Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سورة التوبة
مَّه قال: لهم يومَ الفتحِ: ((إنَّ هذا العامَ الحِجُّ الأكبرُ، قد اجتمعَ حِجُّ المسلمينَ وحجُّ
المشركينَ في ثلاثةِ أيامٍ متابعات، واجتمَعَ حجُّ اليهودِ والنَّصارى في ستَّةٍ أيام متابعات،
ء
ولم يجتمعْ مُنْذُ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضَ، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ
ء
السَّاعة)».
وفي إسنادِهِ يوسف السَّمْتِيُّ، وهو ضعيفٌ جدًّا، واختلفُوا لم سُميتْ هذه
الأشهرُ الأربعةُ حُرُمًا؟ .
فقيل: لعظمٍ حُرُمتِها وحُرمة الذَّنْبِ فيها.
قال عليّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: اختصَّ اللَّهُ أربعةَ أشهر جعلهُنَّ
حُرمًا، وعظَّمَ حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنْبَ فيهنَّ أعظمَ، وجعلَ العملَ الصالحَ
والأجر أعظم. قال كعبٌ: اختارَ اللَّهُ الزمان، فأحبُّهُ إلى اللَّه الأشهرُ الحُرُمُ.
وقد رُوي مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعُهُ.
وقد قيلَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]: إنَّ المرادَ
في الأشهرِ الحُرمِ، وقيل: بل في جميعِ شُهورِ السنةِ. وقيل: إنَّما سُمِيتْ
حُرُّمًا لتحريمِ القتالِ فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهليةِ. وقيلَ: إنَّه كان في
عهدِ إبراهيمَ - عليه السلامُ -، وقيلَ: إنَّ سبب تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعةِ بينَ
العربِ لأجلِ التمكُّنْ منَ الحِجِّ والعُمْرةِ، فحُرِّمَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لوقوعِ الحجِّ
فيه، وحُرِّم معه شهرُ ذي القعدة، للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهرُ المحرَّمِ،
للرجوعِ فيه من الحجِّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ من حين يخرُجُ من بيتِهِ
إلى أن يرجعَ إليه. وحُرِّمَ شهرُ رجبٍ، للاعتمارِ فيه في وسطِ السَّنَةِ، فيعتمِرُ
فيه مَنْ كان قريبًا من مكّةً.
وقد شرع اللّهُ في أولِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشهرِ الحرام، قال تعالَى:

٥٢٢
سورة التوبة
وَلا تُحِلُوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ النبيَّ ◌َِّل بعثَ
رهطًا وبعثَ عليهم عبدَ اللَّهِ بِنَ جَحْشٍ، فلقوا ابنَ الحضْرمِيِّ فقتلُوه، ولم
يدْرُوا أنَّ ذلك من رجبٍ أو من جُمادى، فقال المشركونَ للمسلمينَ: قتلتُم في
الشهرِ الحرامِ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية .
وروى السَّدِّيَّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن
مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ في هذه الآيةِ، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالُوا
فيها: فقال المشركونَ: يزعمُ محمدٌ يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ من استحلَّ
الشهرَ الحرامَ، فقال المسلمونَ: إنَّما قتلناه في جُمَادى.
وقيلَ: في أولِ رجبٍ وآخِرٍ ليلةٍ من جُمَادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم
حين دخل شهرُ رجبٍ، وأنزلَ اللَّهُ تعالى تعبيراً لأهلِ مكَّةً: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لا يحلّ، وما صنعتم أنتم يا
معشرَ المشركينَ أكبرُ من القتْلِ في الشَّهرِ الحرامِ، حين كفرتم باللّه، وصددْتُم
عن محمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراج أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجُوا منه محمدًا
وَّ أكبرُ منَ القتلِ عندَ اللَّه.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ هذا المعنى من روايةِ العوفيِّ عنه، ومن رواية
أبي سعد البقالِ، عن عكرمةً ، عنه.

٥٢٣
سورة التوبة
ومن روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عنه.
وذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ ذلك كان في آخر يوم من رجبٍ، وأنَّهم خافوا إنْ
أخَّرُوا القتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأمَنُوا.
وأَنَّهِم لَّا قدِمُوا على النبيِّ ◌َِّ قال لهم: ((ما أمرتُكُم بالقتالِ في الشهرِ الحرامِ،
ولم يأخذْ من غنيمتهم شيئًا)) وقالتْ قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُهُ الشهرَ
الحرامَ، فقال مَنْ بمكَّةَ من المسلمينَ: إنَّما قتلُوهم في شعبانَ.
فلمَّا أكثرَ الناسُ في ذلك نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالِ
فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية .
ورُوي نحوُ هذا السياقِ عن عروةَ، والزُّهريِّ وغيرِهما. وقيلَ: إنَّها كانت
أولَ غنيمةٍ غنمَها المسلمونَ، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ جحشٍ في ذلك، وقيل: إنَّها
لأبي بكرِ الصِّدِّيقِ فَِّتُه.
تعُدُّونَ قتلاً في الحرامِ عظيمةً وأعْظمُ منه لو يَرَى الرُّشِدَ راشدُ
صدودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ وكُفْرٌ به والله راء وشاهدُ
وإخراجُكُم من مسجدِ اللَّهِ أهلَهُ لِئِلاَ يُرَى اللَّهِ في البيْتِ ساجِدُ
في أبياتِ أخرَ.
وقد اختلفَ العلماء في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أمْ
نُسِخَ، فالجمهورُ على أنَّه نُسِخَ تحريمُهُ، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ
من الأئمةِ. وذهب طائفةٌ من السََّفِ، منهم عطاءٌ، إلى بقاءٍ تحريمِهِ، ورجَّحه
بعضُ المتأخرين واستدلُّوا بآية المائدة. والمائدةُ من آخرِ ما نزلَ من القرآنِ، وقد

٥٢٤
سورة التوبة
رُوِي: «أحِلُّوا حلالَها وحرِّمُوا حرامَهَا)) .
وقيل: ليس فيها منسوخٌ. وفي ((المسند))(١) أنَّ عائشةَ فِّئُها، قالتْ: ((هي
آخرُ سورة نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فاسْتُحِلُّوه، وما وجدْتُم فيها من
حرامٍ فحرِّمُوه) وروى الإمامُ أحمدُ في ((مسندِ)(٢): حدثنا إسحاقُ بنُ عيسى،
حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: لم يكن رسولُ اللَّهِ
وَلِّه يَغْزُو في الشَّهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى وَيَغزو فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ.
وذكر بعضُهم أنَّ النبيَّنَّهِ حاصرَ الطائفَ في شوَّالِ، فلمَّا دخلَ
ذو القعدةِ لم يُقَاتِلْ، بل صابرَهُم، ثم رجعَ. وكذلك في عمرة الحديبية لم
يُقاتلْ، حتّى بلغه أنَّ عثمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثم لَّا بلغَه أنَّ ذلك لا
حقيقةَ له كفَّ، واستدلَّ الجمهورُ بأنَّ الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبيِّ ◌ِ لّ بفتحِ
البلادِ، ومواصلة القتالِ والجهادِ، ولم يُنقل عن أحد منهم أنَّه توقَّف عن
القتالِ، وهو طالبٌ له في شيءٍ من الأشهرِ الحُرُم، وهذا يدُلَّ على اجتماعهم
على نسخٍ ذلك، واللهُ أعلمُ.
ومن عجائب الأشهرِ الْحُرُمِ ما رُوي عن عبدِ اللهِ بن عمرو بن العاصِ: أنَّه
ذكر عجائبَ الدنيا، فعدَّ منها بأرضِ عادٍ عمودَ نُحاسٍ، عليه شجرةٌ من
نحاسٍ، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قطرَ منها الماءُ، فملؤوا منه حياضَهم،
وسَقَوْا مواشيهم وزروعَهم، فإذا ذهب الأشهرُ الحرمُ انقطَعَ الماءُ.
وقولُهُ بَله: ((ورجبُ مُضَر)) سُمِّي رجبٌ رجبًا، لأنه كان يُرجَّبُ، أي
يُعظّمُ، كذا قال الأصمعيُّ، والمفضَّلُ، والفرَّاءُ، وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ تترجَّب
(١) ((المسند)) (١٨٨/٦).
(٢) («المسند» (٣٣٤/٣ - ٣٤٥).

٥٢٥
سورة التوبة
للتسبيح والتَّحميدِ فيه، وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ إلا أنه موضوع.
وأما إضافته إلى ((مُضَر))، فقيل: لأنَّ مُضَرَ كانت تزيدُ في تعظيمِهِ
واحترامِهِ، فنُسبَ إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعةُ تُحرِّمُ رمضانَ، وتُحرِّمُ
مُضَرُ رجبًا، فلذلك سمَّه رجبَ مُضَرَ، وحقَّق ذلك بقوله: ((الذي بين جمادى
وشعبان)) .
وذكر بعضُهم أنَّ لشهر رجب أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللَّهِ، ورجبٌ،
ورجبُ مُضَر، ومُنْصِلُ الأسِنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفّسٌ، ومُطَهِّرٌ،
ومُعَلَّى، ومقيمٌ، وهرمٌ، ومُقشقشٌ، ومُبرّيءٌ، وفرْدٌ، وذكر غيرُهُ أنَّ له سبعة
عشر اسمًا، فزادَ ((رجم)) بالميمِ، ومُنْصِل الألَّة، وهي الحربة، ومنزعُ
الأسِنَّةُ(١).
قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصيبَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا
هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمَؤْمِنُونَ﴾
٩
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(٢) يقول في قوله تعالى:
﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] قال: إنَّما لمْ يقُل: ما كُتِبَ عَلَيْنَا؛
لأنَّه أمرٌ يتعلقُ بالمؤمنِ، ولا يصيبُ المؤمنُ شيءٌ إلا وهو له، إن كانَ خيرًا
فهو له في العاجلِ، وإن كانَ شرًا فهو ثوابٌ في الآجل(٣).
(١) ((لطائف المعارف)) (٢١٧ - ٢٢٥).
(٢) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٥/٣).

