Indexed OCR Text

Pages 1-20

رَوَائع النَّفْسِيْر
الَجَامِع لَنَّغِيرِ الإِمَام ابن رَحَبِ الخَبَكِي
تَفْسِيْر
د
دـ
د
للإمَامِ العَلَامَة
الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي
جَمَعْ وَتَألِيفْ وَيَعْلِيْق
أبِي مَعَاذ
طارق بن عوض اشدين محمد
اُلْجَلَّدُالثَّانِ
دَارُ الخَاصَّة
لِلنَشْرِ وَالتوزيع

جَميع الحُقوق محْفُوظة
الطّبعَة الأولى
١٤٢٢هـ- ٢٠٠١م
دَارُ القَاهِيمَة
المَمْلِكَة العَربيَّة السّعوديَة
الرياض - حرب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١
هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨ - فاكس ٤٩١٥١٥٤

رَوَائعالنّفسِير
الجامع ◌َّغير الإمام ابن رَحَبِ الَي
تَفْسِیر
د
2٠.

سُورَةُ المؤمنُونَ
ورو
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ
الذین
قد مدح اللَّه الخاشعينَ في صلاتِهِم، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
[ البقرة : ٤٥ ].
رُوي عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، قال: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تلينَ
كنفكَ للمسلمِ، وأن لا تلتفتَ في صلاتك(١) .
وعنه قال: الخشوعُ خُشُوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالاً .
وعن ابنِ عباسٍ قال: ﴿خاشعونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: خائفونَ ساكنون(٢).
وعنِ الحسنِ قال: كان الخشوعُ في قلوبِهِم، فغضُّوا له البصرَ، وخفضُوا
له الجناحَ.
وعن مجاهدٍ قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاةِ(٣).
وعنه قالَ: هو خفضُ الجناحِ وغضُّ البصرِ، وكان المسلمون إذا قامَ أحدُهُم
في الصلاةِ خافَ ربَّ أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ.
(١) أخرجه: وكيع في ((الزهد)) (٥٩٩/٢)، وابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٤٨).
(٢) أخرجه: ابن جرير في ((تفسيره)) (٣/١٨)، والبيهقي (٢٧٩/٢).
(٣) أخرجه: البيهقي (٢/ ٢٨٠).

٦
سورة المؤمنون
وعنه قالَ: العلماءُ إذا قامَ أحدُهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ عزَّ وجلَّ أن
يشذ نظرُهُ، أو يلتفتَ، أو يقلِّب الحصى، أو يعبثَ بشيءٍ، أو يحدِّثَ نفسَهُ
بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسيًا، ما دامَ في صلاتِهِ .
وعن الزهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ (١)
.
وعن سعيد بن جبيرٍ، قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَن عن يمينه،
ولا مَنْ عنْ شمالِهِ ولا يلتفتُ من الخشوعُ للَّه عزَّ وجلَّ.
ورُوي عن حذيفةَ أنه رأى رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ، فقالَ: لو خشعُ قلبُ
هذا لخشعتْ جوارحُهُ.
ورُوي عن ابنِ المسيبِ .
ورُوي مرسلاً(٢).
فأصلُ الخشوعِ: هو خشوعُ القلبِ، وهو انكسارُهُ للَّه، وخضوعُهُ وسكونُهُ
عن التفاتِهِ إلى غيرِ مَنْ هو بينَ يديهِ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها
تبعًا لخشوعِهِ، ولهذا كان النبيُّ وَ لَه يقولُ في ركوعِهِ: ((خشع لك سمعي،
وبصري، ومخِّي، وعظامي، وما استقلَّ به قدَمِي))(٣).
ومن جملةِ خشوعِ الجوارحِ: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينه أو
يساره.
٠٠
(١) أخرجه. عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٥٤/٢)، والطبري في تفسيره)) (٣/١٨).
(٢) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) (١١٠)، و((تكميل النفع)) لشيخنا محمد بن عمرو (حديث
٢١).
(٣) أخرجه: مسلم (١٨٥/٢).

