنِ عبسةَ، قالَ:
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل منْ ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟ قالَ: ((إنَّ اللَّهَ ليتدلَّى في
جوفِ الليلِ، فيغفرُ، إلا ما كانَ من الشرك))(١).
وقد قيلَ: إنَّ جوفَ اللَّيْلِ إذا أطلقَ فالمرادُ به: وسطُه، وإن قيلَ: جوفُ
الليلِ الآخرِ، فالمرادُ وسطُ النِّصفِ الثانِي، وهو السُّدسُ الخامسُ من أسداسِ
الليلِ، وهو الوقتُ الذي ورد فيه التُّزولُ الإلهي(٢).
وروَى عطيةُ، عن أبي سعيد، قال: إنَّ اللَّهَ خَلق جنَّة عدن من ياقوتة
حمراءَ، ثم قال لها: تزيّنِي فتزينت، ثم قال لها: تكلَّمِي، فقالت: طُوبى لمن
رضيتَ عنه؛ ثم أطبقها وعلَّقها بالعرشِ، فهي تُفتحُ في كلِّ سحرٍ، فذلك بردُ
السحرِ .
وعن ابن عبَّاس، قال: كان عرشُ اللَّه على الماءِ، ثم اتخذَ لنفسِه جنَّةً، ثم
اتخذَ دونها أخرى، وطبَّقهما بلؤلؤة واحدة لا يعلمُ الخلائقُ ما فيهما وهما
اللتان: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ السجدة: ١٧].
وذكرَ صفوانُ بنُ عمرو، عن بعضِ مشايخهِ، قال: الجنةُ مائةُ درجة:
أولها: درجةُ فضة، وأرضُها فضةٌ، ومساكنُها فضةٌ، وترابها المسكُ.
(١) أخرجه: الترمذي (٣٥٧٩)، وأحمد (١١٢/٤، ١١٤، ٣٨٥، ٣٨٧)، وابن ماجه (١٢٥١)،
(١٣٦٤).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (١٢٦/٢ - ١٤٠) باختصار.

٨٩
سورة السجدة
والثانية: ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، وآنيتها ذهبٌ، وترابُها المسكُ.
والثالثة: لؤلؤ، وأرضُها لؤلؤ، وآنيْتُها لؤلؤ، وترابُها المسكُ، وسبعٌ
وتسعونَ بعد ذلك ما لا عينٌّ رأتْ، ولا أُذُنُّ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ
بشر، ثم تلا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[ السجدة : ١٧ ].
وفي ((الصحيحين))(١) عن أبي هريرةَ فِثُه، عن النبيِّ وَلَهِ، قالَ: ((يقولُ اللَّهُ
عزَّ وجلَّ: أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على
قلبٍ بشر)). ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن
قُرَّةٍ أَعْيْنٍ ﴾ [السجدة: ١٧].
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٢) عن المغيرةِ بنِ شعبة - يرفعه: ((سألَ موسى ربَّ، قال:
ياربّ، ما أدنى أهل الجنة منزلةً؟ قال: هو رجلٌ يجيءُ بعدما أُدخلَ أهلُ الجِنَّةَ الجنَّةَ،
فيقالُ له: ادخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ: ياربِّ، كيفَ وقد أخذَ النَّاسُ منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟
فيقالُ له: أترضى أن يكون لكَ مثلُ مُلكِ ملك من مُلُوكِ الدُّنيا؟ فيقولُ: رضيتُ ياربٌ)
فيقولُ: لك ذلك ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ، فقال له في الخامسة: رضيتُ ياربِّ، فيقالُ:
هذا لكَ وعشرةُ أمثاله، ولكَ ما اشتهتْ نفسُك ولذَّت عينُك، فيقولُ: رضيتُ ربِّ. قال:
فأعلاهُم منزلةً؟ قال: أولئك الذينَ أردتُ، غرستُ كرامتهُم بيدي، وختمتُ عليها، فلم
تَرَعينٌ، ولم تسمعْ أذنٌ، ولم يخطرْ على قلبٍ بشرٍ. قال: ومصداقُهُ في كتاب اللّهِ: ﴿فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْنٍ﴾ [السجدة: ١٧]))(٣).