٥٢٦
سورة التوبة
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ
نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا لَّوْ كَانُوا
يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: ٨١].
وفي ((الصحيحين)) (١) عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّبِّ قال: ((اشتكت النارُ إلى
ربِّها، فقالتْ: يا ربِّ أَكَلَ بعضِي بعضًا، فنقِّسْنِي، فأذِنَ لهَا في نفسينٍ، نفسِ في الشتاءِ
ونفس في الصيف، فأشدُّ ما تجدونَ من الحرِّ سمومُها، وأشدُّ ما تجدونَ من البرد
زمھریرُهَا».
وفي (الصحيحينِ))(٢) أيضًا عن أبي هريرةَ عن النبيِّ وَِّ، قال: «نارُكُم هذه
التي يوقدُ بنو آدمَ جزءٌ واحدٌ من سبعينَ جزءًا من نار جهنَّمَ))، قالوا: والله إن كانتْ
الكافيةً، قال: ((إنها فُضِّلَتْ عليها، بتسعة وستينَ جزءًا، كلِّهنَّ مثلُ حرِّهَا)) وخرَّجه
الإمامُ أحمدُ وزادَ فيه: ((ضربت بالبحرِ مرتينٍ، ولولا ذاك ما جعل اللَّهُ فيها منفعة
و و
لأحد»، وقد سبقَ من حديث أنسٍ نحوه.
وعن عطيةَ العوفيِّ عن أبي سعيد، عن النبيِّ بَّ قال: ((نارُكُم هذه جزءٌ من
سبعينَ جزءًا من نارٍ جهنّم لكلِّ جزء منها مثل حرِّها))، خرَّجه الترمذيُ (٣).
وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا قتيبةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ - هو الدراورديّ - عن
سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ◌ََّ قالَ: ((إنَّ هذه النارَ جزءٌ من مائة
جزء من جهنَّمَ).
وقال ابنُ مسعودٍ: ((إنَّ ناركم هذه ضُرِبَ بها البحرُ ففترتْ، ولولا ذلكَ ما
(١) أخرجه: البخاري (١٤٦/٤)، ومسلم (١٠٨/٢).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤٧/٤)، ومسلم (١٤٩/٨).
(٣) ((الجامع)) (٢٥٩٠).

٥٢٧
سورة التوبة
انتفعتم بها، وهي جزءٌ من سبعينَ جزءًا من نار جهنَّمَ)) وخرَّجه البزَّارُ مرفوعًا
والموقوفُ أصحّ.
وخرَّج الطبرانيُّ(١) من طريقِ تمامِ بنِ نجيحٍ عن الحسنِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ
وَّ قالَ: ((لو أنَّ غربًا من جهنّم، جعلَ في وسطِ الأرض لآذى نتنُ ريحه وشدةُ حرّه ما
بينَ المشرقِ والمغربِ، ولو أنَّ شرارةً من شرارِ جهنّم بالمشرقِ لوجدَ حرَّها من بالمغربِ»
وتمامُ بنُ نجِيحِ تُكُلِّمَ فيه.
وخرَّج أيضًا من طريقِ عديٍّ بن عديِّ الكندي عن عمرَ أنَّ جبريلَ قال
للنبيِّ وَّةِ: والذي بعثكَ بالحقِّ لو أنَّ قدرَ ثقبِ إبرة فُتْحَ من جهنّمَ لمات من
في الأرضِ كلَّهم جميعًا من حرِّه. وقد سبقَ الكلامُ على إسنادِهِ، ورُوي من
وجه ضعيفٍ عن الحسنِ مرسلاً نحوُهُ أيضًا.
وخرَّج أبو يعلى الموصلي(٢) من حديث أبي هريرةَ عنِ النبيِّ بَّهِ قالَ:
(لوكان في هذا المسجد مائةُ ألف أو يزيدونَ، وفيهم رجلٌ من أهلِ النارِ فتنفسَ فأصابَهُم
نفسُهُ لأحرقَ من في المسجدِ أو يزيدونَ)، لكن قالَ الإمامُ أحمدُ: هو حديثٌ
منکرٌ.
وقال كعبٌ لعمرَ بنِ الخطابِ: لو فُتْحَ من جهنّم قدرُ منخرِ ثورِ بالمشرقِ
ورجلٌ بالمغربِ لغلى دماغُهُ حتى يسيلَ من حرِّهِ.
وقال عبدُ الملكِ بن عميرٍ: لو أنَّ أهل النارِ كانُوا في نارِ الدنيا لقالُوا فيها.
وقال عبدُ الله بن أحمدَ: أُخبرتُ عن سيَّارِ عن ابنِ المعزى - وكان
من خيارِ الناسِ - قال: بلغني أنَّ رجلاً لو خرجَ منها إلى نارِ الدنيا لنام
(١) ((المعجم الأوسط)) (٣٦٨١).
(٢) ((المسند)) (٦٦٧٠).

٥٢٨
سورة التوبة
فيها ألفي سنة.
وقال معاويةُ بنُ صالحٍ عن عبدِ الملكِ بن أبي بشيرِ - يرفعُ الحديثَ : ((ما من
يومٍ إلا والنارُ تقولُ: اشتدَّ حرِّي، وبعدَ قعري، وعظُم جمرِي، عَجِّلْ إلهي إليَّ بأهلي)».
وقال ابنُ عيينةَ عن بشيرِ بنِ منصورٍ، قلتُ لعطاءِ السلميِّ: لو أنَّ إنسانًا
أوقدتْ له نارٌ فقيلَ لهُ: من دخلَ هذه النارَ نجا من النارِ، فقال: عطاءٌ: لو
قيلَ لي ذلك لخشيتُ أن تخرجَ نفسِي فرحًا قبل أن أقعَ فيها(١) .
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلا
عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا اللَّه
وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الَّمُحْسِنِينَ مِنَ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
وقد ذكر اللَّهُ في كتابِهِ عن الأنبياءِ - عليهمُ السَّلامُ - أنهم نصحُوا لأممِهِم
كما أخبرَ اللَّه بذلكَ عن نوحٍ، وعن صالحٍ، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى
الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [ التوبة: ٩١].
يعني: أنَّ منْ تخلَّفَ عن الجهادِ لِعذرٍ، فلا حرجَ عليه بشرطِ أن يكونَ
ناصِحًا للَّهِ ورسولِهِ في تخلُّفِهِ، فإنَّ المنافقينَ كانُوا يُظهرُون الأعذارَ كاذبين،
ويتخلَّفونَ عن الجهادِ من غيرِ نصحٍ لله ورسوله(٢).
قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا
(١) ((التخويف من النار)) (٧١ - ٧٣).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٠٥/١ - ٢٠٦).

