Indexed OCR Text

Pages 501-520

سورة التوبة
صادقًا من قلبِهِ، ولقيَ المؤمنينَ فأحبَّهم، ومن كان أمرُ الجاهلية عندَهُ كنار أُجِّجَتْ فَأُلْقيَ
فيها فقدْ طعِمَ طَعْمَ الإِيمانِ)) أو قال: ((بلغ ذُرْوةَ الإيمانِ))(١) .
ومن هذا المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى
الْكُفَّارِ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فأمرَ بامتحانِهنَّ ليعْلِمَ إيمانَهنَّ، فكانَ النبيُّ
صَلى الله
وسلم
يحلفهنَّ أنهنُّ ما خرجْنَ إلا حبًّا للَّهِ ورسولِهِ، لم يخرجْنَ رغبةً في غيرِ
ذلكَ، فيكونُ ذلك عِلمًا بإيمانِهِنَّ.
قال ابنُ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: ((كانتِ المرأةُ إذا أتْتِ النبيَّ ◌َّهِ لِتُسْلِمَ حَلَّفها
بِاللَّهِ ما خَرَجْتِي مِنْ بُغْضِ زوْجٍ إلا حبًّا لله ورسولهِ) وهو موجودٌ في بعضِ
نسخ الترمذي(٢) كذلك.
وخرَّجه البزَّارُ في ((مسندِ»(٣)، وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، ولفظُه:
((حلَّفها باللّه ما خرجْتِي منْ بُغْضِ زوْجٍ، وباللَّهِ ما خرجْتِي إلا حبًّا للَّه
ورسوله)).
وخرَّج إبراهيم بنُ الجنيدِ الختليُّ في كتابِ ((المحبةِ)) بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي
هريرةَ مرفوعًا قال: ((الإيمانُ في قلْبِ الرَّجُلِ أنْ يُحِبَّ اللَّه عزَّ وجلَّ)، ومن مراسيل
الزهريِّ أنَّ النبيَّ نَِّ قال: ((رأسُ الإيمانِ المحبَّةُ للَّه عزَّ وجلَّ، وطابِعُ الإيمانِ البِرُّ
والعَدْلُ، وتحقيقُ الإِيمانِ بإكرامٍ ذِي الدِّين وذي الشَّيْبَة)).
(١) أخرجه: الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥٧/٢٠ - ٢٥٨).
(٢) ((الجامع)) (٣٣٠٨).
(٣) ((كشف الأستار)) (٢٢٧٢).

٥٠٢
سورة التوبة
ومحبةُ اللَّه سبحانه وتعالى على درجتينٍ:
إحداهما: فرضٌ لازِمٌ: وهي أنْ يحبَّ اللَّه سبحانَهُ محبةً توجبُ لَهُ، محبةً
ما فرضَهُ اللَّهُ عليه، وبغضَ ما حرَّمَه عليه، ومحبةً لرسولِهِ المبلغِ عنه أمرَهُ
ونهيَهُ، وتقديمَ محبتِهِ على النفوسِ والأهلينَ أيضًا كما سبقَ، والرِّضا بما بلَّغَهُ
عن اللَّهِ من الدّينِ وتلقِّي ذلك بالرِّضا والتسليمٍ، ومحبةَ الأنبياءِ والرسل
والمتبعينَ لهم بإحسانٍ جملةً وعمومًا للَّه عزَّ وجلَّ، وبغضَ الكفارِ الفجارِ
جملةً وعمومًا للَّه عزَّ وجلَّ، وهذا القدرُ لابُدَّ منه في تمامِ الإيمانِ الواجبِ،
ومن أخَلَّ بشيءٍ منه فقدْ نقَصَ من إيمانِهِ الواجبِ بحسبٍ ذلك. قال اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وكذلك ينقُصُ من محبتهِ الواجبةِ
بحسب ما أخَلَّ به من ذلكَ، فإنَّ المحبةَ الواجبةَ تقتضِي فِعلَ الواجباتِ وتركَ
المحرَّماتِ.
وخرَّج أبو نعيمٍ (١) من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ ◌ُؤثُّه قال: سمعتُ النبيَّ
وَه يقولُ: ((إنَّ سالما)) - يعني موْلَى أبي حذيفةَ - ((شَدِيدَ الحبِّ للَّه لوْ كان لا يخافُ
اللَّهَ ما عصاهُ) يُشيرُ إلى أنَّ محبَّةَ اللَّه تَمْنَعُهُ منْ أن يعصِيهُ، وذكرَ أبو عبيدٍ في
((غريبه)) أنَّ عمرَ قال: ((نعمَ العبدُ صهيبٍ لو لم يخَفِ اللَّهَ لم يعْصِهِ)) .
قال الحسنُ بنُ آدمَ: «أحبَّ اللَّهَ يحبَّك اللَّهُ، واعلمْ أنك لن تحَّ اللَّه حتى
تحبَّ طاعتَهَ)).
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ حنيفٍ: قال رجلٌ لرابعةَ: إني أحبُّك في اللَّه، قالتْ:
(١) ((حلية الأولياء)) (١ /١٧٧).