٧
سورة المؤمنون
وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّهِ وَاجله يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن
يسارِه، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ، فخشع
رسولُ اللَّهُ بِّهِ، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً.
وخرَّجهُ الطبرانيُّ(١) من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة.
والمرسلُ أصحٌّ(٢).
إنَّ اللَّه سبحانه وتعالى مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والْمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ،
٠٠
والخاضعينَ .
فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًّا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا
خاشعين ﴾ [ الأنبياء: ٩٠].
وقالَ تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفَرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ووصفَ المؤمنينَ بالخشوعِ لهُ في أشرفِ عباداتهِمِ التَّي هُمْ علَيْهَا يحافظونَ،
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون: ٢٫١ ].
ووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوعِ، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا،
فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا
﴿هُ وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ بَيْكُونَ
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّا لَمَفْعُولاً
وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩:١٠٧].
١١
(١) ((المعجم الأوسط)) (٤٠٨٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٤ - ٣٣٨)

٨
سورة المؤمنون
وأصلُ الخشوعِ هو: لينُ القلبِ ورِقَّتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُه
وحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارحِ والأعضاءِ لأنَّها تابعةٌ
له، كما قال وَلّ: ((ألا إنَّ في الجسد مُضْغَةً، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ)(١).
فإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاء
وما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ. ولهذا كانُ النبيُّ ◌َّه يقولُ في ركوعِه في
الصلاة: ((خشعَ لك سمعِي وبصرِيٍ ومُخِّي وعظامِي))(٢).
وفي روايةٍ : ((وما استقلَّ به قدَمي)).
ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلاً يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا
لخشعتْ جوارِحُهُ.
ورُويَ ذلك عن حُذيفةً(٣) ◌ِوَثَه وسعيد بن المسيِّب(٤). ويُروى مرفوعًا
بإسناد لا يصح.
قال المسعوديُّ عن أبي سنان عمَّن حدَّثه عن علي بن أبي طالبٍ ◌ُوالَّه في
قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. قال: هوَ الخشوعُ في
القلب وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلمِ وأن لا تلتفتَ في صلاتك(٥).
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ - ٢١)، (٦٩/٣ - ٧٠)، ومسلم (٥ - ٥٠ - ٥١) من حديث النعمان
ابن بشير ضِه .
(٢) أخرجه: مسلم (١٨٥/٢ - ١٨٦) من حديث علي بن أبي طالب مِّه.
(٣) أخرجه: محمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٥٠).
(٤) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (٤١٩)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٦٦/٢)، وابن نصر
المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٥١).
(٥) أخرجه: وكيع في ((الزهد)) (٤٢٨)، وابن المبارك (٤٠٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٩٣/٢).

٩
سورة المؤمنون
وقالَ عطاءُ بنُ السائبِ عن رجلٍ عن عليٍّ ◌ِاثْتُه: ((الخشوعُ: خشوعُ
القلب، وأن لا يلتفتَ يميناً وشمالاً))(١).
وقال: عن علي بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ بِرّها في قوله تعالى : :
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. قال: خائفونَ ساكنون(٢).
وقال ابنُ شَوْذب عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى -: ((كان الخشوعُ في
قلوبِهِم فغضَّوا له البصرَ وخفضوا له الجَنَاحَ)).
وقال منصور عن مجاهد: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في
الصلاةِ(٣).
وقال ليث عن مجاهد: من ذلك: خفضُ الجناحِ، وغضُّ البصرِ، وكانَ
المسلمونَ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ خافَ ربه أن يلتفتَ عن يمينه أو
شماله .
وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ والطَرْفِ.
وقال الزهريُّ: هو سكونُ العبدِ في صلاتهِ(٤).
وعن قتادةَ قالَ: الخشوعُ في القلبِ هو الخوفُ وغضَّ البصرِ في الصلاةِ.
وقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه الله تعالى - في قولهِ تعالى:
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: متواضعينَ.
(١) أخرجه: ابن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٣٩).
(٢) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٣/١٨).
(٣) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٥)، والطبري في ((التفسير)) (٢/١٨).
(٤) أخرجه: عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٥٤/٢)، وابن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٤١)،
والطبري (٣/١٨).

