Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة النمل الدنيا مطلقًا، وسواءٌ في ذلكَ نعيمُ الأبدانِ بالأكلِ والشربِ والجماعِ، ونعيمُ القلوبِ والأرواحِ بالمعارفِ والعلومِ والقربِ والاتصالِ والأنسِ والمشاهدةِ، فظهرَ بهذا أن قولَهُ تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٥] هو على ظاهرِهِ من غيرِ حاجةٍ إلى تأويلٍ ولا تكلُّفٍ فإنَّ كثيرًا من المفسرينَ فسروا الحسنةَ بكلمة التوحيدِ والجزاءَ عليهم بالجنةِ، ثم استشكلُوا تفضيلَ الجنَّةِ على التوحيد، وبما ذكرناه يزولُ الإشكالُ. ويتبين؛ أن التوحيدَ الذي في الجنةِ أكملُ من التوحيدِ الذي في الدنيا وهو جزاءٌ له، وكذلكَ المعرفةُ والمحبةُ والشوقُ أيضًا، فقد جاءَ في بعضِ أحاديثٍ يومِ المزيدِ: أنَّهم ليسُوا إلى شيءٍ أشوقَ منهم إلى يومِ الجمعةِ، وسبب بهذا الغلطِ الذي أشرنا إليه من قولٍ من قالَ: إنَّ العارفينَ لا يشتاقونَ إلى الله عز وجل في الدُّنْيا لأنَّهم يشهدونهُ بقلوبِهِم حاضرًا، وتباشرُ قلوبَهُم أنوارُه ويتجلَّى لها فيستأنسونَ بِهِ ويطمئنونَ إليهِ. وهذا؛ وإنْ كانَ نُقِلَ عن بعضِ السلف المتقدمينَ فهو أيضًا غلطٌ، ولعلَهُ صدرَ من قائِلهِ في حالِ استغراقهِ في مشاهدة ما شاهدَهُ فظنَّ أنه ليسَ وراءَ ذلك مطلبٌ، وهذا كما قالَ بعضُهم: ((إنه تمرُّ بي أوقاتٌ أَقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه، إنَّهم لِفِي عیشٍ طیبٍ)). ومعلومٌ أنَّ أهلَ الجنةِ في أضعافِ أضعافِ ما هو فيه من النعيمِ واللذةِ، ولكنَّه لما استعظمَ ما حصلَ له من النعيمِ ظنَّ أنه ليسَ وراءَهُ شيءٌ، وعند التحقيقِ يتبينُ أنَّ ما حصلَ في الدنيا للقلوبِ من تجلِّي أنوارِ الإيمانِ يدلُّ على عظمةِ ما يحصلُ في الجنةِ، وليسَ بينهما نسبةٌ فيتزايدُ بذلكَ الشوقُ إلى ما وراءَه، ولهذا كان النبيُّ نَّهِ يسألُ ربه الشوقَ إلى لقائِهِ، مع أنَّه أكملُ الخلقِ مشاهدةً ومعرفةً، وكانَ يقولُ في الوصالِ: ((إني لستُ كهيئتكُمْ، إنِّي أَظَلُّ عِندَ ربِّي . ٦٢ سورة النمل يُطعمُني ويسقيني))(١). ويشيرُ إلى ما تجلَّى لقلْبهِ من آثارِ القربِ والأنسِ بما يقوِّيهِ ويغذِّيهِ ويُغْنِيهِ عنِ الطعامِ والشرابِ(٢). وإنَّما شرعَ اللَّهُ إقامَ الصَّلاةِ لذكرِهِ، وكذلكَ الحجَّ والطَّوافَ. وأفضلُ أهلِ العبادات: أكثرهم للَّهِ ذكرًا فيها، فهذا كلُّه ليسَ من الدنيا المذمومةِ، وهو المقصودُ من إيجاد الدُّنْيا، وأهلها، كمَا قالَ تعالىَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ والصُّوفَّةِ أنَّ ما يُوجدُ في الدُّنيا من هذه العباداتِ أفضلُ مَّا يُوجدُ في الجَنَّةَ مِنَ النَّعِيمِ، قالُوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حظّ العبدِ، والعباداتُ في الدُّنْيا حقُّ الربِّ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد. وهذا غلطٌ، ويقوِّي غلطهم قولُ كثيرٍ منَ المفسِّرِين في قوله تعالى :: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] قالُوا: الحسنةُ: لا إله إلا اللَّه، وليس شيء خيرًا منها. ولكن الكلام على النَّقديم والتَّأخير، والمراد: فله منها خيرٌ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها . والصَّوابُ: إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتاب والسنة، أنَّ الآخرةَ خيرٌ منَ الأُولى مطلقًا . وفي ((صحيحِ الحاكم)(٣) عن المستوردِ بن شدَّادِ، قالَ: كنَّا عندَ النبي ◌َ صَلى الله ـية : وسلم فتذاكرُوا الدُّنيا والآخرةَ، فقالَ بعضُهم: إنَّما الدنيا بلاغٌ للآخرةِ، وفيها (١) أخرجه: البخاري (٤٨/٣)، (٢١٦/٨)، (١١٩/٩)، ومسلم (١٣٣/٣ - ١٣٤) من حديث أبي هريرة ضِىُّه. (٢) ((استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس)) (١٣٧ - ١٤٠). (٣) ((المستدرك)) (٣١٩/٤). ٦٣ سورة النمل العملُ، وفيها الصَّلاةُ، وفيها الزَّكَاةُ. وقالتْ طائفةٌ منهم: الآخرةُ فيها الجنَّةُ، وقالوا ما شاءَ اللَّهُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ، وَ له: ((ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يمشي أحدُكم إلى اليمِ، فأدخلَ أصبعَهُ فيه، فما خرجَ منه فهو الدُّنْيَا))، فهذا نصٌّ بتفضيلِ الآخرةِ على الدُّنْيا، وما فيها من الأعمالِ . ووجه ذلك: أنَّ كمالَ الدُّنيا إنما هو في العلمِ والعملِ، والعلمُ مقصودُ الأعمالِ، يتضاعفُ في الآخرةِ بما لا نسبةَ لما في الدُّنْيا إليه، فإنَّ العلمَ أصلُه العلمُ باللَّهِ وأسمائه وصفاتهِ، وفي الآخرةِ ينكشفُ الغطاءُ، ويصيرُ الخبرُ عيانًا، ويصيرُ علمُ اليقينِ عينَ اليقينِ، وتصيرُ المعرفةُ باللَّهِ رؤيةً له ومشاهدةً، فأينَ هذا مما في الدنيا؟ وأما الأعمالُ البدنيةِ، فإنَّ لها في الدُّنيا مقصدينِ : أحدهما: اشتغالُ الجوارحِ بالطّاعةِ، وكدُّها بالعبادة. والثاني: اتِّصالُ القلوبِ باللَّه وتنويرُها بذكرِه. فالأولُ؛ قد رُفُعَ عن أهلِ الجنَّةَ، ولهذا رُوي أنَّهم إذا همُوا بالسُّجودِ لله عند تجلِّيه لهُم يقالُ لهم: ارفعوا رؤوسَكُم فإنَّكم لستُم في دارِ مجاهدةٍ. وأما المقصودُ الثاني؛ فحاصلٌ لأهلِ الجنَّةِ على أكملِ الوُجُوهِ وأتّها، ولا نسبةَ لما حصلَ لقلوبِهِم في الدُّنْيا من لطائفِ القُرْبِ والأُنسِ والاتِّصالِ إلى ما يُشاهدونه في الآخرةِ عيانًا، فتنعَّمُ قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقرْبِ اللَّه، ورؤيته، وسماعٍ كلامهِ، لا سيَّما في أوقاتِ الصلواتِ في الدُّنيا، كالجُمع والأعيادِ، والمقرَّبون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يومٍ مرَّتَينِ بكرةً وعشيًا في وقتِ صلاةِ الصّبحِ وصلاةِ العصرِ . ٦٤ سورة النمل ولهذا، لَّا ذكَرَ النَّبِيُّ وَّرِ أَنَّ أهل الجنةِ يرونَ رَبَّهم، حضَّ عقيبَ ذلكَ على المحافظةِ على صلاةِ العصرِ وصلاة الفجرِ؛ لأنَّ وقتَ هاتين الصَّلاتين وقتٌ الرؤيةِ خواصِّ أهلِ الجنةَ ربّهم وزيارتهم لهُ، وكذلكَ نعيمُ الذِّكرِ وتلاوةُ القرآنِ لا ينقطعُ عنهُم أبدًا، فيُلهمونَ الَّسبيحَ كَما يُلهمونَ النَّفْسَ. قال ابنُ عيينة: لا إله إلا اللَّه لأهلِ الجنَّةِ كالماء الباردِ لأهلِ الدُّنْيا، فأينَ لذَّهُ الذِّكرِ للعارفينَ في الدُّنْيَا مِنْ لذَّتَهم بهِ في الجنَّة؟ !. فتبيَّن بهذا أن قولَهُ تعالَى :: ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، على ظاهرِهِ، فإنَّ ثوابَ كلمةِ التَّوحيدِ في الدُّنيا أن يصِلَ صاحبُها إلى قولها في الجنَّةِ على الوجهِ الذي يختصُّ به أهلُ الجنَّةِ. وبكلِّ حالٍ، فالذي يحصُلُ لأهلِ الجنةِ مِن تفاصيلِ العلمِ باللَّه وأسمائهِ وصفاته وأفعالهِ، ومن قُربِهِ ومشاهدتِهِ ولذَّةٍ ذكرِه هو أمرٌ لا يمكنُ التَّعبيرُ عن كُنْهِهِ فِي الدُّنيا، لأنَّ أهلَها لم يُدركوه على وجهِهِ، بل هو مَّا لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ، واللَّهُ تعالى المسئولُ أن لا يحرمنا خير ما عنده بشرِّ ما عندنا، بمنِّه وكرمه ورحمته، آمين. (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٠٤/٢ - ٢٠٧). ١ ورؤ ٠ ٠ سورة القصص قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَرَ سَرْمَدًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُم بِلَيْلٍ تَسْكُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير (١) يقول في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] وفي الآية التي تليها ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] قال: إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار، ویری بالنهار أكثر مما يرى بالليل. قال المبرد: سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار(٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾ قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(١) يقول في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّمَنْ آمَنَ﴾ [القصص: ٨٠]: قال: إيثار (١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة. (٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٧٠/٣). ٦٦ سورة القصص ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء، فمن كان هكذا فهو عالم. ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم (١). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُوَا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مدحَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ منْ لا يُريدُ العلوَّ في الأرضِ ولا الفسادَ، فقالَ: ﴿تَلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]. وروى ابنُ جريرٍ (٢) بإسنادٍ فيه نظرٌ عن عليٍّ ◌ِثُه، قالَ: إنَّ الرجلَ ليعجبهُ من شراكِ نعلهِ أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبهِ، فيدخلُ في قولهِ : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمَتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وكذا رُويَ عن الفضيلِ بنِ عياضٍ في هذه الآيةِ . قالَ: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعلٍ غيرِهِ، ولا شراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره. وقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنه أرادَ الفخرَ على غيرِه لا مجرّدَ التجملِ، قال عكرمةُ وغيرُهُ من المفسرينَ في هذه الآيةِ: العلوَّ في الأرضِ: التكبِّر، وطلبُ الشرفِ والمنزلةِ عندَ ذي سلطانِها، والفسادُ: العملُ بالمعاصِي. وقد وردَ ما يَدُلُّ على أنه لا يأثمُ مَنْ كره أن يفوقَه أحدٌ من الناس في الجمالِ، فخرَّج الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه - والحاكم في ((صحيحِهِ) (٣) من (١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٣). (٢) ((التفسير)) (٧٩/٢٠). (٣) أخرجه: أحمد (٣٨٥/١)، والحاكم (١٨٢/٤). ٦٧ سورة القصص حديثِ ابنِ مسعودٍ - ◌ِثُه - قالَ: أتيتُ النبيَّ نَّهِ وعندُه مالكُ بنُ مرارةَ الرَّهاويُّ، فأدركتُهُ وهو يقولُ: يا رسول الله، قد قُسمَ لي من الجمالِ ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من النَّاسِ فضلني بشِراكين فما فوقَهُما، أليسَ ذلكَ هو من البغي؟ فقالَ: ((لا، ليسَ ذلك بالبغْي، ولكنَّ البغيَ مَنْ بطرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغمط الناس)). وخرَّج أبو داود(١) من حديث أبي هريرة خُِّه عن النبيُّ وَّ معناه، وفي حديثه: (الكبيرُ) بدل ((البغيِ)). فنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يفوقَهُ في الجمال بغيًّا أو كبرًا، وفسّر الكبرَ والبغيَ ببطرِ الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناعُ من قبوله كبرًا إذا خالفَ ءُ هواهُ. ومن هنا قالَ بعضُ السلف: التَّواضعُ: أن تقبلَ الحقَّ من كلٍّ من جاءَ به، وإن كانَ صغيرًا، فمن قبلَ الحقَّ ◌َمَّن جاءَ به، سواءٌ كانَ صغيرًا أو كبيراً وسواءٌ كان يحبُّ أو لا يحبُّه، فهو متواضعٌ، ومن أبى قبُولَ الحقِّ تعاظُمًا عليه، فهو متكبِّرٌ. وغمصُ الناسِ: هو احتقارُهم وازدراؤُهم، وذلك يحصُلُ مِنَ النَّظرِ إلى النَّفْسِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيرِهِ بعينِ النَّقْصِ (٢). (١) ((السنن)) (٤٠٩٢). (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٠٧/١ - ٣٠٩). ٠ ورو ء سُورَةُ الرُّومِ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ قالت بعضُ العارفات من السلف: مَنْ عملَ للَّهِ على المشاهدة، فهو عارفٌ، ومن عملَ على مشاهدة اللَّه إيَّه فهو مخلصٌ. فأشارتْ إلى المقامينَ اللذين تقدَّم ذكرهُما: أحدهما: مقامُ الإخلاصِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على استحضارٍ مُشاهدةٍ اللَّه إياهُ، واطّلاعِهِ عليهِ، وقربه منهُ، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عملِهِ، وعَملَ عليه، فهو مخلص للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ في عملهِ يمنعه من و و الالتفاتِ إلى غيرِ اللَّه وإرادِتِهِ بالْعَملِ. والثاني: مقامُ المشاهدةِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته للَّه تعالى بقلبِهِ، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمان، وَتَنْفُذُ البصيرةُ في العرفان، حتّى يصيرَ الغيبُ کالعیانِ. وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسانِ المشارِ إليه في حديث جبريلَ عليه السلامُ، ويتفاوت أهلُ هذا المقامٍ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ . وقد فسَّر طائفةٌ مِنَ العُلماءِ المثلَ الأعْلى المذكورَ في قولهِ عزَّ وجل: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] بهذا المعنى، ومثلُه: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، والمرادُ: ٦٩ سورة الروم مثلُ نورِهِ في قلبِ المؤمنِ، كذا قاله أُبِيُّ بنُ كعبٍ وغيرُهُ منَ السَّلْف. وقد سبقَ حديثُ: ((أفضلُ الإيمان أن تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كنت))(١)، وحديثُ ما تزكيةُ المرءِ نفسه؟، قال: ((أن يعلمَ أنَّ اللَّهَ معه حيثُ كانَ)(٢). وخرَّج الطبرانيُ(٣) من حديث أبي أمامةَ عن النَّبِيِّنَِّ قال: ((ثلاثةٌ في ظلِّ اللَّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: رجلٌ حيثُ توجَّه عَلَمَ أنَّ اللَّه معه))، وذكر الحديث. وقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضعَ متعدِّدة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَّكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةِ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْأَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨](1). وبهذا(٥) فُسِّر المثلُ الأعلَى المذكورُ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]. ومثلُه: قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ (١) أخرجه: الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٧٩٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٤/٦) من حديث عبادة بن الصامت فِالله. (٢) أخرجه: البيهقي (٩٥/٤، ٩٦). (٣) ((المعجم الكبير)) (٢٤٠/٨). (٤) ((جامع العلوم والحكم)) (١٠٨/١ - ١٠٩). (٥) يعني: الإحسان . ٧٠ سورة الروم الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَىْ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. قال أبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُهُ من السلفِ: مَثَلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ . فمن وصلَ إلى هذا المقامِ فقد وصلَ إلى نهايةِ الإحسانِ، وصارَ الإيمانُ لقلبهِ بمنزلةِ العيانِ، فعرفَ ربَّه، وأنسَ به في خلوتهِ، وتنعَّمَ بذكره ومناجاته ودعائه، حتَّى رَبَّما استوحشَ من خلقهِ . كما قالَ بعضُهم: عجبتُ للخليقة، كيفَ أنستْ بسواكَ؟! بل عجبتُ للخليقةِ كيف استنارت قلوبُها بذكرِ سواكَ (١)؟ !. وقيلَ لآخرَ: أما تستوحشُ؟ قال: كيفَ أستوحشُ، وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرني؟!(٢) . وقيل لآخرَ: أما تستوحشُ وحدَك؟ قالَ: ويستوحشُ مع اللَّهِ أحدٌ؟! وكان حبيب أبو محمد يخلُو في بيتِهِ، ويقولُ: من لم تقرَّ عينُهُ بكَ فلا قَرَّت عينُهُ، ومن لمْ يأنسُ بكَ فلا أنسَ. وقال الفضيلُ: طوبَى لمن استوحشَ من الناسِ وكان اللَّه جليسَه. وقال معروفٌ لرجلٍ: توكل على الله، حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ. (١) ((الحلية)) لأبي نعيم (١٩٥/٦). (٢) أخرجه: البيهقي في ((الشعب)) (٧٠٩)، والذهبي في ((السير)) (١٧٥/٨) من قول محمد بن النضر. ٧١ سورة الروم وقال ذو النون: علامةُ المحبينَ للَّه: أن لا يأنسُوا بسواهُ، ولا يستوحشُوا معهُ، ثم قالَ: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللَّهِ أنسَ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ أجلٌّ في صدورِ العارفينَ أن