٥٠٣
سورة التوبة
((فلا تَعْصِي الذي أحببتِنِي له)).
وسئلَ ذو النونِ: متى أحبّ ربي؟ قال: ((إذا كان ما يبغضُهُ عندك أمَرَّ من
الصَّبر)».
وقال بشر بن السري: (( ليس من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يبغضُ)).
وقال أبو يعقوب النهرجوري: ((كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ جلَّ جلالُهُ ولم
يوافقِ اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محبٍّ ليسَ يخافُ اللَّهَ فهو
مغرورٌ)).
وقال يحيى بن معاذ: ((ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّه ولم يحفظْ
حدودَه)) .
وقال رويمٌ: ((المحبةُ الموافقةُ في جميعِ الأحوالِ)) وأنشد :
ولو قُلتَ لي: مِتْ، مِتُّ سمعًا وطاعةً وقلتُ لداعِي الحقِّ: أهلاً ومرحبًا
وقد تقدَّم أنَّ العبدَ لا يجدُ حلاوةَ الإيمانِ حتَّى يحبّ المرءَ لا يحبُّه إلا للَّه،
وحتى يكره أن يرجعَ إلى الكفرِ، كما يكرَهُ أن يُلقى في النَّارِ، ولهذا المعنى
كان الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ من أصولِ الإيمانِ .
وخرَّج الترمذي(١) من حديثِ معاذِ بنِ أنسِ الجهنيِّ عنِ النبيِّ نَّه قال: ((منْ
أعْطَى للَّهِ ومنَعَ للَّهِ، وأحبَّ للَّه، وأبْغَضَ للَّه، فقدْ استكْمَلَ إيمانَهُ)، وخرَّجه الإمامُ
أحمدُ(٢) وزادَ فيه: ((وأنكَحَ للَّهِ))، وفي لفظٍ له أيضًا(٣) أنَّ النبيَّ ◌َّ سُئِلَ عن
(١) ((الجامع)) (٢٥٢١).
(٢) «المسند)) (٤٣٨/٣ - ٤٤٠).
(٣) ((المسند)) (٢٤٧/٥).

٥٠٤
سورة التوبة
أفضلِ الإيمانِ قال: ((أنْ تحبَّ للَّهِ وتُبْغِضَ للَّه وتعمَلَ لسانَك في ذِكْرِ اللَّه)) وخرَّج أبو
داود (١) من حديث أبي أمامةَ عنِ النبيِّنَّه قال: ((منْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للَّه،
وأعْطَى للَّه، ومنَعَ للَّهِ، فقدْ اسْتَكْمَلَ الإيمان)). ومن حديثٍ أبي ذَرٍّ عن النبيِّ وَل
قال: (أفضَلُ الإيمانِ الحُبُّ في اللَّه، والبُغْضُ في اللَّهِ)(٢)، وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٣)
من حديث البراءِ بنِ عازبٍ عنِ النبيِّ نَّ قال: ((إنَّ أوثقَ عُرى الإيمان أنْ تُحبَّ
في اللَّه وتبغضَ في اللّهِ))، ومن حديث عمرٍو بنِ الجموحِ عنِ النبيِّ وَّ- قال:
(لا يجِدُ العبْدُ حقَّ صرِيحِ الإيمانِ حتَّى يُحبَّاللَّهِ وبْغِضَ للَّهِ، فإذا أحبَّ للَّهِ، وأَبْغَضَ
للَّه فقدْ استحقَّ الولايَةَ منَ اللَّهِ وإن أوليائِي منْ عبادِي وأحبَّائِي منْ خلْقِي يُذْكَرُون
بِذِكْرِي وَأُذْكَرُ بذكْرِهِم)، (٤).
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ. وروى ليثٌ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ
قال: ((منْ أحبَّ في اللَّهِ وأبغَضَ في اللَّهِ ووالَى في اللَّهِ وعادَى في اللّه،
فإنَّما تنالُ ولايةُ اللَّهِ بذلك، ولن يجدَ عبدٌ طعْمَ الإيمانِ وإِنْ كَثُرَتْ صلاتُهُ
وصومُهُ حتى يكون كذلك، وقد صارَتْ عامَّةُ مُؤاخاةِ النَّاسِ على أمْرِ الدنيا
وذلك لا يُجْدِي على أهلِهِ شيئًا)). خرَّجه ابنُ جرير الطبريُّ، وخرَّج أيضًا
بإسنادِهِ عن ابن مسعودٍ، قال: ((من أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للَّه وأعْطى للَّه ومنعَ
للَّه؛ فقدْ توسَّطَ الإيمان))، وخرَّج الحاكمُ(٥) من حديث عائشةَ فِثُها عن النبيِّ
وَّه قال: ((الشِّرْكُ أَخْفى من دبيبِ النَّملِ على الصَّفَا في الليْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وأدْناهُ أن
(١) («السنن» (٤٦٥٥).
(٢) («السنن» (٤٥٧٥).
(٣) ((المسند)) (٢٨٦/٤).
(٤) («المسند)» (٤٣٠/٣).
(٥) ((المستدرك)) (٢٩١/٢).