١٠
سورة المؤمنون
وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوعِ فقالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، فاهتزازُهَا
وربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزِيلٌ لخشوعها، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ
عليه هو سكونُها وانخفاضُها .
وكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عن
اتّاعِ الهَوى، وينكسرُ ويخضعُ للَّه عز وجل، فيزولُ بذلك ما كانَ فيه من
البَأْوِ(١) والترفعِ والتعاظُمِ والتكُّرِ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِ
الأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ.
وقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوعِ في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ
لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، فخشوعُ الأصوات هو سكونُها
وانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا.
وكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفَارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوعِ، فدلَ
ذلك على دخولِ الخشوعِ في هذه الأعضاءِ كلِّها.
ومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغٍ قلبهِ من
الخشوعِ وخُلوِّه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الذي كانَ السلفُ يستعيذونَ
منه، كما قال بعضُهم: استعيذوا باللهِ من خشوعِ النفاقِ. قالوا: وما خشوعُ
النفاق؟ قال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع(٢) .
ونظر عمُر ◌ِّه إلى شابٌّ قد نكسَ رأسَه، فقالَ له: يا هذا، ارفع
a
(١) لم يستطع محقق الكتاب قراءتها، وقال: ((تشبه: الباة)) والصواب ما أثبتناه، و((البأو)): العظمة
والفخر والكبر.
(٢) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٦) من قول أبي الدرداء أو أبي هريرة ظريّها.

١١
سورة المؤمنون
رأسكَ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ.
فمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاق.
وأصلُ الخشوعِ الحاصلُ في القلبِ، إنَّما هوَ من معرفة الله، ومعرفة
عظمته وجلاله وكماله، فمن كانَ باللَّه أعرفَ كانَ له أخشعَ.
وتتفاوتُ القلوبُ في الخشوعِ بحَسبِ تفاوتِ معرفَتِهَا لمن خشعت،
وبحسبِ تفاوتٍ مشاهدةِ القلوبِ للصفاتِ المقتضيةِ للخشوعِ، فمِنْ خاشعِ
لقوةٍ مُطالعتهِ قُربَ اللَّهِ من عبدِهِ واطّلاعِهِ على سِرًِّ وضميرِه المقتضي
للاستحياءِ من اللَّهِ تعالى ومراقبتهِ في الحركاتِ والسكناتِ، ومن خاشع
لمطالعته لجلالِ اللَّه وعظمتهِ وكبريائهِ المقتضي لهيبتهِ، ومن خاشعٍ لمطالعتهِ
لكمالهِ وجمالهِ المقتضِي للاستغراقِ في محبتهِ والشوقِ إلى لقائهِ ورؤيتهِ، ومن
خاشعٍ لُطالعتهِ شدَّةً بطشِهِ وانتقامِه وعقابِهِ المقتضي للخوفِ منهُ.
وهو سبحانه وتعالى جابرُ القلوبِ المنكسرةِ لأجلِه فهو سبحانه وتعالى
يتقرّبُ من القلوبِ الخاشعةِ له كما يتقربُ ممن يناجيهِ في الصلاة، وَمَّن يعفِّرُ
له وَجْهَهُ في الترابِ بالسجودِ.
وكما يتقربُ من وفدِهِ وزوارٍ بيتهِ الواقفينَ بين يديه المتضرعينَ إليه في
الوقوف بعرفةَ ويدنُو ويباهِي بهم الملائكةَ.
وكما يتقربُ من عباده الدائبينَ له، السائلين له، المستغفرين من ذنوبهم
بالأسحارِ، ويجيبُ دعاءَهم ويعطِيهم سؤالَهم.
ولا جَبَر لانكسارِ العبدِ أعظمُ من القربِ والإجابةِ.