(١) البخاري (١٤٥/٦)، ومسلم (١٤٣/٨).
(٢) أخرجه: مسلم (١/ ١٢٠ - ١٢١).
(٣) ((لطائف المعارف)) (٦٤، ٦٥).

سُورَةُ الأحْزَابِ
و رو
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشّرًا
١١
وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾
( ٤٥
ونَذیرا
كانت مجالسُ النبيِّ بَّهِ مع أصحابه عامتُها مجالسَ تذكيرِ بالله وترغيب
وترهيب، إمَّا بتلاوة القرآن، أو بما آتاهُ اللَّه من الحكمة والموعظة الحسنة،
وتعليمِ ما ينفعُ في الدِّين، كما أمَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه أن يذكِّرَ ويعظَ
ويقُصَّ، وأن يدعوَ إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشِّرِ ويُنذرَ،
وسمَّاه اللَّهُ: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٤٥﴾ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
والتبشير والإنذارُ هو الترغيبُ والترهيبُ، فلذلك كانتْ تلك المجالسُ
توجبُ لأصحابه رقَّةَ القلوب والزُّهدَ فِي الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ (١).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ
وَنَسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى
أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا :
و((الجلباب)): قال ابن مسعود ومجاهدٌ وغيرُهما: هو الرِّدَاءُ، ومعنى ذلك:
أنه للمرأة كالرداء للرجل، يسترُ أعلاها، إلا أنه يُقَنِّعُها فوقَ رأسهَا، كما
(١) ((لطائف المعارف)» (٤٥ - ٤٦).

٩١
سورة الأحزاب
يضعُ الرجلُ رداءَه على منْكِه.
وقد فسَّرِ عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ قولَ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِهِنَّ؟
[الأحزاب: ٥٩]: بأنها تُدنيه من فوقِ رأسِهَا، فلا تُظْهِر إلا عَيْنَها، وهذا كانَ بعد
نزولِ الحجابِ، وقد كُنَّ قبلَ الحجابِ يَظهرن بغيرِ جلبابٍ، ويُرى من المرأةِ
وجهُها وكَفَّاها، وكان ذلك ما ظهرَ منها من الزينة في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا
بَيْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
ثم أُمِرَتْ بسترٍ وجهها وكفيها، وكان الأمْرُ بذلك مختصًا بالحرائرِ دونَ
الإماءِ، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب : ٥٩]،
يعني: حتى تُعرفَ الحرةُ فلا يَتَعَرَّضُ لها الفُسَّاقُ، فصارت المرأةُ الحرةُ لا تخرج
بين الناسِ إلا بالجلبابِ، فلهذا سُئل النبيُّ وَّ لَما أَمَرَ النساءَ بالخروجِ في
العيدين، وقيل له: المرأةُ منا ليسَ لها جلبابٌ؟ فقال: ((لتُلبسها صاحبتُها من
جلبابها))(١) يعني: تُعِيرُها جلبابًا تخرجُ فيه(٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى
فَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾
خرَّج البخاريُّ من حديثٍ: مَعْمَرَ، عنْ همَّامٍ بنِ مُنْبِهِ، عن أبي هريرة عن
النبيِّ نَّه قال: ((كان بنو إسرائيل يغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينظرُ بعضُهُم إلى بعض، وكان
مُوسى - عليه السلامُ - يَغْتسلُ وحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ، ما يمنْعُ مُوسَى أنْ يغْتَسِلَ معنا، إلا
(١) البخاري (٨٩/٨٨/١)، ومسلم (٢٠/٣ - ٢١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٨/٢).