٥٠
سورة التوبة
تحبَّ على شيءٍ من الجُورِ وتُبْغِضَ على شيء من العدْلِ، وهلِ الدِّينُ إلا الحبُّ فِي اللَّه
والبُغْضُ في اللَّه)) قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل
عمران: ٣١] ، وقال: صحيحُ الإسنادِ وفيما قاله نظر.
ففي هذا الحديث أنَّ محبةَ ما يبغضهُ اللَّه وبغضَ ما يحبُّه الله من الشرك
الخفيِّ، وروينا من طريقِ الأصمعيِّ عن سفيانَ عن ليث عن مجاهد أنه قال
في قولهِ تعالى: ﴿يَعْبُدُونَبِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] قال: ((لا يحبُّون
غيْرِي))(١) وحينئذٍ فلا يكملُ التوحيدُ الواجبُ إلا بمحبةٍ ما يحبُّه اللَّهُ وبغضِ ما
يبغضه اللَّهُ، وكذلك لا يتمُّ الإيمانُ الواجبُ إلا بذلك.
ومن هنا يُعلمُ أنَّ الإخلالَ ببعضِ الواجباتِ وارتكابِ بعضِ المحرَّماتِ
ينقصُ به الإيمانُ الواجبُ بحسبِ ذلك، كما قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يزنِي الزَّانِي
حين يزِنِي وهو مؤْمِنٌ) الحديث(٢) . وروى الإمامُ أحمدُ مِنْ طريقِ الربيعِ بنِ أنسٍ
عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: ((منْ أصبَحَ وأكْبرُ همِّه غيرُ اللَّه
فليسَ منَ اللَّهِ)) وقد رُوي هذا مرفوعًا من حديث أنسٍ بأسانيدَ ضعيفةٍ(٣).
فهذه الدرجةُ من محبةِ اللَّهِ فرضٌ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ وهي درجةُ
المقتصدينَ أصحابِ الیمینِ .
الدرجة الثانية: درجةُ السابقينَ المقربين، وهي أن ترتقي المحبةُ إلى ما يحبُّه
اللَّهُ من نوافلِ الطاعات، وكراهةُ ما يكرهُه من دقائقِ المكروهاتِ، وإلى
(١) أخرجه: ابن جرير في «تفسيره)) (١٨ / ١٦٠) ولكن بلفظ: ((لا يخافون غيري)).
(٢) أخرجه: البخاري (١٧٨/٣)، (١٣٥/٧)، (١٩٥/٨)، ومسلم (٥٤/١ - ٥٥) من حديث أبي
هريرة ظِلّه.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٤٨/٣) عن أنس مرفوعًا، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٥٦/٤) من
حديث ابن مسعود مرفوعًا.

سورة التوبة
الرِّضا بما يقدِّره ويقضيه مما يؤلمُ النفوسَ من المصائبِ، وهذا فضلٌ مستحبٌ
مندوب إليه .
وفي (صحيح البخاريِ)(١) عن أبي هريرةَ عن النبيِّنَّه قال: ((يقولُ اللَّهُ عزّ
وجلّ: منْ عَادَى لي وليا فقد آذنْتُهُ بالحربِ، ما تقرَّبَ إليَّ عبْدِي بشيء أحبَّ إليَّ مما
اقْترضتُ عليه، ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَُّ، فإذا أحيبْتُ كُنْتُ سمعَهُ
الذي يسمعُ به، وبصره الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولئن
سألنِي لِأُعْطينَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدِي عن
قَبْضِ نفْسِ عبدِي المؤمنِ يكْرَهُ الموْتَ وأنا أكرَهُ مُساءَتَهُ)) وقد روي هذا المعنى عن
النبيِّ وَّهُ من حديثِ عليّ بنِ أبي طالبٍ ثُّهِ وابنِ عباسٍ، وأبي أمامةَ
وعائشةَ تِوَّهُ ، بأسانيدَ فيها نظرٌ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سُهيلٍ أخي حزمٍ قال: بلَغَنِي عن عامرِ بنِ
عبدِ قيسٍ أنه كانَ يقول: ((أحببتُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ حبًا سهَّلَ عليَّ كلَّ مصيبةٍ
ورضَّاني بكلٍ قضيةٍ، فما أُبالي مع حُبِّي إِيَّهُ ما أصبحتُ عليه وما أمسيتُ).
وقال إبراهيمُ بنُ الجنيدِ: حدثنا محمدُ بنُ الحسنِ حدثني عبيدُ اللَّهِ بنُ محمد
التميميِّ أنَّ رجلاً قال العابدٍ: أوصِنِي، أوعظْنِي، فقال: ((أىُّ الأعمالِ أغلبُّ
على قلبِكَ؟ فقال الرجلُ: واللَّهِ ما أجدُ شيئًا أنفع للمحبِّ عند حبيبِهِ من
المبالغة في محبَّتِهِ، وهلْ تَدْرِي ما ذلك؟ أن لا يعلمَ شيئًا فيه رضاهُ إلا أتاهُ،
ولا يعلمُ شيئًا فيه سخطُهُ إلا اجتَنَبَهُ، فعند ذلك ينزلُ المحبونَ من اللَّهِ منازلَ
المحبة، قال: فصرخَ العابدُ والسائلُ وسقطا)).
(١) (١٣١/٨).

٥٠٧
سورة التوبة
وقد تبيَّنَ بما ذكرْنا أنَّ محبةَ اللَّه إذا صدقتْ أوجبتْ محبةَ طاعته وامتثالَها،
وبغضَهُ معصيتَهُ واجتنابَها، وقد يقعُ المحبُّ أحيانًا في تفريطٍ في بعضِ
٩
المأموراتِ وارتكابٍ لبعضِ المحظوراتِ، ثمَّ يرجعُ على نفسِهِ بالملامةِ، وينزعَ
عن ذلكَ ويتداركُه بالتوبةِ .
وفي ((صحيحِ البخاريِ)(١) أنَّ رجلاً كان يُؤتى به إلى النبيِّ وَلَّ قد شربَ
الخمرَ، فقال رجلٌ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتَى به، فقال رسولُ اللَّه ◌َظله:
((لا تَلْعَنْهُ؛ فإِنَّه يحبُّ اللَّهَ ورسولَهُ).
وقد رُوي عن الشعبيِّ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
[البقرة: ٢٢٢] قال: ((التَّائبُ من الذنبِ كمنْ لا ذنْبَ له، وإذا أحبَّ اللَّهُ عبدًا لم
يضرَّهَ ذَنْبُهُ)(٢) وعن عبد الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ قال: إنَّ اللَّه تعالى ليحبُّ
العبدَ حتى يبلغَ من حبِِّ إذا أحبَّهُ أن يقولَ له: ((اذْهَبْ فاعْمَل ما شئْتَ فقدْ
غفرتُ لك».
والمرادُ من هذا أنَّ اللَّهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا وقدَّر عليه بعضَ الذنوب فإنَّه
يُقَدِّر له الخلاصَ منها بما يمحوها من توبةٍ أو عملٍ صالحٍ أو مصائبَ مكفرةٍ،
كما في الحديثِ عنِ النبيِّ نَّ قال: «أَذْنَبَ عبدٌ ذنبًا فقال: أيْ ربِّي عمِلْتُ ذنبًا
فاغْفِرْ لي)) فذكر الحديث إلى أن قال: ((فَلَيَعْمَلْ ما شاء))(٣). والمرادُ ما دام على
هذا، كلما عمِلَ ذنبًا اعترفَ به وندمَ عليه واستغفرَ منه، فأمَّا مع الإصرارِ
عليه فلا، وكذلك المحبةُ الصادقةُ الصحيحةُ تمنعُ من الإصرارِ على الذنوبِ،
(١) (٨/ ١٩٧).
(٢) أخرجه: وكيع في ((الزهد)» (٢٧٨).
(٣) أخرجه: البخاري (١٧٨/٩)، ومسلم (٩٩/٨).