١٢
سورة المؤمنون
روى الإمامُ أحمدُ - رحمه الله تعالى - في كتابِ ((الزهد))(١) بإسناده عن
عمرانَ القصير قال: ((قالَ موسى بنُ عمرانَ - عليه السلام -: أي ربِّ أين
أبغيكَ؟ قال: ابغني عندَ المنكسرةِ قلوبُهم، إنَّي أدنو منهُمْ كلَّ يومٍ باعًا، ولولا
ذلكَ لانهدمُوا» .
وروى إبراهيمُ بن الجُنَيد - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ ((المحبةِ)): عن
جعفر بن سليمانَ قالَ: سمعتُ مالكَ بنَ دينارٍ يقولُ: ((قال موسى - عليه
السلام -: إلهي أين أبغيكَ؟ فأوحَى اللَّهُ عز وجلَّ إليه: أن يا موسى ابغني
عند المنكسرةِ قلوبُهم، فإني أدنُو منهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ باعًا ولولا ذلك
لانهدمُوا، قال جعفر: فقلتُ لمالك بن دينار: كيف المنكسرةُ قلوبُهم؟ فقال:
سألتُ الذي قرأَ في الكتب فقال: سألتُ الذي سألَ عبد اللَّه بن سلام
فقالَ: سألت عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ عن المنكسرةِ قلوبُهم ما يعني؟ قال: المنكسرةُ
قلوبُهم بحبِّ اللَّهِ عز وجل عن حبٌّ غيرهِ)).
وقد جاءَ في السنةِ الصحيحةِ ما يشهدُ لقربِ اللَّهِ من القلبِ المنكسرِ ببلائِهِ
الصابرِ على قضائِهِ أو الراضِي بذلكَ، كما في ((صحيحِ مسلمٍ))(٢) عن أبي
هريرةَ فِالَّه عن النبي ◌َّ: ((يقولُ اللَّه عز وجل يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدمَ مرضتُ فلم
تَعُدْني، قال: يا ربِّ كيف أعودُك وأنتَ ربُّ العالمينَ؟ قال: أَمَا علمتَ أنَّ عبدي فُلانًا
مرضَ فلم تَعُدْهُ، أما علمت أنّكَ لو عُدتَهُ لوجَدْتني عندَهُ).
وروى أبو نُعيمٍ من طريقِ ضمرةً عن ابن شَوْذبٍ قالَ: ((أوحى اللَّهُ تعالى
(١) (ص ٧٥).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٣/٨).

١٣
سورة المؤمنون
إلى موسَى - عليه السلامُ -: أتدرِي لأيِّ شيءٍ اصطفيتُكَ على الناسِ
برسالاتِي وبكلامِي؟ قال: لا يا ربِّ! قال: لأنه لم يتواضع لي أحدٌ
تواضُعَكَ))(١) .
وهذا الخشوعُ هو العلمُ النافعُ، وهو أولُ ما يُرفعُ من العلمِ.
خرَّجِ النَّسائيُ(٢) من حديثِ جُبير بن نفيرِ بِالَّهُ عن عَوْفِ بن مالكِ مِنَّهِ أنَّ
رسولَ اللَّهِ بِّهِ نظرَ إلى السماءِ يومًا وقال: ((هذا أوانُ يُرفِعُ العلمُ) فقال رجلٌ
من الأنصار - يُقالُ له: زيادُ بن لَبيدٍ -: يا رسولَ اللَّه: ويُرْفَعُ العلمُ وقد أُثبتَ
وَوَعَتْهُ القُلوبُ؟ فقال له رسولُ اللَّهِ بَلَهُ: ((إنْ كنتُ لأحسبكَ من أفقهِ أهلِ المدينةِ))
وذكرَ ضلالةَ اليهودِ والنصارَى على ما في أيديهم من كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
قال: فلقيتُ شدَّاد بنَ أوسِ فحدثتُه بحديثِ عوف بن مالك، فقال: صدقَ
عوفٌ، ألا أخبرُكَ بأول ذلك يُرفع؟ قلتُ: بلى، قالَ: الخشوعُ، حتَّى لا ترى
خاشعًا .
وخرَّجه الترمذيُّ(٣) من حديثٍ جبير بن نفيرٍ عن أبي الدرداءَ عن النبي
وَلَو - بنحوِه، وفي آخره: قال جبيرٌ: فلقيتُ عبادةَ بنَ الصامت، فقلتُ: ألا
تسمعُ ما يقولُ أخوك أبو الدرداء - فأخبرتُه بالذي قال؟ قال: صدقَ أبو
الدرداء، لو شئتَ لحدثتك بأول علمٍ يُرفع من الناسِ: الخشوعُ، يوشكُ أن
تدخلَ مسجدَ الجامع فلا تَرى فيه رجُلاً خاشعًا.
(١) ((الحلية)) (١٣٠/٦).
(٢) ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) للمزي (١٠٩٠٦)، وهو عند أحمد (٢٦/٦)، والحاكم
(٩٨/١).
(٣) ((الجامع)) (٢٦٥٣).
٠