يحبُّوا غيرَهَ(١). ثبتَ في ((الصحيحينِ))(٢) و((السننِ)) و((المسانيد)) من غيرِ وجهِ أن جبريلَ - عليه السلامُ - سألَ النبيَّ نَّهِ عن الإحسانِ، فقالَ النبيُّ وَّهِ: («الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنكَ تراهُ، فإن لم تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ)) .. وقال بعضُ العارفينَ من السلف: ((منْ عملَ للَّهِ على المشاهدة فهو عارفٌ، ومن عملَ على مشاهدةِ اللَّهِ إياه فهو مخلصٌ)). فهذان مقامان: أحدهما: الإخلاصُ، وهو أن يعملَ العبدُ على استحضار مشاهدة اللَّه إياه، واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضَر العبدُ ذلكَ في ٠٠ عملِهِ، وعملَ على هذا المقامِ فهو مخلصٌ للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ اللَّهِ وإرادتهِ بالعملِ . والثاني: المعرفةُ التي تستلزمُ المحبةَ الخاصةَ، وهو: أن يعملَ العبدُ على مشاهدة اللَّهِ بقلبه، وهو أنْ يتنورَ قلبُهُ بنورِ الإيمانِ وتنفذَ بصيرتُه في العرفانِ، حتَّى يصيرَ الغيبُ عنده كالعيانِ، وهذا هو مقامُ الإحسانِ المشارُ إليه في حديث جبريلَ - عليه السلامُ -، ويتفاوتُ أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائر. وقد فسَّرَ طائفةٌ من العلماءِ المثلَ الأعلى المذكورَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَهُ (١) ((فتح الباري)) (١٩٤/١ - ١٩٥). (٢) البخاري (١٩/١ - ٢٠)، ومسلم (٢٨/١ - ٢٩). ٧٢ سورة الروم الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] بهذا ومثلُه قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] الآية، وقد فسَّرها أبيَّ ابنُ كعبٍ وغيرُهُ من السلفِ بأنَّ المرادَ: مثلُ نورِ اللَّهِ في قلبِ المؤمنِ . ومِن هذا حديثُ حارثةَ المشهورُ لما قالَ للنبِيِّ نَّهِ: ((وكأنَّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارِزًا؛ وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها، وإلى أهلِ النارِ يتعاوونَ فيها)) فقال النبيّ وَّ: ((عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ اللَّهُ الإيمانَ في قلبه))(١)، وهذا الحديثُ مروي مرسلاً، ورُويَ مسندًا متَّصِلاً لكن من وجوهِ ضعيفةٍ . وخطبَ عروةُ إلى ابنِ عمرَ ابنتَهُ وهما في الطوافِ فلم يجبُهُ بشيءٍ، ثم رآهُ بعدَ ذلك فاعتذرَ إليه وقال: ((كنَّا في الطوافِ نتخايلُ اللَّه بين أعيننا)). خرجَّهُ أبو نعيمٍ وغيرُه. ويتولَّدَ من هذينِ المقامينِ للعارفينَ مقامُ الحياءِ من اللَّهِ - عز وجل -، وقد أشارَ النبيُّ وَّ إلى ذلكَ في حديث بهزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّ أنه سئلُ عن كشف العورةِ خاليًا؟ فقال: ((اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُستحيا منهُ)(٢) وقد ندبَ النبيُّ صَلَى اللّه وَسَلم إلى دوامٍ استحضارِ معيةِ اللَّهِ وقربِهِ وإلى الحياءِ منه بذلكَ في غيرِ حديثٍ، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْأَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]. وخرج البزارُ(٣) من حديث عبد اللَّه (١) رواه البزار ((كشف الأستار)) (٣٢)، ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٩٠، ١٠٥٩١). (٢) رواه البخاري معلقًا (٧٨/١)، والترمذي (٢٧٦٩)، وأبو داود (٤٠١٧)، وابن ماجه (١٩٢٠)، وأحمد في («المسند)) (٣/٥، ٤). (٣) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٩٦/٤، ١٠٩) والحديث أوله عند أبي داود (١٥٨٢) دون الشاهد المذكور ولم نجده في ((مسند البزار)). ٧٣ سورة الروم بن معاويةَ الغاضريِّ أنَّ رجلاً قالَ: يارسولَ اللَّهِ، ما تزكيةُ المرءِ نفسَهُ؟ قالَ: ((أن يعلمَ أنَّ اللَّه حيثُ كانَ معهُ). وخرجَ الطبرانيُّ(١) من حديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ ثُِّه عن النبيِّ نَّ قالَ: (أفضلُ الإيمان: أنْ تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كُنتَ)، وبإسنادٍ فيه نظرٌ من حديثِ أبي أمامةَ فُِّه عن النبيِّ وَّهِ: ((ثلاثةٌ فِي ظِلِّ اللَّه تعالى يوم لا ظلَّ إلا ظلُّهُ: رجُلٌ حيثُ توجَّهَ علمَ أنَّاللَّه معهُ) إلخ(٢) . ومن حديثِ سعيدِ بنِ يزيدَ الأزديِّ أنه قال للنبيِّ وَّهِ: أوصِني، قال: (أُوصِيكَ أنْ تسْتَحِي منَ اللَّه كمَا تستَحِي رَجُلاً صالحًا مِنْ صالحِي قومِكَ)(٣)، ورويناه بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي أمامةَ أن النبي وَّ قال: ((اسْتَحِ مِنْ اللَّه استحياؤُكَ مِنْ رجُلينِ مِنْ صالحِي عشيرتكَ هُما معكَ لا يُفارقانكَ) (٤). قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ [ قال البخاري]: باب: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]. قال تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ (١) أخرجه: الطبراني في «الأوسط)) (٨٧٩٦). (٢) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٦/٨ ح ٧٩٣٥). (٣) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٦٩/٦ - ٧٠ ح ٥٥٣٩). (٤) ((استنشاق نسيم الأنس)) (٩٥ - ١٠٣). ٧٤ سورة الروم لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، مُنِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا ٣٠ الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣٠]. فأمره بإقامة وجههِ، وهو إخلاصُ قصدِه وعزمِه وهمِّه للدينِ الحنيفِ، وهوَ الدينُ القيِّم، وهو فطرةُ اللَّهِ التي فطرَ العبادَ عليها، فإنَّ اللَّهَ ركَّب في قلوبِ عباده كلِّهم قبولَ توحيدِه والإخلاصِ لَه، وإنَّما يغيرهم عن ذلك تعليمُ منْ علمهم الخروج عنه. ولمَّا كان الخطابُ له وَّ لم تدخل فيه أمتُهُ معه قالَ بعدَ ذلكَ: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، فجعلَ ذلكَ حالاً له ولأمته، وهو إنابتُهُم إليه، ويعني به: رجوعَهم إليهِ، وأمرهم بتقواه، والتقوى تتضمنُ فعلَ جميعِ الطاعاتِ وتركَ المعاصي والمخالفاتِ. وخصَّ من ذلكَ إقامَ الصلاةِ، فلم يذكرْ من أعمالِ الجوارحِ باسمِهِ الخاصِ سواها، والمرادُ بإقامتها: الإتيانُ بها قائمةً على وجهِها التامٌّ، وفي ذلكَ دليلٌ على شرَفِ الصلاةِ وفضلها، وأنها أهمّ أعمالِ الجوارحِ. ومن جملة إقامتِهَا المأمورِ به: المحافظةُ على مواقيتِهَا، فمن صَلَّى الصلاةَ لغير مواقيتِهَا التي وَقَّتها اللَّهُ فلم يُقْم الصلاةَ، بل ضيَّعها وفرَّط فيها وسَها عنها . قال ابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، قال: يقيمون الصلاةَ بفرضِهَا(١). وقال قتادة: إقامةُ الصلاة: المحافظةُ على مواقيتها ووضوئِها، (١) الطبري في ((التفسير)) (١٠٤/١). ٧٥ سورة الروم ورُكُوعِها وسجُودِها. وقال مُقاتل بنُ حيَّان: إقامتُها: المحافظةُ على مواقيتِهَا، وإسباغُ الطهورِ فيها، وتمامُ ركوعها وسجودِها، وتلاوةُ القرآن فيها، والتشهدُ، والصلاةُ على النبيِّ وَّ، فهذا إقامتُها. خرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتم. ولهذا مدَحَ سبحانهُ الذين هُم على صلاتِهم يحافظونَ والذينَ هم على صلاتِهم دائمونَ، وقد فسَّرِه ابنُ مسعود وغيرُهُ بالمحافظة على مواقيتِهَا، وفسّره بذلك مسروقٌ والنخعيُّ وغيرُهما . وقيل لابنِ مسعودٍ: إن اللَّهَ يكثر ذكرَ الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]، و﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]؟ قال: ذاكَ على مواقيتها. قيل لهُ: ما كنَّا نرَى ذلكَ إلا على تركها؟ قال: تركُها الكفرُ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ ومحمدُ بنُ نصرِ المروزي وغيرُهما(١). وكذلك فسَّرَ سعدُ بنُ أبي وقاص ومسروقٌ وغيرُهما السَّهوَ عن الصلاة ے بالسهوِ عن مواقيتها . ورُويَ عن سعدٍ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُ(٢). (٣). (١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٦٢)، (٩٣٨). (٢) وكذا رجح الوقف فيه البزار والبيهقي والحاكم. انظر: تعظيم قدر الصلاة)) للمروزي (٤٢)، (٤٣)، و((السنن الكبرى)) (٢١٤/٢ - ٢١٥)، و((كشف الأستار)» (٣٩٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢٧/٣ - ٢٨). ٧٦ سورة الروم قوله تعالى: ﴿ مَن كَفَرَ فَعلیہ کفره ومن عَمِلَ صَالِحًا فَلَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ قال اللَّهُ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلْأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ [الروم: ٤٤]. قال بعضُ السلفِ: في القبرِ، يعني: أن العملَ الصالحَ يكونُ مِهَادًا لصحابِهِ في القبرِ، حيث لا يكونُ للعبدِ من متاعِ الدنيا فراشٌ ولا وسادٌ ولا مهادٌ، بل كلُّ عاملٍ يفترشُ عملَهَ ويتوسَّده من خير أو شرّ(١) (١) رسالة ((يتبع الميت ثلاث)) (ص ٤٠). وروزُه سُورَةٌ لَقْمَانَ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ فأمّا تحريمُ الغناءِ: فقد استنبطَ من القرآنِ من آياتٍ متعدّدة. فمن ذلكَ: قولُ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآية. قالَ ابن مسعود ◌ِالثَُّه: هوَ - والله - الغناءُ(١). وقال ابنُ عباسٍ: هو الغناءُ وأشباهُهُ(٢)، وفسّره أيضًا بالغناءِ خَلُقٌ من التابعينَ منهُم: مجاهدٌ وعكرمةٌ والحسنُ وسعيدُ بنُ جبيرٍ وقتادةُ والنَّخعيُّ وغيرُهم(٣)، وقال مجاهدٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَاسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]: قالَ: الغناءُ والمزاميرُ. وقالَ ابنُ عباسِ بِوَّها في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] قال: هو الغناءُ - بالحَمْيَريةِ(٤). وقال بعضُ التابعينَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] قالَ: إنَّ اللغوَ هنا: الغناءُ. وعن أبي أمامَة عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا تبيعُوا القَيّنات، ولا تشتروهُنَّ، ولا تُعلِّموهُنَّ، ولا خير في تجارة فيهنَّ، وثمنهُنَّ حَرامٌ، في مثلِ هذا أُنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآية)). (١) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٦١/٢١). (٢) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٣/١٠). (٣) راجع: ((تفسير الطبري)) (٦٢/٢١)، والبيقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٣/١٠). (٤) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٣/١٠). ٧٨ سورة لقمان خرّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ(١) من روايةٍ عبيْدِ اللَّهِ بن زحرِ عن عليٍّ بن يزيد عن القاسمِ عن أبي أمامةَ، وقال: قد تكلمَ بعضُ أهلِ العلمِ في عليٌّ بنِ يزيدَ وضعَّفهُ، وهوَ شاميّ. وذكرَ في كتابِ ((العللٍ)) أنه سَأل البخاريَّ عن هذا الحديثِ فقالَ: عليّ بنُ يزيدَ ذاهبُ الحديثِ، ووثَقَ عبيدَ اللَّهِ بِنَ زحرٍ والقاسمَ ابنَ عبدِ الرحمنِ، وخرّجه محمدُ بنُ يحيى الهمذانيُّ الحافظُ الفقيهُ الشافعيّ في ((صحيحِهِ))، وقالَ: عبيدُ اللَّهِ بن زحر: قال أبو زرعةَ: لا بأسَ به صَدوقٌ. قلتُ: عليّ بنُ يزيدَ لم يتفقوا علي ضَعْفِهِ. بل قالَ فيه أبو مُسْهرٍ - وهوَ من بلدِهِ وهو أعلمُ بأهلِ بلدِهِ من غيرِهِم - قالَ فيه: ما أعلمُ فيه إلا خيراً. وقال ابنُ عديٍّ: هو في نفسِهِ صالحٌ، إلا أنْ يروي عنه ضعيفٌ فيُؤْتَى من قبلِ ذلكَ الضعيف. وهذا الحديثُ قد رواه عنه غيرُ واحدٍ من الثقاتٍ. وقد خرّجَ الإمامُ أحمدُ من روايةِ فرجٍ بنِ فضالةَ عن علي بنِ يزيدَ عن القاسمِ عن أبي أمامةَ عن النبيِّ نَّهَ قالَ: ((إن الله بعثَني رحمةً وهدى للعالمينَ، وأمرَني أن أمحقَ المزاميرَ والبرابطَ والمعازفَ والأوثانَ): وذكرَ بقيةَ الحديثِ، وفي آخرِهِ: ((ولا يحلُّ بيعُهُنَّ، ولا شراؤهنَّ، ولا تعليمُهنَّ، ولا تجارةٌ فيهنَّ، وثمنُهنَّ حرام)»(٢). يعني: الضاربات. وفرجُ بنُ فضالةَ مختلفٌ فيه أيضًا. ووثقه الإمامُ أحمدُ وغيرُه. وخرّجَ الإسماعيليُّ وغيرهُ، من حديث عمرَ بنِ الخطابِ ◌ِّه عن النَّبِىِّ وَّل وسلم قالَ: ((ثمنُ المغنيةِ حرامٌ، وغناؤُها حرامٌ)(٣) . وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ متفقٌ عليهِم، سوى يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ النوفليِّ. فإنه مُختلفٌ في أمرِهِ. وخرّجَ حديثَه هذا محمدُ بنُ يحيى الهمذاني في صحيحهِ وقال: في النفسِ مِنْ يزيدَ بنِ (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٤/٥)، والترمذي في ((الجامع)) (١٢٨٢). (٢) أخرجه: أحمد في («المسند» (٢٥٧/٥، ٢٦٨). (٣) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٧٣/١ ح ٨٧) بلفظ ((ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام)). ٧٩ سورة لقمان عبدِ الملكِ. مع أن ابن معين قالَ: ما كانَ به بأسٌ. وبوَّبَ الهمذانيَّ هذا في ((صحيحِهِ)) على: تحريمِ بيعِ المغنياتِ وشرائِهنَّ. وهو من أصحابِ ابنِ خزيمةَ وكانَ عالمًا بأنواعِ العلومِ. وهو أولُ منْ أظهرَ مذهبَ الشافعيِّ بهمذانَ واجتهدَ في ذلكَ بمالِهِ ونفسِهِ. وكانَ وفاتُه سنةَ سبعٍ وأربعينَ وثلاثمائة - رحمه الله تعالى -. وخرّجَ في بابِ تحريمٍ ثمنِ المغنيةِ من روايةِ أبي نعيمٍ الحلبيِّ عن ابنِ المباركِ عن مالكٍ عن ابنِ المنكدرِ عن أنسٍ عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((من قعدَ إلى قينة يستمعُ منها، صُبّ في أُذْنِيهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ)). وقال: أبو نعيم الحلبيَّ اسمه عبيدُ بنُ هشامٍ. قلتُ: قد وثقه أبو داودَ وقالَ: إنه تغيَّر بآخرة. وقد أنكرَ عليه أحاديثَ تفردَ بها، منها هذا الحديثُ. وفي النهي عن بيعِ المغنياتِ أحاديثُ أُخرُ عن عليّ وعائشةَ بِّها وغيرِهما، وفي أسانيدِهَا مقالٌ. وروى عامرُ بنُ سعد البجليُّ قال: دخلتُ على قرظةَ بنِ كعبٍ وأبي مسعودٍ الأنصاريِّ في عُرْسٍ، فإذا جواري يتغنينَ، فقلتُ: أنتم أصحابُ محمدٍ وأهلُ بدرٍ، ويُفعلُ هذا عندكُمْ؟! قال: اجلسْ إن شئْتَ واسمعْ، وإن شئتَ فاذهبْ؛ فإنَّه قد رُخِّصَ لنا في اللهوِ عندَ العرسِ. خرّجه النسائيُّ والحاكمُ (١) وقال: صحيحٌ على شرطِهما. والرخصةُ في اللهوِ عند العرسِ تدلُّ على النهيِّ عنهُ في غيرِ العُرسِ، ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ وَّ في حديث عائشةَ المتفقِّ عليه في ((الصحيحين))(٢): لَا دخلَ عليها وعندها جاريتانِ تغنيانٍ وتدفانٍ، فانتهرهُما أبو بكرِ الصِّدِيقُ فِيَّه، (١) أخرجه: النسائي (١٣٥/٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٨٤/٢). (٢) البخاري (٢٩/٢)، (٢٢٥/٤)، ومسلم (٢١/٣). ٨٠ سورة لقمان وقالَ: مَزمورُ الشيطان عندَ رسول اللَّهِ وَ لَ؟! فقالَ رسولُ اللَّهُ وَّ: ((دعهُما، فإِنَّها أيامُ عيدٍ)). فلم يُنكرْ قولَ أبي بكرٍ خِالَُّه. وإنّما علَّل الرخصةَ بكونهِ في يومٍ عيدٍ؛ فدلَّ على أنَّه يُباحُ في أيامٍ السرورِ: كأيامِ العيدِ، وأيامِ الأفراحِ: كالأعراسِ وقدومِ الغَّابِ، ما لا يُبَاحُ في غيرِها من اللهوِ. وإنما كانتْ دفوفُهم نحوَ الغرابيلِ وغناؤُهم بإنشادِ أشعارِ الجاهليةِ في أيامٍ حروبهِم وما أشبهَ ذلكَ. فمن قاسَ على ذلكَ سماعَ أشعارِ الغزلِ مع الدفوفِ المصلصلة، فقدْ أخطأ غايةَ الخطأ، وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بين الفرعِ والأصلِ . وقال ابنُ مسعود ◌ِّ: الغناءُ يُنْبتُ النفاقَ في القلب، كما ينبتُ الماءُ البقلّ(١). وقد رُوي عنه مرفوعًا. خرّجه أبو داود (٢) في بعضِ نسخِ السننِ، وخرّجه ابنُ أبي الدنيا والبيهقيَّ وغيرُهما. وفي إسنادِ المرفوعِ من لا يُعرفُ، والموقوفُ أشبهُ. وأما تحريمُ آلاتِ الملاهِي: فقد تقدَّم عن مجاهدِ أنَّه أدخلَها في صوتِ الشيطان المذكورِ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ ٠ [ الإسراء: ٦٤ ] (٣) (١) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٣/١٠). (٢) («السنن» (٤٩٢٧). (٣) ((نزهة الأسماع)) (ص ٢٩ - ٣٧).