٥٠٨
سورة التوبة
وعدمِ الاستحياءِ من علاَّمِ الغيوبِ. وما أحسنَ قولَ بعضِهِم:
تعصي الإلهَ وأنتَ تزعُمُ حُبَّه هذا لَعمري في القياسِ شنيع
و
لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ إنَّ المحبَّ لمن يُحِبُّ مطيعٌ(١)
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ
فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[قال البخاريُ](٢): ((بابُ: دخول المشْرِكِ المسْجِدَ): حدثنا قتيبةُ: ثنا
الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: بعثَ رسولُ اللَّه
مرَّ بِخَيْلِ قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءتْ برجُلٍ من بني حنيفةَ، يُقالُ له: ثُمَامَةُ بنُ أُثال،
فربطوه بساريةٍ من سواري المسجدِ .
قد سبقَ هذا الحديثُ بأتمَّ من هذا السياقِ في ((بابِ: الأسير يُربطُ في
المسجد))(٣)، وفيه: أنَّ ثمامةَ حين رُبط كان مشركًا، وأنه إنما أسلمَ بعد
إطلاقه .
وفي هذا دليلٌ على جوازِ إدخالِ المشركِ إلى المسجدِ، لكن بإذنِ المسلمينَ.
وقد أنزلَ النبيُّ نَِّ وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ، ليكونَ أرقَّ لقلوبِهِم.
خرَّجه أبو داود (٤) من روايةِ الحسنِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاصِ .
(١) ((استنشاق نسيم الأنس)) (٣٣ - ٥٦).
(٢) (١/ ١٢٧) .
(٣) (١٢٤/١).
(٤) (٣٠٢٦).

٥٠
سورة التوبة
وروى وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: إنَّ وفدًا قدمُوا
على النبيِّ وَّهِ مِنْ ثقيفٍ، فدخلُوا عليه المسجدَ، فقيلَ له: إنَّهم مُشْركون؟
قال: ((الأرضُ لا ينجسها شيءٌ).
وخرَّجِه أبو داودَ في (المراسيلِ)) (١) من روايةِ أشْعَث، عن الحسنِ، أنَّ وفْدَ
ثقيف قدمُوا على رسولِ اللَّهِ وَّله فضرَبَ لهم قُبَّةً في مُؤخَّرِ المسجد، لينظرُوا
إلى صلاةِ المسلمينَ، إلى ركُوعِهِم، وسجودِهِم، فقيلَ: يا رسولَ اللّه،
أتنزِلُهُم المسجدَ وهم مُشرِكُون؟ قال: ((إنَّ الأرضَ لا تَنْجُسُ، إنَّما ينجُسُ ابنُ آدمَ).
وكذلك سائر وفودِ العربِ ونصارى نجرانٍ، كلُّهم كانُوا يدخلونَ المسجدَ
إلى النبيِّ نَّه ويجلسونَ فيه عندَهُ.
ولما قدِمَ مشركُو قريشِ في فداءٍ أُسارى بدرِ كانوا يبيتون في المسجدِ .
وقد روى ذلك الشافعيّ بإسناد له.
وقد خرَّج البخاريُّ(٢) حديثَ جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ - وكان ممن قدِمَ في فداءِ
الأُسارى - أنه سمعَ النبيَّ ◌َهِ يقرأُ في المغربِ بـ: ((الطُّورِ))؛ قال: وكان ذلك
أولَ ما وقرَ الإيمانُ في قلبِي.
وخرَّج البخاريُّ(٣) فيما سبقَ في (كتابِ: العلمِ)) حديثَ دخولِ ضِمَامٍ بِنِ
ثعلبةَ المسجدَ، وعقله بعيرَهُ فيه، وسؤالِهِ النبيّ ◌َِّ عن الإسلامِ، ثم أسلْمَ
عقبَ ذلكَ.
(١) ((المراسيل)) (١٧).
(٢) أخرجه: البخاري (١٩٤/١)، (٨٤/٤)، (١٧٥/٦)، ومسلم (٤١/٢).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٢٤/١ - ٢٥).