٥٢٩
سورة التوبة
بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لَمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
ومن أعظمٍ خصالِ النفاقِ العمليِّ: أن يعملَ الإنسانُ عملاً، ويُظهرُ أنّه
قصدَ به الخيرَ، وإنَّما عملهُ ليتوصَّل به إلى غرضٍ له سيِّءٍ فیتمَّ له ذلك،
ويتوصَّلُ بهذه الخديعةِ إلى غرضِهِ، ويفرحُ بمكرِهِ وخِداعِهِ وحَمْدِ النَّاسِ له
على ما أظهرَهُ، وتوصَّل به إلى غرضِهِ السيِّء الذي أبطنه، وهذا قد حكاهُ
اللَّهُ في القرآنِ عن المنافقينَ واليهودِ، فحكى عن المنافقينَ أنَّهُم: ﴿وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن
قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وأنزلَ في
اليهود: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا
تَحْسَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وهذه الآيةُ نزلتْ في
اليهودِ، سألهم النبيُّ ◌َِّ عن شيءٍ فكتمُوه، وأخبرُوه بغيرِهِ، فخرجُوا وقد
أَرَوَّه أنهم قد أخبرُوه بما سألَهُم عنه، واستحمدوا بذلكَ، وفرحُوا بما أُوتوا من
كتمانِهِم وما سُئِلُوا عنه. قال ذلك ابنُ عباسٍ، وحديثُه مخرَّجٌ في
((الصحيحين))(١). وفيهما (٢) - أيضًا - : عن أبي سعيد أنها نزلت في رجالٍ
من المنافقينَ كانُوا إذا خرجَ النبيُّ بِّهِ إِلى الغزوِ تخلَّقُوا عنه وفرِحُوا بمقعدِهِم
خلافَهُ، فإذا قدمَ رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ من الغزوِ اعتذرُوا إليهِ، وحلفُوا، وأحبُّوا أن
يُحمدُوا بما لم يفعلُوا(٣).
(١) أخرجه: البخاري (٥١/٦)، ومسلم (١٢٢/٨).
(٢) أخرجه: البخاري (٦/ ٥٠ - ٥١)، ومسلم (١٢١/٨ - ١٢٢).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٥٥٠).

و روز و /
سورة يونس
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءَ وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ
ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً لَتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السَّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [الإسراء: ١٢]. وقال
اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
فأخبر سبحانه وتعالى أنَّه علق معرفةَ السنينَ والحسابِ على تقديرِ القمرِ
منازلَ. وقيلَ: بل على جعلِ الشمسِ ضياءً والقمرِ نورًا، لأنَّ حسابَ السنة
والشهرِ يُعرَفُ بالقمر، واليومُ والأسبوعُ يُعرفُ بالشمس، وبهما يتمُّ الحسابُ.
وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السَّنِينَ﴾ لَّا كان الشهرُ الهلاليُّ لا يحتاجُ إلى عَدِّ
لتوفِيَتِهِ بما بين الهلالينِ، لم يقُلْ: لتعلمُوا عددَ الشهورِ؛ فإنَّ الشهرَ لا يحتاجُ
إلى عَدِّ إلا إذا غُمَّ آخرُهُ، فَيُكَمَّلُ عددُه بالاتفاقِ، إلا في شهرِ شعبانَ إذا غُمَّ
آخِرُهُ بالنسبة إلى صومِ رمضانَ خاصَّة، فإنَّ فيه اختلافًا مشهورًا، وأما السَّنَةُ
فلا بُدَّ من عددها، إذْ ليس لها حدٌّ ظاهرٌ في السَّماء فيُحتاجُ إلى عددها
بالشهورِ، ولا سيّما مع تطاولِ السنينِ وتعدُّدها.

٥٣١
سورة يونس
وجعل اللَّه السَّنة اثني عشر شهرًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وذلكَ بعددِ البُرُوجِ التي تكمُلُ
بدورِ الشمسِ فيها السنةُ الشمسيّةُ، فإذا دارَ القمرُ فيها كلِّها كمُلَتْ دورتُهُ
السنويةُ، وإنما جعلَ اللَّهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ، لأنَّ ظهورَهُ في السماءِ لا
يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يُشاهدُ بالبصرِ ، بخلافِ سیرِ
الشمس؛ فإنه تحتاجُ معرفته إلى حسابٍ وكتابٍ ، فلم يُحوِجْنا إلى ذلكَ، كما
قالَ النبيُّ بَله: ((إنَّا أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ، لا نكتبُ ولا نحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا))
وأشارَ بأصابعِهِ العشْرِ، وخنَسَ إبهامَهُ في الثالثةِ، ((صُومُوا لرؤيته وأفطرُوا لرؤيته،
فإنْ غُمَّ عليكم فأكملُوا العدَّة)(١) وإنما علَّقَ اللَّهُ تعالى على الشمس أحكامَ اليومِ
من الصَّلاةِ والصِّيام، حيثُ كان ذلك أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يحتاجُ إلى
حسابٍ ولا كتابٍ، فالصلاةُ تتعلَّقُ بطلوعِ الفجر، وطلوعِ الشمسِ، وزوالها
وغروبِها، ومصيرِ ظلِّ الشيء مثله. وغروبِ الشفقِ، والصيامُ يتوقَّتُ بمدَّةً
النهارِ من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحِسَابَ﴾، يعني بالحسابِ: حسابَ ما يحتاجُ إليه النَّاسُ
من مصالحٍ دينهم ودنياهم، كصيامِهِم، وفطرِهِم، وحجِّهم، وزکاتِهِم،
ونذورِهِم، وكفَّاراتِهِم، وعددِ نسائهم، ومُدَد إيلائِهم، ومُدَدِ إجاراتِهِم،
وحُلُولِ آجالِ دُيونهم، وغير ذلك ممّ يتوقَّتُ بالشهورِ والسنينَ.
وقد قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾
[البقرة: ١٨٩]، فأخبر أنَّ الأهلَّةَ مواقيتُ للناسِ عمومًا، وخصَّ الحجّ من بينِ ما
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٢٢/٣)، وأخرجه البخاري مختصراً (٣٥/٣).
-

٥٣٢
سورة يونس
يُوقَّتُ به، للاهتمامِ به، وجعلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعبادهِ
المؤمنينَ وظائفَ مُوظّفَةً عليهم من وظائفِ طاعتِهِ، فمنها ما هو مفترض
كالصلواتِ الخمسِ. ومنها ما يُنْدَبون إليهِ من غير افتراضٍ، كنوافلِ الصلاةِ
والذكر وغير ذلك.
وجعلَ في شهورِ الأهلَّةِ وظائفَ مُوَظَّفةً أيضًا على عبادِهِ كالصّيامِ،
والزَّكاة، والحجِّ، ومنه فرْضٌ مفروضٌ عليهم، كصيام رمضان، وحجّة
الإسلامِ، ومنه ما هوَ مندوبٌ، كصيامٍ شعبانَ، وشوالٍ، والأشهرِ الحُرَمِ.
وجعلَ اللَّهُ سبحانه لبعضِ الشهورِ فضلاً على بعضٍ، كما قال تعالى:
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال اللَّهُ
تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
كما جعلَ بعضَ الأيامِ والليالي أفضلَ من بعضٍ، وجعلَ ليلةَ القَدْرِ خيرًا
من ألف شهرٍ، وأقسَمَ بالعشْرِ، وهو عشْرُ ذي الحجَّةِ على الصحيحِ، كما
سنذكرُهُ في موضعهِ إن شاء اللهُ تعالى. وما من هذه المواسم الفاضلةُ موسمٌ
إلا وللَّه تعالى فيه وظيفةٌ من وظائف طاعاتِهِ، يتقرَّبُ بها إليه، وللَّه فيه لطيفةٌ
من لطائفٍ نفحاتِهِ، يُصيبُ بها من يعودُ بفضله ورحمتهِ عليه، فالسعيدُ من
اغتنمَ مواسمَ الشهورِ والأيامِ والسََّعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من
وظائفِ الطَّاعاتِ، فعسى أن تصيبَهُ نفْحةٌ من تلكَ النَّفحات، فيسعدُ بها
سعادةً يأمَنُ بعدَها من النَّارِ وما فيه من اللَّفَحَاتِ.
وقد خرَّج ابنُ أبي الدنيا والطَّرانيُّ وغيرُهما، من حديث أبي هريرةَ

