Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ سورة الكهف حسناتُهُ، ثم نظرَ إلى أعلاها فإذا هي قد بُدِِّتْ حسناتٍ، ورُوي عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن أبي عثمانَ من قولِهِ وهو أصحٌ. وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن بعضِ أصحابِ معاذِ بنِ جبلٍ، قالَ: يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ على أربعة أصناف: المتقينَ، ثم الشاكرينَ، ثم الخائفينَ، ثم أصحابُ اليمينِ. قيلَ: لِمَ سُمُّوا أصحابَ اليمينِ؟ قال: لأنَّهم عملُوا الحسنات والسيئاتٍ، فأعطُوا كتبهم بأيمانهمٍ، فقرءُوا سيئاتِهُم حرفًا حرفًا، قالُوا: يا ربَّنا هذه سيئاتُنا فأين حسناتنا؟ فعندَ ذلك محا اللَّهُ السّيئات، وجعلَها حسنات، فعند ذلك قالُوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فهم أكثر أهلِ الجنةِ . وأهلُ هذا القول قد يحملونَ أحاديثَ محوِ السيئاتِ بالحسناتِ على محوِ عقوبتها دون محوٍ كتابتها من الصحفِ، والله أعلمُ(١). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قال ابن الجوزي في (المقتبس)): سمعت الوزير (٢) يقول في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] قال: ((التاء)) من حروف الشدّة، تقول في الشيءِ القريبِ الأمر: ما اسطعتُه، وفي الشَّديد: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه وشدَّته(٣). (١) ((جامع العلوم والحكم)) (١ / ٤٧٠ - ٤٧٣). (٢) هو : يحيى بن محمد بن هبيرة. (٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٥/٣). ورؤ /٠/٥ سورة مريم قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفَلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ولا يزالُ أهلُ جهنّم في رجاء الفرجِ إلى أنْ يُذْبِحَ الموتُ، فحينئذٍ يقعُ منهم الإياسُ وتعظم عُليهم الحسرة والحزنُ. وفي (الصحيحين)(١) عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ بَلّ قالَ: ((يجاءُ بالموتِ يومَ القيامة كأنه كبشٌ أملحُ، فيوقفُ بين الجنة والنار، فيقالُ: يا أهلَ الجنة هل تعرفونَ هذا؟ فيشرئبونَ، وينظرونَ، ويقولونَ: نعم، هذا الموتُ، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا فيشرئبونَ وينظرونَ، فيقولون: نعم، هذا الموتُ، قال: فيؤمرُ به فيذبحُ، ثم يقالُ: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موتٌ، ويا أهل النار خلودٌ فلا موتٌ). ثم قرأ رسولُ اللّهِ بَّهِ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وخرَّجه الترمذيُّ (٢) بمعناه، وزادَ: ((فلولا أنَّ اللَّهَ قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتُوا فرحًا، ولولا أن اللَّه قضى لأهل النارِ بالحياة والبقاء لماتُوا ترَحًا». وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه(٣) معناه من حديث أبي هريرةَ (١) البخاري (١١٧/٦ - ١١٨)، ومسلم (١٥٢/٨). (٢) الترمذي (٣١٥٦). (٣) أحمد (٣٦٨/٢ - ٣٦٩)، والترمذي (٢٥٥٧)، وابن ماجه (٤٣٢٧). ٦٦٣ سورة مريم عن النبيِّ وَّ وقال فيه: ((إنَّ أهل الجنة يطلعون خائفينَ وجلينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هم فيه، وإنَّ أهلَ النار يطلعُون مستبشرينَ فرحينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هم فيه)) وفي روايةِ الترمذيِّ: ((مستبشرينَ يرجونَ الشفاعةَ)). وخرَّجاه في ((الصحيحينِ)) (١) من حديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ وَّ بمعناه، وفي حديثِهِ ((فيزدادُ أهل الجنةِ فرحًا إلى فرحِهِم، ويزدادُ أهلُ النارِ حزنًا إلى حزنهِم)) وخرَّجه الترمذيُّ(٢) من حديث أبي سعيدٍ عن النبيِّ وَّ مختصرًا، وفيه : ((فلو أنَّ أحدًا مات فرحًا لماتَ أهلُ الجنة، ولو أنَّ أحدًا ماتَ حزنًا لماتَ أهلُ النار)). وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ من قولِهِ نحوَ هذا المعنى غير مرفوعٍ وزادَ: ((أنه ينادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هو الخلودُ أبد الآبدينَ))، قال: فيفرحُ أهلُ الجنةِ فرحةً لو كان أحدٌ ميتًا من فرحه لماتُوا، ويشهقُ أهلُ النارِ شهقةً لو كان أحدٌ ميتًا من شهقه لماتُوا، فذلك قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِي الأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]. ورَوَى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن هشامٍ بنِ حسانَ، قالَ: مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ بكثيبٍ من رملٍ فبكى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنينَ؟ قال: ذكرتُ أهلَ النارِ فلو كانُوا مخلدينَ في النارِ بعددِ هذا الرملِ كانَ لهم أمدٌ يمدون إليه أعناقَهُم ولكنَّه الخلودُ أبدًا؛ وقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ هذا المعنى أيضًا مرفوعًا، وموقوفًا، وسنذكره فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى. (١) البخاري (١٤١/١٨)، ومسلم (١٥٣/٨). (٢) الترمذي (٢٥٥٨). ٦٦٤ سورة مريم وأمَّا عصاةُ الموحدينَ: فإنه ربما ينفعهم الدعاءُ في النارِ، خرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث أبي ظلالٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ ◌ِجَلّ قالَ: ((إنَّ عبدًا في جهنّم لينادي ألفَ سنة: يا حنانُ يا منانُ، فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لجبريل عليه السلامُ: اذهب فأتني بعبدي هذا، فيذهبُ جبريلُ فيجدُ أهلَ النارِ منكبينَ يبكونَ، فيرجعُ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ فيخبره، فيقولُ: أتني به فإنَّه في مكان كذا وكذا، فيجيءُ به ویوقفُهُ علی ربِّه، فيقولُ له: یا عبدي كيفَ وجدتَ مكانَكَ؟ فيقولُ: يا ربِّشرُّ مكان وشرُّ مقيل، فيقولُ: ردُّوا عبدي، ء فيقولُ: يا ربِّما كنتُ أرجُو إذ أخرجْتَني منها أن تردَّني، فيقولُ: دعُوا عبدي)). أبو ظلال اسمُهُ هلالٌ؛ ضعفوه. خرَّج الترمذيُّ(١) من طريق رشدين بنِ سعدٍ، حدثني ابنُ أنعمَ - هو الإفريقيّ -، عن أبي عثمانَ أنه حدثه عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّلِ قالَ: ((إنَّ رجلينِ ممن دخلَ النارَ اشتدَ صياحُهما، فقالَ الربُّعزَّ وجلَّ: أخرجُوهما، فلما خرَجا، قال لهما: لأيِّ شيء اشتدَّ صياحُكما، قالا: فعلنا ذلك لترحَمنا، قال: رحمتي لكُما أن ے تنطلقَا فتلقيا أنفسكُما حيث كنتُما من النار، قال: فينطلقان فيلقي أحدُهُما نفسَه، فيقولُ له الربُّ عزَّ وجلَّ: ما منعك أن تلقيَ نفسَكَ كما ألقى صاحبُك؟ قال: إني لأرجو أن لا تعيدَنَي فيها بعدَما أخرجتني، فيقولُ له الربُّ عزَّ وجلّ: لك رجاؤك، فيدخلاَ جميعًا الجنةَ برحمة اللَّه عزَّ وجلَّ))، قال الترمذيُّ: إسنادُ هذا الحديثُ ضعيفٌ. وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٢) عن أنسٍ عن النبيِّ نَّ قالَ: ((يخرجُ من النار أربعةٌ فيعرضونَ على اللَّه عزَّ وجلَّ، فيلتفتُ أحدُهُم فيقولُ: أي ربِّ إذْ أخرجتني منها فلا تعدني فيها، قال: فينجيه منْهَا)). (١) الترمذي (٢٥٩٩). (٢) مسلم (١٢٣/١). ٦٦٥ سورة مريم وخرَّجه ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(١) وعندَهُ: ((فيلتفتُ فيقولُ: يا ربِّ ما كانَ هذا رجائي فيكَ، فيقولُ: ما كان رجاؤك؟ قال: كانَ رجائي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها، فيرحمَهُ اللَّهُ فيدخلهُ الجنةَ)). وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٢) من روايةِ عليٍّ بنِ زيدِ بنِ جدعانَ عن ابنِ المسيبِ عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إن آخرَ رجلينِ يخرجانِ من النارِ فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لأحدِهما: يا ابنَ آدمَ ماذا أعددتَ لهذا اليومِ؟ هل عملتَ خيرًا قط؟ هل رجوتني؟ فيقولُ: لا ، أي ربِّ، فيؤمرُ به إلى النارِ، فهو أشدُّ أهلِ النار حسرةً، ويقولُ للآخرِ: ماذا أعددتَ لهذا اليومِ؟ هل عملتَ خيرًا قط أو رجوتني؟ فيقولُ: لا، أي ربِّ، إلا أني كنت أرجوك، قال: فيرفعُ له شجرةً))، وذكر الحديثَ في دخولِهِ الجنةِ وما يُعطَى فيها. وخرَّج هناد بنُ السريِّ من طريقِ أبي هارونَ العبديِّ وفيه ضعفٌ شديدٌ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ وَّلَهَ: ((أن رجالاً يدخلُهُمُ اللَّهُ النارَ فيحرقُهُم بها حتى يكونُوا فحمًا أسودَ، وهم أعلَى أهلِ النارِ، فيجأرونَ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ يدعونَهُ، فيقولونَ: ربنا أخرجْنَا منها، فاجعلنا في أصلِ هذا الجدارِ، فإذا جعلَهُم في أصلِ الجدارِ رأوا أنه لا يُغني عنهم شيئاً، قالُوا: ربَّنا اجعلنا من وراء هذا السور، لا نسألُك شيئًا بعدَهُ، فيرفع لهم شجرةً