٥١٠
سورة التوبة
وروى أبو داود في ((المراسيلٍ)) (١) بإسناده عن الزهريِّ، قال: أخبرني سعيدٌ
ابنُ المسَيَّبِ، أنَّ أبا سفيانَ كان يدْخُلُ المسجدَ بالمدينة وهو كافرٌ، غيرَ أنَّ ذلك
لا يصلُحُ في المسجدِ الحرامِ، لما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ:
فرَخَّصَ طائفةٌ منهم في دخولِ الكافرِ المسجد، وهو قولُ أبي حنيفةً
والشافعيِّ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ، رجَّحها طائفةٌ من أصحابنا .
قال أصحابُ الشافعيِّ: وليسَ له أن يدخلَ المسجدَ إلا بإذنِ المسلمِ ووافقَهُم
طائفةٌ من أصحابِنا على ذلكَ.
وقال بعضُهم: لا يجوزُ للمسلمِ أن يأذنَ فيه إلا لمصلحةٍ من سماعٍ قرآنٍ،
أو رجاء إسلامٍ، أو إصلاحِ شيءٍ ونحوِ ذلك، فأمَّا لمجردِ الأكلِ والُّبْث
والاستراحة فلا.
ومن أصحابنا: من أطلقَ الجوازَ، ولم يقيدهُ بإذنِ المسلمِ .
وهذا كلُّه في مساجد الحلِّ، فأمَّ المسجدُ الحرامُ فلا يجوزُ للمسلمينَ الإذنَ
في دخولِهِ للكافرِ، بل لا يمكّنُ الكافرُ من دخولِ الحرمِ بالكليّة عند الشافعيّ
وأحمدَ وأصحابهما .
واستدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وكانَ النبيُّ نَّ أَمرَ منادِيًا يُنَادِي: ((لا يحُجُّ بَعْدَ العامِ
مُشْركٌ)(٢).
(١) ((المراسيل)) (١٨).
(٢) أخرجه: البخاري (١٠٣/١)، ومسلم (١٠٦/٤) من حديث أبي هريرة خِرَّه.

٥١١
سورة التوبة
وأجازَه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ.
فأمَّا مسجدُ المدينة، فالمشهورُ عندنا وعند الشافعية أنَّ حُكْمَهُ حكم مساجد
الحلِّ.
ولأصحابِنا وَجْهُ: أنه مُلْحَقٌ بالمسجد الحرامِ؛ لأنَّ المدينةَ حَرَمٌ، وحُكي عن
ابنِ حامدٍ، وقاله القاضي أبو يعلى في بعضِ كتبِهِ.
وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ الأحاديث الدالةُ على الجوازِ إنما وردت في مسجدِ المدينةِ
بخصوصِهِ، فكيفَ يمنع منه ويخصُّ الجوازُ بغيره؟
وقالتْ طائفةٌ: لا يجوزُ تمكينُ الكافرِ من دخولِ المساجدِ بحالٍ، وهذا هو
المرويُّ عن الصحابةِ، منهم: عمرُ، وعليُّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعن عمرَ
ابنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ مالك، والمنصوصُ عن أحمدَ، قال: لا يدخلونَ
المسجدَ ولا ينبغي لهم أن يدخلُوهُم.
واستدلُّوا بقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤].
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّ الكفارَ لا يُمكنونَ من دخولِ المساجدِ، فإنّ دخلوا
أُخيفُوا وعُوقِبوا، فيكونونَ في حالِ دخولِهِم خائفينَ من عقوبةِ المسلمينَ لَهُم.
وقد رُوي عن عليٍّ، أَنَّه كان على المنبرِ فَبَصُرَ بمجوسي، فنزل وضربَه
وأخرجه .
خرَّجِه الأثْرَمُ.
وعلى هذا القولِ، فأحاديثُ الرُّخْصةِ قد تُحمَلُ على أنَّ ذلك قبلَ
النهي عنه، أو أنَّ ذلك كانَ جائزًا حيث كان يحتاجُ إلى تألَّفِ قلوبِهِم،

٥١٢
سورة التوبة
وقد زالَ ذلكَ.
وفرَّقَتْ طائفةٌ بين أهلِ الدِّمةِ وأهلِ الحربِ، فقالُوا: يجوزُ إدخالُ أهل
الذِّمَّةِ دونَ أهلِ الحربِ، ورُوي عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وقتادةً.
وروى عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابنِ جُريجٍ: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرَ
بنَ عبدِ اللَّه يقولُ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرِبُوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَ﴾ [التوبة: ٢٨] قال: إلا أن يكونَ عبدًا أو أحدًا من أهلِ
الذَّمَّة.
وقد رُويَ مرفوعًا من روايةٍ شريك: ثنا أشعثُ بن سوَّارِ، عن الحسنِ، عن
جابرٍ، عن النبيِّ نَّ قالَ: ((لا يدخلْ مسجدَنَا هذا مشركٌ بعد عامِنَا هذا، غير أهلِ
الکتاب وخدمهم».
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢) .
وفي روايةٍ له: ((غيرَ أهلِ العهدِ وخدمِهِم)).
وأشعثُ بنُ سوَّار، ضعيفُ الحديثِ.
وقد خصَّ بعضُ أصحابنا حكايةَ الخلافِ المحكي عن أحمدَ فى المسألة
بأهلِ الذِّمَّةِ(٣) .
(١) ((المصنف)) (٩٩٨٢).
(٢) ((المسند)) (٣٣٩/٣ - ٣٩٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٦٠ - ٥٦٤).