٩٢
سورة الأحزاب
أَنَّهُ آدَرُ، فذهبَ مرَّةً يغتسلُ، فوضعَ ثوبَهُ على حَجَرَ، ففرَّ الحجَرُ بِثَوْبِهِ، فخَرَجَ مُوسَى في
إِثْرِهِ، يقولُ: ثَوْبَي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حجرُ، حتَّى نظرتْ بَنُو إسرائيل إلى مُوسى، فقالوا:
واللَّه، ما بُوسَى بأسٌ، وأخَذَ ثوْبَهُ، فطَفِقَ بالحَجَرِ ضربًا))(١) .
قال أبو هريرة: واللَّه، إنَّهُ لندَبٌ بالحَجَرِ - سنَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ - ضربًا بالحَجَرِ .
وعن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّهِ، قال: ((بَيْنَا أُيُوبُ - عليهِ السلامُ - يغْتَسِلُ
عُرْيَانًا فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذَهَب، فجعل أُيُوبُ يَحْتَنِي في ثوبهِ، فناداهُ ربُّه: يا أَيُّوبُ، ألم
أَكُنْ أَغْنَيْتُك عمَّا تَرى؟ قال: بلى وعِزََّكَ، ولكنْ لا غِنَى بِي عِنْ بَرَكَتِكَ)).
ورواه إبراهيمُ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن صفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ نَلِ: ( بَيْنَا أَيُّوبُ - عليه السلامُ - يغْتَسِلُ
عُرْيَانًا))(٢) .
وخرَّجَ البخاريُّ في («أخبار الأنبياءِ)) من ((صحيحِهِ))(٣) هذا قصةَ موسى -
عليه السلامُ - من وجهِ آخر، من روايةٍ عوفٍ، عن ابنِ سيرينَ والحسنِ
وخلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ موسى - عليه السلام - كان رجلاً
حيًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ، استحياءً منه، فآذاه من آذَاه من بني إسرائيل، فقالوا:
ما يستترُ هذا السترَ إلا من عيب بجلده، إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه أرادَ أن
يُبْرَِّه، فخلا يومًا وحدَه، فوضعَ ثيابَه على الحَجَرِ، ثم اغتسلَ، فلما فرغَ أقبلَ إلی ثیابِهِ،
ليأخذها، وإن الحجرَ عدا بثوبِهِ، فأخذَ موسى عصاهُ، وطلبَ الحجرَ، فجعل يقولُ: ثوبي
حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملاٍ بني إسرائيلَ، فرأوْهُ عُريانًا، أحسنَ ما خلَقَ اللَّهُ،
(١) البخاري (٧٨/١).
(٢) السابق .
(٣) البخاري (٤/ ١٩٠).

٩٣
سورة الأحزاب
وأبرأَهُ اللَّه مما يقولونَ، وقامَ الحجرُ، فأخذَ ثوبَهُ فلبسَهُ، وطفقَ بالحجر ضربًا - ثلاثًا أو
أربعًا أو خمسًا -، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى
فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾﴾)) [الأحزاب: ٦٩].
((الأدرةُ)): انتفاخُ الخصيةِ .
و((الندبُ): الأثرُ الباقي في الحجرِ، من ضربِ موسى - عليه السلامُ - له.
قال الخطابيُّ: وفيه من الفقهِ: جوازُ الاطلاعِ على عوراتِ البالغينَ؛ لإقامة
حقٌّ واجبٍ كالختانِ ونحوِهِ.
قلتُ: هذا فيه نظرٌ؛ فإن موسى - عليه السلامُ - لم يقصدِ التعرِّي عندَ بني
إسرائيل؛ لينظرُوا إليه، وإنَّما قدَّر اللَّهُ له ذلك حتى يبرئَه عندهم مما آذوه به .
وقد يقالُ: إنَّ اللَّهَ لا يقدِّرُ لنبيِّه ما ليسَ بجائزٍ في شرعِهِ.