١٤
سورة المؤمنون
وقد قيل: إن روايةَ النسائيِّ أرجحُ.
وقد روى سعيدُ بنُ بشيرِ عن قتادة عن الحسنِ - رحمه الله تعالى - عن
شدَّادِ بنِ أوسٍ عن النبيِ بَّ قال: ((أولُ ما يرفعُ من الناسِ الخشوعُ)) فذكره(١).
ورواه أبو بكرِ بنِ أبي مريمَ عن ضمرةَ بنِ حبيبٍ مُرسلاً(٢) .
ورُوي نحوه عن حذيفةَ من قولهِ .
فالعلمُ النافعُ هو ما باشرَ القلوبَ فأوجبَ لها السكينةَ والخشية والإخباتَ
للَّه والتواضعَ والانكسارَ له، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك من العلمِ، وإنما كانَ
على اللسانِ فهو حُجَّةُ اللَّهِ على ابنِ آدمَ يقومُ على صاحبهِ وغيرِهِ، كما قالَ
ابنُ مسعودٍ ◌ِنَّه: ((إنَّ أقوامًا يقرأونَ القرآنَ لا يُجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقعَ
في القلبِ فَرَسَخ فيه نَفَع)) خرَّجه مسلم(٣).
وقال الحسنُ - رحمه اللّه تعالى -: العلمُ عِلمانِ: علمٌ باللسانِ وعلمٌ
بالقلبِ، فعلمُ القلبِ: هو العلمُ النافعُ، وعلمُ اللسان: هو حجة اللَّه على
ابنِ آدمَ.
ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلاً عن النبيِّ وَّلَ ورويَ عنه
عن جابرٍ مِنَّه مرفوعًا، وعنه عن أنسٍ فِتَّه مرفوعًا، ولا يصحُّ وصلُه.
فأخبر النبيَّ وَّ أن العلمَ عندَ أهلِ الكتابَينِ من قَبلنا موجودٌ بأيديهم ولا
ينتفعونَ بشيءٍ منُه لَّا فقدُوا المقصودَ منهُ، وهو وصولُه إلى قلوبِهِمٍ، حتى
يجدُوا حلاوةَ الإيمان به ومنفعتَه بحصولِ الخشيةِ والإنابةِ لقلوبهِم، وإنما هُوَ
علَى ألسنتهم تقومُ به الحُجَّةُ عليهِم.
(١) أخرج: الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٩٥/٧).
(٢) أخرجه: أحمد في ((الزهد)) (ص ٣٩٥).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢٠٤/٢).

١٥
سورة المؤمنون
ولَهَذا المعنى وَصَفَ اللَّهُ تعالَى في كتابهِ العلماءَ بالخشية كَمَا قالَ اللَّه
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعَلَمَاءَ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةً
رَبِهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
ووصفَ العُلماءَ من أهلِ الكتابِ قبلَنا بالخشوع؛ كَما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًّاً ﴿١٠:٧﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ
١
وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُم خُشُوعَا﴾
٠٨
رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً
[الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩ ].
فقولُهُ تباركَ وتعالَى في وصفِ هؤلاءِ الذينَ أوتُوا العلم: ﴿وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَان
بَيْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. مدحٌ لمن أوجبَ له سماعُ كتابِ اللَّهِ
الخُشُوعَ في قلبهِ، وقالَ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي
ضلال مبين
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
93
٢٢
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢، ٢٣].
ولينُ القلوبِ هو زوالُ قسوتِهَا بحدوثِ الخُشوعِ فيها والرقةِ .
وقد وبَّخ اللَّهُ من لا يخشعُ قلبُهُ لسماعِ كلامِهِ وتدبُّرِهِ، قالَ سبحانه: ﴿أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[ الحديد : ١٦].
قالَ ابنُ مسْعود ◌ِّتُه: «ما كانَ بين إسلامنا وبينَ أنْ عوتبْنا بهذه الآيةِ إلا
أربعَ سنينَ)) خرَّجه مسلمٌ(١)، وخرَّجه غيره وزادَ فيه: ((فجعلَ المسلمونَ يعاتبُ
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٤٣/٨).