٥١٣
سورة التوبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْبِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أليم ﴿٣٤
ـو م
٠٠٠
يوم يَحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتَكْوَى بِهَا جباههم وجنوبهم
وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْتِزُونَ﴾
وفي الحديثِ المشهورِ عن ثوبانَ أنَّه قال: لَّا نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، فقال النبيَّ ◌َِه: ((تبّا للذهب والفضة)»،
قالُوا: يا رسولَ اللَّه، فما نتخذُ؟ قال: ((ليتخذ أحدُكُم قلبًا شاكراً، ولسانا ذاكراً،
وزوجةً صالحةً تُعين أحدَكُم على إِيمانِهِ))(١) .
قال بعضُهم: إنَّما سُمِّيَ الذهبُ ذهبًا، لأنه يذهبُ، وسمِّيت الفضةُ فضةً
لأنها تنفضُّ، يعني تنفضُّ بسرعةٍ، فلا بقاءَ لهُمَا، فمن كنزَهُما فقد أرادَ بقاءَ
ما لا بقاءَ له، فإن نفعَهُما ما هو إلا بإنفاقهما في وجوهِ البِرُّ وسبلِ الخيرِ .
وقال الحسنُ: بئسَ الرفيقُ الدرهمُ والدينارُ؛ لا ينفعانكَ حتَّى يفارقانكَ،
فما داما مكنوزينٍ فما يضرانِ ولا ينفعانِ، وإنَّما نفعُهُما بإنفاقهما في
الطاعات، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، والآيةُ ذمٌّ ووعيدٌ لمنْ يمنعُ حقوقَ مالِهِ
الواجبةِ من الزكاة وصلةِ الرَّحمِ وقِرى الضيفِ والإنفاقِ في النوائبِ .
وفي (صحيحِ مسلمٍ) (٢) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ وَ لَّ قال: ((ما من صَاحِب
(١) أخرجه: أحمد (٧٨/٥ - ٢٨٢)، والترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٩٥٦).
(٢) (٣/ ٧٠ - ٧١).

٥١٤
سورة التوبة
ذهب ولا فضة لا يؤدِّى منْها حقَّها إلا إذا كان يومُ القيمة صُفِّحت له صفائحُ من نار
فأحمي عليها في نارِ جهنّم، فيكوى بها جنبُهُ وجبينُهُ وظهرُهُ، كلما برَدَتْ أعيدت له، في
و و
يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنة وإمَّا
إلى النارِ)).
وفي ((صحيح البخاريِ)(١) عن أبي هريرة عن النبيِّبَ لَه قال: ((من آتاهُ اللهُ
مالاً فلم يُؤدِّ زكاتَهُ مُثِّلَ له يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطوَّقه يومَ القيامة ثم يأخذُ
بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالُكَ، أنا كنزك)) ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرِّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بِخِلُوا بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران : .
وفيه أيضًا (٢) عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((يكون كنزُ أحدكم يومَ القيامة
شجاعًا أقرع يفرُّ منه يومَ القيامة، ويطلبُهُ، ويقول: أنا كنزُكَ، فلا يزالُ يطلبُهُ حتى يبسطَ
يدَهُ فيُلقمها فاه)) .
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٣) عن جابرٍ عن النبيِّ وَّ قال: ((ما من صاحب كنز لا
يفعلُ فيه حقَّهُ إلا جاءَ كنزُهُ يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ يتبعُهُ فاتحًا فاهُ، فإذا أتاهُ فرَّ منهَ،
فيناديه: خُذْ كنزَكَ الذي خبََّتَهُ فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدَّله منه سلكَ يدَهُ في فيه
فيقضمها قضمَ الفحْلِ)) والشجاعُ: الحيَّةُ الذكرُ، والأقرعُ: الذي قد تمعَّطَ شعر
فروة رأسِهِ لكثرةِ سمِّهِ.
فلهذا وردَ الشرعُ باكتنازِ ما يبقى نفعُهُ بعد الموتِ من الإيمانِ والأعمالِ
(١) (١٣٢/٢)، (٤٩/٦).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٨٢/٦)، (٣٠/٩).
(٣) (٣/ ٧٣).

٥١٥
سورة التوبة
الصالحةِ والكلماتِ الطيبةِ، فإنَّ نفعَ ذلك يبقَى وبه يحصلُ الغنى الأكبرُ، قال
ابنُ مسعودٍ: نعمَ كنزُ الصعلوكِ سورةُ آل عمرانَ يقومُ بها من آخرِ الليلِ،
وآخرُ سورة البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ أعطيتْه هذه الأُمَّةُ مع سورة الفاتحةِ،
ولا حولَ ولا قوَّةً إلا باللّه كنزٌ من كنوزِ الجنةِ.
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيليةِ: كنزُ المؤمنِ ربِّ، يعني أنه لا يكنزُ سوى
طاعتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ والتقربِ إليهِ، فمن كانَ كنزُهُ ربَّه وجدَهُ وقتَ حاجته
٠٠
إليه، كما في وصيةِ النبيِّ وَّ لابنِ عباسٍ: ((احفظ اللَّهَ يحفَظك، احفظ اللَّهَ تجِدْهُ
أمامَك، تعرَّف إلى اللَّهِ في الرَّخاء يعرفكَ في الشِّدة))(١).
أنت كنزي، أنت ذخري، أنت عزِّي، كيف أخشى الفقرَ إذا كنتَ أمني
عند فقرِي، من كانَ اللَّهُ كنزَه فقد ظفرَ بالغِنِى الأكبرِ، قال بعضُ العارفينَ:
من استغْنَى باللَّهِ أَمِنَ من العدمِ ومن لَزِمَ البابَ أُثْبِتَ في الْخَدَمِ
ومن أكثرَ ذكر الموتِ أكثرَ من الندمِ تنقَضِي الدُّنيا والفتى فيها معنًا
ليسَ في الدنيا نعيمُ ولاعيشٌ مهنًّا يا غنيًّا بالدنانيرِ فحبُّ اللَّهِ أغنى (٢)
قال تعالى: ﴿إِنَّ عدَّةَ الشُّهُورِ عندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا
فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾
قال عليّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
(١) أخرجه: أحمد (٢٦٩/٤ - ٢٧٠ - ٢٨٦ - ٢٨٨).
(٢) ((شرح حديث شَدَّاد بن أوس)) (١٥ - ٢١).

٥١٦
سورة التوبة
أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُرِ، فجعلهنَّ
حرمًا، وعظَّمَ حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنَبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ
(١)
أعظمَ (١).
وقال قتادةُ في هذه الآية: اعلمُوا أنَّ الظلمَ في الأشهرِ الحُرُم أعظمُ خطيئةً
ووزراً فيما سوى ذلك، وإن كان الظَّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائلٍ، ولكنَّ اللَّهَ
تعالى يُعظّم من أمرِهِ، ما يشاءُ ربُّنا تعالى(١).
وقد رُوي في حديثينِ مرفوعينِ أنَّ السيئاتِ تُضاعفُ في رمضانَ، ولكن
إسنادهُما لا يصحُّ(٢) .
خرَّجا في (الصحيحين))(٣) من حديث أبي بكرةَ أنَّ النبيَّ وَّ خطبَ في
حجَّةِ الوداعِ، فقالَ في خطبته: ((إنَّ الزَّمَانَ قد اسْتَدَارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّه
السماواتِ والأرضِ، السَّنّةُ اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعْدة
وذو الحجَّةَ، والمحرَّمُ، ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبانَ)) وذكر الحديثَ.
قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾
[التوبة: ٣٦]. فأخبر سبحانه أنَّه مُنْذُ خلق السماواتِ والأرضَ وخلقَ اللَّيلَ والنَّهارَ
يدُورانِ في الفلكَ وخلقَ ما في السَّماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجعلَ
(١) أخرجهما: ابن جرير في ((التفسير)) (١٢٦/١٠ - ١٢٧).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٤٢/٢).
(٣) أخرجه: البخاري (٣٦/١ - ٣٧)، (٢١٦/٢)، (١٣٠/٤) (٢٢٤/٥) (٨٣/٦) (١٢٩/٧)،
(٦٣/٩ - ١٦٣)، ومسلم (١٠٧/٥ - ١٠٨ - ١٠٩).

٥١٧
سورة التوبة
الشَّمسَ والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النهارِ،
فمن حينئذٍ جعلَ السَّنة اثنى عشر شهرًا بحسبِ الهلالِ .
فالسنةُ في الشرعِ مُقدَّرةٌ بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ، لا بسيرِ الشمسِ وانتقالها،
كما يفعلُهُ أهلُ الكتابِ .
وجعلَ اللَّهُ تعالى من هذه الأشهرِ أربعةَ أشهرِ حُرُّمًا، وقد فسَّرَها النبيّ
ے
وَ لَه في هذا الحديثِ، وذكرَ أنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ، ذو القعدة، وذو الحجّة،
والمُحرَّمُ، وواحدٌ فردٌ، وهو شهرُ رجبٍ .
وهذا قد يستدلُّ به من يقولُ: إنها من سنتين، وقد رُوي من حدیثِ ابنِ
عمرَ مرفوعًا: ((أولُهُنَّ رجبٌ))، وفي إسنادِهِ موسى بن عُبيدةَ، وفيه ضعفٌ
شديدٌ من قِبلِ حفْظِهِ، وقد حُكيَ عن أهلِ المدينةِ أنهم جعلوها من سنتين،
وأنَّ أوَّلَها ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ، ثم المحرَّمُ، ثم رجبٌ، فيكونُ رجبٌ
آخرها .
وعن بعضِ المدنيينَ أنَّ أوَّلها رجبٌ، ثم ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ ثم
المُحرَّمُ. وعن بعضِ أهلِ الكوفةِ أنها من سنةٍ واحدةٍ، أوَّلِها الْمُحرَّمُ، ثم
رجبٌ، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحِجَّةِ. واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحرم
أفضلُ؛ فقيل: رجبٌ، قاله بعض الشافعية، وضعَّفَه النوويُّ وغيرُه. وقيل:
المُحَرَّمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النوويُّ. وقيل: ذو الحِجَّة، رُوي عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ وغيرِهِ، وهو أظهرُ، واللهُ أعلمُ.
وقوله وَزاله: ((إنَّ الزَّمان استدَارَ كهيئته يوم خلقَ اللَّه السموات والأرضَ، السَّنَةُ اثنا
عشرَ شهرًا)) مُرادُهُ بذلك إبطالُ ما كانت الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال

٥١٨
سورة التوبة
تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرَمُونَهُ عَامَا
لَيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النَّسيء(١)، فقالت طائفةٌ: كانوا يُبدلُون بعضَ
الأشهرِ الحُرُم بغيرِها من الأشهرِ، فيحرِّمُونها بدلها، ويُحلُّون ما أرادُوا تحليلَه
من الأشهرِ الْحُرُم إذا احْتَاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدونَ في عددِ الأشهر
الهلالية شيئًا. ثم من أهلِ هذه المقالة من قال: كانوا يُحلُّون المحرَّمَ فيستحلون
القتالَ فيه؛ لطول مدَّةَ التَّحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهرِ مُحرَّمةٍ، ثم يحرِّمُونَ
صفَرًا مكانَهُ، فكأنَّهم يقترضونَه ثم يوفونَه، ومنهم من قال: كانوا يحلُّون
الُحرَّمَ مع صَفَرٍ من عامٍ ويُسمُّونَهما صفَرينٍ، ثم يحرِّمُونهما من عام قابل
ويسمُّونهما محرَّمين قاله ابن زيدِ بنِ أسلمَ .
وقيل: بل كانوا رُبَّما احْتَاجُوا إلى صفَرَ أيضًا فأحلُّوه وجعَلُوا مكانَه ربيعًا،
ثم يدورُ كذلك التَّحريمُ والتَّحليلُ والتأخيرُ، إلى أن جاء الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ
الوداع، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رجِّحه
أبو عُبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إِنَّما وقع في عيْنِ الأشهر الحُرُمِ خاصةً. وقالت
طائفةٌ أخرى: بلْ كانوا يزيدونَ في عددِ شهورِ السنة، وظاهرُ الآية يُشعر
بذلك، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾
[التوبة: ٣٦] فذكرَ هذا توطئةً لَهَدْمِ النَّسيءِ وإبطالِهِ .
ثم مِنْ هؤلاءِ من قال: كانوا يجعلُون السنة ثلاثةَ عشرَ شهراً، قاله مجاهدٌ
وأبو مالك، قال أبو مالك: كانوا يجعلون السنةَ ثلاثةَ عشرَ شهراً، ويجعلونَ
(١) راجع أقوال أهل العلم في تفسير معنى ((النسيء)) في ((تفسير الطبري)) (١٣٠/١٠ - ١٣٢).