وأما الاستدلالُ به على جوازِ الاغتسالِ في الخلوةِ عُريانًا، فهو مبنىٌّ على
القولِ بأن شرعَ مَنْ قبلنا شرعٌ لنا، ما لم يأتِ شرْعُنا بخلافِهِ.
وقد استدلَّ بهذا على جوازِ الغسلِ في الخلوةِ عُريانًا: إسحاقُ بنُ راهويه -
أيضًا - ، وذكر أنه وإنْ كان شرع من قبلنا، إلا أنه لم يردْ شرعنا بخلافه.
وقد يمنعُ هذا من يقولُ: قد ورد شرعُنا بالتسترِ في الخلوةِ - أيضًا - ،
وسيأتي بيانُ ذلك في البابِ الآتي - إن شاء الله تعالى.
وقد روى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َِّه
قال: ((إنَّ موسى بنَ عمران - عليه السلامُ - كان إذا أراد أن يدخلَ الماءَ لم يُلقِ ثوبَهُ،
حتى يواريَ عورتَهُ في الماء)).

٩٤
سورة الأحزاب
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) .
وعليُّ بنُ زيدٍ، هو: ابنُ جُدْعَانٍ، متكلَّمٌ فِيه.
وكذا القولُ في الاحتجاج بحديثِ أيوبَ - عليه السلامُ - عُرِيانًا .
وأمَّا الطريق الذي ذكره البخاريُّ تعليقًا لحديثِ اغتسالِ أيوبَ - عليه
السلامُ -؛ فخرَّجِه الإمامُ (٢) .
(١) («المسند» (٢٦٢/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٠/١ - ٣٣٣). وَهَاهُنَا انتهى البابُ في الأصلِ، والظَّاهِرُ: أنَّ سقطًا وقع يَطول
أو يَقصُر. واللهُ أعلمُ.

سُورَةُ فَاطِر
قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾
قال ابنُ الجَوزِي فِي ((المُقْتَبَسِ)): سَمِعتُ الوَزِيرَ (١) يقولُ في قَولِهِ تَعالى
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] قالَ: فَطَلَبَتُ الفِكرَ في
المُنَاسَبَةِ بَين ذكْرِ النِّعمَةِ وَبَين قولهِ تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر : ٣]
فرأيت أنَّ كُلَّ نعمة ينالها العبدُ فاللَّه خالقُها، فقد أنعمَ بخلقهِ لتلك النعمةِ،
وَبِسَوْقِهَا إلى المُنْعَمِ عليه(٢).
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
وقولُهُ: ((والطيباتُ))(٣)، فُسرتْ بالكلماتِ الطيباتِ، كما في قولهِ تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] فالمعنى: إنَّ ما كان من الكلام فإنَّه للّه،
يُثْنَى به عليه ويُمجَّدُ به.
وفُرتِ ((الطيبات)) بالأعمال الصالحة كلِّها، فإنها توصفُ بالطيّب، فتكونُ
كلُّها للَّه، بمعنى: أنه يُعبدُ بها ويُتقرَّبُ بها إليه (٤).
(١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٣).
(٣) هذه الكلمة جزء من حديث التشهد المعروف.
(٤) «فتح الباري)) (١٧٥/٥).

٩٦
سورة فاطر
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقبورِ﴾
أما سماعُ الموتى لكلامِ الأحياءِ: ففي ((الصحيحينِ))(١) عن أنسٍ، عن أبي
طلحةَ، قال: لَّا كانَ يومُ بدرٍ وظهرَ عليهم رسولُ اللَّهِ وَ لِ أَمرَ ببضعة
وعشرينَ رجلاً، وفي روايةٍ أربعةً وعشرينَ رجلاً من صناديد قريشٍ، فألقُوا
في طوىّ من أطواءِ بدرِ، وإنَّ رسولَ اللّهِ وَ له نادَاهم قالَ: ((يا أبا جهلِ بنَ
هشامٍ، يا أمَّة بنَ خلف، يا عتبةَ بنَ ربيعةً، يا شيبةَ بنَ ربيعةَ، أليسَ قدْ وجدتُم ما وعدَ
ربِّكم حقًّا؟ فإِنِّي قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا)) فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّه ما تُكلِّم
من أجسادٍ لا أرواحَ فيها، فقالَ: ((والذي نفسي بيده ما أنْتُم بأسمعَ لما أقولُ منهم)).