٥٣٣
سورة يونس
مرفوعًا: ((اطلبُوا الخيرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وتعرَّضُوا لنَفَحات رحمة ربِّكُم، فإنَّ للَّه نفحات
من رحمته يصيبُ به من يشاءُ من عباده، وسلُوا اللَّهَ أنْ يستُرَ عوراتكُمْ ويُؤْمِّنَ
روعاتِكُم))(١). وفي روايةٍ للطبرانيِّ من حديثِ محمدِ بنِ مسلمةَ مرفوعًا: ((إنَّ
للَّهِ في أيامِ الدَّهر نفحات فتعرَّضُوا لها، فلعلَّ أحدَكُم أن تصيبَه نفحةٌ فلا يَشْقَى بعدها
أبدً)) وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(٢) عن عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّ ◌َّ ، قال:
((ليس من عملٍ يومٍ إلا يُختمُ عليه)) وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن مجاهد،
قال: ما من يومٍ إلا يقولُ: ابنَ آدم، قد دخلْتُ عليك اليومَ ولن أرجِعَ إليك
بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيَّ؟ فإذا انقضى طواهُ، ثم يُختم عليه فلا يفك
حتى يكون اللَّه هو الذي يفُضُّ ذلك الخاتمَ يومَ القيامة، ويقولُ اليومُ حینِ
ينقضي: الحمدُ للَّهِ الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ولا ليلةً تدخلُ على
الناسِ إلا قالتْ كذلكَ.
وبإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارِ، قالَ: كان عيسى - عليه السلامُ -، يقولُ: إنَّ
هذا الليلَ والنَّهارَ خِزانتان، فانظرُوا ما تضعونَ فيهما، وكان يقولُ: اعملُوا
اللَّيْلَ لما خُلِقَ له، واعْمِلُوا النهَارَ لما خُلِقَ له. وعن الحسنِ، قال: ليس يومٌ
يأتي من أيامٍ الدنيا إلا يتكلّم، يقولُ: يا أيها الناسُ، إِنِّي يومٌ جديدٌ، وإني
على ما يعمل فيَّ شهيدٌ، وإني لو قد غربَتِ الشمسُ، لم أرجع إليكم إلى
يوم القيامةِ. وعنه أنه كانَ يقولُ: يا ابنَ آدم، اليومُ ضيفُك، والضيفُ مُرتحلٌ،
يحمدُك أو يذمُّكَ، وكذلك ليلتُك. وبإسنادِهِ عن بكرِ المزنيِّ، أنه قالَ: ما من
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في ((الفرج بعد الشدة)) (ص ٢٣)، ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان))
(١١٢١/٢، ١١٢٢، ١١٢٣).
(٢) قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في «المسند» (١٤٦/٤).

٥٣٤
سورة يونس
يومٍ أخرجه اللَّهُ إلى أهلِ الدنيا إلا يُنادِي: ابنَ آدمَ، اغتنمني، لعلَّه لا يومَ
لك بعدِي، ولا ليلةَ إلا تنادي: ابنَ آدمَ، اغتنمنِي، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدِي،
وعن عُمر بنِ ذَرِّ أنه كانَ يقولُ: اعملوا لأنفسكم رحمكمُ اللَّه في هذا الليلِ
وسوادِهِ، فإنَّ المغْبُونَ مِنْ غُبِنَ خيرَ اللََّلِ والنَّهارِ، والمحرومَ منْ حُرمَ خيرَهما.
إِنَّمَا جُعلا سبيلاً للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهم، ووبالاً على الآخرين للغَفْلة عن
أنفسِهِم، فأحيُوا اللَّهِ أنفسكُم بذكرِهِ، فإنَّما تحيا القلوبُ بذكرِ اللَّه عزَّ وجلَّ.
عن أبي موسى ◌ِاثه، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلّ: ((مثلُ الذي يذكُرُ ربَّهُ والذي
لا يذكُرُ ربَّه، مثلُ الحِيِّ والميِّت))(١).
كم من قائمٍ للَّه في هذا الليل قد اغْتَبَطَ بقيامِهِ في ظُلمة حُفْرِتِهِ، وكم من
نائمٍ في هذا الليلِ قد ندِمَ عَلى طُولِ نومِهِ، عندما يرى من كرامةِ اللَّه عزَّ
وجلَّ للعابدينَ غدًا. فاغتنمُوا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيامِ، رحمكم اللَّهُ.
وعن داودَ الطائيِّ أَنَّه قالَ: إنَّما اللَّيلُ والَّهارُ مراحلُ، ينزلُها الناسُ مرحلةً
مرحلةً، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعتَ أن تُقدِّمَ في
كلِّ مرحلةٍ زادًا لما بين يديْها فافْعَلْ، فإنَّ انقطاعَ السَّفرِ عن قريبِ ما هو،
والأمرُ أعجلُ من ذلكَ. فتزوَّدْ لسفرِكَ واقضِ ما أنتَ قاضٍ من أمرِكَ فكأنَّك
بالأمرِ قد بغَتَكَ.
قال ابنُ أبي الدنيا: وأنشدنا محمودُ بن الحسين:
مضى أمسُك الماضِي شهيدًا مُعدَّلاً وأعقبَهُ يومٌ عليك جديدُ
فيومُك إن أغنيتَهُ عادَ نفعُهُ عليكَ وماضي الأمسِ ليسَ يعودُ
(١) أخرجه: البخاري (١٠٧/٨)، ومسلم (١٨٨/٢).

٥٣٥
سورة يونس
فإِنْ كُنت بالأمسِ اقْترفْتَ إساءةً فئنٌّ بإحْسان وأنت حميدُ
ے
فلا تُرْجِ فعلَ الخيرِ يومًا إلى غدٍ لعلَّ غدًا يأتي وأنتَ فقيدُ
وفي ((تفسيرِ عبدِ بنِ حُميدٍ)) وغيرِهِ من التفاسيرِ المسندةِ عن الحسنِ في قولِ
اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، قال: منْ عجزَ بالليل كان له في أوَّلِ النهارِ مُسْتَعْتَبٌ،
ومنْ عجزَ عن النَّهارِ، كان له في الليل مستعتبٌ. وعن قتادةَ قال: إنَّ المؤمن
قد ينسى بالليل ويذكُرُ بالنهارِ، وينسى النهار ويذكرُ بالليلِ، قال: وجاء رجلٌ
إلى سلمان الفارسي، قال: إني لا أستطيع قيامَ الليل، قال له: فلا تعجز
بالنَّهارِ. قال قتادةُ: فأدُّوا إلى اللّه من أعمالِكُم خيراً في هذا الليلِ والنَّهارِ،
فإنَّهما مطيَّانِ تُفْحمانِ الناسَ إلى آجالِهِم، يقرِّبانِ كلَّ بعيدٍ، ويُبْلِيانِ كُلَّ
جديدٍ، ويجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ(١).
وأمَّا الصبرُ، فإنه ضياءٌ، والضياءُ: هو النورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ
وإشراقٍ كضياءِ الشمسِ بخلافِ القمرِ، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير
إحراق، قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس : ٥]
ومن هنا وصفَ اللَّهُ شريعة موسى بأنها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لَّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وإن كان قد ذكرَ أنَّ في
التوراة نورًا، كما قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَةَ فِيهَا هُدَّى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن
الغالبَ على شريعتِهِم الضياءُ لما فيه منَ الآصارِ والأغلالِ والأثقال.
(١) ((لطائف المعارف)) (٣٨ - ٤٣).