١٦
سورة المؤمنون
بعضهم بعضًا».
وخرَّجَ ابنُ ماجه(١) من حديث ابنِ الزُّبِيرِ ◌ِثُه قالَ: ((لم يكنْ بينَ
إسلامِهِم وبينَ أن نزلَتْ هذه الآيُّةُ يعاتبهُمُ اللَّهُ بها، إلا أربعَ سنينَ)) .
وقد سمعَ كثيرٌ من الصالحينَ هذه الآيةَ تُتلى، فأثّرتْ فيهم آثارًا متعددةً
فمنهُم من ماتَ عند ذلكَ لانصداعٍ قلبهِ بها، ومنهُم من تابَ عند ذلكَ وخرجَ
عما كانَ فیه.
وقد ذكرنا أخبارَهم في كتابِ («الاستغناءِ بالقرآنِ».
وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْأَنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِعًا مَنْ خَشْيَةِ اللَّه
وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
قال أبو عمرانَ الجونيِّ: واللَّه؛ لقدْ صرفَ إلينا ربّنا في هذا القرآنِ ما لو
صرفَهُ إلى الجبالِ لحتَّها وجَبَاهَا(٢) .
وكان مالكُ بنُ دينار - رحمه اللَّهُ - يقرأُ هذه الآيةَ ثمَّ يقولُ: أقسمُ لكم،
لا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدِّع قلبُهُ(٣).
ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - قالَ: يا ابنَ آدمَ، إذا وسوسَ لك
الشيطانُ بخطيئة أو حدَّثَت بها نفسَكَ، فاذكرْ عندَ ذلكَ ما حَملَكَ اللَّهُ من
كتابِهِ مما لو حملتْهُ الجبالُ الرواسي لخشعتْ وتصدَّعتْ أمَا سمعتَه يقولُ: ﴿لَوْ
أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
(١) («السنن)) (٤١٩٢).
(٢) أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١١/٢).
(٣) أخرجه: أحمد في ((الزهد)) (ص ٣١٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٧٩/٢).