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢) من حديث أنسٍ نحوُهُ من غيرِ ذكرٍ أبي طلحةً،
وفي حديثِهِ قال: ((والذي نفسي بيده، ما أنتُم بأسمعَ لَما أقولُ منهم، ولكنهم لا
يقدرونَ أن يجيبُوا)) .
وفيه - أيضًا - عن أنسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ ◌ُِّه عن النبيِّ وَلَّ هذه
القصة بمعناها(٣).
وفي ((الصحيحينِ)) (٤) عن ابنِ عمرَ تِالَُّها، قال: اطّلع رسولُ اللَّهُ بِ ◌ّهِ على
أهلِ القَليبِ، فقالَ: ((وجدتُم ما وعدَكُم حقًّا؟)) فقيل له: أتدعُو أمواتًا؟ قال: ((ما
أنْتُم بأسمعَ منهم، ولكنَّهم لا يجيبون)) وفي روايةٍ قالَ: ((إنهم الآنَ يسمعونَ ما أقولُ).
وقد أنكرتْ عائشةُ فِّها ذلك، كما في ((الصحيحينِ))(٥) عن عروة، عن
(١) البخاري (٨٩/٤)، (٩٧/٥)، ومسلم (١٦٤/٨).
(٢) مسلم (١٦٣/٨ - ١٦٤).
(٣) مسلم (١٦٣/٨).
(٤) البخاري (٩٨/٥)، ومسلم (٤٤/٣).
(٥) السابق.

٩٧
سورة فاطر
عائشة ضِّها، أنها قالتْ: ما قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((إنهم ليسمعونَ الآنَ ما أقولُ))،
وقد وهِمَ - يعني ابن عمرَ - إنما قال: ((إِنَّهم ليعلمونَ الآنَ ما كنت ◌ُأُقولُ لُهُم إنه
حقٌّ) ثم قرأت قولَه: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعَ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، و[الروم: ٥٢]، ﴿ وما
١
أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
وقد وافقَ عائشةَ على نفي سماعِ الموتى كلامَ الأحياءِ طائفةٌ من العلماءِ،
ورجَّحَهُ القاضي أبو يعلى من أصحابِنا، في كتابِ ((الجامعِ الكبيرِ)) له،
واحتجُّوا بما احتجتْ به عائشةُ فِّها، وأجابُوا عن حديثِ قليبِ بدرٍ بما
أجابتْ به عائشة فِئَّها وبأنه يجوزُ أن يكونَ ذلك معجزةً مختصةً بالنبيِّ
صَكَذَ الله
صاحبة
وسلم
دون غيرِهِ، وهو سماعُ الموتى لكلامِهِ.
وفي ((صحيحِ البخاريِ)(١) عن قتادةَ قالَ: أحياهُم اللَّهُ تعالى يعني أهلَ
القليبِ حتى أسمعَهُم قولَه، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.
وذهب طوائفُ من أهلِ العلمِ إلى سماعِ الموتى في الجملةِ، قالَ ابنُ عبد
البرِّ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ
الطبريِّ وغيرِهِ، ويعني بالطبريِّ: ابنَ جريرٍ، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُهُ من
العلماءِ، وهؤلاءِ يحتجونَ بحديثِ القليبِ، كما سبق، وليسَ هو بوهمٍ ممن
رواه، فإن عمرَ وأبا طلحةَ وغيرهما ممن شهدَ القصةَ حكاه عن النبيِّ وَّهَ.