٥١٩
سورة التوبة
المُحرَّمَ صَفَرًا. وقال مجاهدٌ: كانوا يُسقطون المُحرَّمَ ، ثم يقولون: صَفَرِينٍ،
لصفرَ وربيع الأوَّلِ وربيع الآخر، ثم يقولونَ: شهرا ربيع، ثم يقولون:
لرمضان: شعبانُ، ولشوال: رمضانُ، ولذي القعْدة: شوالٌ، ولذي الحجَّةِ:
ذو القعدة، على وجهِ ما ابتدأوا وللمحرَّمِ: ذو الحجّةِ، فيعدونَ ما ناسؤوا
على مستقبله، على وجه ما ابتدأوا.
وعنه، قال: كانت الجاهليةُ يحجُّون في كلِّ شهرٍ من شهورِ السنةِ عامينِ،
فوافَقَ حِجُّ رسولِ اللَّهِ بَّهَ في ذي الحِجَّةِ، فقال: ((هذا يومٌ اسْتدارَ الزَّمَانُ
كهيئته يومَ خلقَ اللَّهُ السماوات والأرضَ)).
ومن هؤلاء من قالَ : كانت الجاهليةُ يجعلونَ الشهورَ اثنى عشر شهراً
وخمسةَ أيامٍ، قالهُ إياسُ بنُ معاويةَ، وهذا العددُ قريبٌ من عددِ السنةِ
الرُّوميةِ، ولهذا جاء في مراسيلِ عكرمة بنِ خالدِ أنَّ النبيَّ ◌َّ، قال في
خُطبتِهِ يومَ النحر: ((والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وخَسَ إبهامَه في الثالثةِ، وهكذا
وهكذا، وهكذا)) يعني: ثلاثينَ، فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ.
ثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانُوا يُتْمُّونَ الشهورَ كلَّها،
ويزيدونَ عليْهَا، والله أعلم.
وقد قيل: إنَّ ربيعةَ ومضَرَ كانوا يُحرِّمون أربعة أشهرٍ من السنةِ مع
اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إن شاء اللَّهُ تعالى. وكانت
بنُو عوْفِ بنِ لُؤيٍّ يحرِّمون من السنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغةٌ في الزيادة
على ما حرَّمه اللَّهُ.
واختلفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّةِ على وجهِهِ، واسْتدارَ الزَّمَانُ

٥٢٠
سورة التوبة
فيه كهيئته، فقالت طائفةٌ: إنَّما عادَ على وجهه في حجَّةِ الوداعِ، وأما حجةُ
أبي بكرِ الصدّيقِ فِّه، فكانت قد وقعت في ذي القعدة، هذا قولُ مجاهد
وعكرمةَ بن خالد وغيرهما، وقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجّ الأممِ كلِّها
في وقتٍ واحدٍ، فلذلك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ.
وقالتْ طائفةٌ: بل وقعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذي الحجةِ، قالهُ الإمامُ أحمدُ،
وأنكرَ قولَ مجاهدٍ، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمرَ عليًّا فنادى يوم النَّحْرِ: ((لا يحجُّ
بعد العامِ مشرِكٌ) وفي رواية: ((واليومُ يوم الحَجِّ الأكبرِ)) وقد قالَ اللَّهُ تعالى:
﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، فسمَّاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يدلُّ على أنَّ النِّداءَ وقَعَ
في ذي الحجَّةِ .
وخرَّج الطبرانيُّ في ((أوسطِه))(١) من حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه،
عن جدِّه قال: كان العربُ يُحِلُّون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبون
الحجَّ إلا في كلِّ ستةٍ وعشرين سنة مرةً واحدةً، وهو النَّسيءُ الذي ذكرَهُ اللَّهُ
في كتابه، فلما كان عام حجَّ أبو بكر الصديقُ بالناس، وافَقَ في ذلك العامِ
الحجَّ، فسمَّاه اللَّهُ يوم الحجِّ الأكبر.
ثم حجَّ النبيُّ نَّهِ فِي العامِ الْمُقْبلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقال رسولُ اللَّه
وَلَّه : ((إنَّ الزمانَ قد اسْتدار كهيئته يومَ خلقَ اللَّه السماوات والأرضَ)) وقيل: بل
اسْتدارَةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ من عام الفتحِ.
وخرَّج البزارُ في ((مسنده))(٢) من حديثَ سُمرةَ بن جُنْدَبِ أنَّ رسولَ الله
(١) (٢٩٠٩).
(٢) عزاه الهيثمي في ((المجمع)) (١٧/٦) للبزار.