٥٣٦
سورة يونس
ووصفَ شريعةَ محمَّدٍ وَ لَّ بأنها نورٌ لما فيها من الحنيفيَّةِ السمحة، قال
تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَبْعُونَ
ے
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطََّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولما كان الصبرُ شاقًا على النفوسِ، يحتاجُ إلى مجاهدة النفسِ، وحبسِها،
وكفِّها عمَّ تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبَرِ في اللغة: الحبسُ، ومنه: قَتْلُ
الصبرِ؛ وهو أن يُحَبَسَ الرَّجلُ حتى يقتلَ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
أُوْلَئِكَ
٧
وَاَطْمَأَنُوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فی
: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ
جَنَّاتِ النَّعِيمِ ،
فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وانقسم بنو آدمَ في الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكرَ أن يكونَ للعبادِ بعدَ الدَّنْيا دارٌ للثواب والعقاب، وهؤلاء
هم الذين قال اللَّهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُوا
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ٥٨٠ - ٥٨١).

٥٣٧
سورة يونس
أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
[يونس: ٧]، وهؤلاء همَّهمُ التمتُّع بالدنيا، واغتنامُ لذَّاتها قبلَ الموتِ، كما قال
١٩
اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمْتَعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَّهُمْ:
[محمد: ١٢]. ومن هؤلاءِ منْ كانَ يأمرُ بالزُّهد في الدنيا، لأنَّه يرى أنَّ
الاستكثارَ منها يُوجِبُ الهمَّ والغمَّ، ويقولُ: كلَّما كثُرَ التعلُّقُ بها تألَّمت
النَّفْسُ بمفارقتها عندَ الموتِ، فكان هذا غايةَ زُهدهم في الدنيا.
والقسم الثاني: من يُقِرُّ بدارِ بعد الموتِ للثَّوابِ والعقابِ، وهم المنتسبونَ إلى
شرائعِ المرسلينَ، وهم منقسمونَ إلى ثلاثة أقسام: ظالمٌ لنفسِهِ، ومقتصدٌ،
وسابقٌ بالخيراتِ بإذنِ الله.
فالظالم لنفسهِ: هم الأكثرونَ منهُم، وأكثرُهم وقفَ مع زهرةِ الدنيا
وزينتها، فأخذَها من غيرِ وجهِها، واستعمَلَها في غيرِ وجهِهَا، وصارتِ الدنيا
أكبرَ همِّه، لها يغضبُ، وبها يرضَى، ولها يُوالي، وعليها يُعادِي، وهؤلاء
هم أهلُ اللَّهوِ واللَّعبِ والزِّينةِ والنَّفاخرِ والتَّكاثرِ، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ
من الدنيا ولا أنها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لما بعدَها منْ دارِ الإقامةِ، وإن كانَ
أحدُهم يؤمن بذلك إيمانًا مجمَلاً فهُوَ لا يعرفُه مفصَّلاً، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ
المعرفة باللّهِ في الدَّنْيا ممَّا هو أنموذجُ ما ادّخرَ لهم في الآخرة.
والمقتصدُ منهم: أخذَ الدنيا منْ وجوهِهَا المباحةِ، وأدَّى واجباتِهَا، وأمسَكَ
لنفسه الزَّائدَ على الواجبِ يتوسّعُ به في التمتّع بشهواتِ الدنيا، وهؤلاء قد
اختُلفَ في دخولِهِم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكرُهُ، ولا عقابَ
عليهم في ذلكَ، إلا أنه ينقصُ من درجاتِهِم من الآخرةِ بقدرٍ توسّعهم في
ءِ
الدنيا .