وعائشةُ لم تشهدْ ذلك، وروايتُها عن النبيِّ بَِّ أنه قالَ: ((إنهم ليعلمونَ الآنَ
أن ما كنتُ أقولُ لهم حقّ)) يؤيّد روايةَ من رَوى: ((إنهم ليسمعون)) ، ولا ينافيه،
فإن المِّتَ إذا جازَ أن يعلمَ جازَ أن يسمعَ، لأنَّ الموتَ ينافي العلمَ، كما ينافي
(١) البخاري (٩٨/٥).

٩٨
سورة فاطر
السمع والبصرَ، فلو كان مانعًا من البعضِ لكانَ مانعًا من الجميعِ .
وروى أبو الشيخِ الأصبهانيَّ بإسنادِهِ عن عبيدِ بنِ مرزوقٍ، قالَ: كانت
امرأةٌ بالمدينةِ يقالُ لها: أمُّ محجنٍ، تقمُّ المسجدَ، فماتتْ، فلم يعلم بها النبيُّ
وَّ فمرَّ على قبرِها، فقال: ((ما هذا القبرُ؟)) فقالوا: قبرُ أمِّ محجنٍ، فقال النبيّ
وَالخُله: ((التي كانتْ تقمُّ المسجدَ؟)) قالوا: نعم، فصفَّ الناسَ وصلَّى عليها، ثم
قالَ: ((أيَّ العملِ وجدتِ أفضل؟)) قالوا: يا رسول اللَّهَ أتسمع؟ قال: ((ما أنتم
بأسمعَ منها)» ، فذكرَ أنها أجابتُهُ، قَمُّ المسجدِ، وهذا مرسلٌ.
وأمَّا أنَّ ذلك خاصٌّ بكلام النبيِّنَّ فليسَ كذلكَ، وقد ثبت في
الصحيحينِ(١) عن أنسٍ عن النبيِّ وََّ قال: ((إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى
عنه أصحابُهُ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم))، وقد سبقَ ذكرُهُ، وسنذكرُ الأحاديثَ
الواردةَ بسماعٍ الموتى سلامَ من يسلِّمُ عليهم فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
وأما قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] و[الروم: ٥٢]، وقولُه:
﴿ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّنَ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، فإنَّ السماعَ يطلقُ ويرادُ به إدراكُ
الكلامِ وفهمُهُ، ويرادُ به أيضًا الانتفاعُ به، والاستجابة لهُ، والمرادُ بهذه الآية:
نفيُ الثاني دون الأولِ، فإنَّها في سياقِ خطابِ الكفَّارِ الذينَ لا يستجيبونَ
للهُدى ولا للإيمانِ إذا دُعوا إليه، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًاً
مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّ
يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، الآيةُ في نفي السماعِ والإبصارِ عنهم، لأنَّ الشيءَ
قد ينفى لانتفاء فائدته وثمرتِهِ، فإذا لم ينتفعِ المرءُ بما سمعَهُ وأبصرَهُ، فكأنَّه لم
(١) البخاري (١١٣/٢، ١٢٣)، ومسلم (١٦٢/٨).

٩٩
سورة فاطر
يسمع ولم يبصرْ، وسماعُ الموتى هو بهذه المثابة، وكذلكَ سماعُ الكفّارِ لمن
دعاهُم إلى الإيمانِ والهُدى.
وقولُ قتادةَ في أهلِ القليبِ: أحياهُمُ اللَّهُ تعالى حتى أسمعَهُم، قولُهُ يدلُّ
على أنَّ الميتَ لا يسمعُ القولَ إلا بعد إعادةِ الروحِ إلى جسده، وكذلك قال
طوائفُ من السلف كثيرةٌ أنه لا يُسأل في قبرِهِ إلا بعد إعادةِ الروحِ إلى
جسده، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ ◌ِل
الطويل، وقد سبقَ ذكرُ بعضِه، وفيه في حقِّ الكافرِ: ((وتُعَاد روحُهُ إلى
جسدِهِ)(١) .