حتى تذهب عنهم سخنةُ النارِ - أو: شحنة النار)) وذكر الحديث (٣). (١) ابن حبان (٢/ ح ٦٣٢). (٢) أحمد (٧٤/٣). (٣) ((التخويف من النار)) (١٦٦ - ١٦٩). ٦٦٦ سورة مريم قوله تعالى: ﴿وَإِن مّنكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا ثُمَّ نْنَجّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جئيًّا ﴾ ٧١ مَّقْضًّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَّا مَّقْضِيًّا الآيْ ثُمَّ نُنَجّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِيًّا﴾ [مريم: ٧١ -٧٢]. روى إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ قالَ: بكَى عبدُ اللَّه بنُ رواحةَ فبكتِ امرأتُهُ، فقالَ لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتُك تبكي فبكيتُ، قال: إني ذكرتُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِن مَّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١] وقد علمتُ أنِّي داخلُها، فلا أدري أناجٍ منها أنا أم لا؟ وروى ابنُ المباركِ عن عبادِ المقبريِّ، عن بكرِ المزنيِّ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآيةُ ﴿وَإِن مَّنِكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ذهبَ ابنُ رواحةَ إلى بيتِهِ فبكَى، وجاءت المرأةُ فبكتْ، وجاءت الخادمُ فبكتْ، ثم جاءَ أهلُ البيتِ فجعلُوا يبكونَ كلُّهم، فلما انقطعتْ عبرتُهُ قالَ: يا أهلاه ما يبكيكُم؟ قالُوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناكَ تبكي فبكينَا، قالَ: آيةٌ نزلتْ على رسولِ اللَّهِ وَلَّه ينبتُني فيها ربِّي أني واردٌ النارَ ولم ينبئني أني صادِرٌ عنها. وقال موسى بنُ عقبةَ في ((مغازيه)): زعمُوا أنَّ ابنَ رواحةَ بكى حينَ أرادَ الخروجَ إلى موتِهِ، فبكَى أهلُه حينَ رأوه يبكي، فقالَ: واللهِ ما بكيتُ جزءًا من الموتِ ولا صبابةً لكُم، ولكنِّي بكيتُ جزعًا من قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن مَنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا ﴾ [ مريم: ٧١] فأيقنتُ أني واردُها ، فلا أدري أنْجُو منها أم لا؟ وقال حفصُ بنُ حميدٍ عن شمرِ بنِ عطيّةً: كان عمرُ بنُ الخطاب ◌ِوَّه إذا قرأ هذه الآيةَ يبْكِي، ويقولُ: ربِّ أنا ممن تُنجي أم من تذرُ فيها جثًّا. ٦٦٧ سورة مريم ورَوى أبو إسحاقَ عن أبي ميسرةَ: أنه كان إذا أوى إلى فراشه، قالَ: یا ليتَ أمي لم تلدْني، فقالتْ له امرأتُهُ: يا أبا ميسرةَ إنَّ اللَّهَ قد أحسنَ إليكَ هداكَ للإِسلامِ، قالَ: أجل، إنَّ اللَّهَ يبيِّنُ لنا أَنَّا واردُو النار ولم يبيِّنْ أَنَّا صادرونَ منها . وروينا من طريقِ سفيانَ بنِ حسينٍ عن الحسنِ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَ ﴿ إذا التقوا يقولُ الرجلُ منهم لصاحبِهِ: هل أتاكَ أَنَّكَ وارِدٌ النارَ؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: هل أتاكَ أَنَّك خارجٌ منها؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: ففيم الضحكُ إذًا؟ وقالَ ابنُ عيينةَ عن رجلٍ عن الحسنِ، قالَ رجلٌ لأخِيه: يا أخي هل أتاكَ أَنَّكَ واردٌ النارَ؟ قال: نعم، قال: هل أتاكَ أَنَّك خارجٌ منها؟ قالَ: لا ، قالَ: فقيم الضحكُ إذًا؟ قالَ: فما رُئُي ضاحكًا حتى ماتَ. وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، حدثنا المباركُ بنُ فضالةَ، عن الحسنِ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال: قالَ رجلٌ لأخيه: فقدْ جاءكَ عن اللَّه أنَّك واردٌ جهنم؟ قال: نعم، قالَ: فأيقنتَ بالورودِ؟ قال: نعم، قال: فأيقنتَ وصدَّقَتَ بذلكَ؟ قال: نعم، وكيفَ لا أصدِّقُ وقد قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِن مَّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتَمَا مَّقْضِيًّاً﴾ [مريم: ٧١] قال: فأيقنتَ أنك صادرٌ عنها؟، قالَ: والله ما أدري أأصدُرُ عنها أم لا؟ قالَ: فقيم التثاقُل؟، وفيم الضحكُ؟، وفيمَ اللعبُ؟ قال أحمدُ: وحدثنا خلفُ بنُ الوليد، حدثنا المباركُ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لا - واللَّهِ - إنْ أصبحَ فيها مؤمنٌ إلا حزينًا، وكيف لا يحزنُ المؤمنُ، ٦٦٨ سورة مريم وقد جاءَهُ عن اللَّهِ أنه واردٌ جهنمَ ولم يأتِهِ أنه صادرٌ عنها. قال أحمدُ: وأنبأنا حسينُ بنُ محمد، حدثنا ابنُ عياشٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينار أنَّ لقمانَ، قال لابنِهِ: يا بنيَّ كيف يأمنُ النارَ من هُو واردُها؟ وقد اختلفَ الصحابةُ ومن بعدهم في تفسيرِ الورودِ، فقالت طائفةٌ: الورودُ هو المرورُ على الصراطِ، وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، والحسنِ، وقتادةَ، وعبد الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، والكلبيِّ، وغيرِهم. وروى إسرائيلُ عن السديِّ: قالَ : سألتُ مرةَ الهمداني عن قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فحدَّثْني عن ابنِ مسعودٍ أنه حدثهم، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((يرِدُ الناسُ النارَ ثم يصدرونَ عنها بأعمالهم، فأولُهم كلمحِ البرق، ثم كالريحِ، ثم كحضرِ الفرسِ، ثم كالراكبِ في رحلِهِ ثم كَسَيْرِ الرجلِ ثم كمشيه)) خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وخرَّج الإمامُ أحمدُ أوَّلَهُ، وخرَّجه الحاكمُ وقال: صحيحٌ، ورواه شعبةُ عن السديِّ عن مرَّةً عن عبد اللَّه موقوفًا ولم يرفعْهُ شعبةُ، مع أنه قرأ بأنَّ السديَّ حدثه به مرفوعًا، قال الدار قطنيُّ: يحتملُ أن يكونَ مرفوعًا. قلتُ: ورواه أسباطٌ عن السديِّ عن مرَّةَ الهمدانيِّ عن عبد اللَّهِ موقوفًا أيضًا، فقالَ: ((يردُ الناسُ الصراطَ جميعًا، وورودُهُم: قيامُهُم حولَ النارِ، ثم يصدرونَ عن الصراطِ بأعمالهم، فمنهُم من يمرُّ كالبرقِ)) فذكرَ الحديثَ بطولِهِ، وفي آخرِهِ: ((حتى إن آخرَهُم مرَّا: رجلٌ نورُهُ على إبهامي قدميه، يتكفأ به الصراط دحضٌ مزلةٌ، عليه حسكٌ كحسك القتاد، حاقَّتَاه ملائكةٌ معهم كلاليبُ من نار يختطفونَ بها الناسَ)) وذكر بقية الحديث، خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. ٦٦٩ سورة مريم ورواه الحكمُ بنُ ظهيرِ عن السديِّ عن مرَّةَ عن عبدِ اللَّهِ فرفعَ آخر الحديث، ولفظُ حديثِهِ: قالَ عبدُ اللَّهِ: الورودُ ليسَ بالدخول فيها ولكنَّه حضورُها والوقوفُ عليها، مثلُ الدابةِ تردُ الماءَ ولا تدخلُهُ، ثم قالَ عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَّهِ بَّهِ: ((يضعُ اللَّهُ الصراطَ على جهَّم فيجوزُ العبادُ عليه)) وذكرَ الحديثَ بطولهِ، وفي آخرِهِ: ((ولو قيلَ الأهلِ النار: إِنَّكم ماكثونَ في النارِ عددَ كلِّ حصاة في الدنيا سنةً لرجُوا، وقالُوا: إنَّا لابُدَّ مخرجونَ، ولو قيلَ لأهلِ الجنةِ: إِنَّكم ماكثونَ في الجنةِ عددَ كلِّ حصاة في الدنيا سنةً حزنُوا، وقالُوا: إِنَّا لابُدَّ مخرجونَ، ولكنَّ اللَّهَ جعلَ لهما الأبدَ ولم يجعلْ لهما الأمدَ)، و((الحكمُ بنُ ظهيرِ)) ضعيفٌ. ولعل هذا الكلامَ في آخرِ الحديث موقوفٌ على ابن مسعودٍ، فإنه رُوي عنه موقوفًا من وجه آخرَ بإسنادٍ جيدٍ، قال أبو الحسنِ بنُ البراءِ العبديِّ في كتابٍ ((الروضةِ)) له: حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ - هو: الخلالُ -، حدثنا عثمانُ بنُ عمرَ، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ عن عمرو بن ميمون، عن عبدِ اللَّهِ قالَ: لو أنَّ أهلَ جهنمَ وعدُوا يومًا من أبدٍ أو عددِ أيامِ الدنيا لفرِحُوا بذلكَ اليومِ، لأنَّ كلَّ ما هُو آتٍ قريبٌ. وقد رُويَ أولُ الحديثِ من طريقِ أبي إسحاقَ موقوفًا أيضًا، لكنْ بمخالفة في الإسنادِ، فروى عمرُو بنُ طلحةَ القتادُ عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن أبي الأحوصِ عن عبدِ اللهِ ﴿وَإِن مَنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال: الصراطُ على جهنّم مثلُ حدِّ السيفِ، فتمر الطائفةُ الأولى كالبرقِ، والثانيةُ كالريحِ، والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجودِ الإبلِ والبهائم، ثم يمرُّونَ والملائكةُ يقولونَ: ربِّ سلُم سلِّم. خرَّجه الحاكمُ وقالَ: صحيحٌ على شرط الشيخينِ، وكذا خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)) عن إسرائيلَ. ٦٧٠ سورة مريم وخرَّج مسلمٌ في ((صحيحِهِ))(١) من حديثِ روحٍ بنِ عبادةَ، أنبأنا ابنُ جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنه سمعَ جابرَ بنِ عبدِ اللَّهِ يُسألُ عن الورود، فقالَ: نحنُ يومَ القيامةِ على كذا وكذا، انظرْ أي ذلك فوقَ الناسِ، قالَ: فَتُدْعى الأممُ بأوثانِها وما كانتْ تعبدُ: الأولُ فالأولُ، ثم يأتينا ربَّنا بعد ذلك، فيقولُ: من تنتظرونَ؟ فنقولُ: ننتظرُ ربَّنَا، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: حتى نظرَ إليكَ، فيتجلّى لهُم ويضحكُ، فينطلقُ بهم فيتبعونَه، ويُعطى كلُّ إنسان منهم مؤمنٌ أو منافقٌ نورَهُ، ثم يتبعونَهُ وعلى جسرٍ جهنَّم كلاليبُ وحسكٌ تأخذُ من شاء اللَّهُ، ثم يطفأ نورُ المنافقينَ ثم ينجُو المؤمنون، فينجُو أول زمرة وجوهُهم كالقمرِ)) وذكر بقية الحديثِ، كذا أخرجه مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ - وهو الأشجَّ - وإسحاقَ بنِ منصورٍ، وكلاهما عن روحٍ به. وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢) عن روحٍ به وزادَ فيه بعدَ قولِهِ: ((فيتجلَّى لهم يضحك)) قال: سمعتُ النبيَّ وَّهِ قالَ: ((فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ)) وساق الحديثَ فجعله من هذا الموضع مرفوعًا، وما قبلَهُ موقوفًا . وقد روى محمدُ بنُ شرحبيلَ الصنعانيُّ عن ابنِ جريجِ هذا الحديثَ، فرفعَ أوَّلَه أيضًا وهو ذكرُ التجلِّي والضحكِ، ورواه عبدُ الرزاقِ عن رباح بنِ زيدٍ عن ابن جريجٍ عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، عن جابرٍ عن النبيِّ ◌َِّ، فذكر التجلِّي، وروى عنه الحديثَ كلَّه أيضًا بهذا الإسناد؛ هذا يدلُّ على أنَّ أولَ الحديثِ لم يكنْ عند ابنِ جريجٍ عن أبي الزبيرِ مرفوعًا، وإنْ كانَ عنده كلُّه مرفوعًا عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، وكذلكَ رواه أبو قرةَ عن مالك ء (١) مسلم (١/ ١٢٢). (٢) («المسند)» (٣٨٣/٣). ٦٧١ سورة مريم عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ جُمعتِ الأممُ) فذكره كلَّه مرفوعًا، وكذلك رواه ابنُ لهيعة عن أبي الزبيرِ، قال: سمعتُ جابرًا يُسألُ عن الورودِ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَالّ يقولُ: ((نحنُ يومَ القيامةِ على كوم) وذكر الحديثَ كلَّه مرفوعًا، وفي حديثه زيادةٌ بعدَ قولِهِ: ((ويعطَى كلُّ إنسان منهم - منافقٌ أو مؤمنٌ - نورًا أو يغشَاه ظلمةٌ))، وقولُهُ في هذه الروايةِ: ((ونحن يومَ القيامةِ على كومٍ)) هذه الروايةُ الصحيحةُ. وأمَّا ما وردَ في روايةٍ روحٍ عن ابنِ جريجٍ عن كذا وكذا، فإن أصلَهُ تصحيفٌ من الراوي للفظة ((كوم))، فكتبَ عليه كذا وكذا الإشكال فهمه عليه، ثم كتبَ: انظر، أي: ذلكَ يأمرُ الناظرُ فيه بالتروي والفكرِ في صحة لفظِهِ، فأدخلَ ذلكَ كلَّه في الروايةِ قديمًا، ولم يقعْ ذلكَ في نسخِ ((صحيحِ مسلمٍ)) كما يظنُّه بعضُهم، فإن الحديثَ في ((مسندِ الإمامِ أحمدَ))، و(كتابِ السنةِ)) لابنه عبد الله كذلكَ، وخرَّجه الطبرانيُّ في ((كتابِ السنةِ)) من طريقِ أبي عاصمٍ عن ابن جريجٍ، أخبرَنِي أبو الزبير أنه سمعَ جابرًا يُسألُ عن الورود فقالَ: ((نحنُ يومَ القيامةِ على كومٍ فوقَ الناسِ، فتدعى الأمم بأوثانِها)» وذكرَ الحديثَ إلى قولِهِ: ((فيتجلَّى لهم يضحك)) قالَ: فسمعتُ رسولَ اللَّه ◌ِ لَه يقولُ: ((حتى يبدوُ كذا وكذا، فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ)) وذكرَ الحديثَ بتمامِهِ، وفي سياقِهِ أيضًا: ((وتغشى المنافقينَ ظلمةٌ))، فظهرَ بهذه الروايةِ أن الشكَّ والتصحيفَ إنما جاء من جهةِ روحٍ بنِ عبادةٍ، ولعله وقع في كتابِهِ كذلكَ فحدَّث به كما في كتابه، واللَّهُ أعلمُ، لكنْ قد رواهُ محمدُ بنُ يحيى المازنيَّ عن ابنِ جريجٍ، كما رواه عنہ روح. خرَّجُه من طريقهِ الخلالُ. ٦٧٢ سورة مريم ومما يستدلُّ به على أنَّ الورودَ ليسَ هو الدخولُ: ما خرَّجه مسلمٌ(١) من حديثِ أبي الزبير عن جابرٍ، قال: أخبرتْنِي أمُّ بشرٍ (٢) أنها سمعتِ النبيَّ وَل يقولُ عند حفصةَ: ((لا يدخلُ النارَ - إن شاءَ اللَّهُ - من أصحابِ الشجرةِ أحدٌ من الذينَ بايعوا تحتَها)) قالتْ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، فانتهرها، فقالتْ حفصةُ: ﴿وَإِن مَنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١]. فقال النبيُّ نَّ: ((قد قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. ورواه الأعمشُ عن أبي سفيانَ ، عن جابرٍ، عن أمِّ بشرٍ بنحوه(٣)، وفي بعضِ رواياتِ الأعمشِ فقال رسولُ اللَّهِ وَله: ((يرِدُونَها، ثم يصدرونَ عنها بالأعمال». وقالتْ طائفةٌ: الورودُ هو الدخولُ، وهذا هو المعروفُ عن ابنِ عباسٍ، ورويَ عنه من غيرِ وجهِ، وكان يستدلُّ لذلك بقولِ اللَّه تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]. وبقولِهِ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدَا﴾ [مريم: ٧٢]. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩]، وقد سبق عن عبد الله بن رواحةَ نحو هذا إلا أنَّ الرواية عنه منقطعةٌ. وروى مسلمٌ الأعورُ عن مجاهد: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال: داخلُها . وسئل كعبٌ عن الورودِ المذكورِ في الآيةِ، فقالَ: تمسكُ النارُ عن الناس (١) مسلم (١٦٩/٧). (٢) في المطبوع: ((أم بشر)) وهو خطأ، والتصحيح ((أم مبشر)) كما في ((مسلم)). (٣) أحمد (٣٦٢/٦). ٦٧٣ سورة مريم كأنها متن إهالة، حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلِّهم برِّهم وفاجرِهم، ثم يقولُ لها الربُّ عزَّ وجلّ: خذي أصحابَك ودعي أصحابي، فتخسفُ بكلِّ وليٍّ لها، وينجي اللَّهُ المؤمنينَ نديةً ثيابُهم . قال كعبٌ: ألم ترَ إلى القدرِ الكثيرةِ الودك إذا بردت استوت بيضاء كالشحمِ، فإذا أوقدتِ النارُ تحتها انخسف الودكُ في القدر من هاهنا وهاهنا، وفي روايةٍ عنه قال: فهي أعرفُ بهم من الوالدِ بولدهِ. وقال ثورُ بنُ يزيدَ عن خالدِ بنِ معدانَ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، قالُوا: ألم يعدْنَا ربَّنا أنا نرد النار؟ قال: بلى، ولكن مررتُم عليها وهي خامدةٌ، وفي روايةٍ عنه، قالَ: إذا جازَ المؤمنونَ الصراطَ نادَى بعضُهم بعضًا: ألم يعدْنا ربُّنَا أنا نمرُّ على جسرٍ جهنّم؟ فيقولونَ: بلى، ولكنْ مررتُم عليها وهي خامدةٌ. وقال مسكينٌ: سمعتُ أشعثَ الحداني يقولُ: بلغني أن أهلَ الإيمانِ إذا مرُّوا بصراطِ جهنمَ، قالَ: تقولُ لهم جهنمُ: جوزُوا عنِّي قد بردتُم وهجِي، ذرُوني وأهلي. ولكن هذا والذي قبلَهُ قد يدلان على أنَّ الورودَ هو المرورُ على الصراطِ كالقولِ الأولِ. وروى كثيرُ بنُ زيادِ البرساني عن أبي سُميةَ، قالَ: اختلفنا في الورودِ، فقالَ بعضُنا: لا يدخلُها مؤمنٌ، وقال بعضُهم: يدخلُونها جميعًا ثم ينجي اللَّهُ الذين انَّقوا، فلقيتُ جابرَ بنَ عبد اللَّه، فقلتُ: إنا اختلفْنَا في الورودِ، فقالَ: يردونها جميعًا، وقال سليمُ بنُ مرةً: يدخلونَها، وقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلّهِ يقولُ: ((لا يبقَى برٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلَها، فتكونُ على المؤمنينَ بردًا وسلامًا كما كانتْ على إبراهيم، حتَّى إنَّ للنارِ ضجيجًا من بردِهِم ﴿ ثُمَّ نُنَجِّ الَّذِينَ ٦٧٤ سورة مريم اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيًّا﴾)) [مريم: ٧٢]. خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١)، و((أبو سميةَ)) لا ندري من هُوَ. وفي ((الصحيحينِ (٢) عن أبي هريرةَ ◌ُِّه، عن النبيِّ وَلِّ قالَ: ((لا يموتُ لأحد من المسلمينَ ثلاثةٌ من الولد فتمسهُ النارُ إلا تحلَّةَ القسم))، وقد فسر عبد الرزاق ء وغيرُهُ تحلّةَ القسم بالورودِ لقولِهِ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وظاهرُ هذا يقتضي أن الورودَ هو مسُّ النارِ. وفي روايةٍ (٣): ((فيلجُ النارَ إلا تحلَّةَ القسم)) فجعله مستثنى مِنْ وُلُوجِهَا. وروى عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ بشيرِ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((من ماتَ له ثلاثةُ أولاد لم يبلُغُوا الحنثَ لم يردِ النارَ إلا عابرَ سبيل)) . وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٤) من حديث ابن لهيعةَ، ورشدينَ بنِ سعدٍ، كلاهُما عن زاذانَ بنِ نائلٍ، عن سهلِ بنِ معاذ بنِ أنس، عن أبيه، عن النبيِّ وَلَّه، قالَ: ((من حرسَ من وراءِ المسلمينَ في سبيلِ اللَّهَ متطوِّعًا لا يأخذُهُ سلطانٌ لم يرد إلا تحلَّةَ القسم، فإنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَإِن مَّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا ﴾)) [مريم: ٧١] إسنادُهُ ضعيفٌ. وخرَّج الطبرانيُّ(٥) من حديثِ الواقديِّ، حدثنا شعيبُ بنُ طلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّ، عن أبي بكرٍ الصديقِ، عن النبيِّ بَّهِ قالَ: ((إنَّما حرّ جهنمَ على أمَّتي كحرِ الحمامِ)، الواقديّ متروكٌ. (١) أحمد (٣٢٩/٣). (٣) البخاري (٩٣/٢). (٥) الطبراني في «الأوسط)) (٦/ح ٦٦٠٣). (٢) البخاري (١٦٧/٨)، ومسلم (٣٩/٨). (٤) أحمد (٤٣٧/٣ - ٤٣٨). ٦٧٥ سورة مريم وروى منصورُ بنُ عمارٍ، عن بشيرِ بنِ طلحةَ، عن خالدِ بنِ دُرَيْكٍ، عن يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ، عن النبيِّ وَّ: «تقولُ جهنمُ للمؤمن: جزيا مؤمنُ؛ فقد أطفأ نورُك لهبي)» غريبٌ وفيه نكارةٌ. وقد فسر بعضُهم الورودَ بالحُمَّى في الدنيا، روى مجاهدٌ وعثمان بنُ الأسودِ وفيه حديثٌ مرفوع: ((الحُمَّى حظ المؤمن من النار)) وإسنادُهُ ضعيفٌ. وقالت طائفةٌ: الورودُ: ليس عامًّا وإنما هو خاصٌّ بالمحضرين حول جهنمَ المذكورين في قولِهِ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا﴾ إلى قولهِ: ﴿وَإِن مَّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧١]: كأنَّه يقالُ لهؤلاء الموصوفينَ: وإن منكم إلا واردُها، رُوِي هذا التأويلُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، وهو بعيدٌ جداً . وقد أخبر النبيُّ نَّهِ: أنَّ العبدَ إذا وقفَ بينَ يدي ربِّه للحسابِ فإنه تستقبلُهُ النارُ تلقاءَ وجهه، وأخبرَ أنَّ الصدقةَ تقي صاحبَها من النارِ . ففي («الصحيحينِ(١) عن عدي بن حاتمٍ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((ما منكُم من أحد إلا سيكلمُهُ ربُّه ليسَ بينه وبينه تُرْجمانُ، فينظرُ أيمنَ مِنْهُ فلا يَرى إلا ما قدَّم، وينظرُ أشأمَ منهُ فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظرُ بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاءَ وجهه، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ)). وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢) عنه عن النبيِّ نَّلَ قالَ: ((من استطاعَ منكم أن يستترَ من النارِ ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل)). (١) البخاري (١٣٩/٨)، (١٦٢/٩)، (١٨١/٩)، ومسلم (٨٦/٣). (٢) مسلم (٨٦/٣). ٦٧٦ سورة مريم وفي ((صحيح البخاريِ)(١) عنه، عن النبيِّمَله قالَ: «ليقفنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه عزَّ وجلَّ ليسَ بينه وبينه حجابٌ ولا ترجمانُ يترجمُ له، ثم ليقولنَّ لهُ: ألم أوتكَ مالاً؟ فليقولنَّ: بلى، ثم ليقولنَّ: ألم أرسلْ إليك رسولاً؟ فليقولنَّ: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النارَ، ثم ينظرُ عن شماله فلا يَرى إلا النارَ، فليتقينَّ أحدُكُم النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجدْ فبكلمة طيبة)). وفي حديث عبدِ الرحمنِ بن سمرة عن النبيِّ بَّ أنه خرج يومًا فقال: ((رأيت الليلةَ عجبًا)) فذكرَ حديثًا طويلاً، وفيه: ((رأيتُ رجلاً من أمَّتَي يتقي وهجَ النارَ وشررَهَا بيديه من وجهه، فجاءتْهُ صدقتُهُ فصارتْ سترًا على رأسه وظلاً على و جھە)»(٢) . ٠٠ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ ومن اشتغلَ بتربيةٍ منزلتِهِ عند اللَّه تعالى بما ذكرنا من العلمِ الباطن وصلَ إلى اللَّهِ فاشتغلَ به عمَّا سواه، وكان له في ذلك شُغُلٌ عن طلبِ المنزلةِ عندَ الخلقِ، ومع هذا فإنَّ اللَّه يُعطيه المنزلةَ في قُلوبِ الخلقِ والشرفَ عندَهم، وإن كان لا يريدُ ذلك ولا يقفُ معه؛ بل يهرَبُ منه أشدَّ الهربِ ويفِرُّ أشدَّ الفِرارِ خشية أن يقطعه الخلقُ عن الحقِّ - جلَّ جلالُهُ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [ مريم : ٩٦]. (١) البخاري (١٣٥/٢)، (٢٤٠/٤). (٢) ((التخويف من النار)) (١٩٥ - ٢٠٤). ٦٧٧ سورة مريم أي: في قلوب عِبادِهِ. وفي حديثٍ: ((إنَّ اللَّه إذا أحبَّ عبدًا نادَى: يا جبريلُ، إني أحبُّ فُلانًا فُيُحِبُّه جبريلُ، ثم يحبه أهل السماءِ، ثم يوضَعُ له القُبُولُ في الأرض)). والحديثُ معروفٌ، وهو مُخرَّجٌ في ((الصحيح))(١). وبكلِّ حالٍ، فطلبُ شرفِ الآخرةِ يحصلُ معه شرفُ الدنيا وإن لم يرده صاحبه ولم يطلبْهُ، وطلبُ شرفِ الدنيا لا يجامع شرف الآخرةِ ولا يجتمعُ معه، والسعيدُ من آثَرَ الباقي على الفاني، كما في حديث أبي موسى ◌ِقَّتُه عن النبي وَّ أنه قالَ: ((من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرَتَه، ومن أحبَّ آخرتَهُ أضرَّ بدنياه، فَأَثْرُوا ما يَبْقَى على ما يقْنَى)). خرَّجه الإمامُ أحمدُ(٢) وغيرُه. وما أحسنَ ما قال الشيخ أبو الفتح البُسْتِيَّ: أمْرَانِ مُفْتَرقَانِ لسْتَ تَرَاهُما يتشوَّقَانِ لُخُلْطَةٍ وتلاقِي طلبُ المعَادِ مع الرِّيَاسةِ والعُلَى فدَعِ الذي يفْنَى لما هو باقي(٣) (١) البخاري (١٧٣/٩ - ١٧٤)، ومسلم (٤٠/٨ - ٤١) من حديث أبي هريرة. (٢) أحمد (٤١٢/٤)، وكذلك رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٨/٤)، والبيهقي (٣/ ٣٧). (٣) ((شرح حدیث ما ذئبان جائعان)) (٥٥ - ٥٦). و رءُ . سُورَةٌ طَهَ قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ قال البخاريُّ - رحمه الله -](١) : ثنا أبو نعيمٍ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ، عن النبيِّ وََّ قالَ: ((من نسِي صلاةً فلْيُصلِّ إذا ذكَرَ، لا كفَّارة لها إلا ذلك، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]). قال موسى: قال همَّامٌ: سمعتُه يقولُ بعْدُ: ((﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [ طه : ١٤ ])) . وقال حبَّانُ: ثنا همَّامٌ: ثنا قتادةُ: ثنا أنسٌ، عن النبيِّ وَّ - نحوه. هذا الحديثُ قد رواه جماعةٌ عن همَّامٍ، وجماعةٌ عن قتادة. وقد خرّجه مسلمٌ من طريقِ همَّامٍ وأبي عوانة وسعيدٍ والمثنى، كلِّهم عن قتادةَ، عن أنسٍ، وليسَ في روايةِ أحدٍ منهم: التصريحُ بقولِ قتادةَ: ((ثنا أنس))، كما ذكر البخاريُّ أنَّ حبَّانَا رواه عن همَّامٍ. وإنَّما احتاج إلى ذلك، لما عُرِفَ من تدليس قتادة. ولفظُ روايةٍ سعيدٍ، عن قتادةَ التي خرَّجها مسلمٌ: ((من نسي صلاةً أو نامَ عنها فكفَّارتُها أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها)). (١) البخاري (١٥٤/١ - ١٥٥)، ومسلم (١٤٢/٢). ٦٧٩ سورة طه ولفظُ حديث المثنى، عن قتادةَ، عنده: ((إذا رقدَ أحدُكُم عن الصلاةِ أو نامَ عنها، فكفَّارتُها: أن يُصلِّيها إذا ذكرها». وقد دلَّ الحديثُ على وجوبِ القضاءِ على النائمِ إذا استيقظَ، والناسي إذا ذكر، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد. وذكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ: أنَّ محمدَ بنَ رُستُم روى عن محمدٍ بنِ الحسن: أنّ النائمَ إذا فاتَه في نوْمِهِ أكثرُ من خمْسِ صلواتٍ لا قضاء عليه، إلحاقًا للنومِ الطويلِ إذا زادَ على يومٍ وليلةٍ بالإغماء، والُغْمَى عليه لا قضاء عليه عندَه، ويكونُ الأمرُ عندَهُ بالقضاءِ في النومِ المعتادِ، وهو ما تفوتُ فيه صلاةٌ أو صلاتان أو دون خمسٍ أو أكثر. وأخذَ الجمهورُ بعمومِ الحديث. وقولُهُ: ((فليصلِّ إذا ذَكَرَ): استدلَّ به من يقولُ بوجوبِ قضاءِ الصلواتِ على الفورِ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالكِ. وأحمدُ يوجبه بكلِّ حالٍ، قَّتِ الصلواتُ أو كَثُرَتْ. واستدلوا - أيضًا -: بقوله: ((لا كفَّارةَ لها إذا ذلك)). وذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّ القضاءَ على التراخي، كقضاء صيامٍ رمضانَ، وليس الصومُ كالصلاةِ عندَهم، فإنَّ الصيامَ لا يجوزُ تأخيرُهُ حتَّى يدخل نظيرُهُ من العامِ القابل والصلاةُ عندَهُم بخلافٍ ذلك. واستدلُّوا - أيضًا -: بتأخيرِ النبيِّ وَِّ الصلاةَ حتَّى خرج من الوادي. وفيه نظرٌ؛ فإنَّ ذاك تأخيرٌ يسيرٌ لمصلحة تتعلَّقُ بالصلاة، وهو التباعُدُ عن موضع یکْرَه الصلاةُ فیه. ٦٨٠ سورة طه وقد رُوي عن سمرة بن جُنْدُب، فيمَنْ عليه صلواتٌ فائتةٌ: أنَّه يُصلِّي مع كلِّ صلاة صلاةً. وقد رُوي عنه - مرفوعًا. خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ (١). ولأصحابِ الشافعيِّ فيما إذا كان الفواتُ بغيرِ عُدْرٍ في وُجوبِ القضاءِ على الفورِ وجهانِ. وحمَل الخطابيُّ قولَه: ((لا كفَّارةَ لها إلا ذلك)) على وجهينِ: أحدُهُما: أنَّ المعنى أنَّه لا يجوزُ له تركُها إلى بدل، ولا يُكفِّرها غيرُ قضائها . والثاني: أنَّ المعنى أَنَّه لا يلْزَمُهُ في نسيانها كفَّرةٌ ولا غرامةٌ. قال: إنَّما عليه أن يُصلِّي ما فاتَهُ. وقد رُوي عن أبي هريرة - مرفوعًا: ((من نسي صلاةً فوقتُها إذا ذكرَهَا)). خرَّجه الطبرانيُ والدارقطنيُّ والبيهقيُ (٢) من روايةٍ حفْصِ بنِ أبي العطَّفِ. واختلف عليه في إسنادِهِ إلى أبي هريرةَ. وحفْصٌ هذا، قال البخاريُّ وأبو حاتم: منكرُ الحديث. وقال يحيى بن يَحْيى: كذَّاب. فلا يُلتفتُ إلى ما تفرَّد به. وأمَّا تلاوتُهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. (١) ((كشف الأستار)) (٣٩٧). (٢) الطبراني في «الأوسط)) (٨٨٤٠)، والدارقطني (٤٢٣/١)، والبيهقي (٢١٩/٢).