١٧
سورة المؤمنون
فإنما ضرب لكَ الأمثالَ لتتفكرَ فيها وتعتبرَ بِها وتزدجرَ عن معاصي الله عز
وجل، وأنتَ يا ابنَ آدمَ أحقُّ أن تخشعَ لذكرِ اللَّهِ وما حَمَّكَ من كتابِهِ وآتاكَ
من حكمه، لأنَّ عليكَ الحسابَ ولكَ الجنةُ أو النارُ.
وقد كان النبيُّ مَ﴿ يستعيذُ باللَّهِ من قلبٍ لا يخشعُ، كما في ((صحيحِ
مسلمٍ))(١) عن زيدِ بنِ أرقمَ: أن النبيَّ وَّ كانَ يقولُ: ((اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من
علمٍ لا ينفعُ، ومن قلب لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوة لا يُستجابُ لَها)).
وقد رُويَ نحوُهُ عن النبيِّ ◌َِّ من وجوهِ متعددةٍ.
ويُروى عن كعب الأحبارِ قالَ: مكتوبٌ في الإنجيلِ: ((يا عيسى، قلبٌ لا
يخشعُ عملُه لا ينفعُ، وصوتُه لا يُسمِعُ، ودعاؤُهُ لا يُرفعُ».
قال أسدُ بنُ موسى في كتابِ ((الورعٍ)): حدثنا مُباركُ بنُ فَضالةَ قالَ: كان
الحسنُ - رحمه الله تعالى - يقولُ: إن المؤمنينَ لَمَّا جاءَتْهُم هذه الدعوةُ من
اللَّه صدَّقَوا بها وأفْضَى يقينُها إلى قلوبِهِم خشعتْ لذلكَ قلوبُهُم وأبدانُهم
وأبصارُهم، كنتَ واللَّهِ إذا رأيتَهم رأيتَ قومًا كأنَّهم رَأيُ عينٍ، فواللّهِ؛ ما
كانُوا بأهلِ جدلٍ ولا باطلٍ، ولا اطمأنُّوا إلا إلى كتاب اللَّه، ولا أظهُرُوا ما
ليسَ في قلوبِهِم، ولكنْ جاءَهُم عن اللَّهِ أمرٌ فصدَّقوا به، فَنَعَتَهُم اللهُ تعالى
في القرآنِ أحسنَ نعتِ فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنَا﴾
[ الفرقان : ٦٣ ].
قال الحسنُ: الهونُ في كلام العرب، اللينُ والسكينةُ والوقارُ. قال: ﴿ وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
قال: حلماءُ لا يجهلونُ، وإذا جُهلَ عليهِم حَلموا، يُصاحبونَ عبادَ الله
(١) (صحيح مسلم)) (٨١/٨).

١٨
سورة المؤمنون
نهارهم بما تسمعونَ، ثم ذكرَ ليلَهم خيرَ ليلِ فقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيْتُونَ لِرَبِّهِمْ
سُجَّدًا وَقِيَامَا﴾ [الفرقان: ٦٤].
ينتصبون للَّه على أقدامهم، ويفترشونَ وجوهَهُم لربِّهم سُجدًا، تجري
دموعُهم على خُدودِهم فرقًا من ربِّهم لأمرٍ ما، أسْهَرُوا له ليلَهم، ولأمرٍ ما،
خَشَعُوا له نهارَهُم، ثم قالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ
عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
قال: وكلُّ شيءٍ يُصيبُ ابنَ آدَمَ ثُمَّ يزولُ عنه فليس بغرامٍ، إنما الغرامُ:
اللازمُ له ما دامت السماواتُ والأرضُ، قالَ: صدقَ القومُ، والله الذي لا إله
إلا هوَ، فعمِلُوا ولم يتمنَوا، فإياكم - رحمكم اللَّهُ - وهذه الأماني، فإن اللَّهَ
لم يُعطِ عبدًا بالأمنيةِ خيرًا قطَّ في الدنيا والآخرةِ، وكانَ يقولُ: يَالَهَا موعظة
لو وافقت من القُلوبِ حياةً.
وقد شرعَ اللَّهُ لعبادِهِ من أنواعِ العباداتِ ما يظهر فيه خشوعُ الأبدان
الناشيءُ عن خشوعِ القلبِ وذُلِّه وانكسارِهِ، ومن أعظمٍ ما يظهرُ فيه خشوعُ
الأبدان للَّهِ تعالى مِنَ العبادات: الصلاةُ، وقد مدحَ اللَّهُ تعالى الخاشعينَ فيها
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون: ١ - ٢].
وقد سبقَ بعضُ ما قاله السلفُ في تفسيرِ الخشوعِ في الصلاةِ.
وقال ابنُ لَهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينارٍ رحمه اللّه تعالى عن سعيد بن جبيرِ -
رحمه الله تعالى -: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] يعني:
متواضعينَ لا يعرفُ مَنْ عنْ يمِينِهِ ولا مَنْ عن شمالهِ، ولا يلتفتُ في الخشوعِ
للَّه عزَّ وجلَّ.