٥٣٨
سورة يونس
قال ابنُ عمرَ: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقصَ من درجاته عندَ
٠٠
اللَّه، وإن كان عليه كريمًا. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا بإسناد جيدٍ، وروي مرفوعًا
من حديث عائشةَ بإسناد فيه نظر (١) .
وروى الإمامُ أحمدُ في كتابِ ((الزهدِ) بإسنادِهِ: أنَّ رجلاً دخل على معاويةَ
فكساهُ، فخرجَ فمرَّ على أبي مسعودِ الأنصاريِّ ورجلٍ آخرَ من الصَّحابةِ،
فقالَ أحدُهُما له: خذها منْ حسناتك، وقال الآخرُ: من طيِّباتك.
وبإسناده عن عمرَ قال: لولا أن تنقصَ حسناتِي لخالطتكم في لِين
عَيْشِكُم، ولكنِّي سمعتُ اللَّهَ عَيَّرَ قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيَِّاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ
الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقال الفُضيلُ بنُ عياض: إن شئتَ استقلَّ من الدُّنْيا، وإن شئتَ استكثرْ
منها، فإنَّما تأخُذُ من كِيسكَ.
ويشهد لهذا أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ حرَّم على عبادِهِ أشياءَ من فضولِ شهواتِ
الدنيا وزينتها وبهجتهَا، حيثُ لم يكونُوا محتاجينَ إليهِ، وادَّخره لهم عندَهُ في
الآخرة، وقد وقعتِ الإشارةُ إلى هذا بقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ
أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِّنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَإِن كُلُّ
ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ -٣٥].
وصحَّ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه قال: ((منْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنْيا لم يلْبسْه في
الآخرة»(٢). و((من شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشربْها في الآخرةِ))(٣)، وقال: ((لا تلبسوا
(١) وقال المنذري فى ((الترغيب والترهيب)) (١٦٣/٤): ((الموقوف أصح)).
(٢) أخرجه: البخاري (١٩٣/٧)، ومسلم (١٤٢/٦).
(٣) أخرجه: البخاري (١٣٥/٧)، ومسلم (١٠١/٦).

٥٣٩
سورة يونس
الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضَّةٌ، ولا تأكلُوا في صحافها، فإنَّها
لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)) (١).
وقال وهبٌ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قال لموسى - عليه السلامُ -: إنِّي لأذودُ
أوليائِي عن نعيمِ الدُّنْيا ورخائِها كما يذودُ الرََّعِيِ الشفيقُ إِلَه عن مباركِ
العُرَّةِ، وما ذلكَ لهوانِهِم عليَّ، ولكن ليستكملُوا نصيبَهُم من كرامتي سالمًا
موفرًا لم تكْلَمْهُ الدنيا.
ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذيُّ عن قتادةَ بنِ النُّعمانِ، عنِ النبيِّ وَّ قال:
((إِنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا حماهُ الدَّنيا، كما يَظَلُّ أحدُكُم يحمي سقيمَه الماءَ)).
وخرَّجه الحاكمُ، ولفظُهُ: ((إنَّ اللَّه ليحمي عبدَهُ الدُّنْيا وهو يحبُّه، كما تحمُونَ
مريضكم الطَّعامَ والشرابَ، تخافونَ عليه))(٢).
وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عنِ النبيِّ وَّ، قال: ((الدنيا
=ٌ صَبَلَ الله
سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ)(٣).
وأمَّا السَّبقُ بالخيراتِ بإذنِ اللَّهِ: فهم الذين فهِمُوا المرادَ من الدنيا، وعملُوا
بمقتضى ذلكَ، فعلمُوا أنَّ اللَّهَ إنَّما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدَّارِ، ليبلُوهم أيَّهم
1 43
أحسنُ عملاً، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
(١) أخرجه: البخاري (٩٩/٧، ١٤٦، ١٩٤)، ومسلم (١٣٦/٦).
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٠٣٦).
وكذا أحمد في ((الزهد)) (١٧)، والحاكم (٢٠٧/٤، ٣٠٩).
(٣) ليس هو في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عمرو، وإنما أخرجه مسلم (٨/ ٢١٠) من حديث
أبي هريرة، وأما حديث ابن رو، فقد أخرجه أحمد (١٩٧/٢)، والحاكم (٣١٥/٤) بنحوه.

٥٤٠
سورة يونس
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاَ﴾ [الملك: ٢].
قال بعضُ السلفِ: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغبُ في الآخرةِ، وجعل ما
في الدنيا من البهجةِ والنَّضرةِ محنةً لينظر من يقفُ منهم معه، ويرْكَنُ إليه،
ومن ليسَ كذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧]، ثمَّ بيّن انقطاعَهُ ونفادَهُ، فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا
صَعِيدًا جُرُزَا﴾ [الكهف: ٨]، فلمَّا فِهِمُوا أنَّ هذا هو المقصودُ من الدنيا، جعلُوا
همَّهم التزوَّدَ منها للآخرةِ التي هي دار ◌ُلقرارِ، واكتفُوا منَ الدنيا بما يكتفِي به
المسافرُ في سفرِهِ، كما كان النبيُّ وَّه يقول: ((ما لي وللدنيا، إنَّما مثلي ومثلُ الدُّنْيا
كَرَاكبِ قالَ في ظِلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وتركَها))(١) .
ووصَّى نَِّ جماعةً من الصحابةِ أن يكونَ بلاغُ أحدِهم من الدنيا کزادِ
الراكبِ، منهم: سلمانُ، وأبو عبيدةَ بنُ الجراحِ، وأبو ذرٍ، وعائشةُ، ووصَّى
ابنَ عمرَ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيلٍ، وأن يعُدَّ نفسَهُ من
أهلِ القبورِ(٢). (٣).
قوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيادة
قوله {وَله بعد هذا: ((وأسألُك لذَّة النظر إلى وجهكَ والشوق إلى لقائِكَ من غيرِ
ضراءَ مضرة ولا فتنة مضلة)).
(١) أخرجه: الترمذي (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩)، وأحمد (٣٩١/١)، والبزار (١٥٣٣ -
كشف)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ١٠٢)، من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه: أحمد (٢٤/٢، ٤١) وابن ماجه (٤١١٤).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١٨٨/٢ - ١٩٣).