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(٢) من حديث الأعمشِ عن المنهال، عن زاذانَ،
عن البراءِ، في حقِّ المؤمنِ والكافرِ في كلٌّ منهما، قال: ((وتُعادُ روحُهُ إلى
جسده)) .
٠٠
وكذلك عند ابنِ منده، إعادتُها إلى جسدِهِ عند ضربِ المَلَكِ له، بعد أن
يضربه فيصيرُ ترابًا، من روايةِ يونسَ بنِ خبابٍ، عن المنهالِ، وقد سبقَ ذلك
کلُّ.
◌ُ(٣)، من حديث أبي هريرة ◌َّه عن النبيِّ وَلَّ فِي
وخرَّج ابنُ ماجه وغيرُه(٣)
صفةِ قبضِ الروحِ والمسألةِ، وقال في روحِ الكافرِ: ((فتصيرُ إلى القبرِ)) وقد سبقَ
أيضًا .
وخرَّج ابنُ منده بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا - عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ بَّ فِي
(١) أحمد في («المسند» (٢٩٥/٤)، وابن ماجه (١٥٤٨)، (١٥٤٩).
(٢) («المسند» (٢٩٥/٤).
(٣) أحمد فى ((المسند)) (٣٦٤/٢/ ٣٦٥)، وابن ماجه (٤٢٦٢).

١٠٠
سورة فاطر
صفةِ قبضِ الروح، وفيه قالَ: «فيهبطونَ بها - يعني الروح - على قدرِ فراغِهم من
غسلِهِ وأكفانِهِ، فيدخلونَ ذلك الروحَ بين جسدِهِ وأكفانِهِ)) وهذا لا يثبتُ.
وخرَّج الخلالُ في كتابِ ((شرحِ السنة)) من طريقِ أبي هاشمٍ، عن أبي
إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا نزلَ به الموتُ
أتاهُ ملَكُ الموتِ ينادِيه: يا روح طيبة اخرجي من الجسدِ الطيبِ، قال: فإذا
خرجتْ روحُه لفّتْ في خرقةٍ حمراءَ، فإذا غسِّل وكفِّن، وحملَ على السريرِ
وارتفعتِ الروحُ فوقَ السريرِ حيثُ تحولَ السريرُ، تحولتْ حتى يوضعَ في
قبرِهِ، فإذا وُضِعَ في قبرِهِ أُجْلسَ، وجيءَ بالروحِ، فَجُعِلَتْ فيه، فقيل له: من
ربُّك، وما دينُك، ومن نبيُّك؟ فيقولُ: ربي اللَّهُ، وديني الإسلامُ، ونبيي
محمد رَّ فيقالُ له: صدقَتَ، فيوسَّعُ له في قبرِهِ مدَّ البصرِ، ثم ترفعُ
روحُه، فتجعَلُ في أعْلَى عليينَ، ثم تلا عبدُ اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ
لَفِي عِلّيّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ سالمٍ بنِ أبي الجعدِ، قال: قال حذيفةُ:
الروحُ بيدِ ملَكٍ، وإن الجسدَ ليغسَّلَ ، وإنَّ الملَكَ ليمشِي معه إلى القبرِ، فإذا
سُوي عليه سلَكَ فيه، فذلكَ حين يخاطبُ.
ومن طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الزنادِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى،
قال: الروحُ بيد ملَكِ يمشي مع الجنازةِ، يقولُ: اسمعْ ما يقالُ لك، فإذا بلغ
حفرتَهُ دفنَ معه.
ومن طريقِ داودَ العطارِ، عن أبي نجيحٍ، قال: ما مِنْ مَيِّت يموتُ إلا روحُهُ
في يد مَلَكِ ينظرُ إلى جسدِهِ، كيف يغسلُ ويكفَّنُ، وكيف يُمشَى به إلى
قبرِهِ، ثم تُعاد إليه روحُهُ، فيجلسُ في قبرِهِ.