١٩
سورة المؤمنون
وقال ابنُ المباركِ عن أبي جعفرٍ عن ليثٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّ قَانتِينَ
[ البقرة: ٢٣٨].
قال: القنوتُ: الركونُ والخشوعُ وغضَّ البصرِ وخفضُ الجناح من رهبة اللَّه
عز وجل(١).
قال: وكانَ العلماءُ إذا قامَ أحدهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ عزَّ وجلَّ أن
يشذَّ نظرُهُ أو يلتفتَ أو يُقُلِّبَ الحصى أو يعبثَ بشيءٍ أو يُحدِّثَ - يعني:
نفسهُ - بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسِيًا، ما دامَ في صلاتهِ.
وقال منصورٌ عن مجاهدٍ رحمه اللَّهُ تعالى في قوله تعالى: ﴿ سيمَاهُمْ فِي
وُجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩].
قال: الخشوعُ في الصلاةِ(٢).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ(٣) من حديثِ الفضلِ بن عباسٍ
حُِّها عن النبيِّ وَّلِ قالَ: «الصلاةُ مثنى مثنى، تشهَّدُ في كلِّ ركعتينٍ، وتخشَّعُ
وتضَّرِّعُ، وتمسْكَنُ، وتُقْنعُ يديك)) يقولُ: («تَرْفِعُهُما إلى ربِّك عزَّ وجلَّ وتقولُ: يا رب یا
رب يا رب ثلاثًا فمنْ لم يفعلْ ذلكَ فهي خِدَاجٌ)).
وفي ((صحيح مسلم)) (٤) عن عثمانَ ظِتَُّ عن النبيِّ وَّهِ قالَ: ((ما من امرئٍ
مسلمٍ تحضرُه صلاةٌ مكتوبةٌ فيحسنُ وُضوءَها وخشوعَها وركوعَها إلا كانَت كفارةً لما
(١) أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٢/٣).
(٢) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٢٦/ ٧٠).
(٣) أخرجه: أحمد (٢١١/١)، والترمذي (٣٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف))
(١١٠٤٣).
(٤) مسلم (١/ ١٤٢) ..

٢٠
سورة المؤمنون
قبلَها من الذنوب، ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ، وذلكَ الدهرَ كلَّه)).
فممَّا يظهرُ فيه الخشوعُ والذلُّ والانكسارُ من أفعالِ الصلاةِ: وضعُ اليدين
إحداهما على الأخرى في حالِ القيامِ، وقد رُوي عن الإمام أحمدَ - رحمه
اللَّه - أنه سُئُلَ عن المرادِ بذلكَ، فقالَ: هو ذلٌّ بين يَدِي عزيزٍ (١).
قال عليٌّ بنُ محمد المصريُّ الواعظُ - رحمه الله تعالى -: ما سمعتُ في
العلمِ بأحسنَ من هذا(٢) .
ورُوي عن بِشرِ الحافي - رحمه اللّه تعالى - أنه قال: ((أشتهي منذ أربعينَ
سنةً أن أضعَ يدًا على يدٍ في الصلاةِ ما يمنعني من ذلكَ إلا أن أكونَ قد
أظهرتُ من الخشوعِ ما ليس في القلبِ مثلُه)) (٣) وروى محمدُ بنُ نصر
المروزيُّ - رحمه اللَّه تعالى - بإسنادِهِ عن أبي هريرةَ ◌ِثُه قال: يُحشرُ الناسُ
يومَ القيامةِ على قدرِ صنيعهم في الصلاةِ(٤)، وفسرهُ بعضُ رواته (٥) فقبضَ
شمالَه بيمينه وانحنَی هكذا.
وبإسناده عن أبي صالحِ السمَّانِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يُبعثُ الناسُ
يومَ القيامةِ هكذا، ووضَع إحْدى يديه على الأخرَى(٦).
وملاحظةُ هذا المعنى في الصلاةِ يُوجبُ للمصلِّي أن يتذكَّرَ وقوفَه بين يدي
الله عزَّ وجلَّ للحسابِ.
(١) رواه ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (٨٤/١).
(٢) ذكره في ((طبقات الحنابلة)) (٢٢٩/١).
(٣) رواه الخطيب - (٣٩٩/١٤).
(٤) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٣٣١).
(٥) وهو أبو النضر، كما في الأثر السابق.
(٦) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٣٣٢).